광고환영

광고문의환영

كوريا الجنوبية تراهن على تسريع البناء لا تضخيم الوعود: كيف تعيد سيول صياغة معركة السكن في العاصمة الكبرى؟

كوريا الجنوبية تراهن على تسريع البناء لا تضخيم الوعود: كيف تعيد سيول صياغة معركة السكن في العاصمة الكبرى؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

من الأرقام إلى التنفيذ: ما الذي تغيّر في مقاربة الحكومة الكورية؟

تتحرك الحكومة الكورية الجنوبية هذه الأيام على خط حساس سياسياً واجتماعياً، عنوانه السكن في منطقة العاصمة الكبرى، أو ما يُعرف في كوريا باسم «سودوكون»؛ وهو المصطلح الذي يشير إلى سيول والمناطق المحيطة بها مثل إنتشون ومقاطعة غيونغي، أي القلب الاقتصادي والديموغرافي للبلاد. وفي الاجتماع الثاني لمراجعة سياسات العقار، الذي ترأسه الرئيس الكوري لي جيه ميونغ في الثامن من أغسطس، اتجه النقاش الحكومي بوضوح نحو توسيع المعروض السكني في هذه المنطقة، لكن مع تركيز لافت على عامل التنفيذ والسرعة، لا على مجرد إعلان أهداف رقمية جديدة.

هذه النقلة في اللغة والسياسة ليست تفصيلاً تقنياً. ففي كثير من دول العالم، ومنها دول عربية تعرف جيداً أزمة المدن الكبرى، يمكن أن تبدو الأرقام المعلنة في الخطط الحكومية ضخمة وواعدة، لكن المواطن لا يلمس أثراً حقيقياً إلا عندما تتحول الخرائط إلى رافعات، والوعود إلى شقق جاهزة للسكن. هذا هو جوهر التحول الجاري في سيول: الحكومة لم تعد تريد فقط أن تقول إنها ستبني، بل تريد أن تُظهر كيف ستُخرج المشاريع المتعثرة أو البطيئة من عنق الزجاجة، عبر تسريع الإجراءات وتنسيق التمويل وتخفيف العقبات الإدارية والضريبية.

وبحسب المعطيات المتداولة في أوساط صنع القرار الكوري، فإن الإجراءات اللاحقة لا تزال قيد التنسيق بين الوزارات والهيئات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل، إلى جانب لجنة الخدمات المالية. والرسالة الأساسية هنا أن أزمة السكن في العاصمة الكورية لم تعد تُقرأ فقط بوصفها نقصاً في الوحدات السكنية، بل بوصفها أيضاً أزمة في الزمن الإداري: الوقت الذي يستغرقه المشروع بين تخصيص الأرض والحصول على التراخيص وتأمين التمويل والبدء بالبناء ثم التسليم.

في السياق العربي، قد يبدو هذا شبيهاً بما يحدث حين تُعلن خطط إسكان طموحة في مدينة مكتظة، ثم تتأخر بفعل التعقيدات بين الوزارات والبلديات والممولين والمطورين. الفرق أن كوريا الجنوبية، التي اعتادت على الإدارة الدقيقة والقدرة العالية على التخطيط، تبدو اليوم كأنها تعترف بأن المشكلة لم تعد في غياب الرؤية، بل في صعوبة تحويل هذه الرؤية إلى إنجاز ملموس بالسرعة التي يطلبها الشارع.

من هنا يمكن فهم سبب التحول من «سياسة الأهداف» إلى «سياسة التسليم». فالحكومة كانت قد طرحت في سبتمبر من العام الماضي إطاراً عاماً لتوسيع الإمداد السكني في منطقة العاصمة. لكن بعد مرور نحو عام، تصاعدت الانتقادات لضعف الأثر المحسوس على السوق، ما دفع صناع القرار إلى إعادة ترتيب الأولويات. وبعبارة صحافية مباشرة: لم يعد كافياً أن يُقال إن آلاف الوحدات ستأتي، بل الأهم متى وأين وكيف، ومن الذي سيتحمل مخاطر التمويل والتأخير.

لماذا تبقى أزمة السكن في سيول قضية ملتهبة؟

لفهم حساسية الملف، لا بد من التوقف عند طبيعة سيول الكبرى نفسها. فالعاصمة الكورية ليست مجرد مركز إداري، بل هي أشبه بمغناطيس اقتصادي وتعليمي وثقافي هائل. الوظائف الكبرى، الجامعات المرموقة، الشركات التكنولوجية، المؤسسات المالية، والبنية التحتية الأفضل، كلها تتركز بدرجات متفاوتة في هذه المنطقة. لذلك يستمر الطلب على السكن فيها مرتفعاً، حتى عندما تحاول الحكومات المتعاقبة تشجيع اللامركزية ونقل بعض المؤسسات إلى مدن أخرى.

هذا الواقع مألوف عربياً أيضاً. فمن القاهرة إلى الدار البيضاء إلى الرياض وبيروت قبل أزمتها، تظل العواصم والمدن الكبرى أكبر من قدرتها الطبيعية على الاستيعاب، لأن الفرص تتركز فيها بدرجة تجعل الانتقال إليها، أو البقاء فيها، خياراً اقتصادياً واجتماعياً شبه حتمي. وفي كوريا الجنوبية، حيث الكثافة السكانية عالية والأرض محدودة، تتحول هذه المعادلة إلى ضغط متواصل على الأسعار والإيجارات وحلم التملك، خاصة لدى الشباب والعائلات الجديدة.

وتحمل الأزمة في كوريا بعداً ثقافياً واجتماعياً إضافياً. فالاستقرار السكني هناك ليس مجرد مسألة رفاه، بل يدخل في صلب التصورات المتعلقة بتأسيس الأسرة والانتقال إلى حياة البالغين. كما أن نظام الإيجار الكوري التقليدي المعروف باسم «جونسي» – وهو نظام يعتمد على وديعة كبيرة بدلاً من الإيجار الشهري التقليدي – جعل تقلبات السوق العقارية والمالية أكثر تأثيراً في حياة الطبقة الوسطى. ولأن كثيرين يربطون الزواج والإنجاب والاستقرار الوظيفي بإمكانية تأمين سكن مناسب، تصبح السياسة السكنية جزءاً من النقاش الوطني حول المستقبل الديموغرافي والعدالة الاجتماعية، لا مجرد ملف عمراني.

ومن هذا المنظور، فإن تركيز الحكومة على تسريع المشاريع القائمة يمكن قراءته كاستجابة لمحاولة تهدئة القلق الاجتماعي أكثر من كونه مجرد تعديل فني في أدوات السياسة العامة. فكل شهر تأخير في مشروع كبير يعني مزيداً من الضغط على الأسعار، ومزيداً من الشكوك لدى الأسر، ومزيداً من الانتقادات للسلطة التنفيذية. ولذلك تبدو الحكومة واعية إلى أن النجاح هذه المرة لن يُقاس ببلاغات المؤتمرات الصحافية، بل بمدى اقتراب موعد تسليم الوحدات فعلياً.

الخيارات المطروحة: من الحزام الأخضر إلى السكن غير التقليدي

ضمن حزمة الأفكار قيد الدراسة، برز الحديث مجدداً عن احتمال مراجعة وضع بعض «المناطق المقيّدة للتطوير»، أو ما يُشار إليه إعلامياً باسم «الحزام الأخضر». وهذا المفهوم قد لا يكون مألوفاً لكل القراء العرب، وهو في الأصل أداة تخطيط عمراني تهدف إلى الحد من الزحف العمراني العشوائي والحفاظ على المساحات الخضراء والوظائف البيئية حول المدن الكبرى. في حالات كثيرة، يصبح رفع القيود عن جزء من هذه المناطق خياراً حساساً: فهو يتيح أرضاً جديدة للبناء، لكنه يثير في الوقت نفسه اعتراضات بيئية ومخاوف من فقدان التوازن الحضري.

حتى الآن، لم تعلن الحكومة الكورية مناطق محددة ستُرفع عنها القيود، ولم تحدد أرقاماً نهائية أو جدولاً زمنياً ملزماً. ولهذا تبدو الإشارة إلى الحزام الأخضر أقرب إلى توسيع «سلة الخيارات» منها إلى قرار حاسم. لكن مجرد إدراج الفكرة في النقاش يكشف مدى جدية البحث عن أراضٍ قابلة للتطوير في منطقة وصلت فيها الكثافة والطلب إلى مستويات تجعل كل قطعة أرض موضع حساب سياسي واقتصادي دقيق.

إلى جانب ذلك، لا يقتصر النقاش على الشقق السكنية التقليدية، وهي الصورة الذهنية الشائعة عن السكن في سيول. فالحكومة تناقش أيضاً تعزيز المعروض من المساكن «غير الشققية»، أي الوحدات التي لا تندرج ضمن عمارات الشقق الكورية المعتادة. وقد تشمل هذه الفئة أنواعاً متعددة من السكن الحضري، تختلف بحسب الموقع والتنظيم العمراني وطبيعة الأرض. الفكرة هنا أن الاكتفاء بنموذج واحد قد لا يكون عملياً في مدينة تحتاج إلى حلول مرنة تستجيب لاختلاف الأحياء وتكاليف التطوير وحاجات السكان.

هذا التوجه مهم لأنه يعكس تحولاً في فلسفة التخطيط: من تعظيم الرقم الكلي إلى تنويع الأدوات. وفي مدن عربية كثيرة، نرى النتيجة نفسها عندما تصطدم الخطط الرسمية بحقيقة أن كل حي له منطق مختلف، وأن السكن المتوسط أو الصغير أو المؤقت أحياناً يكون أكثر قابلية للتنفيذ من المشاريع الضخمة المتجانسة. الحكومة الكورية تبدو وكأنها تقول إن حل أزمة العاصمة لن يأتي من الأبراج السكنية وحدها، بل من مزيج من الأشكال السكنية التي تسمح باستخدام أكثر كفاءة للأرض النادرة.

وترافق ذلك مع جولات استماع جديدة إلى العاملين في القطاع العقاري والتمويلي، بهدف تشخيص المشكلات التي تعطل المشاريع على الأرض. هذا يعني أن الحكومة لا تنظر إلى السوق فقط من زاوية الطلب الشعبي، بل أيضاً من زاوية قدرة المطورين والمقرضين على تحمل المخاطر. فمشروع الإسكان لا يبدأ بالإعلان عنه، بل حين تصبح معادلته الاقتصادية ممكنة: أرض متاحة، تمويل ميسّر، ضرائب محتملة يمكن تحملها، قروض للمطورين والمشترين، وإجراءات إدارية لا تمتد إلى ما لا نهاية.

المعركة الحقيقية: التمويل والضرائب والتراخيص

في العمق، لا تتعلق أزمة المعروض السكني في سيول بعدد الوحدات المراد بناؤها فقط، بل بترابط سلسلة طويلة من القرارات. ولهذا يشدد المسؤولون الكوريون على أن سياسة الإمداد لا يمكن أن تنجح عبر وزارة واحدة أو قانون واحد. فالأرض قد تكون موجودة، لكن المشروع يتعثر بسبب ضعف الجدوى المالية. والتمويل قد يتوافر، لكن الإجراءات المحلية قد تؤخر البدء. والطلب الحقيقي قد يكون حاضراً، لكن شروط الإقراض أو الضرائب قد تجعل البيع أبطأ من المتوقع.

من هنا تأتي أهمية التنسيق بين وزارة الأراضي والهيئات المالية. في كوريا الجنوبية، كما في اقتصادات صناعية متقدمة أخرى، يمكن للسياسة العقارية أن تتحول بسرعة إلى ملف مالي بامتياز. أسعار الفائدة، معايير الإقراض، السيولة المتاحة للمطورين، والقدرة الشرائية للأسر، كلها عناصر توازي أهمية الخرائط والتصاميم. وإذا كانت الحكومة قد عادت إلى التشاور مع العاملين في السوق، فهذا يعني أنها تسعى لتقليص الفجوة بين ما هو مرغوب سياسياً وما هو ممكن تجارياً وتنظيمياً.

ولا ينبغي التقليل من أهمية عنصر الضرائب هنا. فالسياسات الضريبية المرتبطة بالأراضي والعقارات والمكاسب والتطوير يمكن أن تدفع مشروعاً إلى الأمام أو تجعله أكثر تردداً. ومن المرجح أن تكون الحكومة بصدد صياغة حوافز أو تعديلات تجعل الاستثمار في المشاريع السكنية المستهدفة أكثر جاذبية وأقل عرضة للتعثر. وفي خطاب اقتصادي عربي، يمكن تشبيه ذلك بمحاولة «إعادة ضبط» حزمة الحوافز بحيث لا تبقى الأرض جامدة، ولا يتحول المطور إلى متفرج ينتظر ظروفاً أفضل.

الأهم من كل ذلك أن الحكومة الكورية تريد أن تُقاس نتائجها على أساس تقليص الفاصل الزمني بين الإعلان والإنجاز. هذا الفاصل، الذي قد يبدو تقنياً، هو في الحقيقة بيت القصيد. فالسوق العقارية بطبيعتها تتأثر بالتوقعات. وإذا فقد الناس الثقة في أن المشاريع المعلنة ستصل فعلاً إلى مرحلة السكن، فإن الإعلان نفسه يفقد جزءاً كبيراً من قيمته التهدوية للسوق. لذلك فإن «إدارة الوقت» في ملف الإسكان ليست مجرد مسألة إدارية، بل أداة لتثبيت الثقة.

مناطق شبه صناعية في قلب سيول: أين تراهن الحكومة على التسريع؟

من أكثر الأمثلة دلالة على المقاربة الجديدة، ما يتصل بخطة الإسكان في «المناطق شبه الصناعية» في سيول، وهي مناطق حضرية مختلطة تجمع بين وظائف صناعية خفيفة أو حرفية وبين الاستعمالات السكنية والخدمية. وقد لا يكون هذا التصنيف مألوفاً خارج كوريا، لكنه يعكس طبيعة مدينة تطورت بسرعة كبيرة، بحيث تداخلت فيها الوظائف الاقتصادية والعمرانية داخل نسيج واحد. الحكومة تدرس سبل تسريع مشروع يوفر نحو 27 ألف وحدة سكنية في هذه المناطق، بما يجعلها مختبراً عملياً للسياسة الجديدة القائمة على تحريك المخزون المخطط لا اختراع مخزون جديد على الورق فقط.

تكمن أهمية هذا الخيار في أنه يستفيد من أراضٍ داخل المدينة أو على تماس مباشر مع أحيائها، بدلاً من الاكتفاء بالتوسع إلى الأطراف. لكن هذا المسار معقد بطبيعته، لأنه يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على الأنشطة الاقتصادية المحلية وعدم الإضرار بالبنية الحضرية من جهة، ورفع الكثافة السكنية وتلبية الطلب من جهة أخرى. لذلك لا تستطيع الحكومة المركزية أن تتحرك وحدها؛ فهي تحتاج إلى تفاهمات مع بلدية سيول، التي تملك دوراً محورياً في التخطيط المحلي وتحديد استعمالات الأراضي وشروط التطوير.

وهذا جانب مهم لفهم السياسة الكورية: حتى عندما يكون الضغط السياسي مركزياً، تبقى المدن الكبرى شريكاً لا غنى عنه في التنفيذ. وللقارئ العربي، قد يذكّر ذلك بصعوبة أي مشروع سكني كبير عندما لا تتناغم الرؤية بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية، أو عندما تكون إعادة تصنيف الأراضي شديدة الحساسية اجتماعياً واقتصادياً. لذلك فإن الحديث عن هذه المناطق لا يعني أن المشروع محسوم بالكامل، بل إن الحكومة تضع ثقلاً متزايداً على مواقع يمكن أن تعطي نتائج أسرع إذا توافرت لها التسهيلات اللازمة.

كما يجري بحث الاستفادة من برامج «المجمعات السكنية العامة الحضرية»، وهي مشاريع مدعومة أو منسقة من القطاع العام بهدف توفير مساكن في مواقع داخل المدينة أو قريبة منها. ويشمل النقاش إمكان استخدام مواقع جديدة في أحياء مركزية، بل وحتى في ما يُعرف شعبياً باسم «أحياء جانغنام الثلاثة»؛ أي غانغنام وسوتشو وسونغبا. وهذه المناطق تحمل في الوعي الكوري دلالات تتجاوز الجغرافيا، إذ ترتبط بالثروة والتعليم والنفوذ الاجتماعي، على نحو يذكّر بحمولة بعض الأحياء الرمزية في العواصم العربية، حيث يتحول اسم الحي نفسه إلى علامة طبقية وثقافية.

لكن ينبغي الحذر من المبالغة في قراءة هذه السيناريوهات. فما زالت كثير من التفاصيل في طور المراجعة، ولم تتحول بعد إلى قرارات نهائية أو جداول تنفيذية معلنة. غير أن إدراج هذه المناطق في التصور العام يكشف رغبة رسمية في الاقتراب من بؤر الطلب الحقيقي، لا الاكتفاء بمشاريع بعيدة قد تبدو كبيرة على الورق لكنها أقل تأثيراً في تهدئة السوق الأكثر سخونة.

هل تكفي السرعة وحدها؟ التحديات السياسية والاجتماعية المقبلة

رغم وجاهة المقاربة التنفيذية، تبقى أمام الحكومة الكورية تحديات معقدة. أولها أن تسريع الإجراءات لا يعني بالضرورة تجاوز كل العقبات. فالمشاريع الحضرية الكبيرة تصطدم عادة بالاعتراضات البيئية، ومخاوف السكان المحليين، وتباين مصالح المطورين، واعتبارات البنية التحتية مثل النقل والمدارس والخدمات. وكلما اقترب المشروع من قلب المدينة، ارتفعت حساسيته السياسية. لذلك فإن «السرعة» التي تتحدث عنها الحكومة لا بد أن تمر عبر تفاوض دقيق، لا عبر قرارات فوقية بسيطة.

التحدي الثاني يتعلق بالمصداقية. فالسوق العقارية في كوريا الجنوبية اعتادت على سياسات متعاقبة من حكومات مختلفة، بعضها شدد على كبح المضاربة، وبعضها وسّع الائتمان، وبعضها وعد بطفرة في المعروض. لهذا لن يُمنح الفريق الحاكم الثقة تلقائياً بمجرد تغيير اللهجة. ما سيحسم الانطباع العام هو قدرة الحكومة على إظهار تقدم يمكن قياسه: مواقع محددة، جداول زمنية أكثر وضوحاً، أدوات تمويل تعمل فعلاً، ومؤشرات على أن المشاريع القائمة انتقلت من الملفات إلى الميدان.

أما التحدي الثالث، فهو أن زيادة المعروض قد لا تكفي وحدها إذا لم تُصمم بطريقة تراعي قدرة الفئات المتوسطة والشابة على الوصول إلى السكن. فالمشكلة في مدن كثيرة ليست فقط قلة الوحدات، بل نوعية الوحدات وسعرها ومكانها وشروط الحصول عليها. وإذا كانت معظم الإضافات المستقبلية ستبقى بعيدة عن متناول المشترين الحقيقيين، فإن الأثر الاجتماعي سيكون أقل من المتوقع. ومن هنا أهمية متابعة ما إذا كانت الحزمة الحكومية ستتضمن دعماً أكثر تحديداً للمشترين الحقيقيين، أو شروطاً تمنع التركز في فئة استثمارية ضيقة.

ثم هناك البعد الثقافي والسياسي الأوسع. فسيول ليست مدينة عادية في المخيال الكوري؛ إنها مركز الدولة الحديثة، ومختبر النجاح الاقتصادي، وواجهة «الهاليو» أو الموجة الكورية التي يعرفها الجمهور العربي عبر الدراما والكي-بوب والسينما. لكن خلف هذه الصورة اللامعة، توجد مدينة تواجه مأزقاً حضرياً كلاسيكياً: كيف يمكن لمدينة عالمية جذابة ومكلفة أن تظل قابلة للعيش بالنسبة إلى أبنائها؟ هذا السؤال ليس كورياً فقط، بل هو سؤال العصر في كل العواصم التي تجتمع فيها الثروة والفرص والضغط السكاني في مكان واحد.

ما الذي يهم القارئ العربي في هذه القصة الكورية؟

قد تبدو أخبار السياسات السكنية في كوريا الجنوبية بعيدة عن الاهتمام الثقافي المعتاد بالجمهور العربي المتابع للموجة الكورية، لكنها في الحقيقة نافذة ثمينة لفهم الوجه الآخر لسيول التي تظهر في الدراما كمدينة أنيقة وسريعة وحديثة. وراء الشوارع اللامعة والمقاهي العصرية والمكاتب الذكية، هناك صراع يومي حول السكن والكلفة والقدرة على البقاء داخل المدينة. وهذا يعيد التوازن إلى صورة قد تبدو أحياناً مثالية في الثقافة الشعبية.

كما أن التجربة الكورية تهم القارئ العربي لأنها تقدم درساً في طبيعة إدارة الأزمات الحضرية في الاقتصادات المتقدمة: ليس بالضرورة أن تكون المشكلة في غياب التخطيط، بل في فجوة التنفيذ بين المؤسسات، وفي الوقت اللازم لتحويل النوايا إلى مساكن قابلة للسكن. وهي فجوة يعرفها العالم العربي جيداً، وإن اختلفت السياقات والقدرات والأنظمة الإدارية.

الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في اختبار هذا النهج الكوري الجديد. فإذا نجحت الحكومة في جمع أدوات الأرض والتمويل والضرائب والتراخيص ضمن حزمة متماسكة، ودفعت المشاريع المخطط لها إلى مراحل البناء والتسليم بوتيرة أسرع، فقد تقدم نموذجاً عملياً لكيفية التعامل مع أزمة السكن في مدينة شديدة الكثافة. أما إذا بقيت الإجراءات رهينة التنسيق البيروقراطي والخلافات المحلية والتردد المالي، فستكون النتيجة مجرد فصل جديد من الوعود المؤجلة.

في النهاية، ما يجري في كوريا الجنوبية اليوم ليس مجرد نقاش عقاري داخلي، بل اختبار لقدرة دولة صناعية متقدمة على إعادة التوازن بين المدينة والناس. وفي زمن تتشابه فيه أزمات العواصم رغم اختلاف اللغات والخرائط، تبدو قصة سيول أقرب إلينا مما نظن: مدينة يريد الجميع أن يعيشوا فيها، وحكومة تبحث عن طريقة تجعل ذلك ممكناً قبل أن يبتلع الوقت قيمة الوعود نفسها.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات