광고환영

광고문의환영

حين تستدعي سيول ذاكرة الكمامات و"اليوريا": لماذا تحذّر الحكومة الكورية من أزمة معيشية قد تبدأ من رف متجر وتنتهي عند ثقة

حين تستدعي سيول ذاكرة الكمامات و

إنذار اقتصادي بلغة الحياة اليومية

في الأخبار الاقتصادية الكبرى، اعتاد القارئ العربي أن يطالع عناوين عن أسعار الفائدة، وتقلبات العملات، وتباطؤ النمو، ومؤشرات البورصة. لكن هناك نوعًا آخر من الأخبار يكون أكثر اقترابًا من المطبخ والشارع والسوق الأسبوعي، بل ومن المزاج العام للأسر: أخبار توافر السلع الأساسية. من هنا يمكن فهم مغزى الرسالة التي صدرت في سيول، حين شدّد رئيس الوزراء الكوري الجنوبي على ضرورة الاستجابة الاستباقية لأي اضطراب محتمل في إمدادات السلع المعيشية، مستحضرًا بوضوح تجربتين ما زالتا عالقتين في الذاكرة العامة هناك: أزمة الكمامات في بدايات جائحة كورونا، وأزمة "محلول اليوريا" التي هزّت قطاع النقل واللوجستيات في عام 2021.

قد يبدو التصريح للوهلة الأولى إداريًا أو روتينيًا، كأي حديث حكومي عن مراقبة الأسواق. لكن التدقيق في توقيته ومضمونه يكشف أنه يحمل دلالات أعمق بكثير على مسار الاقتصاد الكوري في عام 2026. فالحكومة هنا لا تتحدث فقط عن تهدئة الأسعار، بل عن منع اختناقات الإمداد قبل أن تتحول إلى ذعر استهلاكي، أو إلى تعطّل في سلاسل التوزيع، أو إلى أزمة ثقة بين الدولة والسوق والمواطن. وهذه نقطة تستحق الانتباه بالنسبة إلى القراء العرب أيضًا، لأن كثيرًا من الاقتصادات العربية عرفت بدورها كيف يمكن لسلعة تبدو عادية، مثل الدقيق أو الزيت أو السكر أو الدواء، أن تتحول فجأة إلى عنوان سياسي واجتماعي واسع التأثير.

في الحالة الكورية، تأتي هذه الرسالة في لحظة حساسة: وون كوري يتأثر بتقلبات السوق العالمية، وأسعار المواد الخام ليست مستقرة، واللوجستيات الدولية لا تزال عرضة لمفاجآت جيوسياسية ومناخية، فيما يظل الطلب المحلي أقل حيوية مما تأمله الشركات وصنّاع القرار. لذلك، فإن الحديث عن "استقرار الإمدادات" ليس مجرد تفصيل ثانوي في ملف المعيشة، بل هو اعتراف رسمي بأن الاقتصاد لا يُقاس فقط بما يحدث في البنوك والأسواق المالية، بل أيضًا بما إذا كان المستهلك يجد حاجاته الأساسية متوافرة بسعر معقول وفي الوقت المناسب.

ولعل ما يجعل هذه القضية أكثر أهمية هو أن أثرها النفسي يفوق أحيانًا أثر الأرقام المجردة. فالمواطن قد لا يتابع منحنى العائد على السندات أو تفاصيل السياسة النقدية، لكنه يدرك فورًا إذا اختفت سلعة من الرف، أو إذا ارتفع سعر منتج يشتريه كل أسبوع. هنا تحديدًا يبدأ ما يسميه الاقتصاديون "التضخم المحسوس"، أي ذلك النوع من الضغوط الذي لا يحتاج إلى نشرات إحصائية كي يشعر به الناس. ومن هذا الباب، تبدو الرسالة الكورية أقرب إلى تحذير مبكر من أن أي خلل صغير في الإمداد يمكن أن يتضخم سريعًا إلى قضية تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي معًا.

