
عودة ملف قديم إلى الواجهة
في شرق آسيا، لا يحتاج التوتر إلى إعلان حرب حتى يتصاعد. أحياناً تكفي عبارة محسوبة في صحيفة عسكرية، أو رقم يُستعاد من أرشيف السياسات النووية، حتى تهتز معادلات الأمن والدبلوماسية في منطقة تُشبه، في حساسيتها، رقعة شطرنج تتحرك فوقها الجيوش والمصالح والتاريخ الثقيل في آن واحد. هذا تماماً ما حدث بعدما أعادت جهة إعلامية عسكرية صينية تسليط الضوء على مخزون اليابان من البلوتونيوم، معتبرة أن طوكيو تمتلك كمية تكفي نظرياً لصناعة آلاف الرؤوس النووية، في رسالة لا تبدو تقنية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية بامتياز.
الحديث هنا لا يعني أن اليابان قررت التحول غداً إلى قوة نووية عسكرية، ولا أن المنطقة على وشك سباق تسلح معلن على طريقة أفلام الحرب الباردة. لكن أهمية هذه الإشارة الصينية تكمن في أنها أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في شمال شرق آسيا: الفرق بين “القدرة الكامنة” و“النية المعلنة”. ففي عالم الأمن النووي، لا تُقاس المخاوف فقط بما تفعله الدول فعلاً، بل أيضاً بما تستطيع فعله إذا قررت ذلك يوماً ما.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا النقاش بعيداً جغرافياً، لكنه في الحقيقة يلامس أسئلة مألوفة لدينا: كيف تتحول المواد النووية المدنية إلى مادة للشك السياسي؟ وكيف تتداخل التقنية مع التاريخ ومع انعدام الثقة بين الدول؟ وكيف تُستخدم ملفات حساسة مثل الطاقة النووية أو الصناعات الاستراتيجية كأدوات ضغط في لحظات التنافس الإقليمي؟ هذه أسئلة نعرفها جيداً في منطقتنا، من الخليج إلى شرق المتوسط، حين يصبح الأمن القومي خطاباً يومياً، وتصبح التكنولوجيا جزءاً من ميزان القوة، لا مجرد مسألة اقتصادية أو علمية.
ما أثارته بكين هذه المرة ليس مجرد اعتراض على رقم أو مخزون، بل محاولة لوضع سياسة اليابان النووية المدنية تحت المجهر الإقليمي من جديد، وربطها بسياق أوسع يشمل صعود التنافس الصيني الياباني، وتعاظم التحالف الأمني بين طوكيو وواشنطن، والتوتر المتزايد حول تايوان وبحر الصين الشرقي. ومن هنا، فإن القضية لا تُفهم عبر المختبرات والمفاعلات فقط، بل عبر خرائط النفوذ، وذاكرة الحرب، ورهانات القوة في منطقة تعد اليوم من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالهواجس النووية.
ما الذي تقوله الصين فعلياً؟
حين تختار الصين أن تثير هذا الملف عبر منبر ذي طابع عسكري لا عبر مؤتمر صحافي دبلوماسي تقليدي، فإنها ترسل أكثر من رسالة في وقت واحد. الرسالة الأولى موجهة إلى اليابان نفسها: لا يمكن فصل برنامج الوقود النووي المدني الياباني عن البيئة الأمنية المحيطة، ولا يمكن الاكتفاء بالقول إن كل شيء خاضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. الرسالة الثانية موجهة إلى الرأي العام الصيني الداخلي، الذي يُستدعى فيه الحديث عن اليابان غالباً محمّلاً بذكريات الحرب والاحتلال والشك في نيات طوكيو الاستراتيجية. أما الرسالة الثالثة، فهي للخارج: الصين تريد أن تظهر كأنها ترفع راية “الحذر من الانتشار النووي” في المنطقة، حتى لو كان خصومها يشيرون في المقابل إلى أن بكين نفسها تمضي في تحديث سريع لقدراتها العسكرية والنووية.
جوهر الطرح الصيني يقوم على فكرة بسيطة، لكنها شديدة الحساسية: صحيح أن البلوتونيوم الموجود لدى اليابان مُعلن أنه مخصص للاستخدام المدني، لكن مجرد امتلاك كمية كبيرة من مادة يمكن، في ظروف معينة، تحويلها إلى استخدام عسكري، يخلق لدى الدول المجاورة شعوراً بالقلق. هنا لا نتحدث عن اتهام قانوني مباشر، لأن اليابان ما زالت دولة غير نووية عسكرياً، وملتزمة رسمياً بمعاهدة عدم الانتشار النووي، كما أنها تكرر تمسكها بما يُعرف بـ“المبادئ الثلاثة غير النووية”، أي عدم امتلاك السلاح النووي، وعدم إنتاجه، وعدم السماح بإدخاله إلى أراضيها. لكن الصين تحاول أن تقول إن المشكلة ليست في النصوص وحدها، بل في الإمكانات المتراكمة خلف هذه النصوص.
في اللغة السياسية، هذا النوع من الخطاب لا يهدف بالضرورة إلى إثبات جريمة، بل إلى توسيع دائرة الشك. إنه أشبه بما يحدث في ملفات إقليمية أخرى حين لا يكون المطلوب إدانة الخصم قانونياً بقدر ما يكون المطلوب إضعاف صورته الاستراتيجية، وتشكيك الجوار في نياته، وتحويل نقطة قوة لديه إلى عبء دبلوماسي عليه. ومن هذه الزاوية، يبدو أن بكين لا تريد فقط مناقشة البلوتونيوم الياباني بوصفه مسألة فنية، بل تريد إدراجه ضمن رواية أكبر عن “إعادة تسلح اليابان” وابتعادها التدريجي عن صورتها التقليدية كقوة مقيدة عسكرياً بعد الحرب العالمية الثانية.
الأمر المهم أيضاً أن الصين لا تقول إن اليابان اتخذت قراراً وشيكاً بالتسلح النووي، لأن مثل هذا الادعاء يصعب تثبيته. لكنها تضع المسألة في المنطقة الرمادية: هناك مخزون حساس، وهناك قدرات تقنية متقدمة، وهناك مناخ إقليمي متوتر، وهناك دولة أصبحت أكثر نشاطاً في مجال الدفاع والردع. وهذه العناصر، حين توضع جنباً إلى جنب، تكفي لإنتاج قضية سياسية كاملة، حتى من دون وجود تحول رسمي في العقيدة اليابانية.
لماذا يظل بلوتونيوم اليابان قضية مثيرة للجدل؟
لفهم هذه الحساسية، ينبغي أولاً شرح الفكرة الأساسية للقارئ العربي. البلوتونيوم مادة يمكن استخدامها في بعض أنواع وقود المفاعلات النووية، ولا سيما ضمن ما يُعرف بالوقود المختلط أو “موكس”، وهو وقود يجمع بين اليورانيوم والبلوتونيوم المعاد تدويره من الوقود النووي المستهلك. واليابان، باعتبارها دولة فقيرة نسبياً في الموارد الطبيعية وتعتمد منذ عقود على أمن الطاقة، بنت جانباً من استراتيجيتها على فكرة “دورة الوقود النووي”، أي إعادة معالجة الوقود المستهلك لاستخراج مواد يمكن استخدامها من جديد بدل التخلص منها نهائياً.
على الورق، تبدو هذه السياسة منطقية: دولة صناعية كبرى، مساحتها محدودة، مواردها الأحفورية قليلة، وتحتاج إلى مزيج طاقة يضمن لها الاستقرار. لكن المشكلة أن المادة التي تُستعاد من هذه الدورة ليست حساسة فقط من منظور الطاقة، بل من منظور الأمن الدولي أيضاً. فالبلوتونيوم، وإن كان موجوداً ضمن نظام مدني مراقَب، يبقى مادة ترتبط في المخيال الاستراتيجي العالمي بإمكانية الاستخدام العسكري إن توافرت الإرادة السياسية والتقنية اللازمة. وهنا يبدأ التوتر.
منذ نهاية الحرب الباردة، حظيت اليابان بوضع استثنائي نسبياً في النظام النووي العالمي. فهي حليف رئيسي للولايات المتحدة، وتملك مستوى متقدماً للغاية من المعرفة النووية والتقنية الصناعية، ولديها قدرات إعادة معالجة لا تتوافر لكثير من الدول، لكنها في الوقت نفسه ليست دولة نووية عسكرية. هذا الوضع خلق معادلة دقيقة: المجتمع الدولي يتعامل مع اليابان على أنها دولة منضبطة داخل منظومة عدم الانتشار، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن ما لديها ليس أمراً عادياً تماماً من حيث “القدرة الكامنة”.
وجاءت كارثة فوكوشيما عام 2011 لتزيد هذا الملف تعقيداً. فبعد الحادثة النووية الكبرى، تراجعت الثقة الشعبية في الطاقة النووية داخل اليابان، وتباطأت عودة بعض المفاعلات إلى العمل، وازداد الجدل الداخلي حول جدوى المشاريع المرتبطة بالوقود النووي وإعادة المعالجة. ومع هذا التباطؤ، برزت تساؤلات ملحّة: إذا كانت اليابان تواصل إنتاج أو الاحتفاظ بمواد حساسة، لكن استهلاك هذه المواد داخل مفاعلاتها لا يسير بالوتيرة نفسها، فهل يتحول المخزون تدريجياً إلى عبء سياسي وأمني؟ هذا هو موضع الضعف الذي تلتقطه بكين اليوم وتعيد توظيفه.
بكلمات أخرى، ليست المشكلة في أن اليابان خرقت التزاماتها الدولية بشكل واضح، بل في أن الفجوة بين “الاحتفاظ بالمادة” و“الاستخدام الفعلي المقنع” تصبح مع الوقت مصدراً لأسئلة مشروعة لدى الجوار. وهذه بالضبط هي المنطقة التي تتغذى منها أزمات الثقة بين الدول. ففي ملفات الأمن القومي، لا يكفي أن تقول الدولة إن كل شيء قانوني، بل ينبغي أن يكون سلوكها مقنعاً سياسياً ونفسياً أيضاً بالنسبة إلى من يراقبها من الخارج.
السياق الأوسع: التنافس الصيني الياباني لا يبدأ من النووي
من الخطأ قراءة هذه القضية على أنها نزاع تقني معزول عن بقية المشهد. فالعلاقات بين الصين واليابان تمر منذ سنوات في مسار متشابك يجمع بين الاعتماد الاقتصادي المتبادل وبين الشك الاستراتيجي العميق. هناك نزاعات على مناطق بحرية وجزر في بحر الصين الشرقي، وهناك توتر متزايد حول مستقبل تايوان، وهناك تنافس على سلاسل التوريد والتقنيات المتقدمة وأشباه الموصلات، فضلاً عن أن طوكيو تتحرك بخطى أوضح نحو تعزيز ميزانيتها الدفاعية وتطوير قدرات “الردع المضاد” أو ما تصفه بقدرات الهجوم الوقائي أو الرد على مصادر التهديد البعيدة.
من هنا، يصبح ملف البلوتونيوم الياباني أداة ضغط ملائمة جداً بالنسبة إلى الصين. فهو يسمح لها بأن تضرب في نقطة حساسة أخلاقياً وسياسياً من دون الذهاب إلى مواجهة مباشرة. كما أنه يعيد تذكير المنطقة والعالم بأن اليابان، مهما قدّمت نفسها كدولة مدنية منضبطة، تحمل إرثاً تاريخياً لا يزال حاضراً في الذاكرة الآسيوية، وخصوصاً في الصين وكوريا. هذه الذاكرة ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل عنصر فاعل في صناعة الخطاب السياسي حتى اليوم.
وللقارئ العربي، يمكن تشبيه هذه الدينامية بما يحدث حين تعيد دولة ما فتح ملف تاريخي أو أمني قديم ليس فقط لأنه خطر بحد ذاته، بل لأنه يخدم لحظة سياسية راهنة. في منطقتنا، رأينا كيف تتحول ملفات الحدود أو الميليشيات أو البرامج الصاروخية أو حتى الممرات البحرية إلى أوراق يعاد تنشيطها تبعاً لتبدل موازين القوى. الأمر نفسه تقريباً يحدث هنا: الصين تعرف أن مجرد التلويح بالقدرة النووية الكامنة لليابان كفيل بإرباك الخطاب الياباني عن “الدفاع المسؤول” و“الالتزام بالقواعد الدولية”.
يضاف إلى ذلك أن الصين تريد، على الأرجح، وضع اليابان في موقع دفاعي أمام دول أخرى في المنطقة، بما في ذلك كوريا الجنوبية. فسيول تتابع بدورها أي نقاش يتعلق بالتوازن النووي الإقليمي، وهي بلد يعيش تحت تهديد مباشر من كوريا الشمالية، وفيه أصوات داخلية ترتفع أحياناً للمطالبة بمقاربات ردع أشد حزماً. وعندما يُفتح ملف البلوتونيوم الياباني بهذا الشكل، فإن ذلك لا يخص بكين وطوكيو فقط، بل ينعكس على شبكة كاملة من الهواجس الأمنية في شمال شرق آسيا.
كيف ستدافع اليابان عن نفسها، وما حدود هذا الدفاع؟
اليابان تمتلك من الناحية القانونية والدبلوماسية حزمة قوية من الحجج. فهي عضو ملتزم بمعاهدة عدم الانتشار النووي، وتخضع منشآتها وأنشطتها ذات الصلة لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتتمسك رسمياً بمبادئها غير النووية، كما تستند إلى مظلة الردع الأميركية الممتدة التي تقلل، نظرياً، من أي حاجة إلى تطوير سلاح نووي محلي. كذلك تكرر طوكيو منذ سنوات أن البلوتونيوم الذي تحتفظ به مخصص للاستخدام المدني في المفاعلات النووية ضمن دورة وقود واضحة.
لكن المشكلة أن الحجج القانونية لا تنهي الجدل الاستراتيجي دائماً. في العلاقات الدولية، قد تكون الدولة ملتزمة بالقانون ومع ذلك تواجه انعدام ثقة متزايداً من محيطها. وهذا ما يعرف في أدبيات الأمن بـ“معضلة الأمن”: كل طرف يقول إنه يتحرك دفاعياً، بينما يراه الطرف الآخر تهديداً متنامياً. اليابان قد تقول إن سياستها النووية مدنية بالكامل، لكن الصين وكوريا الشمالية، وربما أطراف أخرى، يمكن أن تنظر إلى الحجم الكبير للمخزون بوصفه عامل قلق بحد ذاته، لا سيما في ظل بيئة إقليمية تتزايد فيها التوترات العسكرية.
فضلاً عن ذلك، تواجه اليابان أسئلة داخلية لا تقل صعوبة عن الأسئلة الخارجية. فإدارة مخزون من المواد الحساسة ليست قضية علاقات عامة فقط، بل قضية سياسة طاقة، وجدوى اقتصادية، وقدرة تشغيلية، وشفافية أمام الجمهور المحلي أيضاً. وإذا كانت طوكيو تريد فعلاً تبديد الشكوك، فإن مجرد تكرار عبارة “الاستخدام المدني” قد لا يكفي بعد الآن. ما قد يُطلب منها هو شيء أكثر تحديداً: خطط واضحة لتقليص المخزون، جداول زمنية لاستهلاكه في إطار إنتاج الطاقة، درجة أعلى من الشفافية في عرض البيانات، ورسائل دبلوماسية أكثر حساسية لمخاوف الجوار.
هذا يشبه إلى حد ما الفرق بين امتلاك دولة لمشروع تنموي كبير، وبين قدرتها على إقناع الجيران بأن هذا المشروع لن يُستعمل في لحظة أزمة كورقة ضغط. الفكرة هنا أن الشفافية وحدها لا تكفي إن لم تكن مصحوبة برواية سياسية مقنعة. واليابان، التي تحاول في السنوات الأخيرة الخروج من قيود ما بعد الحرب نحو دور أمني أكبر، تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كلما زادت قدراتها الدفاعية المعلنة، أصبح من الأصعب على الآخرين الفصل نفسياً بين برنامجها النووي المدني وبين فرضيات الاستخدام الاستراتيجي المحتمل.
الملف الكوري الشمالي والعقدة الأشد تعقيداً
لا يمكن فصل أي نقاش نووي في شمال شرق آسيا عن كوريا الشمالية، التي تظل العامل الأكثر تفجيراً للهواجس الأمنية في المنطقة. فبيونغ يانغ لا تكتفي بامتلاك برنامج نووي عسكري، بل تواصل تطوير صواريخها وتستخدم خطاب الردع والتهديد بشكل منتظم. وفي ظل هذا الواقع، تصبح كل حلقة في السلسلة الأمنية الإقليمية شديدة الحساسية. الصين حين تهاجم البلوتونيوم الياباني، تعرف أن طوكيو تستطيع الرد سياسياً بالإشارة إلى أن الخطر النووي المباشر في المنطقة مصدره كوريا الشمالية، وإلى أن تعاونها الوثيق مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية جزء من سياسة احتواء هذا التهديد لا أكثر.
لكن هذه الحجة نفسها قد تعمّق التوتر بدلاً من احتوائه. فكلما اشتد التعاون الأمني الثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، ازداد شعور الصين بأن هذا التحالف يتجاوز ملف بيونغ يانغ ليصبح جزءاً من استراتيجية تطويق أوسع تستهدفها هي أيضاً. وعندما تشعر بكين بذلك، فإنها تميل إلى استخدام كل أوراق الضغط الممكنة، ومنها ملفات التسلح الياباني، والذاكرة التاريخية، والمواد النووية الحساسة.
الأخطر في هذا المشهد أن كوريا الشمالية قد تستفيد سياسياً من تصاعد الشكوك بين خصومها. فكلما دخلت الصين واليابان في سجال استراتيجي جديد، وكلما تعمقت المعضلة الأمنية في المنطقة، ازدادت قدرة بيونغ يانغ على تبرير خطابها القائم على أن البيئة المحيطة عدائية وغير مستقرة. وبذلك يتحول الملف الياباني الصيني، ولو بشكل غير مباشر، إلى عنصر إضافي في دائرة الاستقطاب التي تُبقي شمال شرق آسيا في حالة تأهب دائم.
وهذا لا يختلف كثيراً عن أنماط رأيناها في أقاليم أخرى من العالم، بما فيها الشرق الأوسط، حيث يؤدي انعدام الثقة بين القوى الكبرى أو الإقليمية إلى منح الجهات الأكثر تشدداً هامشاً أوسع للمناورة والتبرير. فحين تتشظى أولويات الأمن، يصبح من السهل على الأطراف الأكثر تصعيداً أن تقدم نفسها بوصفها طرفاً “مضطراً” لا “مغامراً”.
ماذا يعني ذلك للدبلوماسية في المنطقة؟
الدلالة الأهم لهذا التطور ليست أن اليابان على حافة التحول النووي العسكري، بل أن الإقليم كله يتحرك نحو مستوى أعلى من الحساسية تجاه “القدرات الكامنة”. وهذا تحول بالغ الأهمية. ففي العقود الماضية، كان التركيز الأكبر منصباً على الأسلحة المعلنة، والصواريخ المختبرة، والعقائد العسكرية المنشورة رسمياً. أما اليوم، فالمخاوف باتت تشمل أيضاً المواد القابلة للاستخدام، والبنى التحتية الصناعية، والقدرات التكنولوجية التي يمكن تحويلها بسرعة إذا انهارت القيود السياسية.
بالنسبة إلى الصين، إثارة هذا الملف تمنحها فرصة لتحسين موقعها التفاوضي، أو على الأقل لإرباك خصمها في ساحة الرأي العام الإقليمي. وبالنسبة إلى اليابان، فإن الدفاع عن نفسها لن يكون سهلاً إذا اقتصر على اللغة القانونية التقليدية. أما بالنسبة إلى دول المنطقة الأخرى، فإنها ستراقب بعناية ما إذا كانت هذه السجالات ستبقى في مستوى الرسائل الإعلامية، أم ستترجم إلى تشدد أكبر في السياسات الدفاعية والتحالفات والاستقطابات الدبلوماسية.
وهنا تبرز نقطة مهمة للغاية: أحياناً لا تنفجر الأزمات بسبب قرار كبير مفاجئ، بل بسبب تراكم الإشارات الصغيرة التي ترفع مستوى الشك بالتدريج. تصريح هنا، مناورة هناك، ميزانية دفاعية أعلى، مشروع تقني حساس، خطاب إعلامي عسكري، ثم تجد المنطقة نفسها بعد سنوات في مناخ أشد توتراً من دون أن يكون هناك حدث واحد يمكن اعتباره الشرارة الوحيدة. هذا ما يبدو أن شرق آسيا يقترب منه اليوم.
ولذلك، فإن أي تهدئة حقيقية لن تمر فقط عبر تأكيدات يابانية بأنها لا تنوي تطوير السلاح النووي، ولا عبر اتهامات صينية لسياسات طوكيو. المطلوب، إذا كانت هناك رغبة فعلية في كبح التصعيد، هو بناء حد أدنى من الثقة حول إدارة المواد النووية الحساسة، وتكثيف الشفافية، وفصل بعض الملفات التقنية عن المزايدات القومية، وهو أمر يبدو شديد الصعوبة في لحظة إقليمية يتقدم فيها منطق الردع والمنافسة على منطق الطمأنة المتبادلة.
لماذا يهم هذا القارئ العربي؟
قد يسأل القارئ في العالم العربي: لماذا نهتم بسجال يدور بين بكين وطوكيو حول مادة نووية مدنية في أقصى شرق آسيا؟ الجواب أن العالم لم يعد منفصلاً إلى جزر سياسية معزولة. شرق آسيا اليوم ليس فقط مصنع الاقتصاد العالمي، بل أحد مراكز إعادة تشكيل النظام الدولي، وأي اهتزاز كبير في توازناته الأمنية ينعكس على التجارة والطاقة والتكنولوجيا والتحالفات وسلاسل الإمداد التي تمس حياتنا اليومية في المنطقة العربية أيضاً.
ثم إن جوهر القصة نفسه قريب من أسئلة نعرفها نحن: كيف تدير الدول مواردها الاستراتيجية الحساسة في بيئات يطغى عليها سوء الظن؟ كيف تتحول ملفات الطاقة والتقنية إلى روافع نفوذ ومصادر قلق في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن لدولة أن تكون ملتزمة بالقواعد الدولية، لكنها مع ذلك تثير المخاوف بسبب موقعها أو قدراتها أو تاريخها؟ هذه ليست أسئلة كورية أو يابانية أو صينية فقط، بل أسئلة دولية بامتياز.
في التراث السياسي العربي، كثيراً ما قيل إن “درهم وقاية خير من قنطار علاج”، وهذه العبارة تبدو مناسبة هنا على نحو لافت. فالأزمات النووية لا تبدأ عادة بانفجار نووي، بل بانفجار الثقة. وحين تتآكل الثقة، تتحول كل مادة حساسة إلى تهمة محتملة، وكل تطور تقني إلى تهديد متخيّل، وكل إعلان دفاعي إلى استفزاز للطرف الآخر. لذلك فإن قيمة متابعة هذا الملف لا تكمن في الفضول تجاه آسيا البعيدة، بل في فهم كيف تُصنع الأزمات الاستراتيجية الحديثة، وكيف يمكن أن تتسع من هامش الخبر إلى متن السياسة الدولية.
في المحصلة، أعادت الصين فتح ملف تعرف أنه يمس عصباً حساساً في اليابان وفي المنطقة كلها. واليابان، رغم امتلاكها دفاعاً قانونياً ودبلوماسياً معتبراً، لن تجد سهولة في تبديد الشكوك في مناخ إقليمي متوتر أصلاً. وبين الطرفين، تقف منطقة كاملة تحت ضغط أسئلة قديمة تتجدد بصيغ جديدة: ما حدود الاستخدام المدني؟ متى تتحول القدرة التقنية إلى شبهة استراتيجية؟ وهل تكفي القواعد الدولية وحدها لضبط الخوف حين يتقدم التنافس وتضيق مساحة الثقة؟
هذه الأسئلة ستبقى مفتوحة، وربما تصبح أكثر إلحاحاً في الأشهر المقبلة. أما المؤكد، فهو أن “تحذير البلوتونيوم” الصيني ليس خبراً عابراً، بل علامة جديدة على أن شرق آسيا يدخل مرحلة أشد حساسية، حيث لا تكفي النوايا المعلنة لطمأنة الجيران، ولا تكفي المظلات القانونية لإغلاق باب الريبة، وحيث يصبح الأمن، كما في كثير من مناطق العالم، ابن السياسة بقدر ما هو ابن التقنية.
0 تعليقات