광고환영

광고문의환영

من الموجة الكورية إلى مائدة يومية: كيف توسّع CJ حضور «K-فوود» في أمريكا، ولماذا يهمّ ذلك الأسواق العربية؟

من الموجة الكورية إلى مائدة يومية: كيف توسّع CJ حضور «K-فوود» في أمريكا، ولماذا يهمّ ذلك الأسواق العربية؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

من «الطعام الغريب» إلى عادة يومية: ما الذي تغيّر في قصة K-فوود؟

لم يعد الحديث عن الطعام الكوري في الأسواق العالمية جزءاً من الزخم الإعلامي العابر الذي رافق صعود الدراما الكورية وفرق البوب فحسب، بل بات أقرب إلى قصة تحوّل اقتصادي وثقافي مكتمل الأركان. هذا ما تعكسه بوضوح أحدث مؤشرات توسّع مجموعة CJ الكورية في السوق الأمريكية، حيث تواصل الشركة دفع علامتَي «بيبيغو» في الأغذية الجاهزة و«توس لي جور» في المخبوزات، بهدف واضح: تحويل الطعام الكوري من تجربة استكشافية مرتبطة بـ«الترند» إلى خيار يومي داخل البيت الأمريكي وخارجه.

وفق المعطيات الواردة من كوريا، سجّلت أعمال CJ الغذائية في الأمريكيتين نمواً في الإيرادات خلال الربع الثاني من العام، مدفوعة بزيادة مبيعات منتجات استراتيجية مثل «بيبيغو» للزلابية الكورية الجاهزة، وأرز «هتبان» المطهو مسبقاً، عبر قنوات البيع الإلكترونية والتقليدية. هذه الأرقام لا تروي فقط قصة شركة تتوسع، بل تكشف عن مرحلة جديدة في تطور «K-فوود»؛ أي الطعام الكوري بوصفه جزءاً من القوة الناعمة الكورية التي أصبحت تُترجم تدريجياً إلى حضور ثابت في سلاسل التوريد، ومساحات المتاجر، وعادات المستهلكين.

في العالم العربي، اعتدنا أن نرى كيف تمهّد الثقافة الشعبية الطريق أمام التجارة. حدث ذلك سابقاً مع السينما المصرية في محيطها العربي، ومع المطبخ الشامي الذي سافر مع الناس قبل أن تسافر معه العلامات التجارية، ومع القهوة المختصة التي تحولت من ذائقة نخبوية إلى سلوك استهلاكي واسع. اليوم، يبدو أن كوريا الجنوبية تسلك المسار نفسه ولكن بأدوات أكثر تنظيماً: محتوى ثقافي يجذب الانتباه، ثم منتج غذائي يدخل إلى السوبرماركت، ثم علامة تجارية تبني علاقة متكررة مع المستهلك.

الأهم هنا أن التحول لا يتعلق ببيع منتج كوري «كما هو» في الخارج، بل بإعادة تقديمه داخل الحياة اليومية للمستهلك المحلي. وهذا بالضبط ما تحاول CJ القيام به في الولايات المتحدة: الحفاظ على الهوية الكورية للمنتج، مع تكييف الشكل والتوزيع وتجربة الشراء بما يناسب السوق الأمريكية. إنها مقاربة تقول إن النجاح العالمي للطعام لا يتحقق فقط بالنكهة، بل أيضاً بسهولة الوصول، واستقرار الإمداد، وقدرة المستهلك على إدراج المنتج في روتينه دون شعور بالغربة.

وهنا تحديداً تكمن دلالة الخبر: نحن لا نتابع مجرد توسع تجاري لشركة آسيوية، بل نرصد نموذجاً ناضجاً لكيفية انتقال الثقافة من الشاشة إلى المائدة، ومن الإعجاب الرمزي إلى الاستهلاك المتكرر. وهذه معادلة تهمّ الأسواق العربية التي تشهد، هي الأخرى، تنامياً في فضول المستهلكين تجاه المطابخ الآسيوية، وفي الوقت نفسه تنافساً متزايداً بين العلامات الدولية على كسب الحصة الذهنية والشرائية لدى جمهور شاب، رقمي، ومتصل بالاتجاهات العالمية أكثر من أي وقت مضى.

استراتيجية CJ في أمريكا: الإنتاج المحلي قبل الدعاية

ما يميّز تحرك CJ في الولايات المتحدة ليس فقط قوة العلامة التجارية، بل البنية التشغيلية التي تقف خلفها. فالشركة تدير، بحسب المعطيات المنشورة، 20 مصنعاً في السوق الأمريكية لإنتاج تشكيلة من السلع المرتبطة بعلامة «بيبيغو»، من الزلابية الكورية إلى الأرز والصلصات والمعكرونة الخفيفة ووجبات الأعشاب البحرية. هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من الشركات التي تحاول التوسع عالمياً تكتفي بالتصدير، بينما اختارت CJ الانتقال إلى ما يمكن وصفه بـ«التجذّر الصناعي» داخل السوق المستهدفة.

الإنتاج المحلي في قطاع الأغذية ليس تفصيلاً فنياً. هو عنصر حاسم في تقليل أعباء النقل البعيد، وتحسين استقرار الإمدادات، والتعامل السريع مع تغير الطلب، بل وحتى في فهم سلوك المستهلك نفسه. عندما تنتج الشركة داخل السوق، فإنها لا تبيع فقط، بل تصير أكثر قرباً من نبض المتجر والمطبخ والمائدة. وهي ميزة تنافسية مهمة في سوق ضخمة ومتعددة الثقافات مثل الولايات المتحدة، حيث لا تكفي جودة المنتج وحدها ما لم تقترن بسرعة الوصول ومرونة التوزيع.

هذه الاستراتيجية تفسّر جزئياً كيف نجحت «بيبيغو» في تحويل الزلابية الكورية من منتج يُستهلك غالباً في مطاعم متخصصة أو ضمن دوائر مهتمة بالمطبخ الآسيوي، إلى سلعة يمكن أن تجدها العائلات في مجمّدات المتاجر الكبرى ضمن خيارات الوجبات السريعة أو المنزلية. بمعنى آخر، لم تعد «الماندو» الكورية تُقدَّم بوصفها طبقاً أجنبياً يحتاج إلى شرح ثقافي مطوّل، بل بوصفها خياراً عملياً وسهل التحضير، مثل كثير من المنتجات التي اندمجت في عادات الطبخ المنزلي الأمريكي.

وإذا كان من درس أوسع هنا، فهو أن الشركات الكورية الكبرى لم تعد تنظر إلى الخارج باعتباره «سوق تصدير» فحسب، بل باعتباره مساحة تشغيل كاملة تتطلّب إنتاجاً وتوزيعاً وترويجاً وتجربة علامة تجارية متكاملة. وهذه النقلة من منطق التصدير إلى منطق التوطين هي التي تعطي الخبر وزنه الحقيقي. فالسؤال لم يعد: هل يحب الأمريكيون الطعام الكوري؟ بل أصبح: كيف نجعل الطعام الكوري جزءاً عادياً من سلة مشترياتهم الأسبوعية؟

ولعلّ هذا أحد أهم مؤشرات نضج «الهاليو» أو الموجة الكورية. ففي بداياتها، قامت على الفضول والإبهار الثقافي. أما الآن، فهي تدخل مرحلة أكثر صلابة اقتصادياً، حيث تتحول الشعبية إلى بنية أعمال، ويتحوّل الإعجاب الثقافي إلى إنفاق متكرر. وهذا تحديداً ما تبحث عنه أي شركة غذائية تريد البقاء لا مجرد لفت الانتباه.

«بيبيغو» و«توس لي جور»: منتج يؤكل وعلامة تُعاش

اللافت في تحرّك CJ أنها لا تراهن على قناة واحدة. فـ«بيبيغو» تؤدي وظيفة واضحة في سوق الأغذية المنزلية: منتجات سهلة، سريعة، ويمكن دمجها في الروتين اليومي. أما «توس لي جور»، وهي سلسلة مخابز ومقاهٍ ذات طابع كوري، فتقوم بدور مختلف: بناء تجربة حسية ومكانية للعلامة. هذه الثنائية بين المنتج المعبأ والتجربة المباشرة تمنح الشركة قدرة أكبر على تثبيت حضورها في ذهن المستهلك.

في الثقافة الكورية، كما في ثقافات آسيوية أخرى، لا يقتصر الطعام على المكوّنات وحدها، بل يمتد إلى الإيقاع الاجتماعي المحيط به: طريقة التقديم، المزج بين الحلو والمالح، حضور المخبوزات كمساحة لقاء يومي، واستخدام الأغذية الجاهزة ليس بوصفها بديلاً رديئاً عن الطعام المنزلي بل جزءاً من نمط حياة سريع ومنظّم. عندما تُدخل CJ «توس لي جور» إلى السوق الأمريكية، فهي لا تبيع خبزاً وكعكاً فقط، بل تقدم نسخة قابلة للفهم من «ثقافة المخبز الكوري» التي تمزج بين التأثر الفرنسي واللمسة الآسيوية في الشكل والطعم والتقديم.

هذا التنوّع في القنوات مهم لأن المستهلك الحديث لا يكوّن علاقته مع العلامة التجارية من خلال الإعلان التقليدي وحده. العلاقة تُبنى عبر الرفّ، والتطبيق، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمقهى، وتجربة الشراء، وحتى سهولة التحضير في البيت. لذلك تبدو مقاربة CJ متسقة مع اتجاه عالمي أوسع في صناعة الغذاء: العلامة التي تنجح ليست فقط تلك التي تبيع منتجاً جيداً، بل تلك التي تقنع المستهلك بأنها تفهم يومه العادي.

وفي هذا الجانب، يمكن فهم نجاح «بيبيغو» بوصفه جزءاً من صعود فئة عالمية أكبر هي الأغذية «المألوفة-الجديدة»؛ أي المنتجات التي تقدم نكهة مختلفة، لكنها في قالب مريح للمستهلك. الزلابية، على سبيل المثال، ليست مفهوماً غريباً على الأمريكي أو العربي. لدينا في مطابخنا ما يقابلها أو يقترب منها في الفكرة، من السمبوسة إلى الشيشبرك إلى أنواع الفطائر المحشوة. لذلك يسهل على المستهلك أن يمنح المنتج فرصة حين يشعر بأنه جديد في النكهة، لكنه ليس غريباً بالكامل في البنية.

من هنا، فإن قصة CJ ليست مجرد توسع كوري في أمريكا، بل اختبار ناجح لفكرة أعمق: كيف يمكن للهوية الغذائية المحلية أن تحافظ على خصوصيتها، وفي الوقت نفسه تُترجم إلى لغة استهلاكية مفهومة عالمياً؟ هذا السؤال لا يخص كوريا وحدها، بل يخص أيضاً كل مطبخ يريد أن يخرج من نطاق الجالية والحنين إلى فضاء السوق الدولي الواسع.

لماذا ينجح K-فوود الآن؟ بين الدراما الكورية والاقتصاد اليومي

من السهل اختزال انتشار الطعام الكوري في شعبية الدراما أو الموسيقى، لكن هذا التفسير وحده لم يعد كافياً. صحيح أن المحتوى الكوري لعب دور البوابة الأولى، فالمشاهد العربي كما الأمريكي تعرّف إلى أطباق مثل الراميون والكيمتشي والدجاج الكوري المقلي عبر الشاشات قبل أن يبحث عنها في الواقع. غير أن ما يحدث اليوم يتجاوز أثر «الفرجة». نحن أمام لحظة تلتقي فيها ثلاث قوى: قوة الثقافة، وقوة التوزيع، وقوة التكييف المحلي.

الثقافة تمنح الفضول الأول. التوزيع يمنح المنتج فرصة الظهور المتكرر في حياة المستهلك. أما التكييف المحلي، فيجعل الشراء ممكناً ومريحاً وخالياً من الحواجز. إذا غاب أحد هذه العناصر، بقي المنتج محصوراً في شريحة ضيقة من المهتمين. أما إذا اجتمعت، فإن المطبخ نفسه يتحول إلى فئة استهلاكية مستقرة. وهذا ما تشير إليه أرقام أعمال CJ في أمريكا الشمالية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

كما أن ثمة عاملاً آخر لا ينبغي تجاهله: المستهلك العالمي بعد الجائحة بات أكثر انفتاحاً على الحلول الغذائية الجاهزة أو شبه الجاهزة، شرط أن تجمع بين الجودة والهوية والسعر المناسب. الأغذية التي توفّر «اختصاراً للوقت» من دون التنازل الكامل عن تجربة النكهة اكتسبت زخماً كبيراً في أسواق متعددة. و«بيبيغو» تتموضع بذكاء داخل هذه المساحة، فهي تبيع منتجاً يحمل سردية ثقافية، لكنه يلبي أيضاً حاجة عملية في الحياة اليومية.

ومن زاوية إعلامية وثقافية، يبدو K-فوود اليوم أكثر نضجاً من موجات غذائية سابقة لأنها لا تأتي وحدها. إنها جزء من منظومة أوسع تشمل الدراما والسياحة والجمال والموضة واللغة. المستهلك الذي يعرف كلمة «أوبا» من مسلسل، أو شاهد مشهداً لأبطال يتناولون الزلابية في سهرة شتوية، يصبح أكثر استعداداً لتجربة المنتج حين يراه في المتجر. هذا التراكم الرمزي لا يصنع المبيعات وحده، لكنه يخفض المسافة النفسية بين المستهلك والثقافة القادمة من بعيد.

وهذا يفسر أيضاً لماذا تتعامل الشركات الكورية الكبرى مع الطعام بوصفه امتداداً استراتيجياً للموجة الكورية، لا مجرد نشاط تجاري منفصل. فالطعام، بخلاف الموسيقى أو الدراما، يملك ميزة فريدة: يمكن استهلاكه يومياً، وبالتالي يمكن أن يبني علاقة اقتصادية مستمرة مع الجمهور. من هنا يتحول من أداة تعريف ثقافي إلى محرك نمو فعلي طويل الأمد.

ماذا يعني ذلك للسوق العربية؟ من رفوف المتاجر إلى خرائط الشراكة

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو قصة توسع شركة كورية في أمريكا بعيدة جغرافياً، لكنها في الواقع قريبة دلالياً من تحولات نراها في منطقتنا. فالسوق العربية، وخصوصاً في الخليج، تشهد منذ سنوات نمواً في تقبّل المطابخ الآسيوية، وتوسعاً في مساحات البيع الحديثة، وارتفاعاً في دور التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، وهي العناصر نفسها التي تساعد العلامات الغذائية الدولية على ترسيخ وجودها. وإذا كانت الولايات المتحدة مقياساً لنجاح نموذج التوطين، فإن العالم العربي يمكن أن يكون المحطة التالية التي تختبر فيها الشركات الكورية مدى قدرتها على تحويل الشعبية الثقافية إلى استهلاك يومي.

ثمة عامل مهم هنا يتعلق بطبيعة الجمهور العربي نفسه. الأجيال الشابة في المنطقة أكثر اتصالاً بالثقافة الكورية من الأجيال السابقة، سواء عبر المنصات الرقمية أو الموسيقى أو الدراما أو حتى تعلم اللغة الكورية. هذا الجمهور لا ينظر إلى الطعام الكوري بوصفه «عجيباً»، بل بوصفه جزءاً من عالم ثقافي مألوف نسبياً. لكن الانتقال من الفضول إلى الاعتماد اليومي يحتاج، كما في الحالة الأمريكية، إلى ما هو أكثر من الترويج: يحتاج إلى منتجات مناسبة ذوقياً وسعرياً، وإلى قنوات توزيع قوية، وربما إلى مراعاة شروط مثل الشهادات الغذائية الملائمة للأسواق العربية.

ومن الناحية التجارية، فإن ما تفعله CJ يرسل إشارة مهمة إلى الشركات العربية أيضاً. فالمنافسة المقبلة في قطاع الغذاء لن تكون فقط بين علامة محلية وأخرى أجنبية، بل بين نماذج أعمال مختلفة: نموذج يكتفي بالاستيراد، ونموذج يبني شراكات توزيع أعمق، ونموذج يذهب أبعد نحو التصنيع المحلي أو الإقليمي، أو تطوير منتجات تجمع بين الهوية الأصلية والذائقة المحلية. وإذا كانت الشركات الكورية قد تعلمت في أمريكا أن النجاح يمر عبر «توطين» المنتج، فإن هذا الدرس سيكون ذا صلة كبيرة بأي دخول أوسع إلى الشرق الأوسط.

كذلك، ينبغي النظر إلى الخبر من زاوية العلاقات الاقتصادية الأوسع بين كوريا الجنوبية والدول العربية. فالعلاقة لم تعد محصورة في الطاقة والإنشاءات والسيارات والتكنولوجيا، وهي القطاعات التي رسّخت الحضور الكوري لعقود، بل أخذت تمتد إلى الثقافة والصناعات الإبداعية والاستهلاك اليومي. وهذه نقلة مهمة لأن المنتجات الغذائية والعلامات المرتبطة بنمط الحياة غالباً ما تبني حضوراً أكثر قرباً من المستهلك النهائي، وبالتالي أكثر تأثيراً في الصورة الذهنية طويلة الأمد.

ومن هنا، فإن اتساع K-فوود عالمياً قد يفتح في المنطقة العربية مسارات متعددة: مساراً للاستيراد والتوزيع، ومساراً للشراكات مع سلاسل تجزئة ومطاعم، ومساراً لقراءة أعمق لما يريده المستهلك العربي الذي يجمع بين حب التجربة والحرص على القيمة. ليس مؤكداً أن النموذج الأمريكي سيتكرر حرفياً في المنطقة، لكن المؤكد أن الشركات التي ستراقب التجربة جيداً ستفهم أن زمن بيع «الغرابة» وحدها قد انتهى، وأن المطلوب الآن هو بيع «الاعتياد» بلغة محلية.

ماذا يعني ذلك لسوقنا في السعودية؟ جمهور شاب وفرصة لشراكات غذائية أوسع

إذا نظرنا إلى السعودية بوصفها سوقنا المحلية الأقرب في هذا السياق، فإن قصة CJ في أمريكا تبدو شديدة الصلة بما يحدث هنا، وإن اختلفت الشروط والحجم. فالسوق السعودية تمتلك اليوم عناصر تجعلها من أكثر الأسواق العربية قابلية لاستقبال موجات غذائية عالمية جديدة: جمهور شاب، حضور قوي للمراكز التجارية والبيع المنظم، توسع لافت في تطبيقات التوصيل، وانفتاح ثقافي متزايد على التجارب الآسيوية في الطعام والترفيه.

ما يلفت في الحالة السعودية أن تقبّل الثقافة الكورية لا يأتي من فراغ. فخلال السنوات الماضية، تشكلت قاعدة جماهيرية واضحة للدراما والموسيقى والمنتجات الكورية، وهو ما يمنح العلامات الغذائية الكورية نقطة انطلاق معنوية مهمة. لكن هذه الأفضلية المعنوية لا تكفي وحدها. فإذا أرادت أي شركة كورية أن تحوّل اهتمام الجمهور السعودي إلى استهلاك منتظم، فستحتاج إلى ما يشبه الدرس الأمريكي: تكييف مدروس، وتوزيع موثوق، وتجربة شراء مقنعة، وربما شراكات محلية قادرة على فهم حساسية السوق وتنوع مناطقه.

ولا يعني ذلك افتراض دخول وشيك لعلامات بعينها أو نجاحاً مضموناً لها، فهذه أمور لا يمكن الجزم بها من دون بيانات إضافية. لكن ما يمكن قوله مهنياً هو أن النموذج الذي تبنيه CJ في الولايات المتحدة يقدّم خريطة طريق مفيدة لسوق مثل السعودية. فالمستهلك هنا منفتح على الجديد، لكنه في الوقت نفسه سريع المقارنة، شديد الارتباط بالجودة والسعر، ومتطلب في تجربة الخدمة. ولهذا فإن أي علامة غذائية دولية تريد النجاح لا بد أن تتجاوز منطق «الانتشار عبر الضجة» إلى منطق «الحضور عبر الملاءمة».

من جهة أخرى، تطرح هذه التطورات أسئلة على الشركات السعودية نفسها، سواء العاملة في الأغذية أو التجزئة أو الامتياز التجاري. فهل يمكن أن تصبح السوق السعودية منصة لشراكات مع علامات كورية تبحث عن موطئ قدم عربي؟ وهل يمكن تطوير صيغ تمزج بين الخبرة الكورية في المنتجات الجاهزة وبين قدرات التوزيع أو التصنيع أو الامتياز المتوافرة محلياً؟ هذه أسئلة مشروعة، خصوصاً في ظل اهتمام متزايد في المملكة بقطاعات الترفيه ونمط الحياة والغذاء بوصفها مجالات اقتصادية واستثمارية وليست استهلاكية فقط.

الأمر الآخر أن صعود K-فوود قد ينعكس أيضاً على المنافسة داخل فئات موجودة أصلاً في السوق السعودية، مثل الوجبات السريعة المجمّدة، والصلصات، والمخبوزات ذات الطابع العالمي. أي أن التأثير المحتمل لا يقتصر على إضافة «ركن كوري» في متجر كبير، بل قد يمتد إلى إعادة تعريف ما يعتبره المستهلك منتجاً سريعاً وعصرياً ومناسباً لروتينه اليومي. وهذا بالضبط ما يجعل متابعة تجربة CJ في أمريكا مهمة لسوقنا: لأنها تقدّم إشارات مبكرة إلى ما قد تفعله العلامات الكورية حين تنتقل من الهامش الثقافي إلى قلب السلة الشرائية.

ما الذي ينبغي مراقبته بعد ذلك؟

إذا كان الخبر في ظاهره عن نمو مبيعات وتوسع علامات كورية في أمريكا، فإن قيمته التحليلية تكمن في ما يفتحه من أسئلة للمستقبل. أول هذه الأسئلة: هل يواصل K-فوود انتقاله من فئة مرتبطة بالموجة الكورية إلى فئة غذائية مستقلة قادرة على النمو حتى من دون الاعتماد المباشر على الزخم الترفيهي؟ المؤشرات الحالية تميل إلى القول إن هذا الانتقال بدأ فعلاً، لكن استدامته ستعتمد على قدرة الشركات على الابتكار والتسعير والتموضع الذكي داخل الأسواق المختلفة.

السؤال الثاني يتعلق بالتوطين. فالنموذج الذي تنتهجه CJ في الولايات المتحدة يوحي بأن المرحلة المقبلة في التوسع العالمي للطعام الكوري لن تقوم على التصدير وحده، بل على بناء منظومات محلية تشمل الإنتاج أو الشراكات أو سلاسل الامتياز أو تطوير منتجات مصممة خصيصاً لكل سوق. بالنسبة إلى المنطقة العربية، سيكون من المهم مراقبة ما إذا كانت الشركات الكورية ستتجه مستقبلاً إلى صيغ أكثر محلية في الشرق الأوسط، أم ستظل تعتمد على التوزيع والاستيراد فقط.

أما السؤال الثالث فيخص العلامة التجارية نفسها. هل ستظل «بيبيغو» نموذجاً للغذاء الكوري الجاهز الذي ينجح في عبور الحدود، أم ستظهر علامات أخرى تنافسها داخل الفئة نفسها؟ وهل تتمكن «توس لي جور» وأمثالها من تحويل تجربة المخبز الكوري إلى عادات استهلاكية مستقرة في أسواق جديدة؟ هذه الأسئلة لا تحسمها الشعبية وحدها، بل يحسمها التنفيذ اليومي، من جودة المنتج إلى موقع المتجر إلى فهم الفروق الدقيقة في الذوق المحلي.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن قصة CJ في أمريكا تكشف شيئاً أكبر من نجاح شركة أو منتج. إنها تكشف أن كوريا الجنوبية باتت أكثر براعة في تحويل رأسمالها الثقافي إلى رأسمال تجاري طويل الأجل. وبينما تتابع الأسواق العربية هذا المسار باهتمام متزايد، يصبح من الضروري ألا ننظر إلى K-فوود باعتباره مجرد موضة طهي عابرة، بل باعتباره حالة دراسية مكتملة عن كيف تتحول الهوية الثقافية، حين تُدار بذكاء صناعي وتسويقي، إلى حضور يومي على موائد العالم.

وللقارئ العربي، ربما تكمن المفارقة الجميلة في أن الطريق إلى فهم هذه الظاهرة لا يبدأ من الغرابة، بل من الألفة. فكما عرف المطبخ العربي عبر تاريخه الطويل كيف يسافر ويتكيّف ويحتفظ بروحه في آن واحد، يبدو أن المطبخ الكوري يخوض اليوم رحلته الخاصة على النحو نفسه. الفارق فقط أن هذه الرحلة تحدث في زمن أسرع، وفي أسواق أكثر تشابكاً، وتحت أعين جمهور عالمي يتذوق العالم من هاتفه، قبل أن يتذوقه على مائدته.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات