광고환영

광고문의환영

«سائق التاكسي» الكوري: حين قادت سيارة أجرة عادية ذاكرة أمة إلى الشاشة الكبيرة

«سائق التاكسي» الكوري: حين قادت سيارة أجرة عادية ذاكرة أمة إلى الشاشة الكبيرة

صورة للمساعدة في فهم المقال

فيلم لا يكتفي بسرد الماضي بل يسأل الحاضر

ليس من السهل على أي فيلم يتناول جرحًا وطنيًا مفتوحًا أن يتحول إلى عمل جماهيري واسع، لكن هذا تحديدًا ما حققه الفيلم الكوري الجنوبي «سائق التاكسي» الذي عُرض عام 2017، وتناول وقائع انتفاضة غوانغجو الديمقراطية في مايو/أيار 1980 من خلال قصة مستوحاة من أحداث حقيقية. في الظاهر، نحن أمام حكاية بسيطة عن سائق أجرة من سيول يقبل نقل راكب أجنبي إلى مدينة بعيدة مقابل مبلغ من المال. لكن هذه البساطة ليست سوى المدخل الذي اختاره الفيلم للاقتراب من واحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الكوري الحديث: لحظة اصطدمت فيها إرادة الناس بآلة القمع، وأصبح توثيق الحقيقة فعلًا محفوفًا بالخطر.

أهمية الفيلم، عربيًا قبل أن تكون كورية، لا تكمن فقط في موضوعه السياسي أو التاريخي، بل في الطريقة التي يروي بها التاريخ من أسفل، من مستوى الإنسان العادي الذي لا يذهب إلى الحدث بدافع البطولة أو الإيديولوجيا، بل بدافع الرغبة في كسب لقمة العيش. هذه نقطة شديدة القرب من المزاج العربي في التلقي؛ فالمشاهد العربي اعتاد أن يرى التحولات الكبرى من خلال مصائر الناس البسطاء: سائق، معلم، طالب، صحافي، أو أب يخشى على أسرته. لذلك يبدو «سائق التاكسي» أقرب إلى ما فعلته أعمال عربية كبيرة حين جعلت الخاص طريقًا إلى العام، واليومي بابًا لفهم المأساة الوطنية.

الفيلم من إخراج جانغ هون، ويشارك في بطولته سونغ كانغ هو، يو هاي جين، ريو جون يول، والممثل الألماني توماس كريتشمان. غير أن النجومية هنا لا تعمل على تلميع التاريخ أو تزيينه، بل على جعله قابلًا للوصول إلى جمهور واسع. فبدل أن يبدأ العمل بخطاب سياسي مباشر أو بسرد تاريخي ثقيل، يفتتح يومه العادي بأغنية معروفة وبمشاهد حياة رجل يقلقه الإيجار المتأخر ويعيش مع ابنته في سيول. ثم، خطوة بعد أخرى، يدخل هذا الرجل إلى قلب حدث سيغيّر نظرته إلى العالم.

في زمن عربي يشهد بدوره نقاشات متواصلة حول الذاكرة، والرواية الرسمية، ودور الصورة في حفظ الحقيقة، يبدو هذا الفيلم أكثر من مجرد عنوان ناجح من السينما الكورية. إنه نموذج لكيف يمكن للسينما أن تتحول من صناعة ترفيه إلى وسيلة لفهم ما جرى، ومن شاشة عرض إلى مساحة مواجهة مع سؤال بالغ الحساسية: ماذا نفعل حين تصبح الحقيقة نفسها محاصرة؟

من حكاية فردية إلى ذاكرة جماعية: كيف كسب الفيلم جمهوره؟

اللافت في «سائق التاكسي» أنه لم يبقَ فيلمًا نخبويًا موجهًا لمن يعرفون تفاصيل غوانغجو سلفًا، بل دخل ما يُعرف في كوريا الجنوبية بفئة «أفلام العشرة ملايين مشاهد». وهذه صفة ليست تجارية فحسب، بل ثقافية أيضًا، لأن بلوغ هذا الرقم يعني أن العمل خرج من دائرة المهتمين بالتاريخ السياسي إلى مساحة الذائقة العامة. ووفق الأرقام المعلنة آنذاك، جمع الفيلم خلال يومي 5 و6 أغسطس/آب أكثر من 2.2 مليون مشاهد عبر 1906 شاشات، وبلغ عدد مشاهديه التراكمي في 7 أغسطس/آب أكثر من 4.36 ملايين، قبل أن يعلن موزعه وصوله إلى 6 ملايين مشاهد تقريبًا في 10 أغسطس/آب. هذه القفزة السريعة تؤكد أن الجمهور لم يتعامل معه كواجب وطني ثقيل، بل كفيلم حيّ وجد فيه مدخلًا إنسانيًا إلى التاريخ.

سر هذا النجاح يكمن في البناء الدرامي. فالبطل، المستوحى من شخصية السائق الحقيقي كيم سابوك، ليس ناشطًا سياسيًا ولا مثقفًا مشغولًا بالشأن العام. إنه رجل يعمل تحت ضغط المعيشة، ويقبل المهمة لأنه سمع أن هناك مئة ألف وون تنتظره إذا عاد في الوقت المحدد. هذا الدافع المادي البسيط هو ما يمنح الحكاية صدقها. فالجمهور، في كوريا وخارجها، يثق أكثر بالشخصية التي تتغير تدريجيًا بفعل ما تراه، لا بالشخصية التي تدخل القصة وهي مكتملة الوعي والبطولة.

هنا يلتقي السائق الكوري العادي مع الصحافي الألماني يورغن هينتسبيتر، مراسل ARD/NDR الذي أراد دخول غوانغجو لتوثيق ما يحدث ونقل صورته إلى العالم. وبين الرجلين فجوة لغة وفهم وخبرة، لكن الفيلم يحول هذه الفجوة إلى جهاز سردي ذكي: أحدهما يعرف أن هناك حقيقة تُقمع ويجب كشفها، والآخر لا يعرف إلا أن أمامه رحلة عمل ينبغي أن تنتهي قبل حظر التجول. وفي هذه المسافة بين الجهل والمعرفة، وبين الحاجة والواجب، تتشكل رحلة الفيلم بأكملها.

هذا البناء مهم جدًا لفهم تأثير الفيلم في الجمهور العربي أيضًا. فنحن أمام عمل لا يطالب المتلقي منذ اللحظة الأولى بحيازة موقف سياسي مكتمل، بل يدعوه إلى اكتشاف الحقيقة بالتدرج. وهذه من أكثر طرق السرد فاعلية حين يكون الموضوع حساسًا أو بعيدًا نسبيًا عن خبرة الجمهور المباشرة. ولذلك يمكن القول إن الفيلم لا ينجح فقط لأنه يتناول حدثًا كبيرًا، بل لأنه يعرف أن الوصول إلى الحدث الكبير يمر من التفاصيل الصغيرة: سيارة أجرة، أغنية مألوفة، قلق أب على ابنته، وراكب غريب يحمل كاميرا ويصر على الوصول.

غوانغجو على الشاشة: لماذا تبقى قصة الشهود أقوى من الشعارات؟

حين يصل البطلان إلى غوانغجو، يواجهان مدينة مختلفة عما عرفاه في الخارج: طرق مغلقة، جنود يسيطرون على المداخل، شوارع مضطربة، ومحال أُسدلَت عليها الستائر في وضح النهار. بالنسبة إلى السائق، تبدو المدينة مكانًا يجب مغادرته سريعًا. أما بالنسبة إلى الصحافي، فهي ساحة ينبغي تسجيلها بالصورة قبل أن تُطمس. هذه الازدواجية ليست مجرد تفصيلة درامية، بل لبّ الفكرة التي يصوغها الفيلم: التاريخ لا يظهر للجميع بالطريقة نفسها، والحقيقة لا تصبح عامة إلا حين يجد من يراها ومن ينقلها ومن يصدّقها.

الفيلم يضيف إلى هذا الثنائي شخصيات أخرى: طالب جامعي يتولى الترجمة بين الأجنبي والكوريين، وسائق أجرة محليًا، وصحافيًا من جريدة إقليمية. بهذا المعنى، لا يجعل العمل من الشهادة فعلًا فرديًا معزولًا، بل سلسلة من الأدوار المتكاملة. فالكاميرا وحدها لا تكفي، ولا الشجاعة وحدها، ولا المعرفة وحدها. هناك دائمًا من يقود، ومن يترجم، ومن يدل الطريق، ومن يفتح الباب، ومن يقرر أن يصدق عينيه بدلًا من الاكتفاء بما يُقال له.

وهذا بالتحديد ما يمنح «سائق التاكسي» بعدًا يتجاوز كوريا الجنوبية. فالعديد من المجتمعات، بما فيها المجتمعات العربية، تعرف جيدًا معنى أن تصبح المعلومة ساحة نزاع، وأن يكون الوصول إلى المشهد جزءًا من المعركة نفسها. لذلك يبدو الفيلم، في جوهره، أقل انشغالًا بإعادة بناء الماضي حرفيًا، وأكثر اهتمامًا بآلية خروج الحقيقة إلى العلن. من الذي يملك الصورة؟ من الذي يُسمح له بالدخول؟ من الذي يدفع الثمن؟ ومن الذي يتأخر في الفهم قبل أن يدرك أن المسألة أكبر من رحلة عابرة؟

ومن هنا يمكن فهم التأثير العاطفي والسياسي معًا الذي يتركه الفيلم. إنه لا يطلب التعاطف مع الضحايا فقط، بل يضع المشاهد أمام مسؤولية الشاهد. حتى البطل نفسه لا يتخذ موقفه الكامل دفعة واحدة؛ فهو يتردد، يخاف، يفكر في ابنته، وفي لقمة عيشه، وفي عودته إلى سيول. وهذه الواقعية النفسية تجعل الفيلم أكثر قوة من كثير من الأعمال التي تستسهل البطولة. فالبشر، في لحظات الخطر، لا يتحولون إلى رموز دفعة واحدة؛ إنهم يتذبذبون أولًا، ثم يُدفعون إلى الاختيار.

السينما الكورية بين الترفيه والذاكرة: ما الذي تغيّر؟

على مدى سنوات، تعرّف الجمهور العربي إلى كوريا الجنوبية بدرجات متفاوتة عبر الدراما التلفزيونية، والموسيقى الشعبية، ومنتجات الجمال، ثم لاحقًا عبر السينما التي وسعت حضورها عالميًا. لكن «سائق التاكسي» يلفت الانتباه إلى وجه آخر في الموجة الكورية: القدرة على تحويل التاريخ المؤلم إلى عمل جماهيري من دون تفريغه من معناه. هذه ليست مسألة فنية فقط، بل علامة على نضج الصناعة الثقافية الكورية التي لم تعد تكتفي بتصدير الصورة اللامعة، بل باتت قادرة أيضًا على تصدير أسئلتها الداخلية، وفتح ملفاتها المؤلمة أمام جمهور واسع.

في هذا المعنى، يمثل الفيلم جزءًا من اتجاه أوسع في الثقافة الكورية يرى أن الديمقراطية ليست مجرد مادة مدرسية أو ذكرى احتفالية، بل تجربة كلفة دفعها أناس حقيقيون. زوجة هينتسبيتر نقلت عنه أنه كان يرى أن إخبار الحقيقة هو مهمته، وأن غوانغجو أخذت حيزًا كبيرًا من حياته. كما عبّرت عن أملها في أن يدرك الشباب أن الديمقراطية لا تُمنح تلقائيًا. هذه الرسالة تفسر لماذا لم يُستقبل الفيلم باعتباره عملًا عن الماضي فحسب، بل باعتباره أداة لنقل الذاكرة إلى جيل لم يعش تلك الأحداث مباشرة.

الأهم أن الفيلم يقدّم نموذجًا مختلفًا عن الأعمال التاريخية الثقيلة التي ترهق المشاهد بشرح الوقائع. هو لا يروي انتفاضة غوانغجو من أعلى، من موقع المؤرخ أو السياسي، بل من زاوية الحركة داخل المكان: دخول المدينة، رؤية المصابين، سماع الرصاص، صدمة الاكتشاف، ومحاولة الخروج بالصورة. هذه الحركية تجعل التاريخ محسوسًا لا مجرد مادة توضيحية. وربما لهذا نجح الفيلم في مخاطبة الأجيال الجديدة التي لا تدخل عادة إلى التاريخ عبر الكتب أو الخطب، بل عبر الحكاية والشخصية والصورة.

ومن زاوية نقدية، لم يكن استقبال الفيلم موحدًا تمامًا. بعض النقاد رأى فيه عملًا قادرًا على حمل المشاهد داخل التيار الجارف للأحداث، فيما رأى آخرون أنه ينجح في إثارة التأثر والدموع أكثر مما يذهب إلى ما وراء ذلك من تعقيد أو مساءلة أعمق. لكن هذا الاختلاف نفسه دليل صحة، لأنه يعني أن الفيلم لم يُستهلك كمنتج عابر، بل دخل في نقاش جدي حول حدود السينما التاريخية: هل يكفي أن تجعلنا نشعر؟ أم يجب أيضًا أن توسع فهمنا البنيوي لما حدث؟ ربما تكمن قوة «سائق التاكسي» في أنه لا يدعي أن يشرح كل شيء، بل يقدم بابًا للدخول، ويترك للتاريخ والأرشيف والنقاش العام مهمة استكمال الصورة.

ماذا يعني هذا للعالم العربي؟ جمهور يتابع كوريا أبعد من الكيبوب والدراما

في العالم العربي، غالبًا ما يُختزل الحديث عن «الهاليو» أو الموجة الكورية في الموسيقى ونجوم المنصات والمسلسلات الرومانسية. لكن نجاح أفلام مثل «سائق التاكسي» يذكرنا بأن العلاقة الثقافية مع كوريا الجنوبية يمكن أن تكون أعمق من الاستهلاك الترفيهي السريع. فالجمهور العربي الذي اعتاد خلال السنوات الأخيرة متابعة الإنتاج الكوري على الشاشات والمنصات أصبح أمام فرصة لفهم المجتمع الكوري نفسه: تاريخه السياسي، ذاكرته الديمقراطية، وتوتراته بين الدولة والمجتمع والإعلام.

هذه النقطة مهمة للسوق الإعلامية العربية أيضًا. فحين تتوسع شعبية المحتوى الكوري، لا يكفي أن نغطي جديد الفرق الغنائية أو مواسم الدراما، بل يصبح من المهني أيضًا تقديم شروحات سياقية للأعمال التي تنبع من تاريخ كوريا الحديث. فيلم مثل «سائق التاكسي» يحتاج، في القراءة العربية، إلى تفسير معنى انتفاضة غوانغجو، ولماذا تُعد محطة مفصلية في الذاكرة الكورية، وكيف ارتبطت القصة بدور الصحافة الأجنبية في كسر التعتيم. هنا تتحول الصحافة الثقافية من مجرد متابعة لمنتج ناجح إلى وسيط معرفي يفتح للمشاهد العربي أبواب الفهم.

كما أن للفيلم دلالة في علاقات الثقافة والإعلام بين كوريا الجنوبية والمنطقة العربية. فكلما زاد حضور كوريا في الأسواق العربية، من الترفيه إلى التكنولوجيا إلى الشراكات الاقتصادية، صار من الطبيعي أن يتسع اهتمام الجمهور العربي بالجوانب التي تشكل الوجدان الكوري نفسه، لا بالصورة التصديرية المصقولة وحدها. وبالمقابل، هذا يطرح على المؤسسات الثقافية العربية سؤالًا موازيا: هل نملك نحن أيضًا القدرة على تحويل تاريخنا المعقد إلى أعمال جماهيرية تحافظ على الحس الإنساني وعلى الصدق السياسي في آن؟

الأثر الآخر يتعلق بمفهوم الشهادة البصرية. فالفيلم يضع الصحافي والمصور في قلب الحدث، ويعيد التذكير بأن الصورة ليست مجرد مادة إعلامية بل وثيقة قد تغيّر ما يعرفه العالم عن واقعة ما. في المنطقة العربية، حيث يعرف الجمهور وزن الصورة في تشكيل الوعي العام، تبدو هذه الفكرة مألوفة ومؤثرة. لهذا قد يجد المشاهد العربي في «سائق التاكسي» صدى لأسئلة عاشتها منطقتنا مرارًا: من الذي ينقل الحقيقة؟ من الذي يحمي الشهود؟ وكيف يمكن لفرد عادي، لم يخرج أصلًا ليكون بطلًا، أن يصبح جزءًا من ذاكرة أمة؟

في السعودية تحديدًا: ما الذي يقوله الفيلم لسوقنا الثقافية وجمهورنا؟

بالنسبة إلى السعودية، لا يمكن النظر إلى «سائق التاكسي» بوصفه فيلمًا كوريًا ناجحًا فحسب، بل كإشارة إلى نوع المحتوى الآسيوي الذي يمكن أن يجد مكانه المتزايد في السوق المحلية. الجمهور السعودي خلال السنوات الأخيرة أظهر انفتاحًا أكبر على السينما العالمية المتنوعة، وعلى متابعة الأعمال غير الناطقة بالإنجليزية، بما فيها الأعمال الكورية. وفي هذا السياق، تبدو قيمة الفيلم أنه يقدم صيغة مختلفة عن الصورة الشائعة للثقافة الكورية لدى بعض المتابعين، تلك الصورة المرتبطة أساسًا بالترفيه الخفيف أو بالرومانسية التلفزيونية.

من زاوية السوق، يعني هذا أن ثمة مساحة متنامية لأفلام تحمل بعدًا تاريخيًا أو سياسيًا إذا قُدمت بلغة إنسانية مفهومة. فالفيلم لا يعتمد على معرفة مسبقة بالتاريخ الكوري، ولا يطالب الجمهور بأن يكون متخصصًا في شؤون شرق آسيا. هو يبدأ من مشاعر معروفة لأي مشاهد في الرياض أو جدة أو الدمام: أب يريد تسديد التزاماته، رجل يتعامل مع وظيفة يومية، ثم يجد نفسه أمام اختبار أخلاقي أكبر من حساباته. هذه البنية السردية هي التي تمنح الفيلم قابلية عبور ثقافي، وتجعله مفهومًا في السعودية كما هو مفهوم في بلدان أخرى.

أما على مستوى العلاقة الأوسع مع كوريا الجنوبية، فإن الاهتمام بأعمال من هذا النوع يثري صورة الشريك الكوري في المخيال العام. فالعلاقات بين الدول لا تبنى فقط على الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا، بل أيضًا على الفهم المتبادل للتاريخ والقيم والذاكرة. حين يشاهد الجمهور السعودي فيلمًا كهذا، فهو لا يكتفي بالتعرف إلى صناعة كورية ناجحة، بل يقترب من تجربة المجتمع الكوري في مواجهة ماضيه، ومن الطريقة التي يرى بها معنى الديمقراطية ودور الصحافة ومسؤولية المواطن.

بالنسبة إلى الإعلام الثقافي السعودي، يفتح الفيلم أيضًا بابًا مهمًا: ضرورة التوسع في النقد والشرح والتحليل، لا الاكتفاء بالتوصية بالمشاهدة. فالأعمال الكورية التي تنطلق من وقائع تاريخية تحتاج إلى من يشرح خلفياتها لجمهور عربي قد يجهل تفاصيلها لكنه مستعد للتفاعل معها. وهذا يمنح الصحافة الثقافية دورًا أكبر في ربط المحتوى الأجنبي بالأسئلة المحلية: كيف تصنع السينما ذاكرة جماعية؟ ما الفرق بين الفيلم الذي يوثق والفيلم الذي يفسر؟ وهل يمكن لصناعة السينما في منطقتنا أن تستلهم هذا النموذج في الاقتراب من أحداثها الحساسة؟

بمعنى آخر، ما يقوله «سائق التاكسي» للسعودية ليس مجرد دعوة إلى مشاهدة فيلم مؤثر، بل إشارة إلى نوع الحوار الثقافي الممكن مع كوريا: حوار يقوم على قراءة المجتمع من خلال فنه، وعلى فهم أن القوة الناعمة لا تكتمل إلا حين تسمح الأمة للآخرين بأن يروا حتى جروحها، لا واجهتها البراقة فقط.

أبعد من الدموع: لماذا يستحق «سائق التاكسي» مكانته اليوم؟

القيمة الحقيقية للفيلم لا تتوقف عند أنه يروي قصة مؤثرة أو يحقق أرقامًا كبيرة، بل في أنه يطرح سؤالًا سيظل حيًا في كل زمان ومكان: ماذا يبقى من الحدث إن لم يُوثق؟ وماذا يبقى من الحقيقة إن تأخر الشهود، أو صمتوا، أو مُنعوا من الوصول؟ هذا السؤال هو الذي يجعل «سائق التاكسي» معاصرًا اليوم، رغم أن قصته تعود إلى عام 1980، ورغم أن عرضه السينمائي الأول كان في 2017. نحن لا نشاهد فقط وقائع مضت، بل نشاهد آلية تشكل الذاكرة نفسها.

والفيلم، في اختياره سائق أجرة لا قائدًا سياسيًا، يذكّرنا بأن الذاكرة الوطنية كثيرًا ما يصنعها أناس لم يخططوا لذلك. رجل أراد المال، طالب أراد أن يترجم، صحافي أراد أن يصور، ومواطنون أرادوا أن ينجوا وأن يقولوا ما يحدث. هذه السلسلة البشرية هي ما يجعل الحكاية قابلة للحياة، ويمنعها من التحول إلى درس مدرسي جامد. وربما لهذا يستجيب لها جمهور واسع، لأن المشاهد يرى نفسه في واحد من هؤلاء، لا في تمثال بطولي بعيد.

في السياق العربي، تبدو أهمية الفيلم مضاعفة. فهو يذكرنا بأن الثقافة الكورية التي وصلت إلى بيوتنا عبر الأغاني والمسلسلات تحمل أيضًا جانبًا آخر: جانب الأسئلة الثقيلة عن الدولة والمجتمع والعدالة والذاكرة. كما يذكّرنا بأن السينما حين تُحسن الإمساك بالحكاية يمكنها أن تجعل التاريخ مفهومًا من دون أن تبتذله، وأن تجعل المشاهد يبكي ويفكر في آن واحد. وهذا ربما هو الامتحان الأصعب لأي عمل تاريخي جاد.

في النهاية، لا يطلب «سائق التاكسي» من متفرجه أن يحفظ كل تفاصيل انتفاضة غوانغجو، ولا أن يخرج من القاعة بصفة مؤرخ. ما يطلبه، بهدوء وفاعلية، هو أن يفهم أن الحقيقة لا تصل وحدها، وأن هناك دائمًا من يركب الطريق الخطر كي يحملها إلى الخارج. من هذه الزاوية، يصبح الفيلم أكثر من قصة كورية ناجحة؛ يصبح تذكيرًا عالميًا بأن حرية المجتمعات تبدأ أحيانًا من قرار شخص عادي ألا يدير رأسه بعيدًا.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات