
صورة للمساعدة في فهم المقال
ابتكار كوري يغيّر طريقة تعلّم الروبوتات من خلال مشاركة الخبرات
تتجه المنافسة العالمية في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلى مرحلة جديدة لا يعتمد فيها التفوق فقط على قوة الأجهزة أو سرعة المعالجات، بل على قدرة الآلات نفسها على التعلم من التجارب المختلفة. وفي هذا السياق أعلن فريق بحثي في جامعة أولسان الوطنية للعلوم والتكنولوجيا (UNIST) في كوريا الجنوبية تطوير تقنية جديدة تحمل اسم «فيديـبس FeDepth» تهدف إلى تحسين قدرة الروبوتات على تقدير المسافات وفهم البيئة المحيطة بها.
التقنية الجديدة التي طورها فريق الأستاذ جو كيونغ دون من كلية الذكاء الاصطناعي في UNIST تقوم على فكرة بسيطة لكنها تحمل تأثيراً كبيراً: ماذا لو استطاعت الروبوتات المختلفة أن تتعلم من خبرات بعضها بعضاً دون الحاجة إلى إرسال البيانات الأصلية التي تجمعها؟
في عالم الروبوتات، تعتبر الكاميرا أكثر من مجرد أداة للتصوير. فهي تمثل «عين» الروبوت التي تساعده على فهم المكان الذي يتحرك فيه، ومعرفة المسافة بينه وبين الأشياء، وتحديد شكل البيئة المحيطة. ومن دون قدرة دقيقة على تقدير العمق والمسافات، تصبح تطبيقات مثل القيادة الذاتية، والروبوتات اللوجستية، وروبوتات الإنقاذ أكثر صعوبة.
لكن المشكلة الأساسية التي واجهها الباحثون هي أن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بفهم العمق يحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات المتنوعة. فكل بيئة تقدم تحديات مختلفة: روبوت يعمل داخل مصنع يرى مشاهد تختلف عن طائرة مسيرة تحلق فوق الغابات، كما أن روبوت الخدمة داخل المدن يواجه ظروفاً مختلفة عن روبوت يستخدم في عمليات الإنقاذ.
الحل الذي قدمته تقنية FeDepth يعتمد على مفهوم «التعلم الاتحادي» أو Federated Learning، وهو أسلوب يسمح للأجهزة المختلفة بالتعلم المشترك مع إبقاء البيانات الأصلية داخل الجهاز نفسه، بدلاً من إرسال الصور والفيديوهات إلى خادم مركزي.
من حماية البيانات إلى تحسين ذكاء الروبوتات
يكتسب التعلم الاتحادي أهمية متزايدة في قطاع التكنولوجيا العالمي بسبب الحاجة إلى تحقيق توازن بين الاستفادة من البيانات وحماية الخصوصية. ففي النموذج التقليدي، تجمع الشركات كميات هائلة من البيانات في مركز واحد لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن هذا الأسلوب يواجه تحديات تتعلق بالتكلفة، والأمن، وإدارة البيانات.
أما في التعلم الاتحادي، فإن كل جهاز أو روبوت يحتفظ ببياناته محلياً، ويرسل فقط نتائج التعلم أو تحديثات النموذج الذكي. غير أن هذا الأسلوب واجه مشكلة تقنية تعرف باسم «اختلاف البيانات»؛ إذ إن الأجهزة المشاركة لا ترى العالم بالطريقة نفسها.
على سبيل المثال، قد تجمع طائرة مسيرة صوراً من السماء، بينما يجمع روبوت رباعي الأرجل صوراً من مستوى الأرض. وإذا تم دمج نتائج التعلم بينهما بطريقة حسابية بسيطة، فقد لا يحصل النظام النهائي على أفضل أداء ممكن.
هنا جاءت إضافة فريق UNIST من خلال استخدام تقنية «التجميع الناعم» أو Soft Clustering. وبدلاً من التعامل مع جميع الروبوتات كمجموعة واحدة، تقوم التقنية بتشكيل مجموعات من الروبوتات التي تمتلك خصائص تصوير أو بيئات تشغيل متشابهة، ثم تجمع نتائج التعلم بينها.
لكن الميزة الأبرز أن الروبوت الواحد لا يتم وضعه داخل مجموعة ثابتة فقط. فقد تستطيع طائرة مسيرة تعمل في منطقة غابات مشاركة بعض خبراتها مع روبوت بري يتحرك في البيئة نفسها، وفي الوقت ذاته تستفيد من طائرات مسيرة أخرى تعمل في ظروف مختلفة. أي أن النظام يبحث عن الخبرات المشتركة القابلة للنقل بين البيئات.
نتائج عملية: تقليل أخطاء تقدير المسافة وتعزيز تطبيقات الروبوت
وفقاً لنتائج التجارب التي أجراها فريق البحث، أدى تطبيق FeDepth على ثلاثة نماذج مختلفة للذكاء الاصطناعي الخاص بتقدير العمق إلى خفض الخطأ النسبي في تقدير المسافة بنسبة تراوحت بين 17 و32 بالمئة مقارنة بأساليب التعلم الاتحادي التقليدية.
كما أظهرت تجربة إضافية تعتمد على توزيع الروبوتات ضمن مجموعات متداخلة انخفاض الخطأ النسبي من 0.264 إلى 0.249، أي تحسن يقارب 6 بالمئة مقارنة بأسلوب التجميع التقليدي للمجموعات.
قد تبدو هذه الأرقام تقنية بالنسبة إلى المستخدم العادي، لكنها تحمل أهمية كبيرة في التطبيقات الواقعية. فالروبوت الذي يستطيع معرفة المسافة بدقة أكبر يمكنه التحرك بأمان داخل المستودعات، وتجنب العوائق في الشوارع، والوصول إلى المناطق الخطرة أثناء الكوارث الطبيعية.
ويشير هذا التطور إلى تحول مهم في صناعة الروبوتات: المنافسة لم تعد فقط حول تصنيع روبوت أقوى أو أسرع، بل حول بناء منظومة تستطيع فيها آلاف الروبوتات التعلم معاً وتبادل المعرفة بطريقة آمنة.
ويرى الباحثون أن التقنية يمكن أن تجد تطبيقات في مجالات متعددة مثل السيارات ذاتية القيادة، والخدمات اللوجستية، وروبوتات التوصيل، والروبوتات الخدمية، ومراقبة الغابات، وعمليات البحث والإنقاذ.
كوريا الجنوبية تراهن على «ذكاء الروبوتات» وليس فقط صناعة الأجهزة
يعكس تطوير FeDepth جانباً مهماً من استراتيجية كوريا الجنوبية في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات. فالدولة التي بنت قوتها الصناعية خلال العقود الماضية عبر الإلكترونيات وأشباه الموصلات تتحرك اليوم نحو مرحلة جديدة تقوم على امتلاك تقنيات البرمجيات والخوارزميات التي تمنح الأجهزة قدرتها على اتخاذ القرار.
وتتنافس الدول الكبرى حالياً على تطوير ما يسمى «اقتصاد الروبوتات»، حيث لا يكفي إنتاج الأجهزة الميكانيكية، بل تصبح البيانات والخبرة المتراكمة والقدرة على التعلم عناصر أساسية في تحديد الريادة.
وتظهر تقنية FeDepth أن الاتجاه المستقبلي قد لا يكون في وجود روبوت واحد خارق، وإنما شبكة واسعة من الروبوتات التي تتشارك المعرفة. وهذا يشبه إلى حد كبير الطريقة التي تطورت بها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة، حيث أصبحت قوة النظام مرتبطة بقدرته على التعلم المستمر من مصادر متعددة.
كما أن اعتماد أساليب لا تتطلب نقل البيانات الأصلية قد يصبح عاملاً مهماً في القطاعات التي تتعامل مع معلومات حساسة، مثل المدن الذكية، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الحيوية.
ماذا يعني هذا التطور للعالم العربي وأسواق المنطقة؟
يحمل تقدم كوريا الجنوبية في مجال روبوتات الذكاء الاصطناعي دلالات مهمة بالنسبة إلى الدول العربية، خصوصاً مع توسع الاستثمارات في التحول الرقمي والمدن الذكية والأتمتة الصناعية في عدد من أسواق المنطقة.
فالعديد من الدول العربية تعمل على تطوير قطاعات مثل الخدمات اللوجستية، والمطارات الذكية، والموانئ، والصناعة، والرعاية الصحية، وهي مجالات يمكن أن تستفيد مستقبلاً من روبوتات أكثر قدرة على فهم البيئة المحيطة بها.
بالنسبة إلى الشركات العربية، فإن أهمية تقنيات مثل FeDepth لا تكمن فقط في شراء روبوتات جاهزة، بل في بناء شراكات معرفية مع الشركات والمؤسسات البحثية التي تطور البنية الذكية لهذه الأنظمة. فالمرحلة القادمة من سوق الروبوتات قد تعتمد على البرمجيات والخوارزميات بقدر اعتمادها على المعدات.
كما أن التعاون بين كوريا والدول العربية في مجالات الذكاء الاصطناعي أصبح مجالاً متنامياً، مع اهتمام الجانبين بتطوير الاقتصاد الرقمي ونقل التكنولوجيا. ويمكن لتقنيات التعلم الاتحادي أن تكون ذات قيمة خاصة في القطاعات التي تتطلب حماية البيانات، مثل الخدمات الحكومية والصحية والمالية.
وفي الأسواق العربية التي تشهد توسعاً في مشاريع المدن الذكية، قد تصبح الروبوتات القادرة على التعلم من بيئات متعددة جزءاً من منظومة مستقبلية تشمل النقل الذكي، والخدمات العامة، وإدارة المنشآت الكبرى. لكن الاستفادة الحقيقية ستحتاج إلى تطوير الكفاءات المحلية، ووضع أطر تنظيمية واضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
المستقبل: عندما تصبح الروبوتات شبكة معرفة عالمية
تقدم تجربة FeDepth نموذجاً لاتجاه أوسع في صناعة الذكاء الاصطناعي: الانتقال من عصر جمع أكبر كمية ممكنة من البيانات إلى عصر استخدام البيانات بطريقة أكثر ذكاءً وكفاءة.
فالروبوتات المنتشرة في المصانع أو المدن أو البيئات الطبيعية يمكن أن تصبح مصادر خبرة متبادلة، بحيث يساعد كل جهاز في تحسين أداء الآخرين دون الحاجة إلى نقل كل ما يراه ويسجله.
لكن نجاح هذا الاتجاه عالمياً سيعتمد على عدة عوامل، منها تطوير المعايير المشتركة بين الشركات، وضمان أمن أنظمة التعلم، وتوفير البنية التحتية الرقمية المناسبة.
بالنسبة لكوريا الجنوبية، يمثل هذا النوع من الأبحاث خطوة في سباق عالمي لا يقتصر على تصنيع الروبوتات، بل يمتد إلى امتلاك العقل الذي يجعلها أكثر استقلالية وذكاء. وبالنسبة للدول العربية، فإن التطورات الكورية تقدم فرصة لمتابعة شريك تكنولوجي مهم في مرحلة يتحول فيها الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة إلى عنصر أساسي في الاقتصاد والمجتمع.
0 تعليقات