광고환영

광고문의환영

في فرانكفورت.. لي جاي ميونغ يخاطب الكوريين في ألمانيا بلغة الذاكرة والثقة: دبلوماسية تُبنى بالناس قبل الاتفاقات

في فرانكفورت.. لي جاي ميونغ يخاطب الكوريين في ألمانيا بلغة الذاكرة والثقة: دبلوماسية تُبنى بالناس قبل الاتفاقات

محطة فرانكفورت: لقاء عابر في الطريق.. ورسائل أبعد من جدول الزيارة

في الدبلوماسية، ليست كل الرسائل تُقال من فوق منصات القمم الكبرى، ولا كل المعاني تُختصر في اتفاقيات موقعة أو بيانات ختامية مطولة. أحياناً، تكون محطة قصيرة في مدينة أوروبية كبرى كفيلة بكشف الطريقة التي تريد بها دولة ما أن تروي قصتها للعالم. هذا ما بدا واضحاً في اللقاء الذي جمع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ بأبناء الجالية الكورية في مدينة فرانكفورت الألمانية، خلال توقفه في طريق العودة إلى سيول بعد جولة خارجية شملت الولايات المتحدة وعدداً من دول أميركا الجنوبية.

الحدث في ظاهره بسيط: رئيس يلتقي بمواطنيه المقيمين في الخارج، يستمع إليهم ويخاطبهم بكلمات تقدير. لكن في مضمونه، يحمل هذا النوع من اللقاءات أثراً يتجاوز المجاملة السياسية. فاختيار فرانكفورت، المدينة التي تمثل بوابة اقتصادية وجوية رئيسية لألمانيا وأوروبا، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً فحسب، بل بدا إطاراً مناسباً لاستحضار تاريخ مشترك بين بلدين عرفا الحرب والانقسام، ثم تحولا إلى نموذجين في إعادة البناء والصعود الاقتصادي.

بحسب ما نُقل عن اللقاء، شدد الرئيس الكوري الجنوبي على أن كوريا الجنوبية وألمانيا بلدان “متشابهان كثيراً”، وأن كليهما نهض من ألم الحرب ومرارة الانقسام. هذا التشبيه ليس جديداً بالكامل في الخطاب الكوري، لكنه يكتسب دلالة خاصة عندما يُقال على أرض ألمانية وأمام جالية عاشت طويلاً بين المجتمعين، وحملت في حياتها اليومية جانباً من تاريخ العلاقة بين البلدين.

وللقارئ العربي، ربما يذكّر هذا النوع من الخطاب بما نعرفه في منطقتنا عن قوة الرموز التاريخية في تشكيل العلاقات الدولية. فكما أن بعض الدول العربية تحب أن تروي قصتها من خلال محطات التحرر الوطني أو إعادة الإعمار بعد الحروب، تحاول سيول هنا أن تقدم تجربتها لا باعتبارها مجرد قصة نمو اقتصادي مذهل، بل بوصفها مساراً إنسانياً وتاريخياً في تجاوز الجراح وبناء الثقة. هذه لغة يفهمها الرأي العام أكثر من لغة الأرقام المجردة، وتخدم في الوقت نفسه صورة الدولة في الخارج.

اللافت أيضاً أن اللقاء جاء في نهاية جولة طويلة، أي في لحظة كان يمكن الاكتفاء فيها بالعودة المباشرة وإنهاء برنامج الزيارة. لكن التوقف لعقد لقاء مع الجالية يشي بأن سيول تنظر إلى الكوريين في الخارج بوصفهم جزءاً من المشهد الدبلوماسي، لا مجرد امتداد اجتماعي بعيد. وهذه نقطة تستحق الانتباه، لأن دولاً كثيرة في عالمنا العربي ما تزال تتعامل مع جالياتها في الخارج من زاوية التحويلات المالية أو الملفات القنصلية فحسب، بينما تكشف التجربة الكورية أن المهاجرين قد يصبحون جزءاً من “رأسمال الثقة” الذي تبني عليه الدولة صورتها الدولية.

بين “معجزة الراين” و”معجزة الهان”: كيف تُصاغ الحكاية بلغة يفهمها العالم؟

أبرز ما استوقف المراقبين في كلمة الرئيس الكوري كان جمعه بين تعبيرين شديدَي الرمزية: “معجزة نهر الراين” في ألمانيا و”معجزة نهر الهان” في كوريا الجنوبية. ولمن لا يعرف الخلفية التاريخية، فإن التعبير الأول يشير إلى النهوض الاقتصادي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولت ألمانيا الغربية من بلد منهك ومدمر إلى قوة صناعية كبرى. أما التعبير الثاني فيُستخدم لوصف الصعود السريع لكوريا الجنوبية منذ ستينيات القرن الماضي، عندما خرجت من الفقر والدمار إلى مصاف الاقتصادات المتقدمة في وقت قياسي نسبياً.

هذا الربط ليس زينة بلاغية فقط. إنه، في الجوهر، طريقة ذكية لبناء تماثل رمزي بين البلدين: لا أحد منهما يُقدَّم كأستاذ والآخر كتلميذ، ولا كقوة مانحة في مقابل دولة متلقية للدروس. بل كلاهما يُقدَّم باعتباره صاحب تجربة خاصة في الخروج من الانهيار إلى النهوض. وهذه المساواة الرمزية مهمة جداً في الخطاب الدبلوماسي، لأنها تمنح الطرف الآخر احتراماً، وفي الوقت نفسه ترفع من قيمة السردية الوطنية للدولة المتحدثة.

في الصحافة العربية، نعرف جيداً جاذبية عبارة “المعجزة” حين تُستخدم لوصف تحولات اقتصادية كبرى. وقد استخدمت في وصف تجارب متنوعة، من إعادة إعمار بيروت في فترات معينة، إلى الطفرة الخليجية، إلى بعض محاولات التحديث في دول عربية مختلفة. لكن الفرق هنا أن الخطاب الكوري لا يكتفي بتلميع إنجاز تنموي، بل يربطه بذاكرة الحرب والانقسام والمعاناة الاجتماعية. إنه يقول ضمنياً: ما تحقق لم يكن مجرد تراكم ثروة، بل قدرة على تحويل الجرح التاريخي إلى مشروع دولة.

والأهم أن هذه اللغة مفهومة لدى الجمهور الدولي. فبدلاً من الانزلاق إلى مصطلحات داخلية معقدة أو إلى تفاصيل سياسية محلية لا يعرفها غير المتابعين المتخصصين، اختار الرئيس الكوري مفردات واسعة التداول: حرب، انقسام، نمو، إعادة بناء، ثقة. وهذه مفردات تتيح لأي مستمع، سواء في أوروبا أو العالم العربي أو أميركا اللاتينية، أن يضع التجربة الكورية في إطار إنساني وتاريخي واضح.

من هنا، يمكن قراءة خطاب فرانكفورت باعتباره جزءاً من “الدبلوماسية السردية”، أي الدبلوماسية التي تبني النفوذ من خلال القصة التي ترويها الدولة عن نفسها. وكوريا الجنوبية بارعة في هذا المجال منذ سنوات، سواء عبر الثقافة الشعبية من دراما وموسيقى وسينما، أو عبر تقديم نفسها كنموذج للتحديث التقني والتعليمي. الجديد في هذه المحطة أن السردية لم تُبنَ على “الهاليو” وحدها، أي الموجة الكورية المعروفة عربياً، بل على ذاكرة أكثر عمقاً: ذاكرة الألم والعمل الطويل والنهضة التي صنعتها الأجيال.

الجرح المشترك بين كوريا وألمانيا: الحرب والانقسام كمدخل للفهم لا كقيد على المستقبل

حين قال لي جاي ميونغ إن كوريا الجنوبية وألمانيا بلدان متشابهان لأن كليهما عرف الحرب والانقسام، فإنه استدعى واحداً من أكثر المحاور حساسية في الوعي الكوري الحديث. فشبه الجزيرة الكورية لا تزال، حتى اليوم، تعيش واقع الانقسام بين الشمال والجنوب، وهو انقسام ليس مجرد عنوان جغرافي أو سياسي، بل تجربة وجودية تشكل الذاكرة الجماعية والمؤسسات الأمنية والخطاب الوطني.

وألمانيا، بدورها، عاشت لعقود انقساماً بين شرق وغرب قبل أن تُستكمل وحدتها عام 1990. صحيح أن التجربتين مختلفتان في السياق الدولي والتاريخي، لكن المقارنة بينهما تمنح كوريا الجنوبية مرآة أوروبية معروفة يمكن عبرها شرح خصوصيتها. هذا مهم جداً في التواصل السياسي الخارجي: حين تريد دولة أن تشرح مأساتها أو تعقيدها، فإنها تلجأ أحياناً إلى تجربة أخرى مألوفة لدى المستمع. بالنسبة للألمان، الانقسام ليس فكرة مجردة في كتب التاريخ، بل جزء من الذاكرة الوطنية الحديثة؛ ولذلك يسهل عليهم التقاط الرسالة الكورية.

لكن اللافت في الخطاب أنه لم يتوقف عند الألم. لم يُقدَّم الانقسام هنا باعتباره قدراً نهائياً أو ذريعة دائمة، بل كنقطة بداية لمسار مختلف عنوانه “التعافي” و”إعادة البناء” و”الثقة”. وهذه نقطة دقيقة. ففي كثير من خطابات الدول الخارجة من النزاعات، قد تطغى نبرة المظلومية أو التركيز على الجراح القديمة. أما في هذه المناسبة، فالميل كان واضحاً إلى استخدام الماضي المؤلم بوصفه أساساً لفهم الإنجاز، لا سجناً للهوية الوطنية.

ولعل هذا ما يفسر لماذا بدت الرسالة أقرب إلى خطاب عام موجه إلى المجتمع الألماني والرأي العام الدولي، حتى وإن قيلت أمام الجالية الكورية. فهي تقول إن كوريا الجنوبية ليست مجرد اقتصاد متطور أو بلد تكنولوجي متقدم، بل مجتمع تشكل عبر اختبار تاريخي قاسٍ، ثم نجح في إعادة تعريف نفسه من خلال العمل والانفتاح وبناء الثقة مع الآخرين.

في السياق العربي، يمكن فهم جاذبية هذه الفكرة بسهولة. فمجتمعاتنا أيضاً تعرف معنى أن يترك الصراع الطويل أثره على الذاكرة وعلى بنية الدولة. من العراق إلى لبنان إلى فلسطين إلى السودان وسوريا واليمن، ثمة وعي حاد بثمن الانقسام والحرب. لذلك قد يجد القارئ العربي في الخطاب الكوري شيئاً مألوفاً: ليس لأن التجارب متطابقة، فهي ليست كذلك، بل لأن فكرة النهوض بعد المأساة تبقى لغة إنسانية عابرة للحدود.

غير أن الفارق الذي تحاول سيول تأكيده هنا هو أن تجربتها تحولت إلى عنصر قوة دبلوماسية. فهي لا تعرض نفسها كضحية للتاريخ فقط، بل كبلد استطاع أن يجعل من تاريخه الصعب مادة لبناء شراكات وتعاطف واعتراف دولي. وهذا في حد ذاته جزء من براعة كوريا الجنوبية في إدارة صورتها الخارجية خلال العقود الأخيرة.

من هم “الجيل الأول” في ألمانيا؟ قصة الممرضات والعمال الذين سبقوا نجومية الكيبوب

إذا كانت الثقافة الكورية اليوم تصل إلى العالم العربي عبر المسلسلات والمنصات الرقمية وأغاني الكيبوب، فإن صورة كوريا في ألمانيا بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة عبر أشخاص عاديين حملوا حقائبهم وسافروا للعمل في ظروف صعبة. في لقاء فرانكفورت، استحضر الرئيس الكوري مرور ستين عاماً على وصول دفعات من الممرضات الكوريات إلى ألمانيا، في إشارة رمزية إلى الجيل الأول من الكوريين الذين أسهموا عملياً في نسج الثقة بين البلدين.

هذه الإشارة تفتح باباً مهماً لفهم العلاقات الكورية الألمانية خارج اللغة الرسمية للدول. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أرسلت كوريا الجنوبية عمال مناجم وممرضات إلى ألمانيا الغربية ضمن ترتيبات مرتبطة بحاجات سوق العمل الألماني وبحث سيول آنذاك عن موارد وفرص في مرحلة شديدة الصعوبة من تاريخها التنموي. كثير من هؤلاء عاشوا حياة شاقة، وتعلموا اللغة، وتأقلموا مع مجتمع مختلف، وواجهوا الغربة والحنين والعمل القاسي، لكنهم أيضاً رسخوا صورة الكوري المجتهد والمنضبط في الذهن الألماني.

وحين يشكرهم الرئيس اليوم على “بناء الثقة” في اسم كوريا الجنوبية، فهو يعترف بأن سمعة الدول لا تصنعها الوزارات وحدها. يصنعها أيضاً الممرض الذي يعمل بضمير، والعاملة التي تكسب احترام من حولها، والأسرة التي تعيش بكرامة وتبني علاقات طيبة مع المجتمع المضيف. هذه فكرة بالغة الأهمية، وربما هي من أكثر ما يجعل الخبر ذا معنى للقارئ العربي. فالعالم العربي يعرف بدوره تاريخاً طويلاً من الهجرة والعمل في الخارج، من عمال المغرب العربي في أوروبا، إلى الكفاءات المصرية واللبنانية والسورية والعراقية في المهجر، إلى الجاليات العربية التي صارت جزءاً من النسيج الاجتماعي في مدن غربية كثيرة.

في كل هذه الحالات، لا تكون الجالية مجرد رقم سكاني. إنها جسر ثقافي ورصيد سمعة ووسيط غير رسمي في العلاقات بين الدول. لذلك فإن استحضار “الجيل الأول” من الكوريين في ألمانيا ليس مجرد وفاء عاطفي للماضي، بل أيضاً تثبيت لفكرة أن الكوريين في الخارج شركاء في صورة البلاد الدولية. ومن هنا نفهم لماذا بدا اللقاء في فرانكفورت معنياً بالأشخاص بقدر عنايته بالتاريخ الكبير بين الدولتين.

كما أن لهذا البعد قيمة خاصة في زمن “القوة الناعمة” الكورية. فقبل أن تعرف العواصم العربية أسماء النجوم الكوريين أو تفاصيل الدراما الشهيرة، كان هناك جيل من المهاجرين يصنع انطباعاً بطيئاً وهادئاً عن شعب كامل. وإذا كانت موجة الثقافة الكورية اليوم تقدم صورة براقة ومعاصرة عن كوريا، فإن الجيل الأول في ألمانيا يذكر بأن أساس الصورة بُني أيضاً عبر العرق والانضباط والعمل اليومي، وهي قيم ما تزال حاضرة بقوة في السردية الكورية عن نفسها.

الجاليات كأصل دبلوماسي: ما الذي تكشفه سيول عن فهمها للعلاقات الدولية؟

أحد أهم الدروس المستخلصة من لقاء فرانكفورت هو أن كوريا الجنوبية لا تنظر إلى جالياتها في الخارج على أنها ملف هامشي. في السياسة الحديثة، باتت الجاليات تمثل امتداداً بشرياً واقتصادياً وثقافياً للدولة، لكن قلة من الحكومات تنجح في تحويل هذا الامتداد إلى رصيد دبلوماسي متماسك. سيول تبدو هنا أكثر وعياً بهذه المعادلة: الكوريون في الخارج ليسوا فقط مستفيدين من خدمات قنصلية، بل أيضاً شهوداً على صورة بلدهم، ومساهمين في تشكيلها أمام المجتمعات المضيفة.

من هذه الزاوية، يمكن فهم اللقاء مع أبناء الجالية باعتباره جزءاً من دبلوماسية أوسع، تتجاوز القاعات الرسمية والاتفاقيات الاقتصادية. فحين يخاطب الرئيس الكوري مواطنيه في ألمانيا بلغة التقدير والثقة والاعتراف بالدور التاريخي، فإنه يبعث برسالتين في آن واحد: الأولى داخلية، تقول إن الدولة تتذكر أبناءها في الخارج وتقر بإسهامهم؛ والثانية خارجية، تقول إن العلاقة بين كوريا الجنوبية وألمانيا ليست مجرد مصالح آنية، بل علاقة نسجتها أجيال من البشر عبر العمل والعيش المشترك.

وهذه المقاربة تستحق التأمل عربياً. فالجاليات العربية في أوروبا والأميركيتين والخليج وأفريقيا تملك بدورها قدرة كبيرة على التأثير في صورة أوطانها، سواء إيجاباً أو سلباً. لكن غالباً ما تضيع هذه القدرة بين خطاب رسمي عاطفي من جهة، ومقاربات أمنية أو بيروقراطية من جهة أخرى. ما تفعله سيول هنا هو منح الجالية مكانة أقرب إلى “الشريك الرمزي” في بناء المكانة الدولية. وهذا تصور أكثر حداثة وواقعية.

ثم إن اللقاء يؤكد أن النفوذ الدولي لا يُقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدولة على صوغ شبكة من الثقة البشرية عبر الحدود. وفي حالة كوريا الجنوبية، تتداخل هذه الشبكة مع سمعتها في التعليم والتكنولوجيا والصناعة والثقافة. الجالية إذن ليست طبقة منفصلة عن مشروع الدولة، بل جزء من قصتها الكبرى.

قد لا يثمر هذا النوع من اللقاءات قرارات فورية أو عناوين صاخبة، لكنه يبني شيئاً أكثر بطئاً واستدامة: الإحساس لدى الجالية بأنها معترف بها، والإحساس لدى المجتمع المضيف بأن هذه الدولة تعرف كيف تكرّم من ساهموا في بناء جسورها الخارجية. وفي عالم تتزايد فيه أهمية “الصورة الذهنية”، تبدو هذه التفاصيل الصغيرة أقل هامشية مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى.

ما الذي لم يحدث في فرانكفورت؟ بين الرمزية والنتائج العملية

من المهم، مهنياً، ألا تُحمّل هذه المحطة أكثر مما تحتمل. فلقاء فرانكفورت لم يشهد إعلان اتفاقية جديدة بين سيول وبرلين، ولم يتضمن كشفاً عن مشروع اقتصادي كبير أو مبادرة مؤسساتية واسعة النطاق. لذلك فإن قيمته الأساسية ليست في “المنجز التنفيذي” المباشر، بل في اللغة التي استخدمت لتفسير العلاقة بين البلدين، وفي الإشارات التي اختارت الرئاسة الكورية إبرازها أمام الجالية والرأي العام.

هذا التمييز ضروري، لأن بعض التغطيات السياسية تميل إلى تضخيم كل نشاط رئاسي باعتباره تحوّلاً استراتيجياً. بينما تظهر القراءة الأكثر هدوءاً أن اللقاء ينتمي إلى خانة “الدبلوماسية الرمزية” أو “الدبلوماسية العامة”، أي تلك التي تهدف إلى تعزيز التفاهم والارتباط العاطفي والثقافي، لا إلى إنتاج تفاهمات رسمية فورية. وليس في ذلك ما يقلل من أهميته؛ فالدول الحديثة تحتاج إلى كلا المسارين: التفاوض الصلب على المصالح، وبناء السردية التي تجعل هذه المصالح مفهومة ومقبولة.

وفي هذا السياق، فإن استدعاء معجزة الراين ومعجزة الهان، وربطهما بتاريخ الحرب والانقسام، ثم الانتقال إلى دور الجيل الأول من الكوريين في ألمانيا، شكّل حبكة متماسكة لرسالة سياسية ناعمة. الرسالة تقول ببساطة: كوريا الجنوبية تعرف أنها ليست وحدها في قصة النهوض من الدمار، وتحترم التجربة الألمانية، وتدرك في الوقت نفسه أن أبناءها في الخارج جزء أساسي من هذا المسار.

لهذا، فإن التحدي الحقيقي بعد هذا اللقاء ليس في البحث عن اتفاق غاب عن المشهد، بل في مراقبة ما إذا كانت هذه اللغة ستتحول إلى إطار ثابت في العلاقة بين كوريا الجنوبية وألمانيا. هل ستستمر سيول في الاستثمار السياسي والرمزي في جالياتها؟ هل سيُترجم هذا التقدير إلى برامج أكثر عمقاً للتواصل مع الأجيال الجديدة من الكوريين في أوروبا؟ وهل ستجد برلين بدورها في هذه المقاربة أرضية لتوسيع العلاقة مع سيول في ملفات تتجاوز الاقتصاد إلى الذاكرة والثقافة والهجرة؟ هذه أسئلة مفتوحة، لكنها أكثر فائدة من المبالغة في قراءة ما لم يُعلَن أصلاً.

لماذا يهم الخبر القارئ العربي؟ كوريا التي نعرفها عبر الدراما.. وكوريا التي تروي نفسها عبر التاريخ

قد يسأل قارئ عربي: لماذا ينبغي أن نهتم بلقاء جرى في فندق بفرانكفورت بين رئيس كوريا الجنوبية وجاليته؟ الجواب أن الخبر يكشف وجهاً آخر من كوريا التي نتابعها يومياً في الأخبار الثقافية والفنية. فبلد الكيبوب والدراما والأفلام الحاصلة على الجوائز ليس مجرد آلة إنتاج ترفيهي ناجحة، بل دولة شديدة الحرص على إدارة ذاكرتها وصورتها الخارجية بمهارة.

في العالم العربي، كثيراً ما دخلت كوريا الجنوبية إلى البيوت عبر شاشة التلفزيون أو الهاتف: مسلسلات رومانسية، أعمال تشويق، أغانٍ جماهيرية، ومستحضرات تجميل وأطعمة باتت مألوفة في أسواق عديدة. لكن خلف هذه الصورة الشعبية توجد دولة تشتغل بعناية على ربط نجاحها الثقافي بجذور أعمق: قصة الحرب، ثم البناء، ثم التصدير، ثم الاعتراف العالمي. ولقاء فرانكفورت يندرج في هذا المسار، لأنه يربط بين التاريخ الرسمي والتجربة الإنسانية للمهاجرين والسردية الدبلوماسية المعاصرة.

كما أن في الخبر ما يهم قارئاً عربياً يتابع شؤون الهجرة والاغتراب والهوية. فالكوريون في ألمانيا يقدَّمون هنا باعتبارهم جزءاً من نجاح بلدهم، لا مجرد مواطنين ابتعدوا عنه. وهذه زاوية تستحق النقاش في فضائنا العربي، حيث تتوزع ملايين العقول والأيدي العاملة بين المهاجر والمنافي وبلدان الفرص. كيف يمكن تحويل خبرات هؤلاء إلى قوة معنوية لأوطانهم؟ وكيف يمكن تكريم الأجيال الأولى التي أسست الوجود العربي في الخارج، قبل أن تظهر أجيال أكثر اندماجاً وأقل ارتباطاً بالذاكرة الأصلية؟

ثم إن المقارنة بين كوريا وألمانيا، على اختلافها طبعاً عن واقعنا العربي، تعيد طرح سؤال جوهري: كيف تتحول الذاكرة المؤلمة إلى مادة لبناء الثقة لا لإعادة إنتاج القطيعة؟ هذا سؤال ثقافي وسياسي معاً، وهو ما يجعل الخبر أبعد من مجرد مناسبة بروتوكولية. إنه يعرض نموذجاً لدولة تستخدم التاريخ لا لتغلق به الأفق، بل لتشرح به مشروعها الوطني للعالم.

في النهاية، قد لا يكون لقاء فرانكفورت الحدث الأكبر في جولة لي جاي ميونغ الخارجية، لكنه يظل من أكثر محطاتها دلالة من حيث المعنى. هناك، في مدينة ألمانية ارتبطت في ذاكرة الكوريين الأوائل ببدايات الهجرة والعمل الشاق، قدّمت سيول رواية متماسكة عن نفسها: دولة خرجت من الحرب والانقسام، احترمت تجربة بلد شبيه بها في النهوض، ولم تنس أن وراء صورتها الدولية وجوهاً بشرية صنعت الثقة بصمت. وهذه، في كثير من الأحيان، هي اللغة التي تبقى بعد أن تُطوى جداول الزيارات وتغيب العناوين العاجلة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات