لماذا تبقى غزة في قلب الأخبار العالمية؟
من يتابع نشرات الأخبار في العواصم العربية يدرك أن الحرب في غزة لم تعد مجرد ملف إقليمي عابر، بل تحولت إلى عنوان ثابت يعيد ترتيب أولويات السياسة والاقتصاد والأمن على مستوى العالم. وما يبدو لنا في المنطقة جزءاً من يوميات ثقيلة ومؤلمة، يظهر في شرق آسيا، وخصوصاً في كوريا الجنوبية، باعتباره واحداً من أكثر المتغيرات الدولية قدرة على التأثير في الأسواق وسلاسل الإمداد والقرار السياسي. لهذا السبب تتعامل الصحافة الكورية ومراكز الأبحاث في سيول مع تطورات غزة، واحتمالات اتساع المواجهة بين إسرائيل وإيران، وأزمة البحر الأحمر، بوصفها قضايا تمس الداخل الكوري مباشرة، لا مجرد شأن بعيد جغرافياً.
منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من حرب إسرائيلية واسعة على قطاع غزة، لم يعد النقاش الدولي محصوراً في توصيف مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحركة حماس. بمرور الوقت، تمددت القضية لتشمل حجم الكارثة الإنسانية، مصير الرهائن، فرص وقف إطلاق النار، الجدل القانوني حول قواعد الحرب، ومسألة ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى مواجهة أشمل تشمل أطرافاً عدة. وهذا الاتساع في زوايا النظر هو ما جعل الحرب في غزة، في نظر كثير من المتابعين، مرآة كاشفة لاختلالات النظام الدولي نفسه: عجز في المؤسسات الأممية، انقسام في المواقف الغربية، صعود لدور الفاعلين غير الدولتيين، وتنامي أثر الجغرافيا السياسية على معيشة الناس اليومية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو طبيعياً أن تحتل غزة هذه المكانة المركزية في التغطية، لأسباب تاريخية وسياسية ووجدانية. لكن اللافت أن هذا الثقل نفسه بات واضحاً أيضاً في بلدان بعيدة مثل كوريا الجنوبية، حيث ترتبط قراءة الحرب هناك بأسئلة عملية جداً: ماذا يحدث لأسعار النفط؟ هل سترتفع كلفة الشحن؟ ماذا عن سعر صرف الوون الكوري أمام الدولار؟ وكيف سينعكس ذلك على صادرات كوريا وصناعاتها وقدرة الأسر على تحمل التضخم؟ هنا يتحول الخبر القادم من غزة أو البحر الأحمر إلى مؤشر اقتصادي يراقبه المصنع والمستورد والمستهلك معاً.
وهذه واحدة من الحقائق الأساسية في عالم اليوم: لم يعد ممكناً الفصل بين السياسة الدولية والاقتصاد المحلي. فكما يشعر المواطن العربي بأثر أي اضطراب في أسعار الغذاء والطاقة والنقل، تتابع الأسر الكورية بدورها ما إذا كانت الأزمة في الشرق الأوسط ستترجم إلى بنزين أغلى، أو فواتير استيراد أعلى، أو تباطؤ في التجارة. ولذلك فإن فهم الحرب في غزة من المنظور الكوري لا يعني تجاهل جوهرها الإنساني والسياسي، بل يكشف كيف أصبحت المنطقة، مرة أخرى، محوراً يدور حوله جزء مهم من الاستقرار العالمي.
من هجوم 7 أكتوبر إلى حرب طويلة: ما الذي تغيّر؟
الشرارة المباشرة للحرب الحالية كانت الهجوم الواسع الذي شنته حماس في السابع من أكتوبر 2023، وأسفر عن سقوط قتلى وأسر عدد من الإسرائيليين ونقل رهائن إلى داخل قطاع غزة. إسرائيل اعتبرت الهجوم تحولاً أمنياً بالغ الخطورة، وردت بحملة عسكرية واسعة النطاق شملت غارات مكثفة وعمليات برية متواصلة. غير أن ما بدا في البداية رداً عسكرياً على هجوم صادم، تحول سريعاً إلى حرب طويلة الأمد ذات تداعيات إنسانية وسياسية تتجاوز حدود القطاع بكثير.
لكن أي قراءة جادة للمشهد لا يمكن أن تبدأ من ذلك اليوم وحده. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي أقدم وأعمق من أن يختزل في حدث مفرد، مهما كانت ضخامته. هناك تاريخ طويل من الاحتلال والنزاع على الأرض والحدود والهوية، وقضايا معلقة مثل القدس واللاجئين والاستيطان والاعتراف بالدولة الفلسطينية وترتيبات الأمن والحكم الذاتي. أما قطاع غزة نفسه، فهو يعيش منذ سنوات طويلة تحت ظروف حصار خانقة، مع دورات متكررة من التصعيد والتهدئة والانفجار. ومن يعرف المنطقة يدرك أن تراكم الإخفاقات السياسية وغياب أفق التسوية وصعود الخطابات المتشددة كلها عوامل صنعت البيئة التي انفجرت فيها الحرب الحالية.
في التقدير الكوري، كما في تقديرات مراكز دولية أخرى، هناك ثلاثة عناصر جعلت هذه الحرب مختلفة عن جولات سابقة. أولها أن ملف الرهائن ارتبط منذ البداية بالعمليات العسكرية، ما جعل أي حديث عن الحسم العسكري يصطدم بسؤال حياة الأسرى ومصيرهم. وثانيها أن عدد الضحايا المدنيين وحجم الدمار والضغط على المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء دفع الحرب إلى مساحة قانونية وأخلاقية شديدة الحساسية. أما ثالثها فهو أن النزاع لم يبق محصوراً داخل غزة، بل أصبح مرتبطاً بسلسلة جبهات وضغوط متداخلة من لبنان إلى البحر الأحمر، ومن سوريا والعراق إلى التوتر المباشر بين إسرائيل وإيران.
هنا بالضبط يكمن الفرق بين حرب قابلة للاحتواء وأزمة مفتوحة على احتمالات إقليمية. فالحرب الطويلة تستنزف الجميع، وتفتح الباب أمام أخطاء في الحسابات قد تقود إلى تصعيد لا يريده أحد علناً، لكنه يظل ممكناً بفعل الردع المتبادل والرغبة في حفظ الهيبة والرد على الضربات. وهذه الديناميكية مألوفة في تاريخ الشرق الأوسط؛ تبدأ المواجهات محدودة ثم تتمدد بفعل التراكم والانتقام والرسائل السياسية المتبادلة. لذلك لم يعد السؤال فقط: متى تنتهي المعارك في غزة؟ بل أيضاً: هل يمكن منعها من التحول إلى حرب أوسع؟
هدنة بعيدة ورهائن في قلب المعادلة
في كل مرة يلوح فيها أمل بوقف إطلاق النار، يعود ملف الرهائن والمحتجزين والأسرى ليتصدر المشهد. وقد لعبت كل من قطر ومصر والولايات المتحدة أدواراً أساسية في محاولات الوساطة، سواء عبر صيغ تتعلق بتبادل المحتجزين، أو بوقف مؤقت للقتال، أو بإدخال المساعدات الإنسانية على نحو أوسع. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تنجح حتى الآن في إنتاج اتفاق شامل ومستدام يطوي صفحة الحرب أو يفتح بوضوح مرحلة ما بعدها.
العقدة الرئيسية تكمن في أن كل طرف يتعامل مع التفاوض من زاويتين متداخلتين: عسكرية وسياسية. إسرائيل تقول إن هدفها يتمثل في تفكيك القدرات العسكرية لحماس وضمان ألا يتكرر هجوم مشابه، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغطاً داخلياً قوياً من عائلات الرهائن ومن قطاعات واسعة تطالب بإعادتهم أحياء. وفي المقابل، تنظر حماس إلى ملف الرهائن بوصفه ورقة مركزية في أي تفاوض يتعلق بوقف دائم للنار، وانسحاب القوات الإسرائيلية، والإفراج عن أسرى فلسطينيين. ووسط هذه الحسابات، تتحرك الدول الوسيطة بين ضرورات إنقاذ المدنيين وحسابات التوازن السياسي لكل طرف.
النتيجة أن المفاوضات تبدو، في كثير من الأحيان، كأنها تسير خطوة إلى الأمام ثم تعود خطوتين إلى الخلف. فكل تقدم محدود يصطدم سريعاً بسقف المطالب الكبرى: هل المطلوب هدنة إنسانية قصيرة أم وقف دائم؟ من يضمن التنفيذ؟ من يسيطر على غزة بعد الحرب؟ وكيف يمكن الجمع بين متطلبات الأمن الإسرائيلي والحقوق الفلسطينية الأساسية؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بإجراءات فنية فقط، بل تمس جوهر الصراع وشكل النظام السياسي والأمني الذي يمكن أن ينشأ بعد توقف القتال.
ويزداد الأمر تعقيداً كلما تفاقمت الكارثة الإنسانية داخل القطاع. فحين تصبح قضايا الغذاء والدواء والإيواء والقدرة العلاجية على حافة الانهيار، لم تعد المساعدات بنداً ملحقاً في التفاوض، بل باتت في صلبه. ومن هنا نفهم لماذا تتسع الضغوط الدولية مع كل تقرير عن مجاعة محتملة أو عن تضرر منشآت مدنية أو عن نزوح جماعي. فالمجتمع الدولي، حتى عندما يعجز عن فرض حل سياسي، يجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع آثار الحرب الإنسانية، لأن صور الضحايا والدمار تعيد تشكيل الرأي العام في كل مكان، من الجامعات الأميركية إلى شوارع العواصم الأوروبية، وصولاً إلى الإعلام الآسيوي نفسه.
وفي البيئة العربية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فالناس هنا لا يرون في الهدنة مجرد إجراء تقني لإسكات المدافع، بل ينظرون إليها باعتبارها اختباراً لمكانة القانون الدولي ولقيمة حياة المدنيين في نظام عالمي يبدو انتقائياً في كثير من مواقفه. ولعل هذا ما يفسر لماذا لا تُقاس أي مبادرة فقط بمدى نجاحها في وقف النار ساعات أو أياماً، بل بقدرتها على فتح مسار سياسي حقيقي يحول دون العودة إلى الدمار نفسه بعد أشهر قليلة.
من غزة إلى البحر الأحمر: كيف صار النزاع إقليمياً؟
إذا كان قطاع غزة هو مركز العاصفة، فإن محيطه الإقليمي هو ما جعل العالم يتحدث بجدية عن خطر حرب أوسع في الشرق الأوسط. خلال عام 2024 تصاعد التوتر المباشر بين إسرائيل وإيران على نحو غير مسبوق، خصوصاً بعد استهداف منشأة ذات صلة بالقنصلية الإيرانية في دمشق، ثم رد طهران بإطلاق موجة من الطائرات المسيّرة والصواريخ نحو إسرائيل. صحيح أن المواجهة لم تتحول في تلك اللحظة إلى حرب شاملة، لكن الرسالة كانت واضحة: قواعد الاشتباك القديمة لم تعد ثابتة كما كانت، وأي خطأ في التقدير قد يشعل المنطقة.
إلى جانب ذلك، برز البحر الأحمر بوصفه مسرحاً آخر للأزمة. فقد صعّد الحوثيون في اليمن هجماتهم وتهديداتهم للسفن المارة في البحر الأحمر وخليج عدن، معتبرين ذلك جزءاً من الضغط المرتبط بالحرب في غزة. وبالنسبة إلى العالم، ولا سيما الاقتصادات المعتمدة على التجارة البحرية، كان لهذا التطور معنى شديد الخطورة. فالممرات البحرية ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل شرايين رئيسية تنقل البضائع والطاقة والمواد الخام بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. وعندما تتعرض هذه الخطوط للتهديد، ترتفع كلفة التأمين والشحن، وتطول أزمنة النقل، وتتعقد حسابات الشركات.
هذا ما يهم كوريا الجنوبية على نحو خاص. فاقتصادها قائم بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية والاستيراد الصناعي والتصدير الكثيف، وهي من الدول التي تتابع بدقة أمن الممرات البحرية، سواء عبر قناة السويس أو مضيق باب المندب أو غيرهما. وعندما تضطر شركات الشحن إلى تجنب البحر الأحمر واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا، فإن الكلفة لا تقتصر على الوقود والوقت، بل تمتد إلى سلاسل الإنتاج نفسها. المصانع التي تعتمد على وصول مكونات في مواعيد دقيقة قد تواجه اضطرابات، والمصدرون قد يخسرون جزءاً من تنافسيتهم، والمستهلك النهائي قد يدفع السعر في صورة تضخم أعلى.
في العالم العربي، نحن نعرف جيداً أن أزمات الملاحة في البحر الأحمر ليست شأناً بعيداً عن حياة الناس. فهذه المنطقة تمثل صلة الوصل بين المشرق والمغرب، وبين آسيا وأوروبا، وبين الأسواق ومصادر الطاقة. لكن الجديد هو أن تأثيرها صار محسوساً بنفس القوة تقريباً في شرق آسيا. وهذا ما يدفع خبراء كوريين إلى وصف الشرق الأوسط اليوم بأنه «نظام نزاعات مترابط»؛ أي أن غزة ولبنان وسوريا والعراق والبحر الأحمر والخليج ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة. فإذا اشتعلت حلقة بقوة، ارتفعت حرارة السلسلة كلها.
والخلاصة هنا أن المخاطر لم تعد تقاس فقط بعدد الغارات أو الصواريخ، بل أيضاً بمدى بقاء قنوات الاحتواء مفتوحة. ما يراقبه العالم اليوم ليس ساحة قتال واحدة، بل قدرة الإقليم بأكمله على تفادي الانزلاق من حرب متعددة الجبهات منخفضة الوتيرة إلى مواجهة مفتوحة يصعب كبحها.
أميركا وأوروبا والأمم المتحدة: دبلوماسية مرتبكة وقانون تحت الاختبار
الولايات المتحدة تبدو، في هذه الحرب، كأنها تمسك بخيطين متعاكسين في الوقت نفسه. فمن جهة، تكرر دعمها لأمن إسرائيل وتؤكد التزامها تجاه حليف استراتيجي قديم. ومن جهة أخرى، تضغط من أجل تقليل الخسائر المدنية، وتوسيع إدخال المساعدات، والدفع نحو وقف إطلاق نار أو فترات تهدئة ممتدة، خشية أن يؤدي استمرار الحرب إلى تفجير المنطقة وتقويض المصالح الأميركية الأوسع. هذا التوازن الصعب لا يعكس فقط تعقيد السياسة الخارجية الأميركية، بل أيضاً ضغوط الداخل الأميركي، حيث ينقسم الرأي العام وتختلف الحسابات الانتخابية والمؤسسية.
أما أوروبا، فليست على قلب واحد. بعض الحكومات الأوروبية يركز أكثر على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فيما يضع آخرون الكارثة الإنسانية في غزة في مقدمة الاعتبارات، ويدفعون باتجاه وقف فوري لإطلاق النار أو على الأقل نحو قيود أكثر صرامة على العمليات العسكرية. وبين هذه وتلك، تظهر الفجوة التقليدية بين الخطاب القيمي الأوروبي والقدرة الفعلية على التأثير الحاسم في مجريات الصراع. والواقع أن أوروبا، القريبة جغرافياً من الشرق الأوسط والمتأثرة مباشرة بتداعياته الأمنية والإنسانية والهجرية والاقتصادية، تجد نفسها من جديد أمام اختبار صعب لوحدة موقفها الخارجي.
في الأمم المتحدة، لا تبدو الصورة أفضل كثيراً. فمجلس الأمن ظل لفترات طويلة أسير الانقسامات بين القوى الكبرى، الأمر الذي جعل مواقفه متأخرة أو منقوصة أو غير قادرة على إنتاج آلية فعالة لوقف الحرب. وهذا العجز ليس جديداً على ملفات الشرق الأوسط، لكنه بدا في هذه الأزمة أكثر فجاجة، لأن حجم المأساة الإنسانية كان يتزايد فيما كانت المؤسسات الدولية تتحرك ببطء أو تصطدم بحسابات الفيتو والتوازنات السياسية.
وفي موازاة ذلك، برز مسار آخر لا يقل أهمية، هو مسار القانون الدولي. النقاشات المتعلقة بمحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ومسؤولية القيادات السياسية والعسكرية، وقواعد التناسب وحماية المدنيين، كلها نقلت المعركة إلى فضاء قانوني وأخلاقي مفتوح. صحيح أن الأحكام والإجراءات القضائية لا توقف الحرب فوراً، لكنها تؤثر في الشرعية السياسية وفي صورة الأطراف أمام الرأي العام العالمي، كما تحدد إلى حد ما المساحة التي تستطيع الحكومات الغربية والآسيوية التحرك داخلها بلا كلفة سياسية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو الحديث عن القانون الدولي أقرب إلى اختبار للمصداقية منه إلى مسألة إجرائية. فالسؤال المتكرر في الشارع العربي ليس فقط: ماذا يقول القانون؟ بل: هل يُطبق على الجميع بالمعيار ذاته؟ هذه الفجوة بين النص والممارسة هي التي تغذي كثيراً من الغضب، وتفسر لماذا لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت إلى الجامعات ووسائل الإعلام ومنصات التواصل والتظاهرات والانتخابات في أكثر من بلد.
ما الذي تخشاه كوريا الجنوبية اقتصادياً؟
قد يتساءل القارئ العربي: لماذا كل هذا القلق في سيول من حرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات؟ الجواب يبدأ من الطاقة. فكوريا الجنوبية، مثل اليابان إلى حد بعيد، من الاقتصادات الصناعية الكبرى التي تعتمد بصورة واسعة على استيراد النفط والغاز والمواد الخام. وأي توتر كبير في الشرق الأوسط، حتى من دون انقطاع فعلي للإمدادات، يكفي لرفع ما يعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية» في الأسعار. بمعنى آخر، الأسواق لا تنتظر دائماً وقوع الأزمة الكاملة؛ يكفي احتمالها لكي تبدأ في التسعير على أساس الخوف.
وعندما ترتفع أسعار النفط، تتسلسل الآثار سريعاً داخل الاقتصاد الكوري. النقل يصبح أكثر كلفة، وتشغيل المصانع يزداد عبئاً، وأسعار السلع المستوردة ترتفع، ما يضغط على التضخم وعلى إنفاق الأسر. وهذا مهم جداً في بلد يراقب فيه البنك المركزي والحكومة بدقة أي تغير في الأسعار، لأن الاستقرار المعيشي مسألة حساسة سياسياً واقتصادياً. وإذا أضيف إلى ذلك احتمال صعود الدولار في أوقات التوتر العالمية، فإن الوون الكوري قد يتعرض للضغط، ما يجعل الواردات أكثر كلفة ويعقد مهمة الشركات.
الشق الثاني يتعلق بالشحن واللوجستيات. فالصناعة الكورية الحديثة تعتمد على نمط إنتاج شديد الارتباط بالتجارة العالمية: سفن تحمل الطاقة والمواد الأولية إلى الموانئ الكورية، وسفن أخرى تنقل السيارات والرقائق الإلكترونية والآلات والمنتجات الكيماوية إلى الأسواق العالمية. لذلك فإن اضطراب البحر الأحمر أو قناة السويس لا ينعكس فقط في جداول النقل، بل قد يصل إلى قلب النموذج الصناعي الكوري القائم على الكفاءة العالية وسرعة التسليم. وكل يوم تأخير يعني أموالاً إضافية، وربما عقوداً أقل ربحية.
ثم هناك زاوية ثالثة أقل تداولاً في الإعلام العام لكنها بالغة الأهمية: الثقة. في أوقات الأزمات الجيوسياسية، يميل المستثمرون إلى الأصول الآمنة، وتصبح الأسواق الناشئة أو العملات الأقل رسوخاً تحت ضغط نفسي ومالي. ورغم أن كوريا الجنوبية اقتصاد متقدم وتقني، فإنها تظل شديدة الحساسية للمزاج العالمي بحكم انفتاحها التجاري والمالي. ولهذا تتابع الحكومة الكورية يومياً تقريباً مؤشرات النفط والشحن وسعر الصرف، وتضع سيناريوهات للتعامل مع ارتفاع مفاجئ في الأسعار أو اتساع النزاع الإقليمي.
إذا أردنا تبسيط الصورة للقارئ العربي، يمكن القول إن الشرق الأوسط بالنسبة إلى كوريا الجنوبية يشبه إلى حد كبير ما تمثله الممرات البحرية وأسعار الحبوب والطاقة بالنسبة إلى دول عربية مستوردة: ملف خارجي، نعم، لكنه ينتهي سريعاً على موائد الطعام وفي فواتير النقل والطاقة وفي مزاج السوق. وهذه الصلة المباشرة بين الجغرافيا السياسية والمعيشة اليومية هي ما يجعل الحرب في غزة والتوتر الإقليمي مادة اقتصادية بقدر ما هي مادة سياسية وإنسانية.
كيف يقرأ العرب هذه الأزمة، وكيف يقرؤها الكوريون؟
في العالم العربي، تُقرأ حرب غزة أولاً من منظور العدالة والهوية والتاريخ والحقوق الوطنية الفلسطينية. الوجدان الجمعي العربي، مهما اختلفت الحكومات والمصالح، ما زال يرى في فلسطين قضية مركزية تتجاوز حدود السياسة اليومية. وهذا يفسر اتساع التفاعل الشعبي والإعلامي والثقافي مع كل تفصيل يتعلق بالحرب: من صور الدمار إلى أخبار الهدنة والوساطات، ومن المواقف الدولية إلى الاحتجاجات الطلابية في الخارج. أما في كوريا الجنوبية، فإن البعد الإنساني حاضر بالطبع، لكن العدسة اليومية تميل غالباً إلى قياس أثر الحدث على الأمن الاقتصادي والاستقرار العالمي.
هذا الاختلاف لا يعني تعارضاً، بل يكشف تنوع زوايا النظر إلى الحدث نفسه. العرب، بحكم القرب التاريخي والسياسي، يرون مركز العاصفة في غزة والقدس والضفة الغربية والمخيمات والخرائط القديمة والجديدة. والكوريون، بحكم موقعهم في اقتصاد عالمي صناعي معتمد على الواردات والطاقة، يرون مركز الأثر في أسعار الخام، وحركة السفن، وتقلبات العملات، ومزاج الأسواق. وبين الرؤيتين مساحة مشتركة مهمة: إدراك أن الشرق الأوسط ما زال منطقة مفصلية في النظام الدولي، وأن الاستهانة بما يجري فيه ليست خطأ أخلاقياً فقط، بل خطأ استراتيجي أيضاً.
ولعل هذا ما يفرض على الإعلام العربي، حين يخاطب جمهوره بشأن الاهتمام الكوري أو الآسيوي بالحرب، أن يشرح ليس فقط ما يحدث في الميدان، بل أيضاً كيف تتحول معاناة المنطقة إلى عامل مؤثر في قرارات اقتصادية وصناعية بعيدة. فحين تتحدث سيول عن مخاطر الحرب، فهي لا تعني مجرد قلق نظري، بل تعني حسابات يومية تتعلق بأمن الطاقة وكلفة الشحن والتجارة الخارجية. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت أخبار غزة حاضرة في الصفحات الاقتصادية الكورية، لا في الصفحات الدولية فقط.
في المقابل، من المهم أيضاً تذكير القارئ العربي بأن اهتمام كوريا الجنوبية لا ينفصل عن طبيعة الدولة الكورية نفسها. فهي بلد صعد بسرعة مذهلة خلال عقود قليلة من دولة خرجت من الحرب والفقر إلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، وهذا ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في بيئة التجارة الدولية. وإذا كان العرب يعرفون كوريا الجنوبية غالباً عبر الدراما الكورية وفرق الكيبوب والهواتف والسيارات، فإن الوجه الآخر لهذه القوة الناعمة هو اقتصاد يحتاج باستمرار إلى طرق بحرية آمنة وإمدادات طاقة مستقرة وأسواق عالمية مفتوحة.
ما بعد الحرب: أسئلة مفتوحة أمام المنطقة والعالم
حتى لو تحقق وقف إطلاق نار في مرحلة ما، فإن الأسئلة الكبرى ستبقى قائمة: من سيدير غزة بعد الحرب؟ كيف ستتم إعادة الإعمار؟ ما مصير حماس سياسياً وعسكرياً؟ كيف يمكن منع عودة المواجهة بعد أشهر أو سنوات؟ وهل هناك استعداد دولي فعلي للانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذور الصراع؟ هذه الأسئلة ليست تفصيلية، بل تحدد ما إذا كان العالم أمام هدنة مؤقتة أو أمام بداية مسار سياسي مختلف.
بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، كما بالنسبة إلى دول كثيرة، لا يكفي أن تتوقف المعارك كي يزول الخطر الاقتصادي. فالأسواق تنظر أيضاً إلى الاستدامة: هل ستبقى الملاحة آمنة؟ هل ستتراجع احتمالات المواجهة بين إسرائيل وإيران؟ هل سيُعاد ضبط المشهد في البحر الأحمر؟ وهل ستستقر أسعار الطاقة؟ بمعنى آخر، الاقتصاد العالمي يريد ليس فقط نهاية القتال، بل نهاية حالة عدم اليقين. وهذه، كما يعرف أهل المنطقة، مهمة أصعب بكثير.
أما بالنسبة إلى العرب، فإن ما بعد الحرب يجب ألا يُختزل في ملف الإغاثة وإعادة الإعمار، على أهميتهما، بل ينبغي أن يرتبط بسؤال سياسي واضح عن الحقوق والتمثيل والسيادة وإنهاء دوامة الحرب الدائمة. فالعودة إلى ما كان قائماً قبل السابع من أكتوبر لن تكون، في نظر كثيرين، حلاً حقيقياً، لأن جذور الانفجار ستظل موجودة. وهذا ما يجعل أي حديث عن التسوية من دون أفق سياسي جاد أقرب إلى تأجيل الأزمة لا حلها.
في المحصلة، تكشف الحرب في غزة وما ارتبط بها من مخاطر تصعيد إقليمي أن الشرق الأوسط ما زال قلباً نابضاً للنظام الدولي، حتى وإن حاول البعض التعامل معه كأزمة هامشية يمكن إدارتها عن بعد. من شوارع غزة إلى موانئ البحر الأحمر، ومن غرف التفاوض في الدوحة والقاهرة وواشنطن إلى قاعات التداول في سيول وطوكيو ولندن، تتشكل خريطة عالمية جديدة عنوانها أن الأمن والاقتصاد والقانون والرأي العام أصبحت مترابطة على نحو غير مسبوق.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: كلما طال أمد الحرب، ازداد اقتناع العالم بأنها لا تخص الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، لكنها في الوقت نفسه تكشف أيضاً مدى عجز هذا العالم عن فرض نهاية عادلة وسريعة لها. وبين هذين الحدين، يبقى المدنيون يدفعون الثمن الأكبر، وتبقى الأسواق تترجم القلق إلى أرقام، وتبقى العواصم البعيدة، ومنها سيول، تراقب الشرق الأوسط بوصفه مفتاحاً لا غنى عنه لفهم ما ينتظر العالم كله.
0 تعليقات