광고환영

광고문의환영

كوريا الجنوبية تدخل عصر «المجتمع فائق الشيخوخة».. كيف تحوّل فراغ الرعاية إلى أخطر سؤال اجتماعي في ال

من رقم سكاني إلى أزمة تمس الحياة اليومية

لم تعد الشيخوخة في كوريا الجنوبية ملفاً ديموغرافياً يُناقش في تقارير الإحصاء أو في هوامش موازنات التقاعد والضمان الاجتماعي، بل أصبحت عنواناً يومياً يضغط على الاقتصاد والأسر وسوق العمل والخدمات الصحية في آن واحد. ومع تجاوز نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر عتبة 20 في المئة من إجمالي السكان، دخلت البلاد رسمياً مرحلة ما يُعرف بـ«المجتمع فائق الشيخوخة»، وهو وصف تستخدمه الأدبيات السكانية للدلالة على تحوّل عميق في بنية المجتمع، لا على مجرد زيادة عدد كبار السن. في الحالة الكورية، لا يتعلق الأمر بأن الناس يعيشون عمراً أطول فحسب، بل بأن الدولة والمجتمع والأسر لم يلحقوا بعد بالسرعة التي حدث بها هذا التحوّل.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا النقاش قريباً من الأسئلة التي بدأت تفرض نفسها في عدد من البلدان العربية، خصوصاً تلك التي تشهد تحولات في بنية الأسرة، وارتفاعاً في معدلات الأعمار، وانتقالاً تدريجياً من نموذج الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية الأصغر. غير أن ما يجعل التجربة الكورية لافتة هو سرعتها غير المسبوقة. فبينما احتاجت دول أوروبية عقوداً طويلة لتنتقل من مجتمع شاب إلى مجتمع يطغى عليه كبار السن، سلكت كوريا هذا الطريق في زمن أقصر بكثير، حتى بدت وكأنها انتقلت من طموح التصنيع السريع إلى اختبار الرعاية السريعة أيضاً.

هذا التحول غيّر جدول الأعمال العام في سيول والمدن الكبرى والأقاليم البعيدة. لم يعد السؤال الأساسي: كيف نؤمّن معاشات التقاعد؟ بل أصبح: من سيرعى كبار السن؟ وأين؟ وكيف؟ وبأي كلفة؟ ومن يتحمل العبء حين تضعف قدرة العائلة وحدها على القيام بالدور التقليدي الذي كان يُنظر إليه طويلاً بوصفه بديهياً؟ في الثقافة الكورية، كما في كثير من الثقافات الآسيوية والعربية، كانت رعاية الوالدين ترتبط بمعانٍ أخلاقية راسخة تشبه في بعض جوانبها ما يعرفه العرب من قيمة «برّ الوالدين». لكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي الجديد يقول إن القيم وحدها لم تعد كافية حين تصطدم بساعات العمل الطويلة، وارتفاع تكاليف السكن، وتشتت الأبناء بين المدن، وتزايد عدد من يعيشون وحدهم.

من هنا، برز مصطلح «فراغ الرعاية» باعتباره التعبير الأكثر حضوراً في النقاش الكوري المعاصر. والمقصود به ببساطة أن عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة في تفاصيل الحياة اليومية، من العلاج والغذاء والتنقل إلى الدعم النفسي وإدارة الأدوية، ينمو بوتيرة أسرع من قدرة العائلات والمؤسسات والعمالة المتخصصة على توفير هذه الرعاية. هذا الفراغ لا يُقاس فقط بعدد الأسرّة في دور الرعاية أو الممرضين في المستشفيات، بل يُقاس أيضاً بعدد الأبناء الذين يضطرون لتقليص ساعات عملهم، وبعدد المسنين الذين يواجهون الوحدة، وبعدد المناطق التي أصبح الوصول فيها إلى طبيب أو مرفق رعاية تحدياً حقيقياً.

لماذا بات «فراغ الرعاية» جوهر الأزمة الكورية؟

ثمة فارق مهم بين مجتمع يشيخ تدريجياً، وآخر يشيخ بسرعة تفوق قدرة مؤسساته على التكيّف. في كوريا الجنوبية، يزداد عدد كبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية يومية أو دورية، بينما لا تزداد بنفس النسبة أعداد العاملين في مجال الرعاية، ولا تتطور الخدمات المتاحة بالشكل الكافي، ولا تتوسع البنية التحتية الصحية والاجتماعية بالوتيرة المطلوبة. ولذلك لم تعد القضية نظرية. هي تظهر في صعوبة حجز المواعيد الطبية، وفي الضغط المتزايد على المستشفيات، وفي النقص المتكرر في عمال الرعاية المنزلية، وفي فترات الانتظار الطويلة للاستفادة من بعض الخدمات، وفي تخبط الأسر بعد خروج المريض المسن من المستشفى من دون خريطة واضحة لما يجب فعله تالياً.

المشكلة الأعمق أن الرعاية ليست خدمة واحدة منفصلة. فالمسن الذي ينتهي علاجه في المستشفى لا يصبح تلقائياً قادراً على تدبير حياته وحده. قد يحتاج إلى شخص يساعده في تناول الطعام، أو يذكّره بالأدوية، أو يسانده في الحركة، أو يرافقه إلى إعادة التأهيل، أو يراقب حالته الإدراكية إذا كان يعاني بدايات الخرف، أو يقدّم له دعماً نفسياً يمنع انزلاقه إلى العزلة. لكن النظام الكوري، بحسب كثير من الخبراء والباحثين، لا يزال يعمل بمنطق القطاعات المنفصلة: الطب شيء، والرعاية طويلة الأمد شيء آخر، والسكن المهيأ للمسنين شيء ثالث، والخدمات المجتمعية شيء رابع. وبين هذه الجزر المنعزلة، تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى لعب دور المنسق الإداري والطبي والاجتماعي، وهي غالباً غير مؤهلة لذلك.

هذا المشهد يذكّر بما تعرفه أسر عربية كثيرة عندما يتحول مرض أحد الوالدين إلى ملف مفتوح بين المستشفى والصيدلية والأبناء والأقارب والمواعيد المؤجلة، مع فارق أن الحالة الكورية تجري في مجتمع شديد التحضر، مرتفع الكلفة، ويعتمد بدرجة كبيرة على الإيقاع السريع للعمل والمدينة. ولذلك فإن فراغ الرعاية هناك ليس مجرد نقص في الخدمات، بل هو اختلال في التوازن بين الزمن المتاح للعائلة والاحتياجات الفعلية للمسنين.

كما أن سوق العمل نفسه بات جزءاً من الأزمة. ففي العقود الماضية، كان جزء كبير من أعمال الرعاية يُؤدَّى داخل المنزل بوصفه عملاً عائلياً غير مدفوع الأجر، تؤديه غالباً النساء. لكن ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، وتراجع معدلات الزواج، وزيادة عدد الأسر الصغيرة، واتساع ظاهرة السكن الفردي، كلها عوامل جعلت هذا النموذج أقل قابلية للاستمرار. لم يعد ممكناً افتراض أن هناك دائماً ابنة أو زوجة أو زوجة ابن متفرغة في المنزل. ومع طول ساعات العمل والتنقل اليومي في المدن الكبرى، باتت الرعاية المنزلية غير الرسمية عبئاً يفوق قدرة كثير من العائلات.

لذلك، لم يعد الحديث عن الرعاية مسألة أخلاقية أو عائلية فقط، بل صار مسألة توزيع للوقت والدخل والفرص. من يترك عمله أو يقلّصه لرعاية والد مسن لا يخسر راتبه فقط، بل قد يخسر أيضاً مساره المهني وترقياته وأمانه المستقبلي. وهنا يتحول فراغ الرعاية إلى ملف اقتصادي بامتياز، له أثر مباشر في الإنتاجية والنمو والاستقرار الاجتماعي.

عندما تتغير العائلة الكورية: من «برّ الوالدين» إلى حدود الواقع

في الوعي الكوري التقليدي، كما في مجتمعات آسيوية عديدة، كانت الأسرة تمثل خط الدفاع الأول أمام الشيخوخة والمرض والوحدة. هذه الفكرة لها جذور ثقافية عميقة، بعضها متأثر بالقيم الكونفوشية التي تمنح احترام الكبار ومكانة الوالدين أهمية مركزية. ويمكن تقريب الصورة للقارئ العربي بالقول إن هذه المنظومة تشبه، من حيث المعنى الاجتماعي، ما تمنحه الثقافة العربية والإسلامية من مكانة كبيرة لرعاية الوالدين وعدم تركهما في الضعف أو المرض. لكن مثلما تواجه الأسرة العربية الحديثة ضغوط السكن والعمل والهجرة الداخلية والخارجية، تواجه الأسرة الكورية بدورها اختباراً حاداً بين المثال الأخلاقي والقدرة الواقعية.

فكوريا اليوم ليست كوريا الأمس. معدلات الزواج تراجعت، ومتوسط سن الزواج ارتفع، ونسبة الأسر المؤلفة من شخص واحد زادت، وكثير من الأبناء يعيشون بعيداً عن بلدات الأهل بسبب الدراسة أو العمل. ومع اتساع مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية، لم يعد من السهل إعادة إنتاج النموذج القديم الذي يفترض وجود شخص داخل المنزل يتولى الرعاية الدائمة. هذا التحول لا يعني تراجع القيم بالضرورة، بل يعني أن البنية الاجتماعية التي كانت تسمح بتحويل تلك القيم إلى ممارسة يومية تغيّرت جذرياً.

واحدة من أكثر الصور دلالة في المجتمع الكوري المعاصر هي ما يُعرف بظاهرة «رعاية المسن للمسن»، أي أن يكون شخص في السبعينيات من عمره مسؤولاً عن رعاية زوج أو زوجة في الثمانينيات، بينما يعاني هو نفسه أمراضاً مزمنة أو ضعفاً بدنياً. هذه الصورة، التي كانت تبدو استثنائية قبل سنوات، باتت أكثر حضوراً مع ارتفاع متوسط العمر وزيادة عدد الأزواج المسنين الذين يعيشون بمفردهم بعيداً عن الأبناء. هنا لا يعود السؤال: هل تريد الأسرة أن ترعى؟ بل: هل تملك أصلاً القوة الصحية والمالية والنفسية للقيام بذلك؟

ومن جهة أخرى، تبرز مأساة العزلة الاجتماعية لدى المسنين الذين يعيشون وحدهم، وهي مسألة صارت حاضرة بقوة في النقاش العام الكوري. في بعض الحالات، لا يتعلق الأمر فقط بنقص الرعاية، بل بانقطاع الروابط اليومية التي تمنح الإنسان إحساساً بالوجود والانتماء. وقد أثارت حوادث وفاة مسنين بمفردهم من دون أن ينتبه أحد لأيام أو أسابيع صدمة اجتماعية متكررة، لأنها كشفت هشاشة الروابط في مجتمع حضري كثيف لكنه قد يكون بارداً من حيث الشبكات الإنسانية اليومية. بالنسبة إلى المجتمعات العربية، حيث لا تزال روابط الجيرة والعائلة في بعض البيئات تؤدي دوراً مانعاً للعزلة، تبدو هذه الصورة إنذاراً مبكراً لما يمكن أن يحدث حين تضعف الجماعة التقليدية من دون أن تنشأ بدائل مؤسسية قوية.

وهكذا، فإن أزمة كوريا مع الشيخوخة ليست صراعاً بين الأجيال بقدر ما هي أزمة نموذج اجتماعي كامل كان يفترض ضمنياً أن العائلة ستظل قادرة دائماً على امتصاص الصدمة. هذا الافتراض لم يعد صالحاً، لا في سيول ولا في الأقاليم، ولا بين الأغنياء ولا بين الطبقات الوسطى التي تكافح بدورها بين أقساط السكن ومتطلبات الأبناء واحتياجات الآباء.

المدن الكبرى ليست بمنأى.. والأقاليم تدفع الثمن الأثقل

قد يظن البعض أن مشكلة الشيخوخة تتركز في القرى والبلدات الصغيرة فقط، لكن الصورة الكورية أكثر تعقيداً. ففي الأقاليم البعيدة، تبدو الأزمة أكثر حدة لأن هجرة الشباب إلى المدن الكبرى تركت وراءها مجتمعات محلية يشيخ سكانها بسرعة، بينما تتقلص فيها الخدمات الصحية والنقل العام ومؤسسات الرعاية. في بعض هذه المناطق، يصبح الذهاب إلى المستشفى رحلة مرهقة، لا سيما إذا كان المسن لا يقود السيارة أو لا توجد شبكة نقل مريحة. ومع نقص المرافق، تصبح أي وعكة صحية أو حاجة يومية مسألة لوجستية معقدة.

هذه الصورة مألوفة للقارئ العربي الذي يعرف الفجوة بين العاصمة والأطراف، بين المدينة المركزية والمناطق البعيدة التي تشكو من ضعف البنية التحتية ونقص الأطباء والخدمات المتخصصة. غير أن الحالة الكورية تضيف بُعداً آخر، هو أن هذه المناطق لا تعاني فقط من نقص الخدمات، بل من تقلص القاعدة السكانية الشابة القادرة على العمل والرعاية، ما يجعل عملية التعويض أصعب بكثير.

أما في سيول والمناطق الحضرية الكبرى، فالمشكلة تأخذ شكلاً مختلفاً. الخدمات متوافرة نسبياً أكثر، لكن الطلب عليها كبير، والكلفة مرتفعة، وقوائم الانتظار تضغط على الأسر. كما أن نمط السكن نفسه قد يتحول إلى عقبة. فكثير من الشقق السكنية، رغم حداثتها، لا تُصمم دائماً من منظور احتياجات كبار السن ذوي الحركة المحدودة. مسألة وجود مصعد، وانعدام العتبات الخطرة، وتوافر مقابض الأمان في الحمام، واتساع الممرات، ليست تفاصيل هندسية هامشية، بل عناصر تحدد ما إذا كان المسن قادراً على البقاء في منزله بكرامة أم مضطراً إلى الانتقال أو الاعتماد شبه الكامل على الآخرين.

ويُضاف إلى ذلك أن السياسات السكنية في كوريا، كما في دول كثيرة، ركزت لسنوات طويلة على الشباب والأسر الجديدة وأسواق العقار، أكثر من تركيزها على تهيئة بيئة عمرانية صديقة للشيخوخة. والنتيجة أن المجتمع يجد نفسه اليوم أمام جيل متزايد من المسنين في مساكن ومدن لم تُصمَّم أصلاً وفق احتياجاتهم.

الفوارق الطبقية تزيد الصورة قسوة. فالأسر الميسورة تستطيع شراء خدمات رعاية خاصة، أو الاستعانة بمقدمي خدمة إضافيين، أو تعديل المنزل بما يناسب الوضع الصحي للمسن. أما الأسر ذات الدخل المحدود، فغالباً ما تلجأ إلى حلول أكثر إيلاماً: أحد أفراد الأسرة يخفف ساعات عمله، أو ينسحب من وظيفته، أو يتناوب الأقارب بما يستهلك وقتهم ودخلهم وصحتهم النفسية. عند هذه النقطة، لا تعود الشيخوخة اختباراً بيولوجياً فقط، بل تصبح مرآة صارخة لعدم المساواة.

الاقتصاد يدفع الفاتورة أيضاً

حين تُناقش الشيخوخة في الإعلام، تُقدَّم غالباً بوصفها تحدياً إنسانياً أو صحياً، لكن الخبراء في كوريا الجنوبية يلفتون إلى جانب آخر لا يقل خطورة: أثر فراغ الرعاية على سوق العمل والاقتصاد الكلي. فكلما طال بقاء الرعاية عبئاً خاصاً داخل الأسرة، ازداد احتمال خروج أفراد في سن العمل من وظائفهم أو تقليص مساهمتهم المهنية. وهذه الخسارة لا تخص الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المؤسسات التي تفقد خبرات متراكمة، وإلى الدولة التي تخسر جزءاً من عائداتها الضريبية، وإلى المجتمع الذي تتراجع فيه مشاركة النساء على نحو خاص إذا استمر اعتبارهن الخيار الأول للرعاية غير المدفوعة.

في هذه النقطة تحديداً، تبدو التجربة الكورية شديدة الصلة بالنقاشات العربية حول العمل غير المرئي الذي تؤديه النساء داخل المنازل. فالرعاية، مهما غُلّفت بخطاب التضامن العائلي، تبقى جهداً مادياً ونفسياً وزمنياً له ثمن. وإذا لم يُعترف به في السياسات العامة، فإنه يعود على شكل انقطاع مهني، وتدهور دخل الأسرة، وزيادة هشاشة النساء في الشيخوخة، وتوسع دائرة الفقر بين كبار السن ومن يرعونهم معاً.

ولذلك، يُحذّر خبراء الاقتصاد والعمل في كوريا من النظر إلى الرعاية بوصفها بنداً إنفاقياً فقط. هي أيضاً استثمار في استقرار سوق العمل وفي قدرة المجتمع على الحفاظ على طاقته المنتجة. فحين يحصل العامل أو العاملة على إجازات رعاية قابلة للاستخدام فعلاً، وحين توجد خدمات مجتمعية موثوقة، وحين لا يشعر الموظف بأن طلب إجازة لرعاية والدته أو والده سيُفسَّر سلباً داخل المؤسسة، عندها فقط يمكن تخفيف الخسائر الاقتصادية غير المرئية التي تنتج عن الأزمة.

لكن المشكلة أن وجود القوانين أو البرامج لا يعني بالضرورة فاعليتها على الأرض. كثير من الموظفين قد يترددون في استخدام إجازات الرعاية بسبب الثقافة المؤسسية، أو خوفاً من تراجع دخلهم، أو خشية تأثير ذلك في مسارهم الوظيفي. وهنا تتجلى الفجوة بين النصوص والسياسات من جهة، والواقع الاجتماعي والمهني من جهة أخرى. وإذا أضيف إلى ذلك ارتفاع كلفة المعيشة في المدن الكبرى، يصبح من الواضح لماذا يشعر أبناء جيل الأربعينيات والخمسينيات في كوريا بأنهم عالقون بين واجبين ثقيلين: دعم الأبناء في التعليم والحياة، ورعاية الوالدين في الشيخوخة.

الرقمنة والعدالة الاجتماعية: من يُترك خارج الخدمة؟

من المفارقات أن كوريا الجنوبية، التي تُعد من أكثر دول العالم تقدماً في التكنولوجيا والخدمات الرقمية، تواجه في الوقت نفسه تحدياً متزايداً يتعلق بإقصاء بعض كبار السن من الوصول إلى الخدمات نفسها. فكلما اتجهت المستشفيات والمؤسسات العامة إلى الحجز عبر التطبيقات، وتلقي الإشعارات عبر الهواتف الذكية، وإنجاز المعاملات عبر المنصات الإلكترونية، بدا هذا التحول مريحاً للأكثر شباباً وتعليماً، لكنه قد يكون حاجزاً فعلياً أمام قسم من المسنين.

الهوة الرقمية هنا ليست قضية تقنية محضة، بل شكل جديد من عدم المساواة. فالمسن الذي لا يجيد استخدام الهاتف الذكي، أو لا يفهم آليات الحجز الإلكتروني، أو لا يستطيع تتبع التغييرات في المواعيد والوثائق المطلوبة، قد يجد نفسه متأخراً خطوة في كل مرة. ومع تراكم هذه العوائق، يصبح الحصول على الرعاية أو الإعانة أو حتى المعلومات نفسها أكثر صعوبة. وللقارئ العربي، تبدو هذه المعضلة مألوفة في مجتمعات تتوسع فيها الخدمات الإلكترونية بسرعة بينما لا تزال شرائح واسعة، خاصة من كبار السن، تعتمد على التواصل المباشر والوثائق الورقية.

الأمر لا يقف عند التكنولوجيا. فالأبحاث الكورية تشير إلى أن ذوي الدخل المنخفض غالباً ما يعانون صحة أسوأ وإدارة أضعف للأمراض المزمنة، ما يعني أنهم بحاجة أكبر إلى الرعاية في وقت تكون قدرتهم على تحمّل كلفتها أقل. وعندما تجتمع الفجوة الطبقية مع الفجوة الرقمية ومع التباين الجغرافي بين المدن والأقاليم، تتشكل طبقات متعددة من الحرمان يصعب كسرها بسياسة جزئية أو برنامج محدود.

لهذا السبب، يتعامل بعض الباحثين الكوريين مع قضية الشيخوخة اليوم بوصفها اختباراً للعدالة الاجتماعية بقدر ما هي اختبار للكفاءة الإدارية. فنجاح الدولة لا يُقاس فقط بعدد المستشفيات أو الموازنات، بل بمدى قدرة المسن الأضعف والأفقر والأبعد جغرافياً على الوصول الفعلي إلى الخدمة، من دون أن يضطر إلى خوض متاهة بيروقراطية أو رقمية لا تناسب وضعه.

ما الذي يقوله الخبراء؟ ولماذا لا تكفي الحلول المجتزأة؟

يتفق كثير من المتخصصين في كوريا الجنوبية على أن أكبر نقطة ضعف في السياسات الحالية هي ما يمكن تسميته «الإدارة بالجزر المنفصلة». فالصحة تُدار بمعزل عن السكن، والرعاية طويلة الأمد بمعزل عن الدعم النفسي والاجتماعي، والنقل بمعزل عن التخطيط المحلي، وكأن حياة المسن يمكن تقسيمها إلى ملفات لا تلتقي. لكن الواقع يقول إن المسن الذي يخرج من المستشفى يحتاج إلى سلسلة متصلة من الدعم: متابعة طبية، وتأهيل بدني، ومراقبة للأدوية، ومساعدة في التغذية، وتهيئة للمنزل، ودعماً في التنقل، وربما رعاية نفسية أيضاً. وإذا غابت حلقة واحدة، تعطلت السلسلة كلها.

كما يركز الخبراء على أن زيادة أعداد العاملين في الرعاية، على أهميتها، ليست حلاً كاملاً إذا بقيت ظروف العمل طاردة. فهذه الوظائف تتطلب جهداً بدنياً وعاطفياً كبيراً، ومسؤوليات حساسة، لكنها لا تحظى دائماً بالتقدير أو الأجور أو المسارات المهنية التي تجعلها خياراً مستقراً على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تدور نقاشات واسعة في كوريا حول ضرورة تحسين التدريب والأجور والحماية المهنية للعاملين في الرعاية، كي لا يبقى القطاع معتمداً على الاستنزاف السريع للكوادر.

ويشير باحثون في علم الاجتماع والسياسات العامة إلى ضرورة عدم النظر إلى طول العمر نفسه بوصفه «عبئاً». فالمجتمع الذي ينجح في إطالة أعمار مواطنيه حقق إنجازاً حضارياً وصحياً. التحدي الحقيقي هو كيف يحوّل هذا الإنجاز إلى سنوات عيش كريمة، لا إلى سنوات من الاعتماد القسري على الأسرة أو المؤسسات. بعبارة أخرى، القضية ليست في زيادة «العمر الزمني»، بل في جودة «العمر الصحي» واستمرار العلاقات الاجتماعية وتوافر السكن الملائم والحيّ الداعم والخدمات المتكاملة.

وهنا تبرز الدعوة إلى التحول من منطق الاستجابة المتأخرة إلى منطق الوقاية المبكرة. أي أن تُستثمر الموارد قبل أن تتفاقم الأمراض والعزلة والاعتماد الكامل، عبر برامج متابعة الأمراض المزمنة، والتغذية، والرياضة الخفيفة المناسبة، والصحة النفسية، والأنشطة المجتمعية، ومنع السقوط داخل المنزل، وتكييف الأحياء والخدمات مع احتياجات كبار السن. فتكلفة الوقاية، في كثير من الأحيان، أقل من تكلفة التعامل مع الانهيار بعد وقوعه.

دروس أوسع من التجربة الكورية

ما يحدث في كوريا الجنوبية ليس شأناً محلياً معزولاً، بل جزء من سؤال عالمي يتقدم بسرعة: كيف تتعامل المجتمعات الحديثة مع الشيخوخة حين تتغير الأسرة ويتسارع الاقتصاد وتضيق شبكات الدعم التقليدي؟ ولعل أهمية الحالة الكورية بالنسبة إلى القراء العرب أنها تكشف المستقبل قبل أن يصل بالكامل إلى أماكن أخرى. فالتحديات التي تواجهها كوريا اليوم، من تقلص عدد المواليد وازدياد أعمار السكان وتفكك أنماط الرعاية القديمة، قد تظهر بدرجات متفاوتة في مجتمعات عربية خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع المدن، وهجرة الشباب، وتبدل شكل الأسرة.

الدروس الأساسية تبدو واضحة. أولها أن الرعاية لا يمكن أن تظل ملفاً خاصاً داخل الجدران المنزلية، لأن آثارها تتجاوز المنزل إلى الاقتصاد والصحة العامة والعدالة بين الجنسين والأجيال. وثانيها أن السياسات المجزأة لا تنجح أمام حياة الإنسان المركبة؛ فلا معنى لتحسين المستشفيات إذا لم توجد رعاية منزلية، ولا فائدة من إعانات مالية محدودة إذا كان المسن معزولاً أو منزله غير آمن. وثالثها أن احترام كبار السن لا يكفي بوصفه قيمة أخلاقية ما لم يتحول إلى بنية مؤسسية تضمن الكرامة والاختيار والاستقلال النسبي.

أما الدرس الأهم، فهو أن المجتمع فائق الشيخوخة ليس «كارثة طبيعية» لا يمكن التعامل معها، بل امتحان في التخطيط والعدالة والتضامن. تستطيع الدول أن تتأخر في الاستعداد، لكن الثمن في النهاية يدفعه الناس العاديون: ابن يترك وظيفته، وأم مسنة تعيش وحدها، وزوجان يشيخان معاً بلا دعم كاف، ومدينة تتقدم تكنولوجياً لكنها تترك بعض سكانها خلف الشاشة.

كوريا الجنوبية، التي عُرفت خلال العقود الماضية بنهضتها الصناعية والثقافية، تواجه اليوم اختباراً من نوع آخر: هل تستطيع أن تبني نموذجاً للرعاية يوازي نجاحها في الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة الشعبية؟ الإجابة لم تُحسم بعد. لكن المؤكد أن السؤال لم يعد يخص كبار السن وحدهم. إنه سؤال عن شكل المجتمع كله: كيف يريد أن يعيش، وكيف يريد لأفراده أن يشيخوا، ومن يقرر أن الكرامة في آخر العمر ليست امتيازاً، بل حقاً عاماً يجب حمايته.

إرسال تعليق

0 تعليقات