광고환영

광고문의환영

«المخضرم» الكوري: حين يتحول فيلم أكشن جماهيري إلى مساءلة علنية لسلطة المال والنفوذ

«المخضرم» الكوري: حين يتحول فيلم أكشن جماهيري إلى مساءلة علنية لسلطة المال والنفوذ

صورة للمساعدة في فهم المقال

فيلم أكشن.. لكن في قلبه سؤال عن العدالة

حين حقق فيلم «المخضرم» الكوري الجنوبي، المعروف بعنوانه الأصلي «فيتيران»، أكثر من عشرة ملايين مشاهدة في صالات السينما عام 2015، لم يكن نجاحه مجرد انتصار تجاري لفيلم حركة سريع الإيقاع. في كوريا الجنوبية، كما في العالم العربي، قد تعبر الأرقام أحيانا عن شيء أعمق من شعبية نجم أو جودة مشهد مطاردة. ما فعله هذا الفيلم أنه التقط مزاجا اجتماعيا كان يتشكل في الشارع الكوري: غضب من تغول السلطة الاقتصادية، وانزعاج من فكرة أن أبناء العائلات الثرية يمكنهم الإفلات من المحاسبة، وتعاطف مع العمال الذين يجدون أنفسهم في الطرف الأضعف من معادلة المال والنفوذ.

الفيلم من إخراج ريو سيونغ وان، وهو مخرج يعرف كيف يزاوج بين الإيقاع الشعبي والموضوع الاجتماعي، بحيث لا يشعر المشاهد أنه أمام درس سياسي ثقيل، ولا أمام تسلية خفيفة بلا معنى. هذه المعادلة مألوفة أيضا لدى الجمهور العربي الذي أحب، عبر عقود، أعمالا تجمع الفرجة بالرسالة؛ من أفلام المطاردات المصرية التي كانت تلمح إلى فساد السلطة، إلى الدراما العربية التي جعلت من رجل الشارع خصما لمنظومات النفوذ. «المخضرم» يتحرك في هذا الخط بالضبط: فيلم بوليسي صاخب، لكنه في جوهره يطرح سؤالا بسيطا ومؤلما: ماذا يحدث عندما يصطدم رجل قانون عنيد بوارث إمبراطورية مالية يظن أن كل شيء قابل للشراء؟

من هنا تبدو أهمية العودة إلى الفيلم اليوم، ليس فقط باعتباره عنوانا ناجحا في موجة السينما الكورية الحديثة، بل باعتباره نموذجا على كيف تستطيع الثقافة الكورية أن تصدر للعالم أعمالا شديدة المحلية في تفاصيلها، لكنها شديدة العالمية في قضاياها. فالمشاهد العربي لا يحتاج إلى معرفة دقيقة بتفاصيل المجتمع الكوري كي يفهم معنى أن يطالب عامل بأجره، أو أن يشعر بأن المؤسسة تحمي الأقوى، أو أن يجد في محقق متمرد صورة رمزية للعدالة التي يتمنى أن تعمل بلا خوف أو مجاملة.

بين الشرطي الميداني ووريث التكتل المالي

تدور القصة حول المحقق المخضرم سيو دو تشول، الذي يؤديه هوانغ جونغ مين، وهو شرطي ميداني من طراز لا يحب المسافات الآمنة. لا يكتفي بإدارة الملفات من وراء مكتب، بل يلاحق، يصطدم، يشك، ويعيد تركيب الوقائع بعين اكتسبت خبرتها من الشارع لا من التقارير الرسمية فقط. منذ المشاهد الأولى، يضع الفيلم المشاهد أمام فرقة تحقيق تعمل بتناغم واضح: قائد فريق صاحب خبرة طويلة، ومحققة تجيد العمل السري، وزملاء لكل منهم وظيفة محددة في الميدان. هذا البناء ليس تفصيلا ثانويا، بل جزء من جاذبية الفيلم، لأننا لا نتابع بطلا خارقا يعمل وحده، بل فريقا بوليسيا يشبه في حضوره الفرق الشعبية في السينما العربية التي يوزع فيها الدور بين صاحب الحيلة وصاحب القوة وصاحب الخبرة.

التحول الكبير في مسار القصة يبدأ عندما يتقاطع طريق سيو دو تشول مع جو تاي أو، الذي يؤديه يو آه إن. هنا يخرج الفيلم من نطاق الجريمة الاعتيادية إلى منطقة أكثر حساسية. جو تاي أو ليس خصما عاديا، بل ابن ثالث لعائلة تملك تكتلا اقتصاديا كبيرا، ويشغل منصبا تنفيذيا داخل المجموعة. في الثقافة الكورية تسمى هذه البنية «تشيبول»، وهي كلمة تشير إلى التكتلات العائلية الكبرى التي تمتلك شبكات واسعة من الشركات التابعة، وتتمتع بنفوذ اقتصادي واجتماعي كبير. ويمكن تقريب الفكرة للقارئ العربي بالقول إن «التشيبول» ليس مجرد شركة ناجحة، بل منظومة عائلية اقتصادية متشعبة، تتداخل فيها السلطة الإدارية، والاسم العائلي، والثقل المالي، والقدرة على الوصول إلى دوائر القرار.

يشك المحقق في هذا الوريث المتعجرف، ثم تتعزز شكوكه بعد حادثة سقوط سائق شاحنة يدعى باي تشول وونغ من درج طوارئ في مبنى تابع للشركة، في واقعة يجري تقديمها بوصفها محاولة انتحار. لكن خلف الرواية الرسمية تقف أسئلة أكثر إزعاجا: لماذا كان السائق هناك؟ ماذا عن أزمة الأجور غير المدفوعة؟ ومن يملك القدرة على إغلاق الكاميرات أو تنظيم الرواية أو دفع القضية نحو تفسير مريح؟ هنا ينجح الفيلم في تحويل ملف عمل ونزاع حقوقي إلى حبكة تشويق عالية التوتر، من دون أن يفقد البعد الإنساني للقضية.

قوة الفيلم في هذا المستوى أنه لا يقدم الشر في هيئة مجردة أو أسطورية، بل يربطه ببنية حماية كاملة. فجو تاي أو لا يتحرك بمفرده، بل تحيط به شبكة من التنفيذيين والموظفين والحراس والمصالح، يتقدمهم مدير تنفيذي يؤدي دور الذراع اليمنى القادرة على امتصاص الصدمات وإدارة الروايات. لذلك لا تبدو المعركة بين شرطي ورجل ثري فقط، بل بين تحقيق ميداني يبحث عن الحقيقة وبين مؤسسة تعرف كيف تدافع عن نفسها بالنفوذ والمال والعلاقات.

لماذا أصبح «المخضرم» ظاهرة شعبية في كوريا؟

في السوق الكورية، يقال عن بعض الأفلام إنها من فئة «عشرة ملايين مشاهد»، وهي تسمية تتجاوز الرقم إلى المعنى الثقافي. عندما يبلغ فيلم هذا السقف، فهذا يعني أنه خرج من نطاق جمهور النوع السينمائي الضيق ودخل إلى المجال العام بوصفه حدثا جماهيريا. «المخضرم» نجح في ذلك لأنه عرف كيف يبني معادلة صعبة: قصة سهلة الفهم، شخصيات واضحة، شرير يثير الغضب بسرعة، بطل يملك حضورا شعبيا، وإيقاع لا يترك للمشاهد فرصة للملل.

لكن هذا التفسير التجاري وحده لا يكفي. فلو كان الأمر متعلقًا بالمطاردات واللكمات فحسب، لما حافظ الفيلم على مكانته في الذاكرة الكورية والعابرة للحدود. ما منحه هذا الرسوخ هو أنه استفاد من تقليد راسخ في السينما الكورية الحديثة: استخدام الأنواع الشعبية، مثل الإثارة والجريمة، لطرح أسئلة عن المجتمع. وهذا ما رأيناه في أفلام كورية أخرى جعلت من الفوارق الطبقية، والعنف المؤسسي، وخلل العدالة، مادة سردية جذابة. «المخضرم» يفعل ذلك بلغة أبسط وأقل تجريبية من أعمال أخرى، ولذلك كان أكثر قدرة على الوصول إلى جمهور عريض.

كما لعب التباين الحاد بين الشخصيتين الرئيسيتين دورا أساسيا في هذا النجاح. سيو دو تشول يمثل الدولة حين تعمل من الأسفل، عبر أفراد يطاردون الوقائع بأجسادهم وخبرتهم وغضبهم الأخلاقي. أما جو تاي أو فيمثل السلطة الاقتصادية حين تتحول إلى درع طبقي. هذا النوع من التقابل مفهوم عالميا، وهو قريب من المخيال العربي أيضا، حيث يعرف الجمهور جيدا صورة «ابن الذوات» الذي يظن أن القانون وضع للآخرين فقط، في مقابل الموظف أو الشرطي أو الصحفي الذي يصر على فتح الملف حتى النهاية.

ولا يمكن إغفال عنصر الفكاهة، الذي يبدو أحيانا تفصيلا مساعدا لكنه في الحقيقة أحد أسرار الانتشار. الفيلم لا يغرق في قتامة اجتماعية خانقة، بل يخفف التوتر عبر الحوارات والمواقف والشخصيات الجانبية، ثم يعيد شد الخيط نحو الصدام الأساسي. هذه الوصفة تذكرنا بأعمال عربية كثيرة نجحت لأنها لم تفصل بين الترفيه والقضية. فالجمهور، سواء في سيول أو القاهرة أو الرياض أو الدار البيضاء، لا يرفض الموضوع الثقيل إذا قُدم في قالب ذكي وممتع.

فهم «التشيبول» والعمالة: ما الذي يقوله الفيلم عن كوريا الجنوبية؟

بالنسبة إلى المشاهد العربي، قد يكون مفهوم «التشيبول» هو المفتاح الحقيقي لفهم ثقل الفيلم. في كوريا الجنوبية، لعبت التكتلات العائلية الكبرى دورا محوريا في صعود الاقتصاد، وهي جزء من قصة التنمية السريعة التي صنعت صورة البلاد الحديثة. لكن الوجه الآخر لهذه القصة هو النقاش المستمر حول تركّز السلطة الاقتصادية، وعلاقة رأس المال بالنظام السياسي، وحدود المساءلة حين يتعلق الأمر بعائلات نافذة. من هنا يصبح اختيار ورثة هذه التكتلات بوصفهم شخصيات درامية أمرا أكثر من مجرد رغبة في صنع شرير جذاب؛ إنه دخول مباشر إلى عصب اجتماعي حساس.

الفيلم يربط هذه المسألة بملف آخر شديد الدلالة: الأجور والعمالة. سائق الشاحنة الذي يذهب للمطالبة بحقوقه لا يُقدَّم بوصفه ناشطا أيديولوجيا أو قائدا نقابيا، بل بوصفه عاملا عاديا يريد أجره. وهذه البساطة بالذات تمنح القضية قوتها. فالسينما حين تجعل من المطالبة بالراتب سببا للدخول في دائرة العنف والترهيب، فإنها تقول للمشاهد إن الخلل ليس في حادثة استثنائية فحسب، بل في منظومة تتعامل مع الضعفاء باعتبارهم قابلين للكسر أو الشراء أو الإخفاء.

من أذكى ما يفعله الفيلم أنه لا يكتفي بإدانة الفرد المتغطرس، بل يفضح الآلية التي تسمح له بالبقاء. الكاميرات التي كانت متوقفة، الضغوط التي تمارس على مسار التحقيق، محاولة تصنيف الواقعة بوصفها انتحارا، الدفع المالي المسمى تعويضا أو «ثمن الضربة» كما يرد في القصة، كلها عناصر تفضح كيف يتحول المال إلى لغة لتسوية الألم بدلا من محاسبة المسؤول عنه. هذه الفكرة ليست كورية خالصة، ولذلك تبدو قريبة من وجدان مشاهد عربي خبر بدوره قصصا عن تفاوت القدرة على الوصول إلى العدالة.

كما أن الفيلم لا يرسم صورة مثالية بالكامل للمؤسسة الشرطية. هناك محقق يريد أن يعرف، وهناك أيضا ميل داخل البنية الرسمية إلى إقفال الملف بسرعة. وهذا تفصيل مهم، لأنه ينقل العمل من حكاية بطل نقي ضد شرير شرير إلى مساحة أوسع: صراع داخل المجتمع نفسه حول من يملك السردية، ومن يملك الوقت، ومن يملك النفوذ الكافي لفرض معنى الحادثة. هنا بالضبط تكتسب مطاردات الفيلم وزنها الدرامي؛ فهي ليست استعراضا جسديا فقط، بل ترجمة مادية لمعركة على الحقيقة.

ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي وسوق المحتوى في المنطقة؟

أهمية «المخضرم» عربيا لا ترتبط فقط بكونه فيلما ناجحا من كوريا الجنوبية، بل بكونه يوضح لماذا استطاعت الثقافة الكورية أن تحجز مكانا مستقرا في المنطقة. فالجمهور العربي لم يعد يتعامل مع المحتوى الكوري بصفته موضة عابرة مرتبطة بالموسيقى أو المسلسلات الرومانسية فقط، بل بات يكتشف أن السينما الكورية قادرة على تقديم موضوعات اجتماعية وسياسية بقوالب جماهيرية جذابة. هذه نقطة مهمة لشركات التوزيع والمنصات العاملة في المنطقة، لأن نجاح الدراما أو الفيلم الكوري لم يعد محصورا في جمهور المعجبين المتخصصين، بل بدأ يتسع إلى مشاهد يبحث عن قصة قوية بصرف النظر عن اللغة الأصلية.

من زاوية السوق، تقدم أعمال من نوع «المخضرم» درسا واضحا: الجمهور العربي يتجاوب مع القصص المحلية الصادقة إذا كانت مبنية مهنيا على إيقاع جيد وشخصيات مفهومة. هذا يفسر توسع حضور الأعمال الكورية في صالات السينما والمنصات وخدمات البث في عدد من الدول العربية خلال السنوات الأخيرة. كما يفسر اهتمام شركات الترفيه في المنطقة بمحتوى شرق آسيا، سواء عبر الشراء المباشر أو الترويج الموسع أو دراسة إمكانات التكييف المحلي مستقبلا.

كما أن الفيلم يفتح بابا أوسع للتبادل الثقافي بين العالم العربي وكوريا الجنوبية. فالعلاقة هنا لا تختزل في تصدير النجوم والفرق الموسيقية، بل تمتد إلى تبادل الخبرات في صناعة المحتوى القادر على الجمع بين المحلي والعالمي. ومن مصلحة المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية أن تقرأ هذا النوع من النجاحات بوصفه اتجاها، لا حدثا منفردا. فكلما ازداد وعي الجمهور العربي ببنية المجتمع الكوري، مثل مفهوم «التشيبول» أو حساسية قضايا العمل والطبقات، باتت الأعمال الكورية أكثر قابلية للفهم والتأويل داخل المنطقة، وهو ما يرفع قيمتها التجارية والثقافية معا.

والأهم أن الفيلم يلتقي مع حساسيات عربية واضحة: العدالة الاجتماعية، مساءلة النفوذ، تعاطف الجمهور مع صاحب الحق الضعيف، والانجذاب إلى البطل الذي يطارد الحقيقة رغم الحواجز. هذه قواسم تجعل من استقبال الفيلم عربيا أمرا منطقيا، لا مجرد نتيجة للدعاية العالمية للموجة الكورية. بعبارة أخرى، ما ينجح في «المخضرم» ليس غرابته الكورية، بل قدرته على ترجمة قضايا مألوفة لدينا بلغة سينمائية شديدة الفعالية.

في السعودية تحديدا: ماذا يعني هذا الفيلم للسوق والجمهور والعلاقة مع كوريا؟

إذا نظرنا إلى دلالة فيلم مثل «المخضرم» في السعودية، فإن المسألة تتجاوز حدود التلقي الثقافي العام. السوق السعودية باتت واحدة من أكثر أسواق الترفيه العربية حيوية، مع توسع حضور صالات السينما والمنصات وتزايد اهتمام الجمهور بالمحتوى العالمي غير الناطق بالإنجليزية. في هذا السياق، يمثل نجاح الأفلام الكورية ذات الطابع الجماهيري والاجتماعي مؤشرا مهما للموزعين والعارضين وشركات البرمجة: هناك جمهور محلي مستعد لتلقي قصص كورية إذا كانت ذات إيقاع قوي وموضوع إنساني واضح.

كما أن العلاقة المتنامية بين السعودية وكوريا الجنوبية في مجالات الاقتصاد والتقنية والصناعة تضيف بعدا آخر. فعندما يتابع الجمهور السعودي فيلما يناقش سلطة التكتلات الاقتصادية وحدود المساءلة، فهو لا يستهلك حكاية بعيدة تماما، بل يطالع أيضا وجها من وجوه المجتمع الكوري خلف صور التكنولوجيا والسيارات والهواتف والمنتجات الصناعية. وهذا مهم ثقافيا، لأن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر العقود والمشروعات، بل أيضا عبر الفهم المتبادل لأسئلة المجتمع وقيمه وتوتراته.

بالنسبة للشركات العاملة في قطاع الترفيه داخل السعودية، يقدم الفيلم إشارة عملية إلى أن المحتوى الآسيوي القادر على الجمع بين التشويق والموضوع الاجتماعي يملك فرصا جيدة في السوق المحلية. كما يلفت النظر إلى قيمة الشرح الثقافي المصاحب للتوزيع أو التغطية الإعلامية. فبعض مفاهيم الفيلم، مثل «التشيبول» أو بنية الوراثة داخل التكتلات الكبرى، قد تحتاج إلى تفكيك صحفي ونقدي كي تصبح أكثر قربا من المتلقي العربي. وهذا دور لا يخص المترجمين وحدهم، بل يخص الإعلام الثقافي والبرامج النقدية والمنصات المتخصصة التي تستطيع تحويل مشاهدة فيلم إلى لحظة معرفة بسياق أوسع.

أما على مستوى الجمهور، فإن «المخضرم» يمكن أن يعزز فكرة أن السينما الكورية ليست محصورة في الرومانسية أو الأعمال النخبوية أو العنف المفرط، بل تملك أيضا مساحة «الترفيه الذكي» الذي يرضي جمهور الصالات الواسع. وهذا مهم في بلد يشهد تنوعا متزايدا في الذائقة السينمائية، حيث يتشكل جيل جديد من المشاهدين المنفتحين على آسيا، لا بوصفها هامشا تابعًا للسينما الأمريكية، بل مصدرا مستقلا للنجاحات والرؤى والأساليب.

من خبر عن فيلم إلى قراءة اتجاه أوسع

القيمة الحقيقية في العودة إلى «المخضرم» اليوم هي أنه يسمح بقراءة مسار أوسع في الثقافة الكورية وفي استقبالها عربيا. نحن لا نتحدث عن فيلم قديم نسبيا يعاد تذكره بدافع الحنين، بل عن عمل يشرح، بأثر رجعي، لماذا أصبحت كوريا الجنوبية قوة ناعمة عالمية. السر ليس فقط في جودة الإنتاج أو لامعان النجوم، بل في القدرة على صياغة تناقضات المجتمع في صورة درامية قابلة للتصدير. حين يفهم العالم قصة كورية شديدة المحلية، فهذا يعني أن صانعيها نجحوا في الوصول إلى طبقة إنسانية مشتركة.

كذلك يكشف الفيلم أن الموجة الكورية لم تنتصر لأنها قدمت عالما مثاليا، بل لأنها عرضت أيضا هشاشته وصراعاته. وهذا عنصر يحترمه الجمهور العربي، الذي يميل عادة إلى الأعمال التي تتضمن رهانا أخلاقيا واضحا. في «المخضرم» الرهان ليس من سيضرب من، بل هل يمكن للنفوذ أن يختطف معنى العدالة؟ وهل ما يزال هناك مكان داخل المؤسسات لأفراد يصرون على مطاردة الحقيقة؟ هذه الأسئلة تجعل الفيلم قابلا للحياة بعد سنوات من إنتاجه.

وإذا كان المطلوب قراءة ما الذي تغير ولماذا يهم الآن، فإن الجواب يكمن في اتساع شهية الجمهور العربي للمحتوى العابر للغة، وفي انتقال الاهتمام بكوريا من الحماس الموسيقي والشعبي إلى فضاء أعمق يشمل السينما والقضايا الاجتماعية وتمثيلات السلطة والعمل والطبقة. لهذا فإن أفلاما من نوع «المخضرم» تستحق أن تُقرأ عربيا كجزء من اتجاه ثقافي واقتصادي متنام، لا كمادة ترفيه فقط.

أما ما ينبغي مراقبته لاحقا، فهو كيفية استمرار حضور السينما الكورية في المنطقة: هل سيزداد الطلب على الأعمال ذات الطابع الاجتماعي الممزوج بالإثارة؟ هل تتوسع الشراكات بين الموزعين العرب والمنتجين الكوريين؟ وهل يدفع هذا النجاح بعض الصناعات العربية إلى تطوير أفلام شعبية أكثر جرأة في مقاربة النفوذ والمال والعمل؟ هذه الأسئلة ربما تكون أهم من الحدث نفسه، لأنها تتصل بمستقبل السوق وبنوع القصص التي يطلبها الجمهور.

في النهاية، يبرهن «المخضرم» أن الفيلم الجماهيري ليس نقيض الفيلم الواعي. يمكن لمشهد مطاردة أن يحمل نقدا طبقيا، ويمكن لعبارة ساخرة أن تختزن غضبا اجتماعيا، ويمكن لشرطي عنيد أن يصبح، في خيال الجمهور، ممثلا لرغبة أوسع في رؤية الأقوياء وهم يخضعون للمساءلة. لهذا بقي الفيلم حيا في الذاكرة الكورية، ولهذا أيضا يجد صداه لدى المشاهد العربي: لأنه يذكرنا بأن العدالة، في السينما كما في الواقع، تبدأ أحيانا من شخص قرر ألا يصدق الرواية السهلة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات