
مدينة تستيقظ على إيقاع مختلف
في مشهد قد يبدو لكثير من القراء العرب أقرب إلى حلم حضري أكثر منه مجرد فعالية رياضية، استيقظت سيول صباح الأحد على صورة مغايرة لما اعتادته المدن الكبرى: طرق تُغلق مؤقتاً أمام السيارات، وجسر معروف في العاصمة الكورية الجنوبية يتحول إلى مساحة عامة للمشي والركض الخفيف واليوغا والتقاط الصور. هذه هي الفكرة الأساسية التي حملها برنامج «شويوم شويوم مورنينغ» أو ما يمكن فهمه عربياً على أنه «صباح على مهلك»، وهو برنامج للرياضة المجتمعية شارك فيه عمدة سيول أوه سي هون مع مواطنين في مسار ذهاب وعودة بطول كيلومترين في محيط جسر غوانغجين ومنتزه غوانغنارو على ضفاف نهر الهان.
الخبر في ظاهره بسيط: مسؤول محلي يشارك الناس نشاطاً صباحياً. لكن خلف هذه الصورة تكمن قصة أوسع عن كيفية تفكير سيول في الصحة العامة، واستعمال الفضاء المدني، ومعنى الرياضة اليومية خارج منطق المنافسة والإنجازات الرقمية. ففي كثير من مدن العالم، ومنها مدن عربية عديدة، ارتبطت الرياضة المنظمة إما بالملاعب المغلقة، أو بالنوادي الخاصة، أو بسباقات النخبة التي تتطلب استعداداً بدنياً ومادياً ونفسياً قد لا يتوفر للجميع. أما في هذه التجربة الكورية، فالفكرة تنطلق من اتجاه مختلف تماماً: دع الناس يتحركون وفق قدرتهم، وفي مكان يعرفونه جيداً، ومن دون ضغط الوقت أو الترتيب أو المقارنة.
هذا التحول في المعنى مهم. لأن السؤال لم يعد: من الأسرع؟ بل: كيف نجعل عددًا أكبر من الناس يخرجون من بيوتهم ويبدؤون علاقتهم مع الحركة بطريقة مريحة ومستدامة؟ من هنا، تبدو سيول وكأنها تطرح نموذجاً حضرياً يصلح للنقاش عربياً أيضاً، خصوصاً في مدن تعاني الازدحام، وندرة المساحات العامة، وصعوبة التوفيق بين إيقاع الحياة السريع والحاجة إلى الصحة والهدوء النفسي.
مشاركة عمدة المدينة منحت الحدث بُعداً رمزياً، لكنها لم تكن محور الفكرة. الأهم أن المسؤول المحلي ظهر وهو يسير ويركض مع الناس في نشاط لا يتعامل مع المشاركين كجمهور يشاهد، بل كمواطنين يملكون حقاً مؤقتاً في استعادة الطريق من السيارة. وهذه رمزية سياسية ومدينية في آن واحد: المدينة لا تُقاس فقط بعدد المركبات التي تمر فيها، بل أيضاً بقدرتها على منح سكانها وقتاً ومساحة ليعيشوا فيها أجسادهم بهدوء.
ولعل ما يلفت النظر هنا أن سيول، وهي مدينة تُعرف عالمياً بسرعتها التقنية العالية، وكثافة بنيتها العمرانية، وحيويتها الاقتصادية، اختارت أن تروّج لبرنامج عنوانه التمهل، لا التسارع. وفي ذلك شيء من المفارقة الجميلة: مدينة المستقبل تقول لسكانها صباحاً إن التقدم لا يعني دائماً المزيد من العجلة، بل ربما يعني أيضاً أن تعرف متى تبطئ الخطى.
ما هو «صباح على مهلك» ولماذا يختلف؟
البرنامج الذي نظمته جمعية سيول الرياضية ليس بطولة احترافية ولا نصف ماراثون جماهيرياً بالمعنى المتعارف عليه. هو نشاط للرياضة الحياتية أو «الرياضة اليومية»؛ وهو مفهوم شائع في كوريا الجنوبية ويقصد به الأنشطة البدنية التي يمكن للناس ممارستها بوصفها جزءاً من روتينهم اليومي لا باعتبارها إنجازاً استثنائياً. لهذا السبب لم يكن المسار طويلاً أو مرهقاً، بل امتد لمسافة كيلومترين فقط ذهاباً وعودة، في إشارة واضحة إلى أن الهدف هو تشجيع المشاركة لا اختبار الحدود القصوى للتحمل.
ما يميز هذا النموذج أكثر هو غياب التنافس. لا تصنيف، لا منصة فائزين، لا ضغط زمني، ولا هوس بالأرقام الذي بات يرافق كثيراً من أنشطة اللياقة حول العالم. يشارك الناس مشياً أو ركضاً خفيفاً، وكل شخص يتحرك وفق سرعته وقدرته. هذه الفلسفة تبدو بسيطة، لكنها تعالج حاجزاً نفسياً معروفاً: كثيرون يترددون في بدء الرياضة لأنهم يفترضون أنها تتطلب مستوى معيناً من الجهوزية، أو لأنهم لا يريدون أن يظهروا أبطأ من الآخرين. حين تُرفع المقارنة، ينخفض التوتر، وتصبح الخطوة الأولى ممكنة.
في الثقافة الكورية الحديثة، هناك اهتمام متزايد بمفهوم «الاعتناء بالذات» وربطه بعادات صغيرة قابلة للاستمرار. وهذا يظهر في انتشار المقاهي الهادئة، وثقافة المشي على ضفاف الأنهار، واليوغا الخفيفة، والأنشطة التي تجمع بين الراحة الجسدية والتوازن النفسي. برنامج «صباح على مهلك» يتحرك داخل هذا السياق الثقافي: ليس مطلوباً منك أن تثبت شيئاً، بل أن تمنح جسدك وقتاً للحركة قبل أن يبتلعك يوم العمل والدراسة والالتزامات.
في العالم العربي، قد يجد القارئ صدى لهذه الفكرة في مبادرات المشي الجماعي التي تظهر أحياناً في الكورنيشات أو الواجهات البحرية أو الحدائق الكبرى، لكن الفرق هنا أن سيول لم تكتفِ باستعمال مكان مخصص أصلاً للتنزه، بل ذهبت إلى خطوة أبعد: تحويل حارة أو طريق حضري معتاد إلى مساحة للرياضة. وهذا القرار بحد ذاته ينقل الرسالة من مجرد «تشجيع الناس على التمرين» إلى «إعادة التفاوض على وظيفة المدينة نفسها».
ومن هنا تتضح خصوصية الحدث. إنه ليس درساً في اللياقة فحسب، بل درس في السياسة الحضرية أيضاً. حين تسمح المدينة للناس بأن يسيروا فوق مسار تقطعه السيارات عادة، فهي تقول ضمنياً إن الفضاء العام ليس ملكاً لنمط واحد من الاستخدام. وفي زمن تتزايد فيه الشكوى من الضغوط النفسية والعزلة المدنية، قد تكون مثل هذه الرسائل أعمق أثراً من أي حملة دعائية مباشرة عن الصحة.
الطرق ليست للعبور فقط: معنى فتح المدينة أمام الناس
أحد أكثر العناصر إثارة للاهتمام في التجربة هو رمزية فتح الطرق. بالنسبة إلى كثير من سكان المدن العربية، الطريق يعني الزحام، الضجيج، الاستعجال، وربما التوتر اليومي الذي يبدأ من لحظة الخروج من البيت. لذلك فإن تخيل طريق حضري وقد تحوّل، ولو لساعات محدودة، إلى مساحة تمشي فيها العائلات والأفراد بهدوء، يطرح سؤالاً بديهياً: ماذا لو أعادت مدننا النظر في علاقتها بالشارع؟
في سيول، جاء الحدث في منطقة غوانغنارو وحديقة نهر الهان، وهما جزء من مشهد حضري له قيمة وجدانية عند السكان. نهر الهان بالنسبة للكوريين ليس مجرد مجرى مائي، بل فضاء اجتماعي وثقافي مفتوح، يشبه في حضوره الرمزي عند بعض المدن العربية مكانة الكورنيش أو النيل أو الواجهات البحرية التي تلتقي حولها العائلات مساءً. استغلال هذا الفضاء، مع الجسر والطرق المحيطة به، جعل النشاط أقرب إلى احتفال خفيف بالحياة المدنية منه إلى حصة رياضية تقليدية.
المعنى هنا لا يتوقف عند الراحة البدنية. حين يخرج الناس في الصباح الباكر إلى مكان معتاد لكنهم يختبرونه بطريقة مختلفة، فإنهم يعيدون اكتشاف المدينة نفسها. الجسر الذي كان يُرى عادة من نافذة سيارة يصبح مساراً للمشي. الطريق الذي يؤدي من نقطة إلى أخرى يصبح وجهة بحد ذاته. وحتى المشهد الطبيعي المحيط، من النهر إلى الأعمدة الخرسانية تحت الجسر، يتحول إلى خلفية لتجربة إنسانية أقرب إلى التأمل الجماعي.
هذا النوع من الاستخدام المؤقت للمدينة معروف في تجارب عالمية عديدة، من «أيام بلا سيارات» إلى الفعاليات التي تغلق بعض الشوارع للمشاة وراكبي الدراجات. لكن النسخة الكورية تبدو أكثر نعومة وأقل صخباً. لا حديث عن سباق ضخم، ولا عن استعراض عضلات رياضي، بل عن صباح هادئ يدعو الناس إلى التحرك «على قدّ الحال» كما يقال في بعض اللهجات العربية. وهذه الصيغة قد تكون أكثر قابلية للتبني في مجتمعات لا يزال جزء من سكانها ينظر إلى الرياضة المنظمة بوصفها عبئاً أو نشاطاً نخبوياً.
من هذه الزاوية، تصبح المسألة مرتبطة بحق المدينة في إنتاج السكينة، لا مجرد إدارة المرور. وهذا ربما ما يفسر جاذبية مثل هذه الفعالية في سياق كوريا الجنوبية، حيث يعمل كثيرون لساعات طويلة ويعيشون في بيئة حضرية سريعة الإيقاع. الصباح هنا ليس مجرد وقت فراغ، بل مساحة مقاومة صغيرة ضد نمط الحياة المرهق.
لا سباق ولا توقيت: كيف خفضت سيول عتبة الدخول إلى الرياضة؟
الفكرة الأكثر ذكاءً في هذه المبادرة ربما تكمن في شيء يبدو للوهلة الأولى عادياً: إلغاء منطق الفوز والخسارة. فمنذ سنوات، تحولت تطبيقات اللياقة والساعات الذكية وسباقات الشوارع إلى أدوات تجعل الرياضة مرتبطة بالقياس المستمر: كم ركضت؟ كم حرقت؟ كم دقيقة احتجت؟ ورغم أن الأرقام قد تحفز البعض، فإنها قد تخيف آخرين، خصوصاً المبتدئين وكبار السن أو من عادوا للتو من فترات خمول طويلة.
سيول اختارت أن تقول العكس: ابدأ من مكانك الحالي. لا حاجة لأن تطارد شخصاً آخر، أو أن تنسخ برنامجه، أو أن تشعر بالخجل من بطء خطوتك. هذه الرسالة تحمل بعداً صحياً مهماً، لأن كثيراً من الإصابات والإحباطات تأتي من محاولة القفز فوق القدرة الفعلية للجسم. ولذلك لم يكن غريباً أن يتضمن الحدث أيضاً «محطة لياقة» تتيح للمشاركين فحص حالتهم البدنية قبل البدء. هذا التفصيل يوضح أن المقصود ليس فقط دفع الناس إلى الحركة، بل تعليمهم أن الحركة نفسها يجب أن تُبنى على معرفة بالجسد لا على الحماس وحده.
في السياق العربي، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. فكثير من المبادرات الصحية المحلية تقع أحياناً في فخ الخطاب الوعظي: مارسوا الرياضة، خففوا الوزن، اركضوا أكثر. لكن ما ينقص غالباً هو تصميم بيئة تشجع الناس على البداية بلا خوف من الفشل. التجربة الكورية تقدم نموذجاً أكثر واقعية: لا تطلب من الجميع التحول إلى رياضيين، بل وفّر إطاراً مرناً يسمح لكل شخص بأن يكون نسخة أفضل قليلاً من نفسه أمس.
ويمكن القول إن هذا المنهج ينسجم مع تحولات أوسع في الثقافة الصحية العالمية، حيث تزداد القناعة بأن الاستدامة أهم من الشدة، وأن المشي المنتظم والركض الخفيف والتمدد واليوغا قد تكون، بالنسبة لشرائح واسعة من السكان، أكثر فائدة على المدى الطويل من الحماسة الموسمية التي تبدأ بقوة ثم تتوقف سريعاً. لذلك فإن كيلومترين على جسر في صباح لطيف قد يكونان، في الحساب الاجتماعي، أكثر قيمة من سباق طويل يشارك فيه عدد أقل من الأشخاص ولا يكررونه لاحقاً.
بهذا المعنى، لا تبدو مبادرة سيول مجرد حدث ترفيهي، بل محاولة عملية لتفكيك الحواجز النفسية والثقافية التي تجعل الرياضة وكأنها مخصصة فقط لأصحاب الأجسام الجاهزة أو الجداول المنضبطة. إنها تقول إن الحركة حق يومي، وليست امتحاناً.
اليوغا والتصوير تحت الجسر: حين تلتقي الرياضة بالثقافة
اللافت أيضاً أن الفعالية لم تُختزل في المشي والركض. ففي الفضاء الثقافي المعروف باسم «غوانغجينغيو 8번가» تحت الجسر، أُقيمت جلسة يوغا صباحية، إلى جانب نشاط تصوير يشارك فيه المواطنون. هذا الدمج بين الحركة البدنية والعناصر الثقافية ليس تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من الطريقة التي تحاول بها سيول توسيع معنى المشاركة. فليس كل من يأتي إلى الفعالية مضطراً لأن يحب الجري، وليس كل من يريد بداية صحية ليومه مستعداً لسباق ولو كان رمزياً. بعض الناس يجد راحته في التمدد والتنفس، وبعضهم في مراقبة المكان وتوثيق لحظته بعدسة الهاتف أو الكاميرا.
هذا التعدد في الخيارات مهم جداً. لأنه يعترف باختلاف الأذواق والقدرات، ويمنع النشاط من التحول إلى قالب واحد يفرض على الجميع. في مجتمعاتنا العربية، حيث ما زالت بعض الأنشطة البدنية تواجه حواجز اجتماعية أو عمرية أو جندرية، يمكن لمثل هذا التنوع أن يوسع قاعدة المشاركة فعلاً. فحين تصبح الفعالية الصحية أقرب إلى مناسبة اجتماعية وثقافية مفتوحة، فإنها تستقبل أشخاصاً ربما لم يكونوا ليشاركوا لو كان العنوان مجرد «سباق صباحي».
كما أن اختيار فضاء تحت الجسر ليس بلا دلالة. ففي كثير من المدن، تُترك المساحات الواقعة أسفل الجسور مهملة أو وظيفتها محصورة في البنية التحتية. أما هنا، فهي تتحول إلى موقع لليوغا والثقافة الخفيفة. وهذا بحد ذاته جزء من التفكير الكوري الحضري الذي يسعى، في كثير من الأحيان، إلى إعادة تدوير المساحات الصعبة وتحويلها إلى مناطق قابلة للحياة. القارئ العربي قد يتذكر هنا تجارب تحويل بعض الساحات القديمة أو الواجهات المهملة إلى معارض أو فضاءات شبابية، وهي تجارب تؤكد أن المدينة ليست جامدة، بل يمكن إعادة تخيلها باستمرار.
ومن الناحية الثقافية، تحمل اليوغا في كوريا الجنوبية معنى قريباً من اتجاهات العناية بالنفس والبحث عن التوازن، لا باعتبارها ممارسة روحانية مغلقة على ثقافة بعينها، بل نشاطاً بدنياً وتأملياً شائعاً بين فئات مختلفة. وعندما تُقدَّم صباحاً على ضفاف النهر وتحت الجسر، فإنها تضيف طبقة من الهدوء إلى فعالية كان يمكن أن تبقى مجرد مسار مشي عادي.
أما نشاط التصوير، فيعكس جانباً معروفاً في الثقافة المدينية الكورية المعاصرة: تحويل اللحظات اليومية إلى تجربة بصرية قابلة للمشاركة والتوثيق. وهذا ليس تفصيلاً جمالياً فحسب، بل أداة لجعل الناس يشعرون بأنهم جزء من قصة المدينة، لا مجرد مستخدمين عابرين لمرافقها.
من التجربة إلى البرنامج المنتظم: ماذا تقول أرقام المشاركة؟
بحسب المعطيات المعلنة، انتقل برنامج «صباح على مهلك» من مرحلة تجريبية بدأت في مارس إلى تشغيل منتظم منذ الشهر الماضي، وسجلت مساراته السابقة بين يويدو وجسر مابو، وكذلك في قلب المدينة بين ساحة سيول وشارع سيجونغدايرو وسونغنيمون، مشاركة 6807 مواطنين. الرقم في حد ذاته لا يكفي للقول إن صحة سكان العاصمة قد تبدلت جذرياً، لكنه يحمل دلالة واضحة: هناك طلب فعلي على هذا النوع من الأنشطة عندما تُصمم بطريقة قريبة من الناس.
الأهمية هنا ليست في العدّ فقط، بل في الجغرافيا أيضاً. البرنامج تنقل بين ضفاف النهر ووسط المدينة ومحيط الجسر، ما يعني أن سيول لا تريد حصر الرياضة المجتمعية في مكان واحد أو في صورة واحدة. مرة يكون المشهد مائياً مفتوحاً، ومرة يمر في قلب الرموز الحضرية والتاريخية للعاصمة، ومرة يربط بين جسر وحديقة عامة. هذه المرونة في اختيار المواقع تتيح لشرائح مختلفة من السكان الوصول إلى الحدث، كما تمنح كل نسخة منه طابعاً بصرياً واجتماعياً خاصاً.
ومن زاوية التخطيط الحضري، فإن الانتقال من تجريب محدود إلى برنامج دوري يكشف أن الفكرة لا تُعامل كحدث علاقات عامة عابر، بل كجزء من سياسة أوسع لتعزيز الرياضة اليومية. وهذا هو الفرق الذي غالباً ما يصنع الأثر الحقيقي: ليس إطلاق مبادرة لالتقاط الصور، بل الاستمرار فيها بما يكفي لتتحول إلى عادة مدينية يعرفها الناس وينتظرونها.
في العالم العربي، شهدنا خلال السنوات الماضية مبادرات ناجحة للمشي وسباقات الهواة وفعاليات الدراجات في أكثر من مدينة، لكن التحدي بقي دائماً في الانتظام والاندماج في حياة الناس لا في الظهور الموسمي فقط. سيول تبدو هنا كأنها تقدم نموذجاً في كيفية البناء التدريجي: تبدأ بتجريب، تراقب الإقبال، ثم توسع النطاق وتنوع المواقع. هذا أسلوب إداري عملي، وربما لهذا نجح البرنامج في جذب آلاف المشاركين خلال فترة قصيرة نسبياً.
وبطبيعة الحال، لا ينبغي المبالغة في الرومانسية. فالحدث وحده لن يحل مشكلات الصحة العامة أو الخمول أو ضغوط الحياة الحديثة. لكنه يقدم آلية ذكية ومنخفضة الكلفة نسبياً لتعزيز العادات الإيجابية، خصوصاً عندما تُربط بمشهد مديني جذاب ورسالة بسيطة وقابلة للفهم: تحرك وفق سرعتك، وفي مكان تحبه، ومن دون خوف من المقارنة.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟
قد يسأل قارئ عربي يتابع الثقافة الكورية أو الموجة الكورية: ما الذي يجعل خبراً محلياً عن فعالية صباحية في سيول جديراً بالاهتمام خارج كوريا؟ الجواب أن كوريا الجنوبية لم تعد تُقرأ فقط عبر الدراما والكي-بوب والتكنولوجيا، بل أيضاً عبر أنماط الحياة والسياسات المدنية التي تنتجها. وكما لفتت مطابخها وموسيقاها ودراماها انتباه العالم، فإن شكل المدينة الكورية الحديثة وكيفية إدارتها للعلاقة بين الإنسان والمكان باتا جزءاً من الصورة الكورية المعاصرة.
بالنسبة للقارئ العربي، يحمل هذا الخبر أكثر من باب للتأمل. أولاً، لأنه يطرح نموذجاً بسيطاً لكنه قابل للاستلهام: ليس من الضروري بناء منشآت ضخمة كي تشجع الناس على الرياضة، بل يمكن أحياناً أن يكفي تنظيم جيد، وإغلاق محدود للطرق، ورسالة ذكية تخاطب الناس بلغتهم اليومية. ثانياً، لأنه يذكّر بأن الصحة ليست مسألة فردية فقط، بل أيضاً مسألة تصميم مديني. حين تكون المدينة معادية للمشاة أو فقيرة في مساحاتها العامة، يصبح الحديث عن أسلوب حياة صحي أصعب بكثير.
وثالثاً، لأن الخبر يكشف وجهاً من وجوه القوة الناعمة الكورية لا يُلتفت إليه دائماً. فالثقافة الكورية التي تصل إلى المنطقة العربية عبر الشاشة ليست منفصلة عن بيئتها الاجتماعية. فكرة الانضباط الهادئ، والاهتمام بالتفاصيل، والبحث عن التوازن بين العمل والراحة، وإعادة ابتكار الفضاء العام، كلها عناصر تساعد على فهم أعمق للمجتمع الذي ينتج تلك الثقافة الشعبية المحبوبة عربياً.
ربما لهذا يبدو مشهد عمدة سيول وهو يمشي مع الناس على جسر مفتوح للحركة الهادئة أكثر من مجرد لقطة بروتوكولية. إنه جزء من خطاب حضري كامل يقول إن المدينة الحديثة لا تُقاس فقط بناطحات السحاب أو سرعة الإنترنت أو كفاءة المترو، بل كذلك بقدرتها على أن تمنح سكانها صباحاً قابلاً للتنفس.
في النهاية، قد لا تكون المسافة سوى كيلومترين، وقد لا يكون الحدث سباقاً ولا مهرجاناً صاخباً. لكن الرسالة التي خرجت من سيول هذا الأحد أكبر من ذلك بكثير: حين تخفف المدينة من إيقاعها قليلاً، قد يقترب الناس أكثر من أجسادهم، ومن بعضهم بعضاً، ومن معنى العيش في مكان لا يكتفي بنقلهم من نقطة إلى أخرى، بل يساعدهم أيضاً على أن يشعروا بأنهم موجودون فيه حقاً.
0 تعليقات