لماذا تعود سيول إلى ذاكرة الكمامات وأزمة "اليوريا"؟

اختيار الحكومة الكورية لهاتين الحادثتين ليس تفصيلًا عابرًا. ففي الثقافة السياسية والاقتصادية، كثيرًا ما تستدعي الحكومات أمثلة سابقة حين تريد أن تقول للمجتمع والأسواق: تعلمنا الدرس، أو على الأقل نحاول ألّا نكرره. أزمة الكمامات خلال جائحة كورونا كانت بالنسبة إلى الكوريين تجربة يومية قاسية. فبلد يُعرف بكفاءة إدارته وبتقدمه الصناعي وجد نفسه أمام طلب هائل ومفاجئ على منتج بسيط ظاهريًا، ما فتح الباب أمام ارتباك في التوزيع، وتفاوت في الوصول إلى السلعة، وتنامي مخاوف المستهلكين من النفاد، بما يغذي بدوره سلوك الشراء المفرط.

العبرة الأساسية من تلك الأزمة لم تكن فقط أن الإنتاج مهم، بل أن الإنتاج وحده لا يكفي. يمكن للمصانع أن ترفع طاقتها، لكن إذا تعطلت قنوات التوزيع، أو اختلطت المعلومات على المستهلكين، أو دخلت المضاربات على الخط، فإن الإحساس بالنقص يستمر حتى لو كانت الكميات الفعلية تتحسن. وهذا درس مألوف في منطقتنا العربية أيضًا. كم مرة شهدت أسواق عربية توترًا بسبب شائعات عن نفاد سلعة ما، فتسابق الناس إلى الشراء والتخزين، ليتحول الخوف من الأزمة إلى سبب مباشر في تعميقها؟

أما أزمة "محلول اليوريا"، فهي أشد تعقيدًا لمن لا يعرف خصوصيتها في السياق الكوري. وهذا المحلول، المعروف في كوريا باسم "يوسو"، يُستخدم في الشاحنات والمركبات العاملة بوقود الديزل الحديثة لخفض الانبعاثات الملوثة. قد يبدو منتجًا تقنيًا بعيدًا عن حياة المستهلك العادي، لكنه في الحقيقة شريان غير مرئي لحركة النقل. وعندما تعرّضت إمداداته لاضطراب، ظهر بسرعة أن المشكلة لا تخص شاحنات بعينها، بل تمس كامل سلسلة التوريد: من نقل السلع الغذائية إلى حركة المصانع وتكلفة الشحن وأسعار البيع النهائية.

هنا يكمن الفارق المهم بين الأزمتين: الكمامات كانت تمثّل صدمة عند نقطة تماس مباشرة مع المستهلك، أما محلول اليوريا فمثّل صدمة في العمود الفقري اللوجستي للاقتصاد. وعندما تستدعي الحكومة الكورية الحادثتين معًا، فهي ترسم خريطة تحذير مزدوجة: هناك خطر على واجهة السوق التي يراها الناس بأعينهم، وخطر آخر في البنية الخلفية التي لا يلاحظها المستهلك عادة إلا عندما تتعطل. وهذا يشبه في التعبير العربي القديم القول إن "الخلل يبدأ من المستودع قبل أن يظهر على الرف".

لهذا السبب، لا يمكن قراءة الرسالة الحكومية الحالية بوصفها حديثًا عن سلعة بعينها، بل كإشارة إلى أن الدولة تريد إعادة تفعيل عقلية المراقبة المبكرة لسلاسل الإمداد، سواء في السلع الاستهلاكية المباشرة أو في المواد الوسيطة التي يقوم عليها النقل والإنتاج والتوزيع. وهي مقاربة توسّع مفهوم "السلع الأساسية" ليشمل ما هو ضروري للمستهلك مباشرة، وما هو ضروري كي تصل حاجاته إليه أصلًا.

ما المقصود بالسلع الأساسية في الفهم الكوري؟

حين يسمع القارئ العربي تعبير "السلع الأساسية"، فقد يتبادر إلى ذهنه الخبز، والأرز، والزيت، والسكر، والحليب، وربما الأدوية ومنتجات النظافة. وهذا صحيح جزئيًا، لكن في المقاربة الكورية الرسمية يبدو المفهوم أوسع من ذلك. فصانع القرار لا ينظر فقط إلى ما تضعه الأسرة في سلة التسوق، بل أيضًا إلى كل سلعة أو مادة أو مكوّن إذا تعطل تدفقه أصاب حياة الناس بشكل غير مباشر ولكن ملموس. وهذا هو الدرس الذي فرضته أزمة اليوريا: ليست كل السلع الحاسمة مرئية للمستهلك.

في اقتصاد صناعي متقدم ومترابط مثل كوريا الجنوبية، تصبح الحدود بين ما هو استهلاكي وما هو صناعي أقل وضوحًا. فقد يكون المنتج في الظاهر مجرد مادة مساعدة أو مدخل تقني، لكنه إذا ارتبط بحركة الشاحنات أو بمخازن التبريد أو بتغليف الأغذية أو بعمليات التصنيع النهائية، فإن نقصه يطلق سلسلة من التأثيرات تصل في النهاية إلى الأسرة. وبعبارة أخرى، ما يُعد في المصطلحات الاقتصادية "سلعة وسيطة" يمكن أن يتحول اجتماعيًا إلى سلعة معيشية بامتياز إذا أدى غيابه إلى رفع أسعار الغذاء أو تأخير التوريد أو إفراغ بعض الأرفف.

هذا الفهم مهم جدًا للقراء العرب لأن النقاش العام في منطقتنا غالبًا ما يركّز على السعر النهائي فقط. لكن التجربة الكورية تذكّر بأن السؤال الأهم أحيانًا لا يكون: لماذا ارتفع السعر؟ بل: ماذا حدث قبل ذلك في الطريق الطويل من الميناء إلى المستودع إلى المتجر؟ هل ارتفعت كلفة الشحن؟ هل تعطلت الواردات؟ هل تراجعت المخزونات؟ هل حدث تركّز مفرط في بلد واحد كمصدر؟ هل هناك شائعات تدفع إلى التخزين؟

من هذا المنظور، تصبح إدارة الإمدادات جزءًا من الأمن الاقتصادي، لا مجرد بند في سياسات التجارة أو حماية المستهلك. وكوريا الجنوبية، بحكم اعتمادها الكبير على التجارة الخارجية والمواد الخام المستوردة، تدرك جيدًا أن أي صدمة خارجية يمكن أن تنتقل بسرعة إلى الداخل. لذلك، فإن توسيع تعريف السلع الأساسية ليشمل المواد الواقعة على الحدود بين الصناعة والحياة اليومية ليس ترفًا بيروقراطيًا، بل ضرورة فرضتها الأزمات السابقة.

وهنا أيضًا يظهر الفرق بين الحكومات التي تتعامل مع السوق بعد وقوع الخلل، وتلك التي تحاول قراءة إشاراته الأولى. فالخلل في السلع الأساسية ليس حادثًا منفصلًا، بل غالبًا نتيجة تراكمات: تقلبات صرف، واعتماد مفرط على مصدر واحد، وتكاليف طاقة مرتفعة، وإرباك لوجستي، ومعلومات ناقصة أو متضاربة. وحين تلتقط الحكومة هذه السلسلة مبكرًا، فإنها تزيد فرص احتواء المشكلة قبل أن تتحول إلى موجة تضخم محسوس أو هلع شرائي.

بين التضخم الرسمي و"غلاء السلة": كيف يشعر المواطن بالأزمة؟

من أكثر النقاط التي تستحق التوقف في الرسالة الكورية أن الحكومة تبدو واعية للفارق بين التضخم كما تقيسه المؤشرات الإحصائية، والتضخم كما يشعر به الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. فحتى لو أظهرت الأرقام الرسمية استقرارًا نسبيًا في المؤشر العام للأسعار، فإن أي اضطراب في السلع التي تُشترى بصورة أسبوعية أو شبه يومية يترك أثرًا نفسيًا أكبر بكثير من وزنه النظري في الجداول. وهذه ظاهرة يعرفها المواطن العربي جيدًا: قد لا يتفاعل الشارع مع تراجع طفيف في معدل التضخم السنوي، لكنه يتفاعل بقوة مع زيادة سعر الخبز أو البيض أو المنظفات أو الدواء.

في كوريا الجنوبية، كما في كثير من البلدان، ترتبط ثقة المستهلك إلى حد كبير بما يحدث في "سلة المعيشة". فإذا شاع الشعور بأن بعض السلع قد تختفي أو ترتفع أسعارها سريعًا، يتبدل السلوك الاستهلاكي مباشرة. تميل الأسر إلى التخزين، وتؤجل إنفاقًا آخر غير ضروري، وتصبح أكثر حذرًا في قراراتها المالية. وهذا بحد ذاته يفاقم تباطؤ الاستهلاك، وهو ما لا تريده حكومة تسعى إلى دعم الاقتصاد في مرحلة تحيط بها حالة من عدم اليقين.

اللافت هنا أن صدمة الإمداد لا تعمل فقط عبر السعر، بل أيضًا عبر الإحساس بالتوفر. أحيانًا يكون غياب السلعة عن المتجر، أو ظهور عبارة "نفد المخزون" في المتاجر الإلكترونية، أكثر إثارة للقلق من ارتفاع سعرها بنسبة محدودة. فالمستهلك يقرأ هذه الإشارات على أنها علامة على ضعف السيطرة أو على احتمال توسع الأزمة. وفي عصر المنصات الرقمية، تنتشر هذه الإشارات بسرعة خاطفة عبر التطبيقات والمجتمعات الإلكترونية، فتتحول من حادثة محلية إلى مزاج عام خلال ساعات.

ولذلك، فإن الحديث الحكومي عن الاستجابة المبكرة لا يستهدف فقط حماية السعر، بل حماية الثقة أيضًا. والثقة هنا ليست كلمة معنوية فضفاضة، بل عنصر اقتصادي بالغ الأهمية. عندما يثق المستهلك بأن الحكومة تراقب المخزون والتوزيع والاستيراد، وأنها قادرة على التدخل عند الحاجة، تقل احتمالات الاندفاع إلى الشراء المبالغ فيه، ويصبح السوق أقل عرضة لدوامات الذعر. وهذه نقطة مركزية في إدارة الأزمات المعاصرة: أحيانًا لا تكون المشكلة في النقص الفعلي، بل في التوقع الجماعي بحدوثه.

في السياق العربي، يمكن تشبيه ذلك بما يحدث حين تنتشر شائعة عن نقص سلعة معينة، فتزدحم المتاجر قبل أن تتحول الشائعة نفسها إلى مشكلة ملموسة. الفرق أن سيول تبدو اليوم وكأنها تقول صراحة إنها تريد إدارة "التوقعات" قبل إدارة "الندرة". وهذه مقاربة أكثر تطورًا من الاكتفاء بمطاردة الأسعار بعد انفلاتها.

ماذا يقلق الشركات وتجار التجزئة وسلاسل التوزيع؟

إذا كانت الأسر تخشى ارتفاع كلفة المعيشة أو اختفاء بعض السلع، فإن الشركات في المقابل تنظر إلى المسألة من زاوية أكثر تركيبًا. فالخلل في الإمدادات لا يعني فقط منتجًا غير متوافر، بل يعني أيضًا كلفة إضافية في كل حلقة من حلقات التشغيل: شراء المواد الخام، وتكاليف التغليف، وأجور النقل، وإدارة المخزون، وتعديل الجداول اللوجستية، وربما تحمل خسائر ناتجة عن التأخير أو عن استبدال الموردين في اللحظة الأخيرة.

بالنسبة إلى شركات التجزئة، سواء الكبرى منها أو المتوسطة، تصبح المسألة تحديًا مزدوجًا: كيف تحافظ على وجود المنتج في الرف أو على المنصة الرقمية، وكيف تفعل ذلك من دون إشعال ذعر أكبر؟ فالإعلان عن نفاد سلعة قد يرفع الطلب على بدائلها بصورة مفاجئة، وتقييد الكميات المسموح بشرائها قد يُفهم على أنه تأكيد لوجود أزمة. لهذا، باتت إدارة المعلومات نفسها جزءًا من إدارة المخزون. ليس المهم فقط ما يوجد في المستودعات، بل كيف يُعرض ذلك للمستهلك، وكيف يُشرح له، وما البدائل المقترحة إن ظهرت اختناقات مؤقتة.

أما الشركات الصناعية، فالتحدي يبدأ قبل المتجر بوقت طويل. أي شركة تعتمد على واردات مركزة من بلد واحد، أو على شحن بحري حساس للظروف الدولية، أو على مواد تدخل في الإنتاج اليومي من دون مخزون أمان كافٍ، تجد نفسها تحت ضغط مضاعف. ولهذا يمكن توقع أن الرسالة الحكومية الحالية ستدفع كثيرًا من الشركات الكورية إلى إعادة النظر في تنويع الموردين، ورفع مستويات المخزون الاحتياطي في بعض البنود، والبحث عن بدائل محلية أو إقليمية حيثما أمكن.

التحدي الأكبر يبقى عند الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي الفئة التي عادة ما تكون أقل قدرة على امتصاص الصدمات. فهذه الشركات لا تملك دائمًا قوة تفاوضية كبيرة مع الموردين، ولا شبكة لوجستية واسعة، ولا سيولة تسمح ببناء مخزونات وقائية كبيرة. وفي حال ارتفاع التكلفة فجأة، تواجه معضلة صعبة: إن رفعت السعر فقد تخسر الزبائن، وإن لم ترفعه تقلص هامش الربح إلى حد يهدد الاستمرار. وهذه معضلة لا تخص كوريا وحدها، بل تكاد تكون قاعدة عامة في اقتصادات العالم.

لذلك، فإن أي سياسة فعالة لاستقرار الإمدادات ينبغي ألا تقتصر على التنسيق مع كبار المصنعين وسلاسل المتاجر الكبرى، بل يجب أن تمتد أيضًا إلى شبكات التوزيع المحلية، والأسواق الإقليمية، والموردين الصغار، والنقل البري، وحتى أنظمة البيانات التي ترصد الخلل قبل ظهوره للعلن. فالاقتصاد الحديث لا ينهار عادة بانقطاع تام، بل يبدأ بالارتباك على الأطراف قبل أن يزحف إلى المركز.

ما الذي تقوله هذه الرسالة عن اقتصاد كوريا في 2026؟

الأهمية الحقيقية لهذا التطور تكمن في أنه يعكس نظرة أكثر حذرًا إلى البيئة الاقتصادية في كوريا الجنوبية خلال 2026. فعندما تركز الحكومة على تأمين السلع الأساسية، فهذا يعني ضمنًا أنها ترى تراكبًا بين عدة مصادر للمخاطر: سعر صرف ضاغط على الواردات، تقلبات في الأسواق العالمية للمواد الخام، احتمال حدوث اختناقات في الشحن أو الجمارك أو التوريد، وضعف نسبي في شهية الاستهلاك المحلي. وهذه التركيبة تجعل أي صدمة صغيرة قابلة للتحول إلى ضغط واسع على الأسعار والثقة.

وفي بلد يعتمد على التجارة الخارجية والاندماج العميق في سلاسل القيمة العالمية مثل كوريا الجنوبية، لا يمكن فصل السياسة الاجتماعية عن السياسة الصناعية. فإذا تعطلت اللوجستيات أو ارتفعت كلفة المدخلات الوسيطة، فلن يكون الأثر محصورًا في الميزان التجاري أو أرباح الشركات، بل سينعكس مباشرة على حياة الناس. ولهذا، تبدو الرسالة الحكومية كأنها إعلان غير مباشر عن انتقال مركز الثقل من مجرد إدارة المؤشرات الكلية إلى إدارة التفاصيل التي تلامس المعيشة.

ويمكن القول إن سيول تدرك أيضًا أن فاعلية السياسة النقدية وحدها محدودة في مثل هذه الحالات. فرفع الفائدة أو خفضها لا يحل مشكلة سفينة متأخرة، أو اعتماد زائد على مورد وحيد، أو موجة شراء مذعور، أو اختناق في مادة مساعدة كاليوريا. لذلك، تتجه الأنظار أكثر إلى ما يسمى "سياسات جانب العرض": تنويع سلاسل التوريد، وإدارة المخزونات، وإطلاق كميات احتياطية عند الضرورة، وتحسين الشفافية في المعلومات، ومنع التشوهات في التوزيع.

هذا التحول مهم لأن الاقتصادات المعاصرة باتت أكثر تعرضًا لصدمات غير تقليدية، من الأوبئة إلى التوترات الجيوسياسية إلى اضطرابات الممرات البحرية إلى الكوارث المناخية. وفي هذا العالم، لا يكفي أن تكون الدولة قوية في إدارة المال العام أو السياسة النقدية؛ بل يجب أن تكون قادرة أيضًا على قراءة الخرائط المعقدة للتوريد والنقل والتخزين والاستهلاك.

من هنا، فإن تصريح رئيس الوزراء ليس مجرد تذكير بأزمتين سابقتين، بل هو اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الكوري، رغم تقدمه التقني ومتانة مؤسساته، لا يزال هشًا أمام بعض حلقات الاعتماد الخارجي، وأن استقرار حياة الناس اليومية صار معيارًا أساسيًا لقياس نجاح السياسة الاقتصادية. وهذا بحد ذاته تطور لافت في لغة الحكم الاقتصادي.

الدروس التي يمكن أن يقرأها العالم العربي في التجربة الكورية

قد يسأل القارئ العربي: وما الذي يهمنا في تحذير كوري بشأن السلع الأساسية؟ الجواب أن التجربة تحمل دروسًا تتجاوز حدود شبه الجزيرة الكورية. أول هذه الدروس أن الأمن الاقتصادي لم يعد يعني فقط امتلاك الاحتياطيات النقدية أو ضبط عجز الموازنة، بل يشمل أيضًا القدرة على ضمان تدفق السلع الحيوية من الميناء إلى المتجر ومن المصنع إلى المستهلك. وهذه مسألة تزداد أهمية في بلدان عربية كثيرة تعتمد على الاستيراد في الغذاء أو الدواء أو المواد الخام أو مستلزمات الصناعة.

الدرس الثاني هو أن إدارة السوق لا تبدأ عند اندلاع الأزمة، بل قبلها بكثير. فالتدخل المتأخر غالبًا ما يكون مكلفًا ماليًا وسياسيًا، بينما يتيح الرصد المبكر وإدارة التوقعات منع انتقال القلق إلى ذعر. وفي العالم العربي، حيث يمكن أن تلعب الشائعة دورًا كبيرًا في سلوك المستهلك، يصبح الاتصال الحكومي الواضح والدقيق جزءًا لا يتجزأ من إدارة الإمداد.

الدرس الثالث أن مفهوم السلع الأساسية ينبغي أن يُراجع باستمرار. فما يبدو سلعة فنية أو صناعية ثانوية قد يكون في الواقع حلقة لا يمكن الاستغناء عنها في نقل الغذاء أو تشغيل المصانع أو حفظ الأدوية أو تعبئة المنتجات. ومن ثم فإن بناء سياسات فعالة يتطلب خرائط أكثر عمقًا لسلاسل القيمة، لا الاقتصار على لائحة تقليدية من السلع الاستهلاكية.

أما الدرس الرابع، فهو أن حماية المستهلك لا تعني فقط كبح الأسعار بعد ارتفاعها، بل منع ظروف الندرة والتشوّه في التوزيع من الأصل. فحين يستقر الإمداد، تستقر الأسعار بصورة أكثر استدامة، وتخف الحاجة إلى تدخلات طارئة قد تعالج الأعراض لا الأسباب. وهذا ما تبدو سيول حريصة على إبرازه اليوم: الحل ليس فقط في مراقبة البطاقات السعرية، بل في تأمين انسياب السلع والمعلومات والثقة.

في النهاية، ما تقوله كوريا الجنوبية للعالم، وربما لنفسها قبل أي أحد، هو أن الاقتصاد يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية. قد تنطلق القصة من تصريح قصير عن الكمامات ومحلول اليوريا، لكنها في حقيقتها قصة عن دولة تحاول أن تتعلم من صدماتها السابقة، وأن تمنع تكرارها عبر يقظة مبكرة لإشارات السوق. وفي زمن عالمي تسوده المفاجآت، قد يكون هذا النوع من اليقظة هو الفارق بين أزمة تُحتوى في بدايتها، وأخرى تتسع حتى تمس كل بيت.

ولعل هذه هي الخلاصة الأهم: حين تتحدث الحكومة عن السلع الأساسية، فهي لا تتحدث فقط عن منتجات على رفوف المتاجر، بل عن العقد غير المكتوب بين الدولة والمواطن والسوق. ذلك العقد الذي يقول إن الحياة اليومية يجب ألا تبقى رهينة الاضطراب العالمي، وإن الاستقرار الحقيقي يُقاس أحيانًا بمدى قدرة الأسرة على شراء حاجاتها بلا خوف، لا بعدد المؤشرات التي تبدو مطمئنة على الورق.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات