광고환영

광고문의환영

«الوظيفة القصوى».. لماذا تحوّلت كوميديا دجاج كورية إلى درس عربي في صناعة الترفيه الجماهيري؟

«الوظيفة القصوى».. لماذا تحوّلت كوميديا دجاج كورية إلى درس عربي في صناعة الترفيه الجماهيري؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

حين تنتصر الكوميديا القادمة من الشارع

في سوق سينمائي يميل غالباً إلى الرهان على الأبطال الخارقين، والمطاردات الضخمة، والعوالم المتخيلة، تبدو تجربة الفيلم الكوري الجنوبي «الوظيفة القصوى» استثناءً يستحق التوقف عنده طويلاً. فالفيلم، الذي عُرض عام 2019، انطلق من فكرة شديدة البساطة وقريبة من الحياة اليومية: فريق مكافحة مخدرات يوشك على التفكك، يضطر إلى مراقبة عصابة إجرامية من داخل محل دجاج مقلي يقع قرب وكر العصابة، ثم يجد نفسه، من حيث لا يحتسب، يدير مشروعاً ناجحاً أكثر مما ينجح في أداء مهمته الأمنية. هنا لا يأتي الضحك من نكتة عابرة أو تهريج سطحي، بل من انقلاب الأدوار: رجال يفترض أنهم يطاردون الجريمة، فإذا بهم يطاردون الطلبات، ويحسبون تكلفة الزيت والخلطة السرية، ويرتبكون أمام الزبائن أكثر مما يرتبكون أمام المجرمين.

هذه الفكرة، على بساطتها، تخبئ مفتاحاً مهماً لفهم لماذا حصد الفيلم أكثر من 16.2 مليون مشاهد في كوريا الجنوبية، وتحوّل إلى أحد أكبر العناوين الجماهيرية في تاريخ شباك التذاكر هناك. فالمسألة لا تتعلق فقط بالنجاح العددي، بل بنوع النجاح نفسه: عمل يتكئ على مفردات محلية جداً، مثل ثقافة الدجاج المقلي، وضغط الوظيفة، وتوتر العلاقة بين الرؤساء والمرؤوسين، وهشاشة الطبقة الوسطى، ثم ينجح في التحول إلى ظاهرة واسعة. هذا النوع من النجاح يعني أن السينما لا تحتاج دائماً إلى ميزانيات فلكية كي تبلغ الجمهور، بل تحتاج قبل كل شيء إلى قراءة ذكية لما يضحك الناس لأنه يشبههم، وما يؤلمهم لأنه يلامس يومياتهم.

للقارئ العربي، قد تبدو وصفة الفيلم مألوفة من حيث الروح، حتى لو اختلفت التفاصيل الثقافية. في الكوميديا العربية، من مصر إلى الخليج والمغرب العربي، لطالما لعبت مفارقة «الجد والهزل» دوراً مركزياً: موظف بسيط يجد نفسه في ورطة أكبر من قدرته، أو رجل سلطة تنقلب عليه الظروف، أو مشروع صغير يتحول فجأة إلى ساحة للصراع. غير أن ما يميز «الوظيفة القصوى» هو أنه لا يسخر من المهنة الأمنية فقط، ولا من التجارة الصغيرة فقط، بل من الوهم الحديث الذي يطلب من الإنسان أن ينجح في كل شيء دفعة واحدة: أن يكون موظفاً مثالياً، ورائد أعمال ناجحاً، وقائداً شجاعاً، ورب أسرة حاضراً، وكل ذلك تحت ضغط الوقت والمنافسة والخوف من الفشل.

من فيلم ناجح إلى مؤشر على مزاج كوري جديد

قراءة «الوظيفة القصوى» كخبر سينمائي فقط تظلمه. الأهم أنه يشير إلى مزاج اجتماعي وثقافي في كوريا الجنوبية خلال السنوات الأخيرة: الجمهور يريد أعمالاً تعرف كيف تمزج التوتر بالضحك، والبطولة بالتعثر، والنجاح الاقتصادي بالقلق الإنساني. الفيلم يروي حكاية خمسة محققين يظهرون في البداية كأنهم فريق فاشل، قليل الإنجاز، مثقل بالأخطاء، ومهدد بالتفكيك. لكن الكوميديا هنا لا تقوم على تحويلهم فجأة إلى عباقرة خارقين، بل على اكتشاف أن لكل واحد منهم مهارة كانت في المكان الخطأ: هذا يجيد الطبخ، وذاك يبرع في الملاحقة، وثالث يتحمل الضرب، ورابع يمتلك خبرة طويلة لا تظهر في التقارير الرسمية، وخامسة لديها قوة قتالية وانضباط ميداني.

هذا البناء السردي مهم لأنه ينتمي إلى تقليد كوري أوسع في الدراما والسينما، حيث الشخصيات ليست مثالية، بل محطمة أو مهمشة أو غير مفهومة داخل المؤسسة، ثم تجد نفسها في موقف يجبرها على إعادة تعريف قيمتها. وهو ما رأيناه، بأشكال مختلفة، في أعمال كورية عديدة نجحت عالمياً لأنها خاطبت سؤالاً يتجاوز الحدود: ماذا يفعل الإنسان عندما لا تكافئه المؤسسة، ولا تعترف بجهده، ولا تمنحه الترقية التي يستحقها؟ في «الوظيفة القصوى» تأتي الإجابة ساخرة: ربما ينجح في بيع الدجاج أكثر مما ينجح في إنجاز الملفات.

وربما لهذا السبب بالذات حقق الفيلم ذلك الرقم الكبير في وقت سريع. فحين يتجاوز فيلم حاجز العشرة ملايين مشاهد خلال 15 يوماً فقط في بلد بحجم كوريا الجنوبية، فنحن لا نتحدث عن حملة ترويج ناجحة فحسب، بل عن لحظة التقاء نادرة بين الصناعة والجمهور. الجمهور هنا لم يذهب لمشاهدة «حدث» استثنائي بقدر ما ذهب ليرى نفسه في مرآة ساخرة: موظفون مرهقون، تنافس داخل الإدارات، أسر تتحمل نتائج العمل الشاق، وأحلام صغيرة قد تكبر بلا تخطيط. هذه هي المادة الخام التي تصنع الشعبية الواسعة، لأنها تخرج من الحياة اليومية لا من المختبرات الإنتاجية المعزولة.

لماذا كان محل الدجاج أكثر من مجرد ديكور؟

قد يظن بعض المشاهدين العرب أن اختيار محل دجاج كمركز للأحداث مجرد تفصيل كوميدي ظريف، لكنه في الحقيقة عنصر ثقافي بالغ الدلالة. في كوريا الجنوبية، كما في عدد من البلدان العربية، الطعام ليس مجرد استهلاك يومي، بل مساحة اجتماعية ووجدانية وتجارية في آن واحد. ومحال الدجاج المقلي في الثقافة الكورية الحديثة ترتبط بالحياة الحضرية، والسهرات، والعمل المتأخر، والاقتصاد الصغير، وحتى بفكرة «الفرنشايز» أو الامتياز التجاري التي توسعت بقوة في العقود الأخيرة. لذلك فإن انتقال رجال الشرطة إلى إدارة محل من هذا النوع يضعهم فجأة داخل قلب الاقتصاد الشعبي، لا على هامشه.

الفيلم يفهم جيداً مفارقة المشاريع الصغيرة: إذا فشل المحل خسروا نقطة المراقبة، وإذا نجح أكثر من اللازم خسروا السرية التي تحتاجها العملية الأمنية. هذه المفارقة تكاد تشبه كثيراً من القصص العربية عن التجارة الصغيرة؛ من المطاعم العائلية إلى المقاهي المحلية، حيث يتحول مصدر النجاة نفسه إلى مصدر ضغط جديد. النجاح ليس دائماً حلاً نهائياً، بل قد يكون بداية مشكلة أخرى: مزيد من الانكشاف، مزيد من الالتزامات، مزيد من الطمع حول المشروع. ومن هنا تأتي إحدى أذكى طبقات الفيلم: الربح لا يُقدَّم بوصفه انتصاراً مطلقاً، بل بوصفه قوة تقلب اللعبة كلها.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن الطعام في الفيلم ليس خلفية محايدة، بل محرك للسرد. مهارة الطهو التي يمتلكها أحد أفراد الفريق تقلب ميزان العملية، وتجعل المحل وجهة مطلوبة. ثم تتدحرج الأحداث من شهرة محلية إلى اهتمام إعلامي إلى توسع تجاري، وصولاً إلى تقاطع ذلك كله مع الشبكة الإجرامية نفسها. بهذه الطريقة، يربط الفيلم بين المطبخ والجريمة والإعلام والتجارة، من دون أن يفقد إيقاعه الكوميدي. وهذا بالضبط ما يجعل العمل قابلاً للقراءة عربياً: لأنه يقول إن الحياة المعاصرة شبكة متداخلة، وإن الحد الفاصل بين الوظيفة والرزق والسمعة العامة بات أرق من أي وقت مضى.

الكوميديا هنا ليست للضحك فقط

في الصحافة الثقافية العربية، كثيراً ما جرى التعامل مع الكوميديا بوصفها النوع الأخف وزناً قياساً بالدراما الجادة. لكن «الوظيفة القصوى» يذكّرنا بأن الكوميديا، حين تُصنع بإحكام، قد تكون الشكل الأكثر قدرة على التقاط التحولات الاجتماعية. الفيلم لا يضحك على رجال الشرطة لأنهم أغبياء، بل يضحك على النظام الذي يجعلهم عالقين بين الأداء الوظيفي ومتطلبات البقاء. كما لا يضحك على صاحب المشروع الصغير لأنه فاشل، بل على اقتصاد يفرض على الناس أن يتحولوا إلى مسوقين وطهاة ومديرين وخبراء علاقات عامة في اللحظة نفسها.

الشخصية المركزية، قائد الفريق الذي يحمل تاريخاً طويلاً في العمل الميداني من دون أن يحصد الاعتراف الكافي، تمثل نموذجاً معروفاً في مجتمعات كثيرة، منها مجتمعاتنا العربية: ذلك الموظف الذي أعطى عمره للمهنة، وتأذى بسببها، لكنه بقي في الظل، بينما يتجاوزه آخرون في الترقية والمكانة. الفيلم لا يحوله إلى بطل مأساوي على الطريقة التقليدية، بل يتركه بشرياً، مرتبكاً، قابلاً للخطأ، ومضطراً إلى رهن ما تبقى له من استقرار في صفقة غير مضمونة. ومن هنا يصبح الضحك نفسه مشبعاً بشيء من المرارة، وهو ما يجعل الأثر أطول من مجرد قهقهة في الصالة.

حتى العلاقات داخل الفريق تحمل بعداً عربياً مألوفاً. هناك الكبير الذي يتحمل المسؤولية، والمجتهد الذي لا يُفهم جيداً، والمتهور الذي يقوده الحماس، وصاحبة القوة التي تفرض احترامها، وعضو الفريق الذي يواصل العمل الحقيقي بينما ينشغل الباقون بالفوضى. هذه التركيبة قريبة من ذائقة الجمهور العربي الذي يتجاوب عادة مع «كيمياء المجموعة» أكثر من رهانه على فرد واحد. ولعل هذا يفسر لماذا تنجح كثير من الأعمال الجماعية لدينا عندما تمنح كل شخصية وظيفة درامية واضحة وملمحاً إنسانياً بسيطاً يمكن تذكره.

ما الذي يعنيه هذا للسوق العربية؟

من زاوية عربية، أهمية «الوظيفة القصوى» لا تكمن فقط في نجاح فيلم كوري آخر ضمن الموجة الكورية، بل في الرسالة التي يبعثها إلى صناعاتنا وأسواقنا الترفيهية. أولاً، هو يثبت أن الأعمال المحلية الجذور يمكن أن تكون عابرة للحدود إذا امتلكت حبكة محكمة وإيقاعاً مفهوماً وشخصيات تنبض بالحياة. لم يحتج الفيلم إلى تفريغ هويته الكورية كي يصبح جذاباً، بل فعل العكس: تمسك ببيئته، بثقافة الأكل، بطبيعة الجهاز الشرطي، بتوترات العمل، ثم انفتح على إنسانية أوسع. هذه نقطة بالغة الأهمية لصناع المحتوى العرب الذين لا يزال بعضهم يظن أن العالمية تبدأ بالتخلي عن المحلي.

ثانياً، يقدم الفيلم درساً في اقتصاد الإنتاج. فالأرقام المرتبطة بميزانيته وعائداته تكشف عن عمل استطاع أن يحول فكرة ذكية إلى ظاهرة تجارية ضخمة من دون أن يعتمد على ملحمة بصرية مكلفة. في الأسواق العربية، حيث يتكرر النقاش حول محدودية التمويل أو تذبذب الاستثمار في السينما، تبدو هذه المعادلة شديدة الإغراء: فكرة قوية، شخصيات مضبوطة، حس كوميدي نابع من الواقع، ثم تنفيذ يعرف كيف يحترم الجمهور. ليس المطلوب استنساخ الصيغة الكورية، فهذا خطأ تقع فيه أسواق كثيرة، بل فهم المنطق الذي أوصلها إلى هذا النوع من النجاحات.

ثالثاً، يلفت الفيلم الانتباه إلى إمكانية تقاطع أنواع فنية كانت تُفصل تقليدياً: الكوميديا، والأكشن، والدراما الاجتماعية، وحكاية المشروع الصغير. في العالم العربي، غالباً ما تُسوَّق الأعمال ضمن قوالب صارمة: هذا فيلم بوليسي، ذاك كوميدي، وثالث عائلي. لكن جمهور المنصات والصالات اليوم بات أكثر تقبلاً للأعمال الهجينة التي تنتقل بمرونة بين التوتر والضحك. وإذا كانت الصناعة الكورية قد استفادت بقوة من هذه المرونة النوعية، فإن السوق العربية تملك بدورها تراثاً واسعاً يسمح لها بتجريب مزيد من الخلط الذكي بين الأنماط.

وأخيراً، يعيد هذا النجاح التذكير بأن الموجة الكورية ليست مجرد موسيقى بوب أو مسلسلات رومانسية، بل منظومة سردية متكاملة تشمل السينما التجارية القادرة على مخاطبة شرائح واسعة. وهذا يهم الموزعين والمنصات العربية على السواء، لأن الطلب على المحتوى الكوري في المنطقة لم يعد محدوداً بجمهور متخصص أو فئة عمرية واحدة. هناك فضول متزايد لدى المشاهد العربي تجاه أنماط الحياة في كوريا، ومؤسساتها، ومأكولاتها، ومفارقاتها الاجتماعية، وهو فضول يفتح مجالاً أوسع للأفلام التي تجمع المتعة بالفهم الثقافي.

في السعودية: ماذا تقول لنا هذه التجربة عن جمهورنا وسوقنا؟

إذا أخذنا السعودية بوصفها مثالاً محلياً مباشراً، فإن قصة «الوظيفة القصوى» تكتسب معنى إضافياً. فالسوق السعودية خلال السنوات الأخيرة أصبحت واحدة من أكثر الساحات العربية حيوية في المشاهدة السينمائية، مع توسع دور العرض، وتنوع البرمجة، وارتفاع الاهتمام بالأعمال الآسيوية عموماً. في هذا السياق، لا تبدو كوميديا كورية تدور حول محل دجاج مجرد مادة أجنبية طريفة، بل نموذجاً يمكن أن يقرأه المبرمجون والموزعون والمنتجون المحليون بعناية. الجمهور السعودي، مثل كثير من جماهير المنطقة، ينجذب إلى القصص القريبة من تفاصيل المعيشة اليومية، لكنه يريد في الوقت نفسه إيقاعاً حديثاً وصناعة متماسكة. وهذا ما يقدمه الفيلم بوضوح.

السعودية أيضاً بلد يعرف جيداً ثقل المطاعم والمشروعات الصغيرة في الحياة المدينية، ويعرف كيف يتحول الطعام إلى جزء من الهوية الاجتماعية والاقتصاد المحلي معاً. لذلك فإن كوميديا تنشأ من نجاح مطعم يربك أصحابه قد تجد صدى مفهوماً لدى المتلقي المحلي. كما أن فكرة الانتقال من وظيفة رسمية إلى ضغط التشغيل اليومي لمشروع صغير ليست بعيدة عن نقاشات المجتمع حول ريادة الأعمال، والعمل الحر، والبحث عن مصادر دخل جديدة، حتى لو جاء ذلك في الفيلم ضمن حبكة ساخرة ومبالغ فيها. القرب هنا ليس في تطابق الوقائع، بل في قابلية الفكرة لأن تُفهم فوراً داخل سياقنا.

على مستوى العلاقات الأوسع مع كوريا الجنوبية، يحمل هذا النوع من الأعمال قيمة ناعمة لا ينبغي الاستهانة بها. فالحضور الكوري في السوق السعودية والعربية لا يقتصر على التكنولوجيا والسيارات والصناعة، بل يمتد أكثر فأكثر إلى الثقافة والمحتوى. وكلما ازداد التعارف عبر القصص الشعبية الناجحة، أصبح التعاون الثقافي أكثر رسوخاً. من مصلحة السوق المحلية أن تنظر إلى هذه الأعمال لا بوصفها منتجاً مستورداً فقط، بل بوصفها أيضاً فرصة لفهم كيف تبني كوريا جسورها مع الخارج عبر الترفيه، وكيف تترجم تفاصيلها اليومية إلى لغة جماهيرية عالمية.

وبالنسبة للشركات العاملة في التوزيع والمنصات والإنتاج داخل السعودية، فإن الدرس الأوضح هو أن الجمهور لا ينقسم ببساطة بين «محلي» و«أجنبي». ما ينجح هو العمل الذي يملك صدقاً داخلياً وبناءً محكماً، سواء جاء من سيول أو الرياض أو القاهرة. وإذا كانت السينما السعودية تبحث عن مزيد من القصص القادرة على العبور عربياً، فإن أحد المسارات الواعدة قد يكون في إعادة اكتشاف الكوميديا المهنية والاجتماعية: قصص الموظفين، والقطاعات الخدمية، والمشروعات الصغيرة، والبيروقراطية، والتنافس، وكل ما نصادفه يومياً ونادراً ما نراه مصقولاً على الشاشة بالقدر الكافي.

ما الذي يجب مراقبته بعد هذا النموذج؟

أهمية «الوظيفة القصوى» اليوم ليست في استعادة رقم قياسي مضى عليه وقت، بل في السؤال الذي يتركه أمام الصناعة: هل ما زال الجمهور يريد القصص الضخمة وحدها، أم أنه يبحث عن أفكار متجذرة في الحياة اليومية لكن مصاغة بطاقة ترفيهية عالية؟ المؤشرات الآتية من كوريا، ومن أسواق عديدة أخرى، تقول إن المزاج الثاني يزداد حضوراً. الناس تريد التعرف إلى نفسها داخل الحكاية، حتى لو كان ذلك من خلال مطاردة عصابة، أو إدارة مطعم، أو فوضى فريق عمل لا يعرف كيف يوازن بين الرسالة والمصلحة.

هناك أيضاً مسألة «الهجنة» التي تبدو مرشحة لمزيد من الصعود: أعمال لا تخاف من التحرك بين الأنواع، ولا تعتبر الانتقال من الضحك إلى الحركة إلى التعليق الاجتماعي خيانة للنوع الفني. هذه المرونة هي ما يمنح الفيلم قابلية أطول للبقاء في الذاكرة، لأنه لا يكتفي بوظيفة واحدة. وهو درس مهم للكتاب العرب خصوصاً، في لحظة تتزايد فيها المنافسة على انتباه الجمهور بين السينما والمنصات والمحتوى القصير. العمل الذي يستطيع أن يمنح المشاهد أكثر من باب للدخول إلى قصته، يملك حظوظاً أفضل في الانتشار.

ثم هناك بعد آخر يتعلق بالقوة الناعمة الكورية نفسها. نجاح هذا الفيلم يذكّر بأن كوريا الجنوبية لم تبن حضورها الثقافي العالمي عبر نموذج واحد، بل عبر تنويع مدروس: موسيقى، دراما، أفلام جماهيرية، أعمال ذات طابع مؤلف، وبرامج تستثمر في تفاصيل الحياة اليومية. بالنسبة للعالم العربي، هذا يفتح باباً للتفكير في كيف يمكن بدورنا أن نقدم أنفسنا خارجياً من خلال القصص الشعبية عالية الجودة، لا من خلال الصورة النمطية أو الإنتاج المناسباتي فقط. فالقوة الناعمة الحقيقية تبدأ عندما ينجح المجتمع في تحويل عادياته إلى مادة يراها الآخرون ممتعة ومفهومة ومغرية.

في النهاية، قد يبدو «الوظيفة القصوى» في ظاهره مجرد حكاية طريفة عن رجال شرطة باعوا الدجاج وهم يطاردون المهربين. لكن القراءة الأعمق تقول إنه فيلم عن العمل حين يبتلع الحياة، وعن السوق حين يفرض منطقه على الجميع، وعن الموهبة حين تظهر في المكان غير المتوقع، وعن المؤسسة حين تعجز عن رؤية قيمة أفرادها إلا بعد فوات الأوان. ولهذا تحديداً استحق كل هذا الصدى. إنه ليس فقط نجاحاً كوريّاً كبيراً، بل إشارة إلى أن السينما التي تفهم قلق الناس اليومي، وتعرف كيف تضحكهم منه من دون أن تحتقره، لا تزال قادرة على صنع المعجزات التجارية والثقافية معاً.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات