
ما وراء عناوين الحرب: القصة الأهم ليست الميدان بل من يحجز مقعده على طاولة القرار
في لحظات الأزمات الكبرى، تنشغل العناوين اليومية بصور القصف، وحسابات الرد والرد المقابل، ومآلات الهدنة أو انهيارها. لكن في السياسة الدولية، كثيراً ما تكون القصة الأعمق بعيدة عن صوت المدافع نفسها. القصة الأهم اليوم لا تتعلق فقط بما يجري في الشرق الأوسط من توترات متلاحقة، بل بمن يحاول تحويل هذه اللحظة المضطربة إلى فرصة لبناء نفوذ دبلوماسي طويل الأمد. من هنا يبرز التحرك الصيني الأخير، الذي بات يلفت الأنظار ليس باعتباره مجرد تعليق على أزمة، بل باعتباره مؤشراً إلى تبدل أوسع في شكل النظام الدولي المقبل.
التحركات المنسوبة إلى وزير الخارجية الصيني وانغ يي، سواء في اتصالاته مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، أو في حديثه مع الجانب الفرنسي، أو في إشارته إلى وجود “بارقة أمل” لاستئناف مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، تكشف أن بكين لم تعد تكتفي بلغة البيانات العامة التي تدعو إلى التهدئة فحسب. ما نراه هنا هو محاولة صينية لصياغة دور أكثر تركيباً: دور يقول إن الصين ليست فقط مصنع العالم أو شريكه التجاري الأكبر، بل لاعب قادر أيضاً على الظهور كوسيط أو على الأقل كقناة لا يمكن تجاوزها في إدارة الأزمات.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا التطور مألوفاً من زاوية ما. فالمنطقة العربية كانت تاريخياً مسرحاً لتنافس القوى الكبرى، من أيام الحرب الباردة حتى لحظتنا الراهنة. غير أن الجديد هنا هو أن الصين تحاول أن تدخل إلى هذا المسرح من باب مختلف عن الباب الأميركي التقليدي أو الباب الروسي الصدامي. هي لا تقدم نفسها كقوة عسكرية تقيم قواعد وتدير تحالفات أمنية واسعة، بل كقوة تستخدم الاقتصاد، والعلاقات المتشعبة، وخطاب احترام السيادة، ورفض التصعيد، لتقول إنها تملك مفاتيح من نوع آخر.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من يستطيع وقف الحرب؟ بل أيضاً: من ينجح في انتزاع شرعية الكلام باسم “الاستقرار” و”التوازن” و”الحل السياسي”؟ هذه اللغة ليست حيادية كما تبدو؛ فهي لغة صناعة النفوذ في القرن الحادي والعشرين. ومن ينجح في ترسيخ نفسه داخل هذه اللغة، يربح موقعاً متقدماً في النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.
من “دبلوماسية الرسائل” إلى “دبلوماسية المنصات”: كيف تتحرك بكين بطريقة أكثر تعقيداً؟
اللافت في الأداء الصيني الحالي أنه لم يعد محصوراً في إصدار موقف رسمي ثم انتظار ردود الفعل. هناك ما يمكن وصفه بانتقال من “دبلوماسية الرسائل” إلى “دبلوماسية المنصات”. والمقصود هنا أن الصين لم تعد تكتفي بإبلاغ العالم رأيها، بل تسعى إلى بناء شبكة من القنوات المتوازية التي تجعلها حاضرة في كل مستوى من مستويات الأزمة. التواصل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعني الدخول من باب الأمن النووي وحماية المنشآت الحساسة. الحديث مع فرنسا يعني مخاطبة أوروبا من زاوية الشرعية الدولية والتنسيق متعدد الأطراف. أما الإشارات المتعلقة بالمفاوضات الأميركية الإيرانية فتعني أن بكين تريد أن تظهر كدولة تتابع تفاصيل التسوية لا مجرد انعكاساتها.
هذه النقلة مهمة لأن النفوذ الدبلوماسي في عالم اليوم لا يقاس فقط بامتلاك الطائرات وحاملات الطائرات، بل أيضاً بالقدرة على الوصول إلى أطراف مختلفة في الوقت نفسه، وصياغة خطاب يناسب كل جمهور. الصين تخاطب الشرق الأوسط بلغة الشراكة الاقتصادية وعدم التدخل. وتخاطب أوروبا بلغة الاستقرار ومنع التوسع العسكري للأزمة. وتخاطب دول الجنوب العالمي بلغة رفض احتكار الغرب لتعريف الشرعية والحلول. بهذا المعنى، فإن بكين تبني منصة دبلوماسية متعددة الطبقات، وليس مجرد موقف واحد جامد.
في الأدبيات السياسية العربية، يمكن تشبيه ذلك بفكرة “إمساك العصا من الوسط”، لكن النسخة الصينية أكثر براغماتية وأقل شاعرية. فبكين لا تريد أن تبدو منحازة بالكامل إلى معسكر ضد آخر، لأنها ترى أن هذه المسافة الرمادية نفسها تمنحها قيمة إضافية. هي مستورد ضخم للطاقة من المنطقة، وشريك اقتصادي لكثير من دولها، وفي الوقت نفسه ليست مطابقة للغرب في المقاربة السياسية والأمنية. هذه المسافة، التي قد تُفهم أحياناً على أنها غموض، يمكن أن تتحول في أوقات التوتر إلى أصل دبلوماسي ثمين.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة. فالدور الدبلوماسي لا يعني تلقائياً امتلاك مفاتيح الحل النهائي. الولايات المتحدة ما زالت صاحبة الحضور العسكري الأثقل، وشبكة التحالفات الأكثر رسوخاً، والقدرة الأكبر على الضغط المباشر. كما أن الدول الإقليمية نفسها تبقى صاحبة القرار المركزي في لحظات التصعيد والتهدئة. لكن الجديد هو أن الصين تحاول فرض معادلة مختلفة: حتى لو لم أكن صاحب الزناد، يمكن أن أكون شريكاً لا غنى عنه في تحديد شكل الطاولة التي يجلس عندها الجميع.
لماذا الآن تحديداً؟ تراجع الانفراد الأميركي وعودة العالم إلى تعدد المراكز
صعود الدور الصيني لا يمكن فهمه من زاوية الكفاءة الصينية وحدها. فالصين تستفيد أيضاً من فراغ نسبي أو من اهتزاز في قدرة النظام الذي قادته الولايات المتحدة لعقود على إدارة الأزمات بالفاعلية السابقة نفسها. لا أحد يجادل في أن واشنطن ما زالت القوة الأعظم عسكرياً وسياسياً، لكن المشهد الدولي لم يعد يعمل بالطريقة ذاتها التي عرفها العالم بعد الحرب الباردة. تعدد الجبهات، والانقسام الداخلي الأميركي، والإرهاق من التدخلات الخارجية، وتباين أولويات الحلفاء، كلها عوامل جعلت المجال مفتوحاً أمام قوى أخرى لتجريب أدوار أوسع.
هذه اللحظة تذكّر إلى حد ما بما عرفه العالم العربي في مراحل انتقالية سابقة، حين كانت المراكز التقليدية للقرار تنشغل بأزماتها الداخلية، فتظهر هوامش جديدة تتحرك فيها قوى إقليمية أو دولية أخرى. وفي عالم ما بعد الجائحة، والحرب في أوكرانيا، واضطرابات سلاسل الإمداد، وأزمات الطاقة والغذاء، أصبحت دول كثيرة أقل اقتناعاً بفكرة أن هناك عاصمة واحدة تستطيع وحدها تفسير العالم وصياغة أجندته.
هنا تحديداً يظهر ما يسمى “الجنوب العالمي”، وهو تعبير يشير إلى مجموعة واسعة من الدول النامية والناشئة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، التي لم تعد ترى نفسها مجرد متلقية لقرارات تصدر من الغرب. هذه الدول تريد هامشاً أوسع للمناورة، وتفضّل في كثير من الأحيان تنويع الشراكات بدلاً من الارتهان لمحور واحد. الصين قرأت هذا المزاج جيداً، وتحاول أن تقدم نفسها لا كقائد لمعسكر مناهض للغرب بالمعنى الأيديولوجي القديم، بل كبديل تفاوضي، أو كشريك يمكنه أن يفتح أبواباً لا تفتحها العواصم الغربية بالسهولة نفسها.
الشرق الأوسط يمثل الساحة المثالية لاختبار هذا التصور. فهنا تتقاطع الطاقة، والتجارة، والممرات البحرية، والاستثمارات، والحساسيات الأمنية، والاستقطاب الدولي. ومنذ سنوات، بنت الصين حضوراً اقتصادياً واسعاً عبر الاستيراد والاستثمار والبنية التحتية ومشاريع مرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، وهي المبادرة التي تهدف إلى توسيع شبكات الربط التجاري واللوجستي بين الصين ومناطق متعددة من العالم. الجديد أن بكين تبدو وكأنها تريد تحويل هذا الرصيد الاقتصادي إلى رصيد سياسي وأمني رمزي، أي إلى قدرة على القول إنها ليست فقط ممولاً أو مشترياً أو مقاولاً، بل شريك في صياغة التوازنات.
هذا التحول لا يعني أن أميركا خرجت من المنطقة أو فقدت أوراقها، كما لا يعني أن الصين صارت البديل الكامل. المسألة أقرب إلى إعادة توزيع للأدوار. وإذا كان القرن الماضي قد عرف معادلات حادة من نوع “إما هذا المعسكر أو ذاك”، فإن اللحظة الراهنة تبدو أكثر سيولة. وهنا تكمن خطورة وأهمية ما يجري في الوقت نفسه.
الشرق الأوسط كساحة اختبار: من “شريك اقتصادي” إلى “وسيط محتمل”
لطالما قيل إن الصين تفضّل التجارة على السياسة، والصفقات على الاصطفافات، والموانئ على القواعد العسكرية. هذه الصورة ما زالت صحيحة جزئياً، لكنها لم تعد كافية لفهم ما يحدث. فالقوة الاقتصادية إذا تراكمت زمناً طويلاً، تبدأ في البحث عن ترجمة سياسية. وهذا ما يبدو أن بكين تفعله اليوم في الشرق الأوسط، المنطقة التي ترتبط بها الصين بعلاقات حيوية في مجالات النفط والغاز، والمشاريع اللوجستية، والتكنولوجيا، والاتصالات، والاستثمار الصناعي.
في الثقافة السياسية العربية، ليس غريباً أن تتحول المصالح إلى نفوذ. الجديد فقط أن الصين كانت حتى وقت قريب مترددة في خوض هذا المضمار علناً، ربما إدراكاً منها أن الأمن الإقليمي ملف بالغ الحساسية، وأن أي دور فيه قد يجرها إلى التزامات لا ترغب بها. لكن التطورات الأخيرة توحي بأن بكين تحاول دخول الملف بخطوات محسوبة: لا التزام أمني مباشر، ولا تدخل عسكري، ولا عداء معلن لأي طرف رئيسي؛ بل حضور دبلوماسي كثيف، ورسائل مركبة، واستعداد للحديث مع الجميع تقريباً.
هذه الصيغة تمنح الصين عدة مزايا. أولاً، هي تتيح لها تقديم نفسها كطرف أقل استفزازاً من القوى الغربية في نظر بعض المجتمعات والدول. ثانياً، تمنحها القدرة على التحدث مع أطراف يصعب أحياناً جمعها ضمن مسار واحد. ثالثاً، تتيح لها تعزيز صورتها لدى الرأي العام في آسيا وأفريقيا والعالم العربي باعتبارها دولة تفضّل الحوار على منطق الإملاء. وفي منطقة أنهكتها الحروب والشعور بازدواجية المعايير الدولية، يلقى هذا الخطاب صدى لا يمكن تجاهله.
لكن لا بد من الانتباه إلى حدود هذه المقاربة. فالصين لا تملك حتى الآن شبكة التحالفات الأمنية التي تملكها واشنطن، ولا القدرات اللوجستية والعسكرية نفسها، ولا الخبرة التاريخية المتراكمة في إدارة نزاعات المنطقة. كما أن الحديث مع الجميع ليس دائماً فضيلة؛ ففي بعض الأزمات، تضطر القوى الكبرى إلى اتخاذ مواقف حاسمة، وهو ما قد يهدد الصورة الصينية كوسيط مرن. ثم إن دول المنطقة نفسها ليست أوراقاً على رقعة شطرنج، بل تملك حساباتها الوطنية، وموازينها الداخلية، وعلاقاتها المتقاطعة.
مع ذلك، فإن مجرد قبول فكرة أن للصين دوراً سياسياً متنامياً في الشرق الأوسط هو بحد ذاته تحول كبير. فقبل سنوات، كان يُنظر إلى بكين أساساً كزبون ضخم للنفط أو كشريك تجاري هادئ. اليوم، صارت تُطرح بصفتها عنواناً محتملاً للوساطة، أو على الأقل عنواناً لا يمكن تجاهله عند الحديث عن ترتيبات ما بعد التصعيد.
الإشارة إلى فرنسا وأوروبا: هل تنجح بكين في كسر ثنائية “واشنطن في مواجهة العالم”؟
من التفاصيل التي تبدو صغيرة في ظاهرها لكنها كبيرة في معناها، الحديث عن التنسيق مع فرنسا والتشديد على ضرورة الدفع نحو وقف لإطلاق النار. ففرنسا ليست مجرد دولة أوروبية أخرى؛ إنها في المخيال السياسي الأوروبي إحدى الدول الأكثر تشديداً على مفهوم “الاستقلالية الاستراتيجية”، أي حق أوروبا في امتلاك هامش قرار أوسع وعدم الاكتفاء بالسير دائماً خلف الإيقاع الأميركي. وعندما تختار الصين أن تبني خيط تواصل مع باريس في ملف شرق أوسطي، فهي تبعث برسالة تتجاوز مضمون الاتصال نفسه.
هذه الرسالة تقول إن بكين لا تريد اختزال العالم في معادلة صفرية بين واشنطن وبكين. بل تسعى إلى إنتاج فضاء دبلوماسي أكثر تعقيداً، تستطيع فيه مخاطبة أوروبا لا بوصفها ملحقاً تلقائياً بالولايات المتحدة، بل بوصفها شريكاً يمكن أن يلتقي معها مرحلياً حول بعض الملفات. لا يعني هذا أن أوروبا ستنحاز إلى الصين، فالعلاقات الأوروبية الصينية محكومة أيضاً بمنافسة حادة في التكنولوجيا والتجارة والأمن، لكن مجرد وجود مساحات تماس في ملف معين يكفي لإظهار أن النظام الدولي لم يعد ثنائياً بالصورة المبسطة التي يروّج لها البعض.
في السياق العربي، لهذه النقطة دلالة خاصة. فالمنطقة خبرت طويلاً كيف تتحول خلافات القوى الكبرى إلى ضغوط مباشرة على دولها. وإذا كانت الصين قادرة على مخاطبة أوروبا بلغة متعددة الأطراف، وطرح نفسها شريكاً في حماية المنشآت النووية، وتأمين الممرات البحرية، ومنع التوسع الإقليمي للحرب، فإنها تكون قد أضافت إلى أوراقها ورقة الشرعية السياسية العابرة للمحاور.
كما أن هذه المقاربة ترتبط بما يمكن تسميته “صراع القواعد والمعايير”. فالقوة في عصرنا لا تُقاس فقط بمن يملك السلاح، بل أيضاً بمن ينجح في فرض المفردات التي يتحدث بها العالم: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، سيادة الدول، سلامة المنشآت النووية، حرية الملاحة، المساعدات الإنسانية. من يحتكر تعريف هذه العبارات، أو على الأقل يساهم في صياغتها، يمتلك نفوذاً ناعماً قد يتحول لاحقاً إلى نفوذ صلب. والصين تبدو واعية تماماً لهذه الحقيقة.
ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟ بين فرص التنويع ومخاطر الارتهان لتنافس الكبار
بالنسبة إلى الدول العربية، لا ينبغي التعامل مع هذا التطور بمنطق الانبهار ولا بمنطق الريبة المطلقة. الفرصة التي يتيحها صعود الدبلوماسية الصينية هي توسيع هامش الحركة وعدم البقاء تحت سقف وسيط دولي واحد. كثير من العواصم العربية، خصوصاً بعد العقدين الماضيين، باتت أكثر ميلاً إلى تنويع الشراكات الدولية وعدم حصر خياراتها في قناة واحدة، سواء في الأمن أو الاقتصاد أو الاستثمار أو التكنولوجيا. من هذه الزاوية، فإن حضوراً صينياً أوسع قد يمنح بعض الدول مجالاً أكبر للمناورة وتحسين شروط التفاوض.
لكن الوجه الآخر للعملة لا يقل أهمية. فكلما اشتد التنافس بين القوى الكبرى، ازدادت احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة رسائل متبادلة. العرب يعرفون جيداً كلفة أن تتحول أوطانهم إلى ميادين اختبار لنفوذ الآخرين. ومن ثم فإن الحكمة تقتضي الاستفادة من تعدد الشركاء من دون السقوط في فخ الارتهان لمحاور متصارعة. بكلمات أوضح: المطلوب سياسة عربية ترى في التحرك الصيني فرصة لإعادة التوازن، لا دعوة لاستبدال تبعية بأخرى.
كما أن على النخب العربية، السياسية والإعلامية والفكرية، أن تقرأ التحول الصيني بعيون مفتوحة. فالصين، رغم خطابها الهادئ، ليست جمعية خيرية دولية، بل قوة كبرى لديها مصالحها وحساباتها الاستراتيجية. هي تريد استقرار تدفق الطاقة، وتأمين طرق التجارة، وتعزيز مكانتها في النظام العالمي، وتخفيف قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بإدارة الأزمات. هذا لا يجعل دورها سلبياً بالضرورة، لكنه يضعه في حجمه الطبيعي: دور دولة كبرى تتحرك وفق مصالحها، حتى وهي ترفع شعارات الحوار والتهدئة.
ومن المفيد هنا تذكير القارئ العربي بأن مفهوم “الوساطة” في العلاقات الدولية لا يشبه الصورة المثالية التي تظهر في الأدبيات الأخلاقية. الوسيط ليس حَكَماً منزهاً دائماً، بل طرفاً يبحث أيضاً عن تثبيت مكانته وكسب الثقة وتوسيع نفوذه. ولهذا فإن نجاح الصين في أن يُنظر إليها كطرف “لا بد من التحدث معه” قد يكون في حد ذاته إنجازاً استراتيجياً حتى لو لم تتمكن من فرض اتفاق نهائي.
الانعكاس الآسيوي الأوسع: لماذا تراقب سيول وطوكيو وعواصم أخرى هذا المشهد بقلق؟
إذا كان الشرق الأوسط هو مسرح الحدث المباشر، فإن ارتداداته تتجاوز المنطقة بكثير. في شرق آسيا، تراقب دول مثل كوريا الجنوبية واليابان بدقة صعود الحضور الصيني في ملفات الأمن والدبلوماسية الدولية. السبب بسيط: أي توسع في قدرة بكين على الظهور كفاعل مسؤول في إدارة الأزمات يمنحها رصيداً إضافياً على الساحة العالمية، وقد ينعكس على ملفات أخرى أكثر قرباً من المصالح الآسيوية المباشرة.
كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، ترتبط بالشرق الأوسط عبر الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والشحن البحري والصناعات التكنولوجية. وهي في الوقت نفسه حليف أمني وثيق للولايات المتحدة وشريك اقتصادي كبير للصين. لذلك فإن أي تغير في صورة الصين الدولية، من “قوة اقتصادية صاعدة” إلى “قوة دبلوماسية وسياسية تملك أوراقاً في إدارة الأزمات”، يفرض على سيول مراجعة دقيقة لحساباتها. كيف توازن بين تحالفها مع واشنطن وحاجتها إلى الحفاظ على علاقات مستقرة مع بكين؟ وكيف تصوغ خطاباً دبلوماسياً لا يبدو منغلقاً داخل ثنائية صلبة بين المعسكرين؟
هذا السؤال لا يخص كوريا وحدها، بل يخص جزءاً كبيراً من آسيا والعالم النامي. فالنظام الدولي الذي قد يتبلور بحلول عام 2026 يبدو أقل اعتماداً على منطق “القوة العسكرية فقط”، وأكثر ميلاً إلى المزج بين الوساطة، وصناعة المنصات، والتحكم في الخطاب، والتأثير في المؤسسات متعددة الأطراف. بمعنى آخر، قد لا يكون السباق المقبل فقط على التسلح، بل أيضاً على من يملك القدرة على جمع الخصوم في غرفة واحدة، أو على الأقل إقناع العالم بأنه قادر على ذلك.
هذا يفسر لماذا تبدو تحركات وانغ يي أكبر من مجرد جولة اتصالات عابرة. فهي تأتي في سياق اختبار أوسع لقدرة الصين على تحويل نفسها إلى طرف ضروري في أزمات كانت تاريخياً تدور في فضاء نفوذ أميركي واضح. وحتى إذا لم تنجح بكين في ترجمة كل ذلك إلى مكاسب مباشرة وسريعة، فإنها تراكم ما هو أهم في عالم السياسة: الاعتياد على حضورها كخيار مطروح.
خلاصة المشهد: 2026 قد تكون سنة اختبار لمن يملك حق الكلام باسم “الاستقرار”
الذي يتغير أمامنا ليس فقط ميزان القوة، بل تعريف القوة نفسها. في الماضي القريب، كان السؤال المركزي في الأزمات هو: من يتدخل؟ اليوم، يضاف إليه سؤال آخر لا يقل أهمية: من ينجح في أن يصبح صوته مرجعاً عندما يتحدث عن وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومنع التوسع، وفتح باب التفاوض؟ الصين تسعى بوضوح إلى احتلال هذا الموقع. وهي تفعل ذلك بهدوء محسوب، مستفيدة من تعب النظام الدولي القديم، ومن رغبة دول كثيرة في عالم أكثر تعدداً في مراكز التأثير.
بالنسبة إلى القارئ العربي، فإن أهمية هذا التحول لا تكمن في متابعة تفاصيل الدبلوماسية الصينية بوصفها شأناً شرق آسيوياً بعيداً، بل في فهم أن الشرق الأوسط نفسه أصبح جزءاً من معركة أوسع على شكل النظام الدولي المقبل. وهذه المعركة لا تُحسم فقط في مجلس الأمن أو في القواعد العسكرية، بل أيضاً في المكالمات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية، ولغة البيانات، والقدرة على مخاطبة العالم من أكثر من بوابة.
قد لا تكون بكين قادرة اليوم على الحلول محل واشنطن في المنطقة، وقد لا ترغب أصلاً في تحمّل كل أكلاف هذا الدور. لكنها بالتأكيد تريد شيئاً آخر لا يقل أهمية: أن يعتاد العالم على فكرة أن إدارة الأزمات الكبرى لم تعد حكراً على طرف واحد. وإذا ترسخت هذه الفكرة خلال العامين المقبلين، فإن 2026 قد تُسجل فعلاً كنقطة انعطاف في تاريخ العلاقات الدولية؛ سنة لا يُسأل فيها فقط من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك أيضاً المنصة الأوسع، واللغة الأكثر إقناعاً، والشبكة الأقدر على تحويل الأزمة إلى نفوذ.
وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الجغرافيا بالنفط، والممرات البحرية بالتاريخ، والقضية الفلسطينية بالأمن الإقليمي، لا يمكن الاستهانة بمن يحاول إعادة تعريف قواعد الوساطة. هنا بالضبط تكمن دلالة الحراك الصيني: ليس لأنه أنهى حرباً، بل لأنه يحاول أن يثبت أن له حقاً في الجلوس حيث تُرسم خرائط ما بعد الحرب. وذلك، في حسابات السياسة الدولية، قد يكون بداية التغيير الحقيقي.
0 تعليقات