
صورة للمساعدة في فهم المقال
بوسان تفتح نافذة مختلفة على السينما الكورية والعالمية
في الوقت الذي تميل فيه التغطيات السينمائية الدولية عادة إلى ملاحقة أسماء النجوم، وأرقام شباك التذاكر، وصور السجاد الأحمر، يأتي افتتاح الدورة العاشرة من مهرجان بوسان إنترسيتي السينمائي في كوريا الجنوبية ليقترح زاوية أخرى أكثر هدوءاً، لكنها ربما أكثر عمقاً وتأثيراً على المدى البعيد. فالمهرجان الذي انطلق في «سينماتيك» مركز بوسان للسينما وفي مسرح «موساي» على مدى ثلاثة أيام، لا يضع الدولة بوصفها الوحدة الأساسية للتمثيل الثقافي، بل المدينة. هنا لا تتقابل «سينما كوريا» مع «سينما اليابان» أو «سينما ألمانيا» بصيغتها الوطنية الكبرى، بل تتجاور أصوات مدن محددة، لكل منها ذاكرتها البصرية، وشوارعها، ولهجتها الاجتماعية، وطريقتها في النظر إلى العالم.
هذه الفكرة وحدها كافية لتفسير أهمية الحدث. فمشاركة 21 مدينة ومنصة سينمائية من داخل كوريا وخارجها، بينها 16 مدينة منضوية تحت شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال السينما من 12 دولة، تعني أن بوسان لا تستضيف مجرد عروض أفلام، بل تدير مختبراً عملياً لفهم كيف يمكن للسينما المحلية أن تعبر الحدود من دون أن تفقد خصوصيتها. الشعار الذي اختاره المنظمون هذا العام، «فيلم، شعب، مدينة»، ليس عبارة دعائية بقدر ما هو بيان ثقافي: الفيلم هنا ليس منتجاً معزولاً، بل امتداد لحياة الناس وإيقاع المكان وتراكمات الذاكرة الجماعية.
وإذا كانت بوسان معروفة عربياً أكثر عبر مهرجان بوسان الدولي للأفلام، فإن مهرجان «إنترسيتي» يختلف في طبيعته ووظيفته. هو أقل صخباً وأكثر التصاقاً بفكرة التبادل بين المدن، أي بين وحدات حضرية تتشابه أحياناً في أسئلتها رغم تباعد الجغرافيا. وهذه نقطة تستحق التوقف عندها عربياً أيضاً، لأن كثيراً من مدننا تعيش اليوم تحولات ثقافية وعمرانية واجتماعية عميقة، وتبحث بدورها عن لغة بصرية قادرة على تمثيلها خارج المركزيات التقليدية.
حين تصبح المدينة بطلة الفيلم لا مجرد خلفية له
أبرز ما يلفت في هذا المهرجان أنه ينحاز إلى ما يمكن تسميته «السينما المحلية» أو «سينما المكان». والمقصود هنا ليس مجرد أفلام منخفضة الكلفة أو مستقلة بالمعنى الإنتاجي فقط، بل أعمال تحمل أثر المدينة التي خرجت منها: شكل الشوارع، نوع العلاقات الاجتماعية، الذاكرة التي تحفظها الأحياء، وحتى التوترات التي تصنع هوية السكان. وبينما اعتادت الصناعة السينمائية العالمية، بما فيها الكورية، أن تُقاس كثيراً بمستوى الانتشار التجاري، يذكّر هذا الحدث بأن القيمة الفنية والثقافية لا تُختزل دائماً في السوق وحدها.
في هذا السياق، تبدو بوسان وكأنها تقول إن المدن ليست مجرد ديكور في الصورة، بل منتِج فعلي للمعنى. فالفيلم المصنوع في بلد واحد قد يبدو مختلفاً تماماً إذا خرج من مدينة ساحلية أو مدينة صناعية أو مدينة تحمل آثار حرب أو هجرة أو إعادة إعمار. ومن هنا تأتي جاذبية صيغة «المدينة إلى المدينة»: المقارنة لا تجري بين سياسات ثقافية عامة فحسب، بل بين تجارب حياتية متجسدة في الفضاء الحضري ذاته.
هذه المقاربة مهمة لأنها تمنح جمهور السينما فرصة لفهم العالم من أسفل، من تفاصيل الحياة اليومية، لا من السرديات الوطنية الكبرى فقط. وهي أيضاً تمنح المخرجين وصنّاع الأفلام في الأطراف، أو خارج المراكز الصناعية المهيمنة، مساحة أوسع للظهور. فبدلاً من أن يبقى الاعتراف محصوراً بالعواصم الكبرى أو المشاريع العملاقة، يفتح المهرجان باباً لتداول أعمال قد لا تمتلك حملة تسويقية ضخمة، لكنها تمتلك نظرة متفردة إلى المجتمع والذاكرة والهوية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تشبيه هذه الفكرة بالفارق بين فيلم يقدّم «مصر» كمجرد عنوان كبير، وآخر يقدّم الإسكندرية أو الصعيد أو أحياء القاهرة الشعبية بوصفها عوالم كاملة. أو بين عمل يتحدث عن «المغرب» في المطلق، وآخر ينطلق من طنجة أو الدار البيضاء أو الصويرة بما تحمله كل مدينة من إيقاع خاص. هذا المستوى من الخصوصية هو ما يجعل السينما أقرب إلى الأدب الجيد؛ كلما ازداد التصاقها بمكانها، ازدادت قدرتها على لمس البشر في أماكن بعيدة.
خريطة سينمائية تمتد من أوروبا إلى آسيا وأوقيانوسيا
المدن المشاركة هذا العام تكشف أيضاً عن طبيعة الشبكة التي تسعى بوسان إلى بنائها. فهناك مدن مثل بلد الوليد وتيراسا في إسبانيا، وويلنغتون في نيوزيلندا، وبوتسدام في ألمانيا، ولودج في بولندا، وياماغاتا في اليابان، ومدينة هو تشي منه في فيتنام. هذه الخريطة الممتدة من أوروبا إلى آسيا وأوقيانوسيا لا تعني مجرد تنوع جغرافي شكلي، بل تبايناً في بيئات الإنتاج، وفي تاريخ المدن مع السينما، وفي علاقتها بالذاكرة والسياسة والمجتمع.
كما أن اللافت أن المهرجان لا يكتفي بمدن شبكة اليونسكو، بل يضم أيضاً مدناً تربطها ببوسان علاقات تبادل ميدانية مباشرة، مثل تاينان في تايوان وفوكوكا في اليابان. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأنها تشير إلى أن الدبلوماسية الثقافية الناجحة لا تُبنى فقط عبر الأطر المؤسسية الرسمية، بل أيضاً عبر العلاقات التراكمية بين الجمعيات، والمبرمجين، والسينمائيين، والفضاءات المستقلة. أي أن هناك طبقتين من التواصل تسيران معاً: طبقة مؤسسية تمنح الاعتراف، وطبقة مهنية وإنسانية تمنح الحيوية والاستمرارية.
في عالم السينما اليوم، حيث تزداد هيمنة المنصات العالمية والخوارزميات على خيارات المشاهدة، تبدو هذه الصيغة بمثابة مقاومة هادئة لفكرة التماثل الثقافي. فبدلاً من أن تستهلك الجماهير الأعمال نفسها بالترتيب نفسه وفي اللحظة نفسها، يأتي مهرجان من هذا النوع ليعيد الاعتبار إلى الاختلاف: اختلاف المدينة، وإيقاع السرد، وموضوعات الهامش، ونبرة الحكاية. وهذه ليست مسألة نخبوية كما قد يظن البعض، بل مسألة تتعلق بمستقبل التنوع الثقافي ذاته.
ومن هنا يمكن قراءة الحدث لا باعتباره مجرد مناسبة عابرة في روزنامة المهرجانات، بل علامة على اتجاه أوسع داخل الصناعة الثقافية الكورية: الانتقال من تصدير «المنتج الكوري» بوصفه كتلة واحدة، إلى إبراز الفوارق الداخلية داخل كوريا نفسها، وإلى بناء صلات أعمق بين مدن العالم عبر الإنتاج الإبداعي. وهذا تطور مهم في فهم الموجة الكورية، لأن «الهاليو» لم تعد فقط موسيقى بوب ومسلسلات جماهيرية، بل باتت أيضاً شبكات مؤسساتية وثقافية تنقل خبرات المدن وتجاربها الفنية.
«رسم المدينة»: الذاكرة والحرب والسينما بوصفها أداة للفهم
الفقرة الخاصة هذا العام، تحت عنوان «رسم المدينة»، تبدو من أكثر عناصر المهرجان دلالة. فاختيار أعمال تتناول ذاكرة مدن الحرب وواقعها يوسّع النقاش من الهوية المحلية بوصفها طابعاً بصرياً أو فولكلورياً، إلى الهوية بوصفها جرحاً وتاريخاً وتراكماً من الفقد والنجاة. هنا تصبح المدينة نصاً مثقلاً بما مرّ عليها، لا مجرد مسرح تتحرك فيه الشخصيات.
أهمية هذا الاختيار بالنسبة إلى الجمهور العربي واضحة. فنحن في المنطقة نعرف أكثر من غيرنا كيف تحمل المدن ندوب السياسة والنزاعات والتحولات العنيفة. من بيروت إلى غزة، ومن بغداد إلى الخرطوم، ومن حلب إلى صنعاء، ليست المدينة في وعينا مجرد عمران أو خريطة، بل ذاكرة عامة وحمولة عاطفية وأرشيف للغياب والحضور. لهذا السبب تحديداً يمكن لمفهوم «رسم المدينة» أن يجد صداه لدى المشاهد العربي، حتى لو كان الفيلم قادماً من سياق بعيد جغرافياً.
واللافت أن المهرجان، بحسب المعطيات المتاحة، لا يقدّم هذه الأعمال بوصفها أجوبة جاهزة، بل بوصفها فرصة للمشاهدة والتفكير. وهذه ميزة أساسية في السينما الجادة: أنها لا تعطيك درساً مباشراً، بل تفتح مساحة للتأمل في معنى أن تعيش جماعة بشرية داخل مدينة تتذكر أكثر مما تنسى. في هذا المعنى، تبدو بوسان كأنها تستخدم السينما هنا ليس فقط للتعريف بثقافات المدن، بل أيضاً لاختبار قدرتنا على التعاطف العابر للحدود.
في الصحافة الثقافية العربية، كثيراً ما يجري التعامل مع الأخبار الفنية من بوابة الأسماء اللامعة أو الجوائز الكبرى. لكن حدثاً كهذا يذكّرنا بأن الثقافة قد تكون أكثر تأثيراً حين تمسّ البنية العميقة للمجتمع: كيف تروي مدينة نفسها؟ كيف تحفظ ذاكرتها؟ وكيف يمكن للصورة المتحركة أن تنقل تلك الذاكرة من جمهور محلي إلى متفرج يأتي من عالم آخر تماماً؟
ما الذي تقوله هذه التجربة عن الموجة الكورية اليوم؟
من السهل النظر إلى مهرجان بوسان إنترسيتي بوصفه نشاطاً متخصصاً داخل مشهد ثقافي أوسع، لكن القراءة الأعمق تُظهر أنه جزء من تحوّل في كيفية تموضع كوريا الجنوبية ثقافياً. خلال العقدين الماضيين، تعرّف العالم العربي إلى كوريا غالباً عبر البوابة الجماهيرية: الدراما، والكي-بوب، والجمال الكوري، والأطعمة الشعبية التي تحولت إلى حضور ثابت على الشاشات ومنصات التواصل. غير أن البنية الثقافية التي تقف خلف هذا الحضور كانت تتطور في موازاة ذلك: شبكات مهرجانات، مدن مبدعة، برامج تبادل، ومؤسسات قادرة على وصل الإنتاج المحلي بحركة عالمية أوسع.
هذا يعني أن كوريا لا تراهن فقط على «النجومية» كأداة نفوذ ثقافي، بل على بناء أنظمة بيئية ثقافية قادرة على الاستمرار. حين تستثمر مدينة مثل بوسان في أن تكون عقدة وصل بين مدن العالم سينمائياً، فهي لا تروّج لاسمها فقط، بل تبني مكانة طويلة الأمد داخل الخرائط الثقافية الدولية. وهذا درس مهم للمنطقة العربية، حيث يجري أحياناً التركيز على الحدث اللامع أكثر من الاستثمار في البنية التي تجعل من الحدث استمرارية لا استثناء.
الأهم أن هذا النموذج يُظهر كيف يمكن للمحلي أن يصبح عالمياً من دون أن يُخفف نبرته الخاصة. وهي مفارقة تعلّمتها كوريا جيداً: كلما كان المحتوى صادقاً مع بيئته، ازدادت فرصته في العبور. وهذه القاعدة لا تخص الدراما الشهيرة فقط، بل تنطبق أيضاً على الأفلام المحلية الأقل انتشاراً. لذلك فإن مهرجاناً يربط بين مدن متعددة يرسّخ فكرة أن العالمية لا تعني الذوبان، بل القدرة على التقديم من موقع الاختلاف.
ومن زاوية صناعية، يمكن لهذا النوع من المهرجانات أن يعيد توزيع الانتباه داخل السوق السينمائية. فبدلاً من تمركز الاهتمام في عدد محدود من العواصم أو الشركات، يتيح المجال أمام طيف أوسع من المبدعين والمنتجين والمبرمجين. وهذه النقطة قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة سياسية وثقافية أيضاً، لأنها تمسّ سؤال من يملك حق تمثيل المكان على الشاشة.
ماذا يعني ذلك للسعودية والسوق الثقافية العربية؟
بالنسبة إلى السعودية، يحمل هذا الحدث أكثر من دلالة. فالمملكة التي تشهد في السنوات الأخيرة حراكاً سينمائياً وثقافياً متسارعاً، من توسيع دور العرض إلى بروز مهرجانات ومنصات إنتاج ومبادرات تدريب، تستطيع أن ترى في تجربة بوسان نموذجاً مختلفاً عن نموذج المهرجان القائم فقط على البريق الدولي. الفكرة الجوهرية هنا هي أن المدينة نفسها يمكن أن تصبح علامة ثقافية، وأن السينما المحلية ليست مجرد مادة للعرض، بل وسيلة لبناء صورة مكانية متماسكة عن المجتمع والتحول.
هذا مهم في السياق السعودي تحديداً، لأن المشهد المحلي لا يدور حول مدينة واحدة فقط. الرياض، وجدة، والظهران، والعلا، ولكل منها إيقاعها الثقافي وصورتها العمرانية وعلاقتها الخاصة بالفنون والجمهور. وإذا كان المهرجان الكوري يطرح مفهوم «المدينة إلى المدينة»، فإن هذا يفتح سؤالاً مشروعاً لدينا: كيف يمكن للسينما السعودية أن تعبّر عن تعددية المدن داخل البلد الواحد، ثم تدخل بهذا التنوع في حوار مع مدن آسيوية وأوروبية وأفريقية؟
من جهة السوق، هناك معنى إضافي لا ينبغي تجاهله. فالجمهور العربي، والسعودي خصوصاً، صار أكثر ألفة مع المحتوى الكوري من أي وقت مضى. وهذا القرب الجماهيري يمكن أن يشكّل أساساً لمرحلة جديدة تتجاوز الاستهلاك إلى الشراكة الثقافية الأعمق: برمجة مشتركة، عروض متبادلة، استضافة أفلام محلية من مدن كورية، وفي المقابل تعريف الجمهور الكوري بأفلام تنطلق من مدن سعودية وعربية. صحيح أن الخبر المتاح لا يتحدث عن تعاون مباشر مع مؤسسات عربية في هذه الدورة، لذلك لا يجوز القفز إلى استنتاجات غير مسنودة، لكن المنطق الذي يحكم المهرجان يفتح باباً واضحاً أمام هذا النوع من العلاقات مستقبلاً.
أما على مستوى العلاقات السعودية الكورية، فالثقافة باتت تسير إلى جانب الاقتصاد والتقنية والطاقة، لا خلفها فقط. وعندما تتكثف جسور التبادل بين البلدين في مجالات الأعمال والسياحة والترفيه والتعليم، تصبح المهرجانات والفعاليات الفنية أدوات ضرورية لتوسيع المعرفة المتبادلة بين المجتمعين. من هنا، فإن متابعة حدث كهذا ليست رفاهية ثقافية، بل جزء من قراءة أشمل لكيفية تشكّل الشراكات الحديثة بين الدول: شراكات لا تقوم فقط على العقود، بل أيضاً على الصور والقصص والذاكرة المشتركة.
وبالنسبة إلى الشركات الثقافية العربية والسعودية، فإن الرسالة العملية واضحة: السوق اليوم لا يطلب فقط محتوى قابلاً للتصدير، بل يطلب أيضاً هوية مكانية واضحة. الجمهور العالمي، كما أظهرت التجارب الكورية مراراً، لا ينفر من الخصوصية المحلية؛ بل ينجذب إليها إذا قُدمت بحرفية وصدق. وهذا ما يجعل من نموذج بوسان إشارة تستحق الانتباه لدى المنتجين والمبرمجين وصنّاع السياسات الثقافية في منطقتنا.
ما الذي ينبغي مراقبته بعد هذا المهرجان؟
السؤال الأهم بعد الافتتاح ليس كم فيلماً عُرض، ولا كم نجماً حضر، بل ما إذا كانت هذه الصيغة ستتوسع في تأثيرها. هل ستتحول شبكات «المدن السينمائية» إلى مسار أكثر حضوراً في آسيا وخارجها؟ هل سنرى مستقبلاً شراكات أوضح بين مدن عربية وكورية على مستوى البرمجة أو التدريب أو الإقامة الفنية؟ وهل تستطيع المهرجانات العربية أن تستفيد من الدرس البوساني فتوازن بين البعد الدولي اللامع وبين رعاية السينما الخارجة من تفاصيل المدينة نفسها؟
ما يقدمه مهرجان بوسان إنترسيتي في دورته العاشرة هو تذكير مهم بأن السينما ليست فقط صناعة ترفيه، بل بنية تبادل حضري وثقافي. وعندما تجتمع 21 مدينة ومنصة سينمائية في مدينة واحدة، فإن المعنى لا يكمن في التراكم العددي بقدر ما يكمن في نوع العلاقة التي يُعاد تخيلها بين الأمكنة. هذه ليست «عولمة» تذيب الفوارق، بل عولمة تسمح لكل مدينة أن تتحدث بلهجتها البصرية الخاصة.
بالنسبة إلى القارئ العربي، وربما السعودي على وجه الخصوص، تكمن أهمية الخبر في أنه يفتح زاوية مختلفة لفهم كوريا الجنوبية. فخلف الواجهة الشعبية الناعمة التي نعرفها عبر الموسيقى والدراما، هناك عمل طويل النفس على بناء منظومة ثقافية تربط المحلي بالعالمي. وإذا كانت منطقتنا تبحث اليوم عن طرق أكثر نضجاً لتطوير صناعاتها الإبداعية، فإن أحد الدروس المفيدة من بوسان هو أن البداية لا تكون دائماً من «الفيلم الكبير»، بل من المدينة التي تعرف كيف ترى نفسها، ثم تعرض هذه الرؤية على العالم.
في النهاية، قد لا يكون هذا المهرجان الأكثر ضجيجاً في روزنامة السينما الدولية، لكنه بالتأكيد من المهرجانات التي تقول شيئاً مهماً عن المستقبل: أن المدن، لا الدول وحدها، باتت فاعلاً ثقافياً قائماً بذاته؛ وأن القصص الصغيرة الخارجة من الهامش يمكن أن تصنع جسوراً أبقى من كثير من المشاريع الضخمة؛ وأن بوسان، وهي تجمع أفلام المدن تحت سقف واحد، لا تقدّم مجرد برنامج عروض، بل تقترح طريقة جديدة للتعارف بين الشعوب، تبدأ من الشاشة، لكنها لا تنتهي عندها.
0 تعليقات