أزمة سوق العقارات في كوريا الجنوبية: تحديات لوائح DSR وتأثيراتها المجتمعية
20 سبتمبر 2025، يواجه سوق العقارات في كوريا الجنوبية أزمة غير مسبوقة تُعتبر من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الكوري في العقد الحالي. هذه الأزمة العقارية لا تقتصر آثارها على القطاع السكني فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب اقتصادية واجتماعية واسعة تؤثر على حياة ملايين الكوريين، من الشباب الذين يسعون لشراء منازلهم الأولى إلى كبار السن الذين يعتمدون على استثماراتهم العقارية كمصدر دخل للتقاعد.
أدى تنفيذ لوائح DSR (نسبة خدمة الدين) المرحلة الثالثة إلى تقييد الوصول إلى القروض العقارية بشدة، مما خلق حالة من عدم اليقين في السوق وأثر بشكل مباشر على قدرة المواطنين على تمويل شراء المساكن. هذه اللوائح، التي تهدف أساساً لحماية النظام المصرفي من المخاطر المفرطة وضمان الاستقرار المالي، أصبحت سيفاً ذا حدين يحمي الاقتصاد من ناحية ويقيد الحقوق السكنية للمواطنين من ناحية أخرى.
فهم لوائح DSR وتأثيراتها المباشرة
نسبة خدمة الدين (DSR) هي مؤشر مصرفي يقيس نسبة إجمالي التزامات الدين الشهرية للمقترض مقارنة بدخله الشهري. في إطار المرحلة الثالثة من هذه اللوائح، تم تخفيض الحد الأقصى المسموح به من 60% إلى 40% للقروض العقارية في مناطق سيول الكبرى وبوسان، بينما انخفض من 70% إلى 50% في المناطق الأخرى. هذا التشديد يعني أن مقترضاً بدخل شهري 5 ملايين وون (حوالي 3,750 دولار) لا يمكنه الآن الحصول على قرض يتطلب أقساطاً شهرية تزيد عن 2 مليون وون، مقارنة بـ 3 ملايين وون سابقاً.
البيانات الحكومية تُشير إلى أن هذه التغييرات أثرت على 68% من طلبات القروض العقارية الجديدة، حيث تم رفض أو تأجيل معالجة حوالي 340,000 طلب قرض خلال الربع الثاني من عام 2025. هذا الانخفاض الحاد في الموافقات على القروض أدى إلى تراجع مبيعات العقارات بنسبة 35% مقارنة بالعام السابق، مما خلق حلقة مفرغة من انخفاض الطلب وتراجع الأسعار في بعض المناطق.
الأثر لم يقتصر على المشترين الجدد، بل امتد ليشمل أصحاب العقارات الحاليين الذين يجدون صعوبة في إعادة تمويل قروضهم القائمة أو بيع ممتلكاتهم. سوق العقارات التجارية أيضاً تأثر بشدة، حيث انخفضت استثمارات العقارات التجارية بنسبة 28% خلال الأشهر الستة الماضية، مما أثر على قطاع الإنشاءات والتطوير العقاري بشكل عام.
الآثار الاجتماعية والديموغرافية
الفئة الأكثر تضرراً من هذه السياسات هي الشباب الكوري في الفئة العمرية 25-35 عاماً، والذين يُشكلون 42% من طالبي القروض العقارية. دراسة أجرتها مؤسسة الإسكان الكورية أظهرت أن 73% من الشباب في هذه الفئة العمرية اضطروا لتأجيل خطط شراء منازلهم لمدة تتراوح بين 3-5 سنوات إضافية. هذا التأجيل لا يؤثر فقط على الخطط السكنية، بل يمتد ليشمل قرارات الزواج وتكوين الأسرة، مما يُفاقم مشكلة تراجع معدلات الولادة في كوريا الجنوبية.
العائلات ذات الدخل المتوسط تواجه تحدياً مضاعفاً، حيث تجد نفسها في وضع لا تستطيع فيه تحمل أسعار العقارات في المناطق المرغوبة، ولا تقدر على الحصول على تمويل كافٍ للانتقال إلى مناطق أبعد وأقل تكلفة بسبب قيود DSR. هذا الوضع أدى إلى ظهور ما يُسمى بـ "جيل الإيجار الدائم"، وهم الأشخاص الذين سيضطرون للبقاء في العقارات المستأجرة طوال حياتهم دون القدرة على التملك.
في المقابل، أدت هذه السياسات إلى تحسن نسبي في إمكانية الوصول للإيجار في بعض المناطق، حيث انخفضت أسعار الإيجار بنسبة 12% في المتوسط بسبب زيادة العرض من العقارات التي لم تُباع. لكن هذا التحسن جاء على حساب قطاع واسع من المجتمع الذي يرى في التملك استثماراً طويل الأمد وضماناً للأمان المالي في المستقبل.
استجابة الحكومة والقطاع المصرفي
الحكومة الكورية، تحت ضغط شعبي متزايد، أعلنت عن حزمة من الإجراءات التصحيحية تهدف لتخفيف حدة الأزمة العقارية دون التضحية بالاستقرار المالي. هذه الحزمة تشمل إنشاء صندوق حكومي للإسكان بقيمة 15 تريليون وون (حوالي 11.2 مليار دولار) لتوفير قروض ميسرة للمشترين الأوائل والعائلات ذات الدخل المحدود. كما تم الإعلان عن برنامج لبناء 150,000 وحدة سكنية جديدة بأسعار معقولة خلال السنوات الثلاث القادمة.
البنوك الكورية الكبرى، مثل KB Kookmin Bank وShinhan Bank، طورت منتجات مصرفية جديدة تتكيف مع قيود DSR. هذه المنتجات تشمل قروضاً مرنة بأقساط متدرجة تبدأ منخفضة وترتفع تدريجياً مع توقع زيادة دخل المقترض، وقروضاً مشتركة تجمع بين عدة مقترضين من نفس العائلة أو الأصدقاء. كما تم إدخال نظام "القروض الذكية" التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقييم القدرة على السداد بطرق أكثر دقة من الطرق التقليدية.
صندوق النقد الدولي أشاد بالسياسات الكورية للحد من المخاطر المصرفية، لكنه حث على إيجاد توازن أفضل بين الاستقرار المالي والوصول للإسكان. البنك الدولي قدم قرضاً تنموياً بقيمة 2.5 مليار دولار لدعم برامج الإسكان الاجتماعي في كوريا، معتبراً هذه التجربة نموذجاً يمكن تطبيقه في دول أخرى تواجه تحديات مشابهة.
مقارنات إقليمية وحلول مبتكرة
تجربة كوريا الجنوبية مع أزمة العقارات تُذكر بتجارب مشابهة في دول آسيوية أخرى، خاصة سنغافورة وهونغ كونغ، اللتان واجهتا تحديات مشابهة في العقود الماضية. سنغافورة طورت نموذج "الإسكان العام المملوك" حيث تبني الحكومة شققاً وتبيعها للمواطنين بأسعار مدعومة، مع شروط تمنع المضاربة والبيع لغير المواطنين. هذا النموذج نجح في توفير السكن لأكثر من 82% من السكان بأسعار معقولة.
اليابان، التي مرت بأزمة عقارية مدمرة في التسعينيات، طورت نظاماً للقروض العقارية طويلة الأمد (حتى 50 عاماً) مع أسعار فائدة ثابتة ومنخفضة. هذا النظام يقلل من الأعباء الشهرية على المقترضين ويجعل التملك أكثر إمكانية للطبقة الوسطى. الحكومة الكورية تدرس تطبيق نموذج مشابه، مع تعديلات تتناسب مع الظروف المحلية والنظام المصرفي الكوري.
من الحلول المبتكرة التي تبنتها الحكومة الكورية مؤخراً هو نظام "التملك التدريجي" حيث يبدأ المواطن كمستأجر ثم يتحول تدريجياً إلى مالك من خلال دفع أقساط تُحتسب جزئياً كإيجار وجزئياً كسداد لثمن العقار. هذا النظام يتيح للأشخاص ذوي الدخل المحدود الوصول للتملك دون الحاجة لدفعة أولى كبيرة أو الحصول على قرض بنكي تقليدي.
التوقعات المستقبلية وسيناريوهات التعافي
خبراء العقارات يتوقعون أن تستمر تأثيرات أزمة DSR لمدة 18-24 شهراً إضافية قبل أن يبدأ السوق في التعافي التدريجي. هذا التوقع مبني على التجارب السابقة للأزمات العقارية في دول متقدمة أخرى، والتي أظهرت أن الأسواق تحتاج عادة لفترتين إلى ثلاث سنوات للتكيف مع السياسات التنظيمية الجديدة. العوامل التي ستحدد سرعة التعافي تشمل مدى نجاح البرامج الحكومية الجديدة، وتطور أسعار الفائدة العالمية، ومعدلات النمو الاقتصادي الكوري.
سيناريو التعافي الأكثر تفاؤلاً يتوقع استقرار أسعار العقارات في النصف الثاني من 2026، مع نمو تدريجي بنسبة 3-5% سنوياً بعد ذلك. هذا السيناريو يعتمد على نجاح البرامج الحكومية في زيادة المعروض من الوحدات السكنية بأسعار معقولة، وتكيف البنوك مع بيئة DSR الجديدة من خلال تطوير منتجات مالية مبتكرة. السيناريو الأكثر تحفظاً يتوقع استمرار التذبذب في الأسعار حتى 2027، مع تعافٍ أبطأ وأكثر تدرجاً.
في الختام، تُمثل أزمة العقارات الكورية نموذجاً معقداً للتوازن المطلوب بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية في الوصول للسكن. الحلول المُطبقة حالياً ستُحدد إلى حد كبير شكل السوق العقاري الكوري للعقد القادم، وقد تُقدم دروساً مهمة للدول الأخرى التي تواجه تحديات مشابهة. النجاح في حل هذه الأزمة سيتطلب تضافر جهود الحكومة والقطاع المصرفي والمجتمع المدني، مع التركيز على إيجاد حلول مستدامة تلبي احتياجات جميع فئات المجتمع الكوري.
0 تعليقات