광고환영

광고문의환영

إلغاء حفل يي في روسيا: حين تهزم السمعة السياسية شباك التذاكر وتكشف حدود القوة الناعمة

إلغاء حفل يي في روسيا: حين تهزم السمعة السياسية شباك التذاكر وتكشف حدود القوة الناعمة

صورة للمساعدة في فهم المقال

من حفلة مكتملة العدد إلى قرار إلغاء يحمل معنى أبعد من الموسيقى

لم يكن إلغاء الحفلين اللذين كان من المقرر أن يحييهما مغني الراب الأمريكي يي، المعروف سابقًا باسم كانييه ويست، في سانت بطرسبرغ الروسية خبرًا ترفيهيًا عابرًا يمكن وضعه في زاوية أخبار المشاهير ثم طيه سريعًا. فالواقعة، كما تبدو من ظاهرها، تتعلق بفنان مثير للجدل خسر فرصة صعوده إلى المسرح رغم بيع التذاكر بالكامل. لكن عند التمعن في أبعادها، يتضح أننا أمام قصة تتجاوز حسابات الجماهيرية، لتلامس أسئلة السياسة والذاكرة التاريخية والقوة الرمزية للفن في زمن الاستقطاب الدولي.

المؤشرات التجارية كانت، نظريًا، مشجعة. الحفلان المقرران في أكتوبر كانا قد نفدا من السوق، ما يعني أن الطلب الجماهيري داخل روسيا لم يكن موضع شك. بل إن الحدث اكتسب أهمية إضافية لأنه كان سيشكّل، لو تم، واحدة من أبرز حالات عودة فنان غربي معروف إلى المسرح الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وما أعقبها من عقوبات غربية وعزلة ثقافية واسعة. غير أن هذه الجاذبية التجارية اصطدمت بعامل أكثر ثقلًا: الجدل المرتبط بتصريحات ومواقف يي التي وُصفت بأنها تمجيد للنازية، وهو جدل سبق أن أغلق أمامه أبوابًا أوروبية.

في منطق صناعة الترفيه الحديثة، لا تكفي الأرقام وحدها. صحيح أن الحفلات تُقاس بمبيعات التذاكر، ونِسَب الإقبال، وقيمة الرعاية الإعلانية، لكن هذا القطاع لم يعد بمنأى عن السياسة والسمعة العامة. الفنان اليوم ليس فقط صاحب أغانٍ ومنصة، بل هو أيضًا علامة رمزية متحركة، تحمل معها سجلًا من المواقف والاصطفافات والصور الذهنية. وحين يصل هذا السجل إلى مستوى يمس أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الأوروبية والعالمية، مثل النازية وتمجيدها، يصبح تنظيم الحفل نفسه رسالة تتجاوز الموسيقى، شاء المنظمون ذلك أم لم يشاؤوا.

هنا تحديدًا تكمن أهمية هذه القصة: ليس لأنها انتهت بإلغاء عرض فني، بل لأنها أظهرت مرة أخرى أن السوق الثقافية العالمية باتت تعمل في مناخ تختلف فيه معايير النجاح عن الماضي. قد يحقق الفنان ملايين الاستماعات، وقد يبيع كل المقاعد، لكن ذلك لا يضمن له المرور عبر بوابات المدن والمؤسسات والجهات المنظمة، إذا كانت كلفة استضافته الرمزية أعلى من عائدها المالي. وهذا التحول لا يخص روسيا وحدها، ولا يخص يي وحده، بل يعكس اتجاهًا أوسع في كيفية تداخل الثقافة مع الشرعية الأخلاقية والسياسية.

روسيا بين الرغبة في كسر العزلة والخشية من كلفة الرسالة

الجانب الروسي في هذه القضية بالغ الدلالة. فمنذ الحرب في أوكرانيا، تعيش موسكو وضعًا ثقافيًا مختلفًا عن السنوات السابقة؛ إذ تقلّصت مساحات التبادل مع الغرب، وأصبح حضور الفنانين الغربيين على الأراضي الروسية محاطًا بحساسيات تتجاوز تنظيم الحفلات إلى معاني الاصطفاف والشرعية الدولية. في هذا السياق، كان استقبال اسم عالمي مثل يي قادرًا على منح روسيا صورة تقول إنها ما زالت قادرة على جذب نجوم الثقافة الشعبية العالمية رغم العقوبات والقطيعة السياسية.

هذه الرسالة ليست هامشية. فالدول لا تستخدم الفن فقط للترفيه، بل كأداة من أدوات الصورة العامة، أو ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"القوة الناعمة". والحفل الكبير، خصوصًا حين يحييه فنان له صدى عالمي، يمكن أن يتحول إلى مشهد بصري وإعلامي يُستثمر لإيصال فكرة معينة: نحن لسنا معزولين، وما زلنا جزءًا من المشهد الدولي. من هذه الزاوية، كان من الممكن أن يبدو الحفل مكسبًا رمزيًا لروسيا.

لكن المشكلة أن هذه الرسالة حملت في داخلها تناقضًا حادًا. فالفنان المراد توظيف حضوره لكسر صورة العزلة ليس اسمًا عاديًا، بل شخصية محاطة باتهامات ثقيلة تتعلق بتمجيد النازية. وهنا انتقل الحدث من خانة "استقدام فنان شهير" إلى خانة أكثر خطورة: ماذا يعني أن تسمح دولة، في هذا الظرف السياسي الدقيق، بظهور شخصية تحمل هذا القدر من الجدل التاريخي والأخلاقي؟ وكيف يمكن أن يُقرأ ذلك خارجيًا؟

المأزق الروسي ازداد تعقيدًا لأن الحرب نفسها مشبعة بخطابات دعائية ورمزية، وأي حدث ثقافي في هذا السياق يصبح مفتوحًا على تأويلات متناقضة. فإذا سمحت موسكو بإقامة الحفل، قد تُتهم بأنها مستعدة لتجاوز خطوط أخلاقية شديدة الحساسية في سبيل كسر العزلة وإثبات الانفتاح. وإذا ألغته، فإنها تخسر فرصة نادرة لاستعراض قدرة الجذب الثقافي. في الحالتين هناك ثمن. ويبدو أن القرار النهائي رجّح خيار تقليل الضرر السياسي والرمزي، حتى لو كان ذلك على حساب حدث باع كل تذاكره سلفًا.

بهذا المعنى، فإن الإلغاء لم يكن فقط إدارة لأزمة فنان مثير للجدل، بل كان أيضًا اعترافًا ضمنيًا بأن الثقافة، في أزمنة النزاعات الكبرى، تصبح جزءًا من إدارة السمعة الدولية. وما لا تستطيع السياسة قوله مباشرة، قد تقوله حفلة موسيقية أو تمنعه. هذه نقطة أساسية لفهم لماذا فشلت المصلحة التجارية وحدها في إنقاذ الحدث.

من يي إلى ما بعده: صعود اقتصاد السمعة في صناعة الحفلات العالمية

تكشف هذه الواقعة اتجاهًا أكبر من اسم يي نفسه، وهو صعود ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد السمعة" في صناعة الترفيه الحي. في العقود السابقة، كان من الممكن، في حالات كثيرة، فصل الفنان عن مواقفه الشخصية بدرجة أكبر. أما اليوم، فقد تغيرت البيئة كلها: منصات التواصل الاجتماعي تُبقي الجدل مشتعلًا، والناشطون قادرون على تنظيم حملات ضغط عابرة للحدود، والشركات الراعية والجهات المالكة للقاعات تفكر بمنطق المخاطر الطويلة الأمد لا بمنطق ليلة واحدة كاملة العدد.

هذا لا يعني أن الجمهور يتصرف دائمًا بالطريقة نفسها. على العكس، إحدى مفارقات قصة يي في روسيا أن نفاد التذاكر أظهر بوضوح أن الطلب الجماهيري يمكن أن يستمر حتى عندما تتصاعد الانتقادات السياسية والأخلاقية. فالمستهلك الثقافي قد يفصل، في ذهنه، بين جودة العمل الفني وسلوك صاحبه، أو قد يتعامل مع الحفل بوصفه حدثًا موسيقيًا بحتًا. لكن المؤسسات التي توافق على الاستضافة أو التمويل أو الترويج لا تملك هذه الرفاهية كاملة، لأنها تُحاسَب على الرسالة العامة التي تمنحها الحدث.

هنا يظهر الفرق بين "الطلب" و"الترخيص الرمزي". الطلب يعني أن هناك جمهورًا مستعدًا للدفع والحضور. أما الترخيص الرمزي فهو أن تقرر مدينة أو مؤسسة أو منظومة كاملة أن هذا الحدث يمكن أن يمر دون أن يُفهم كنوع من التزكية أو التطبيع مع خطاب مرفوض. وفي كثير من الحالات المعاصرة، يصبح الترخيص الرمزي أكثر حساسية من أرقام السوق نفسها.

هذه القاعدة لا تطبق فقط على الفنانين ذوي المواقف السياسية الصادمة، بل تمتد إلى مهرجانات وسلاسل بث وعلامات تجارية تتساءل باستمرار: من يمكن استضافته؟ ومن يمكن الترويج له؟ وما هي الكلفة إذا تحوّل الحدث إلى أزمة سمعة؟ في هذا المناخ، لم تعد الثقافة "منطقة محايدة" كما كان يقال أحيانًا. بل صارت جزءًا من منظومة أوسع تتقاطع فيها الأخلاق العامة والتاريخ السياسي وهوية الجمهور المحلي والضغوط الدولية.

ولعل الأكثر أهمية أن قصة يي تبيّن حدود فكرة "الفن فوق السياسة". هذه العبارة جذابة وسهلة التداول، لكنها تنهار غالبًا عندما يتعلق الأمر برموز ثقيلة مثل النازية أو الحرب أو العنصرية أو التحريض. عندئذ، لا يعود السؤال: هل الموسيقى جيدة؟ بل يصبح: ما الذي يعنيه فتح المنصة لهذا الشخص الآن، وفي هذا المكان تحديدًا، ووسط هذا السياق الدولي المتوتر؟

ما الذي يعنيه ذلك للعالم العربي وسوق الترفيه في المنطقة؟

في العالم العربي، تبدو هذه القضية بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة للغاية من حيث الدلالات. فالمنطقة خلال السنوات الأخيرة أصبحت واحدة من أكثر الأسواق نشاطًا في استقطاب الحفلات العالمية والمهرجانات الكبرى، من الخليج إلى شمال أفريقيا، مع تنافس واضح على بناء صناعة ترفيه احترافية وجذب أسماء دولية قادرة على تعبئة المدرجات وتحريك السياحة والإنفاق الاستهلاكي. وفي مثل هذا المناخ، لا يمكن النظر إلى ما حدث في روسيا باعتباره مجرد ملف أوروبي أو روسي داخلي.

أول ما يهم السوق العربية هنا هو درس المخاطر غير التجارية. فالمنظمون في المنطقة، سواء كانوا شركات خاصة أو هيئات عامة أو مهرجانات موسمية، باتوا يعملون في بيئة دولية شديدة الحساسية. الفنان العالمي لم يعد يُقيَّم فقط بقدرته على البيع، بل أيضًا بقدرته على المرور بأمان عبر أسئلة السمعة والقيم والصورة العامة. وقد رأينا في السنوات الأخيرة كيف أن بعض الفعاليات في المنطقة والعالم تعيد النظر في مشاركات فنية أو إعلامية بسبب مواقف سابقة، أو بسبب ضغط الرأي العام، أو بسبب مخاوف الرعاة.

الدرس الثاني يتعلق بالجمهور العربي نفسه. فالمتابع العربي اليوم ليس معزولًا عن النقاشات العالمية. من يتابع الموجة الكورية، أو مهرجانات الموسيقى الغربية، أو ثقافة البوب الأمريكية، يدرك أن النجومية العالمية أصبحت تُستهلك داخل فضاء رقمي واحد. ولذلك فإن أي شركة عربية تنظم حدثًا لفنان مثير للجدل تعرف أن النقاش لن يبقى محليًا، وأن القرار قد يتحول إلى قضية ممتدة عبر الإعلام ومنصات التواصل. هذا يفرض احترافًا أعلى في تقييم الشراكات والبرمجة الثقافية.

أما الدرس الثالث فيخص علاقة المنطقة بالقوة الناعمة. كثير من العواصم العربية تسعى اليوم إلى تقديم نفسها بوصفها مراكز إقليمية للثقافة والترفيه، وتستخدم المهرجانات والحفلات كوسيلة لتعزيز صورتها الاقتصادية والسياحية والانفتاحية. لكن كلما ارتفع منسوب هذا الطموح، ارتفعت أيضًا كلفة الأخطاء الرمزية. فاستضافة اسم عالمي جدلي قد تُنتج ضجيجًا آنيًا ومبيعات قوية، لكنها قد تُربك الرسالة الأشمل التي تريد المدينة أو الدولة إرسالها عن نفسها.

ولأن الخبر آتٍ من نافذة كورية في الأصل، فمن المهم الإشارة إلى أن كوريا الجنوبية نفسها تعرف جيدًا معنى تداخل الثقافة مع السمعة الوطنية. فقد بنت سيول جزءًا كبيرًا من حضورها العالمي عبر الدراما والكي-بوب والسينما، أي عبر قوة ناعمة محسوبة بعناية. وهذه التجربة تهم العالم العربي لأن المنطقة أيضًا تخوض، بدرجات مختلفة، معركة تحسين الصورة عبر الثقافة. ومن هذا المنظور، تبدو قصة يي في روسيا تذكيرًا صارخًا بأن المنصة الثقافية لا تعمل في فراغ، بل في قلب معركة السرديات الدولية.

بالنسبة لبلداننا: لماذا يهم هذا الخبر السوق المحلية والعلاقات الثقافية مع كوريا؟

إذا أردنا تقريب الصورة إلى واقعنا العربي اليوم، فالأهمية لا تكمن في اسم يي وحده، بل في المعيار الذي تعززه هذه الحادثة. في بلدان عربية تستثمر في مواسم ثقافية ومهرجانات دولية وتستقبل جمهورًا شابًا متصلًا بالعالم، سيصبح سؤال "من نصعده إلى المسرح؟" أكثر تعقيدًا من مجرد حساب الشهرة وعدد المتابعين. وهذا ينطبق أيضًا على أي تعاون مع شركات ترفيه كورية أو آسيوية أو غربية تسعى إلى دخول أسواق المنطقة.

الجمهور العربي الذي يتابع الكيبوب والدراما الكورية بات شريكًا فعليًا في السوق، وليس مجرد مستهلك هامشي. هذا الجمهور يراقب، يقارن، ويناقش أخلاقيات الصناعة الفنية كما يناقش جودة الإنتاج. ومن ثم فإن شركات الترفيه، العربية والكورية على السواء، قد تجد نفسها أمام حاجة متزايدة إلى تدقيق السمعة، ليس فقط للفنانين، بل أيضًا للشركاء والرعاة وصيغ الترويج. فالمنطقة العربية لم تعد ساحة صامتة تستقبل ما يُرسل إليها، بل أصبحت جزءًا من النقاش العالمي حول مسؤولية المؤسسات الثقافية.

من زاوية العلاقات العربية الكورية، تكتسب هذه الخلاصة وزنًا إضافيًا. فالحضور الكوري في العالم العربي يتوسع عبر الموسيقى والدراما ومستحضرات التجميل والتكنولوجيا والتعليم، أي عبر منظومة متكاملة من التأثير الثقافي والاقتصادي. وإذا كانت كوريا الجنوبية قد نجحت في تحويل صناعاتها الثقافية إلى جسر دبلوماسي وتجاري، فإن أي شريك عربي يهمه الاستفادة من هذا النمو سيفكر أكثر في معايير الاستضافة والتسويق وصورة العلامة الثقافية. ليس لأن هناك أزمة مشابهة حتمًا، بل لأن السوق باتت شديدة الترابط، وما يحدث في سانت بطرسبرغ قد يصبح مادة نقاش في الرياض أو دبي أو القاهرة أو الدار البيضاء خلال ساعات.

وهنا تظهر نقطة عملية: الاستثمار الثقافي الناجح في المنطقة لا يقوم فقط على استيراد الأسماء الكبيرة، بل على بناء منظومة ثقة. هذه الثقة تشمل الجمهور، والمنظمين، والرعاة، والجهات الرسمية، والشركاء الدوليين. وحين تتعرض هذه الثقة للاهتزاز بسبب اختيار مثير للجدل، قد تصبح كلفة التراجع أكبر من كلفة الحفل نفسه. لذلك تبدو قصة إلغاء حفل يي تذكيرًا مهمًا لأسواقنا بأن الحوكمة الثقافية لم تعد ترفًا إداريًا، بل صارت جزءًا من صميم العمل.

ولأن التعليم من تجارب الآخرين أقل كلفة من التعلم عبر الأزمات الذاتية، فإن الخبر يحمل رسالة واضحة لصنّاع القرار الثقافي في منطقتنا: المستقبل ليس فقط لمن يجلب أكثر الأسماء شهرة، بل لمن يدير سمعته المؤسسية بحذر وذكاء، ويعرف متى يكون الإقبال الجماهيري مؤشرًا مهمًا، ومتى لا يكون كافيًا وحده.

لماذا تناولت صحافة كورية هذا الخبر؟ لأن الثقافة العالمية أصبحت شبكة واحدة

قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل وسيلة إعلام كورية تهتم أصلًا بقصة مغني راب أمريكي أُلغي حفله في روسيا؟ الجواب يكشف جانبًا مهمًا من طبيعة المشهد الثقافي المعاصر. فالإعلام الكوري، مثل غيره من المؤسسات الصحافية في الدول ذات الحضور الثقافي الصاعد، لم يعد يتعامل مع أخبار الترفيه بوصفها مادة معزولة عن الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. كوريا الجنوبية تعرف أن الثقافة الشعبية اليوم جزء من حركة رؤوس الأموال والرموز والقيم، ولذلك تتابع بدقة كل ما يمس علاقة المشاهير بالأسواق والحدود والجدل العام.

هذا النهج مفهوم في بلد بنى نفوذًا عالميًا من خلال الصناعات الثقافية. فعندما تنجح فرقة كيبوب في اختراق سوق عربي أو لاتيني أو أوروبي، لا يكون الأمر مجرد نجاح فني؛ بل يتحول إلى نفوذ اقتصادي وسياحي وصناعي. ومن ثم فإن أي سابقة عالمية تُظهر كيف يمكن للسمعة الشخصية أن تُعطّل حدثًا ضخمًا تصبح موضع اهتمام في سيول كما في نيويورك أو لندن. فالمسألة تمس قواعد اللعبة ذاتها.

وبالنسبة للقارئ العربي، فإن متابعة الخبر من هذه الزاوية الكورية مفيدة لأنها تعيد تعريف الثقافة الشعبية كحقل جيوسياسي، لا مجرد مجال للترفيه. العالم الذي تتقاطع فيه موسيقى الراب الأمريكية، والعزلة الروسية، وحسابات الإعلام الكوري، واهتمام الجمهور العربي، هو عالم واحد بالفعل. وهذا هو جوهر الموجة الثقافية الجديدة: لا توجد قصة "محلية خالصة" تقريبًا حين يتعلق الأمر بالنجوم الكبار والمنصات العابرة للحدود.

كما أن هذا ينسجم مع خبرة العالم العربي نفسه في متابعة النجوم الكوريين والغربيين وتسييل شعبيتهم داخل أسواق محلية وإقليمية. لذلك، فإن النظر إلى قضية يي من نافذة كورية لا يبعدنا عن القصة، بل يقربنا منها؛ لأنه يضعها داخل سؤال أوسع: كيف تُدار الثقافة حين تصبح إحدى لغات النفوذ الدولي؟

ما الذي تغيّر فعلًا، وما الذي ينبغي مراقبته لاحقًا؟

التحول الأهم الذي تكشفه هذه القضية هو أن موازين صناعة الحفلات لم تعد محكومة بثلاثية الفنان والجمهور والمنظم فقط. هناك لاعب رابع بات أكثر حضورًا: البيئة السياسية والأخلاقية المحيطة بالحدث. هذه البيئة قد لا تظهر في الملصق الدعائي، لكنها قادرة على تحديد مصير الحفل حتى بعد اكتمال البيع. وبهذا المعنى، فإن ما تغير ليس شعبية يي، ولا حتى شهية الجمهور الروسي للموسيقى الغربية، بل العتبة التي عندها تقرر المؤسسات أن الثمن المعنوي بات أعلى من الربح.

الأمر الثاني الذي ينبغي مراقبته هو ما إذا كانت هذه الواقعة ستدفع أسواقًا أخرى إلى تشديد تدقيقها في الفنانين ذوي الجدل المرتفع. هذا لا يعني بالضرورة إقصاء كل اسم مثير للانقسام، فالسوق الثقافية بطبيعتها تستوعب التباين والاستفزاز أحيانًا، لكن الفرق كبير بين الجدل الفني والجدل المرتبط بتمجيد أيديولوجيات دموية ذات حمولة تاريخية ثقيلة. هنا يصبح الهامش أضيق بكثير.

الأمر الثالث يتعلق بروسيا نفسها: هل ستتجه إلى تعويض هذا النوع من الفراغ الثقافي عبر تعميق التعاون مع أسواق غير غربية، بما فيها آسيا والشرق الأوسط؟ هذا احتمال ينسجم مع تحولات أوسع في الاقتصاد والسياسة. لكن حتى في هذه الحالة، ستظل معضلة السمعة قائمة، لأن العالم الرقمي لا يعترف كثيرًا بالحدود الجغرافية. أي قرار ثقافي في بلد ما يمكن أن يُقرأ عالميًا خلال دقائق.

وأخيرًا، ثمة سؤال يتعلق بالفنانين أنفسهم. هل ستدفعهم مثل هذه الحالات إلى إدراك أن حرية التصريح في عصر المنصات لا تنفصل عن كلفة السوق؟ أم أن بعضهم سيواصل الرهان على أن الجدل، مهما تصاعد، يمكن تحويله إلى رأسمال جماهيري؟ قصة يي توحي بأن هذا الرهان ليس مضمونًا. فقد يبقى هناك جمهور، وقد تُباع التذاكر، لكن المنصة نفسها قد تختفي في اللحظة الأخيرة.

في المحصلة، نحن أمام حادثة تبدو ترفيهية في ظاهرها، لكنها تقول الكثير عن العالم الذي نعيش فيه: عالم تُوزَن فيه الأغنية بميزان السياسة، وتُقاس فيه الحفلة بقدرتها على النجاة من اختبار السمعة، لا من اختبار الشباك فقط. وهذا درس يهم روسيا، ويهم كوريا، ويهم العالم العربي بالقدر نفسه، لأن الجميع باتوا يتحركون داخل المسرح الدولي ذاته، وإن اختلفت المقاعد واللغات.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات