광고환영

광고문의환영

حين يصطدم الاسم بالثقة: ماذا تكشف أزمة مركز كينيدي عن تسييس الثقافة ولماذا يهم ذلك عربياً؟

حين يصطدم الاسم بالثقة: ماذا تكشف أزمة مركز كينيدي عن تسييس الثقافة ولماذا يهم ذلك عربياً؟

صورة للمساعدة في فهم المقال

ليست أزمة شباك تذاكر فقط، بل أزمة معنى وثقة

في العادة، تُقرأ أخبار تراجع مبيعات التذاكر أو انخفاض التبرعات في مؤسسة ثقافية كبرى بوصفها مؤشراً على خلل إداري أو ضعف في البرمجة أو تبدّل في ذائقة الجمهور. لكن ما يجري في مركز جون إف. كينيدي للفنون الأدائية في واشنطن يتجاوز هذا التفسير التقليدي بكثير. فبحسب ما كشفته وثائق داخلية حصلت عليها صحيفة «واشنطن بوست»، فإن المؤسسة الثقافية الأميركية العريقة شهدت هبوطاً حاداً في اثنين من أهم روافدها المالية، أي التذاكر والتبرعات، بعد سلسلة خطوات ارتبطت مباشرة بتدخل سياسي في هوية المركز ورمزيته، بلغ ذروته مع محاولة إضافة اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اسم المركز.

القضية هنا ليست مجرد تعديل بروتوكولي في تسمية مبنى رسمي، ولا حتى تغيير في مجلس الإدارة يمكن التعامل معه كجزء من لعبة السلطة المعتادة في واشنطن. ما تكشفه الأرقام، وفقاً لما نُشر، هو أن الجمهور والمانحين لم يردوا ببيانات ولا بخطابات احتجاج طويلة، بل بأداة أكثر حسماً في عالم الثقافة: الامتناع عن الشراء والامتناع عن التبرع. وهذه نقطة شديدة الأهمية لأي قارئ عربي يتابع تحولات الصناعات الثقافية في العالم، لأن السؤال المطروح لا يخص الولايات المتحدة وحدها، بل يطال العلاقة الدقيقة بين الفن والسلطة، وبين المؤسسة الثقافية وسمعتها، وبين الاسم الذي يوضع على الواجهة والثقة التي تُبنى عبر سنوات طويلة.

في الثقافة العربية، نعرف جيداً أن للمؤسسات الرمزية وزناً يتجاوز جدرانها. فدار الأوبرا، والمكتبة الوطنية، والمتحف الكبير، والمهرجان الدولي، ليست مجرد مرافق عامة، بل علامات على صورة الدولة ومكانتها وطريقة فهمها للثقافة. لذلك فإن ما جرى في مركز كينيدي يلفت الانتباه لأنه يقدّم مثالاً مكثفاً على كيفية تحوّل الصراع على الرموز إلى خسارة مالية مباشرة. حين يشعر الجمهور بأن المؤسسة لم تعد تعبّر عن استقلالها الفني، أو أن اسمها التاريخي بات مهدداً بالابتلاع داخل معركة سياسية، فإن الضرر لا يبقى معنوياً. إنه ينعكس على السلوك الاقتصادي للناس، من شراء التذكرة إلى توقيع الشيك.

ومن هذه الزاوية، يبدو ما حدث أقرب إلى استفتاء غير معلن على هوية المؤسسة. فالجمهور لم يُدعَ إلى صناديق الاقتراع، لكنّه استخدم السوق بوصفها ساحة حكم. وهذا ما يجعل القصة، في جوهرها، درساً في اقتصاد الثقافة بقدر ما هي خبر سياسي أو فني.

كيف تحوّل اسم المؤسسة إلى ساحة صراع؟

الوقائع المتداولة ترسم تسلسلاً واضحاً: الرئيس الأميركي أعرب، بعد وقت قصير من بدء ولايته الثانية، عن عدم رضاه عن اتجاهات المركز وبرامجه، ثم تبعت ذلك تغييرات في القيادة ومجلس الإدارة، قبل أن يصل الأمر إلى محاولة تمرير تسمية جديدة تجعل اسم ترامب جزءاً من الاسم الرسمي للمركز إلى جانب الرئيس الأميركي الراحل جون إف. كينيدي، الذي يحمل المكان اسمه تكريماً لإرثه. وبين هذه المحطات، كانت الأرقام، وفق الوثائق المسرّبة، تميل إلى السوء لا إلى التحسن.

ما الذي يجعل الاسم بالغ الحساسية إلى هذا الحد؟ في المؤسسات الثقافية الكبرى، الاسم ليس مجرد يافطة. إنه اختصار لذاكرة كاملة. حين يُقال «مركز كينيدي»، فإن المقصود ليس البناء فحسب، بل مكانة تراكمت عبر عقود بوصفه فضاءً وطنياً للفنون الأدائية، من الأوبرا إلى المسرح إلى الموسيقى. وعندما يحاول سياسي حاضر، مثير للانقسام بطبيعته، أن يضع اسمه بجوار هذا الإرث أو فوقه رمزياً، فإن كثيرين يقرأون الخطوة بوصفها إعادة تعريف للمعنى: من مؤسسة عامة تخدم الثقافة إلى مساحة مُختطفة في معركة الهوية والانتماء السياسي.

في السياق العربي، يمكن فهم هذه الحساسية بسهولة إذا تخيلنا مؤسسة ثقافية ذات قيمة تاريخية يجري إلحاقها باسم زعيم أو تيار معاصر بصورة توحي بأن الرمز الوطني أو الفني القديم لم يعد كافياً وحده. هنا لا يكون الاعتراض على الحروف نفسها، بل على ما تمثله من انتقال في مركز الثقل: من الإرث المشترك إلى العلامة السياسية اللحظية. وفي عالم الفنون، حيث يقوم جزء كبير من القيمة على الانطباع والهيبة والاستقلال، قد يكون هذا التحول مكلّفاً أكثر مما تتوقعه النخب السياسية.

اللافت في حالة مركز كينيدي أن الأزمة لم تقتصر على رد فعل تجاه البرمجة أو اختيار عرض بعينه، بل أصابت البنية الرمزية للمكان كله. وهذا فارق جوهري. فالعرض الفني قد ينجح أو يفشل، لكن المؤسسة الناجحة عادة تحافظ على ثقة جمهورها حتى عندما تتعثر في موسم أو برنامج. أما إذا اهتزت الثقة في هوية المؤسسة نفسها، فإن الأزمة تصبح أعمق وأطول أمداً.

لماذا ينهار التبرع مع التذكرة؟

من أهم ما تكشفه هذه القضية أن الانخفاض لم يقتصر على التذاكر، بل شمل التبرعات أيضاً. وهذه نقطة لا ينبغي المرور عليها بسرعة. فالتذكرة تتأثر بعوامل كثيرة: سعرها، توقيت العرض، المنافسة مع فعاليات أخرى، مزاج الجمهور، وحتى الأحوال الجوية أحياناً. أما التبرعات، فهي عادة مرآة لعلاقة أكثر عمقاً بين المؤسسة والجهات أو الأفراد الذين يؤمنون برسالتها. لذلك فإن تراجع الموردين معاً، وفي الاتجاه نفسه، يوحي بأن المشكلة ليست في منتج ثقافي واحد، بل في صورة المؤسسة وقيمتها المعنوية في نظر جمهورها وداعميها.

في الاقتصاد الثقافي، هناك ما يمكن تسميته «رأس المال الرمزي». وهذا المصطلح قد يبدو أكاديمياً، لكنه بسيط المعنى: المؤسسة لا تعيش فقط على ما تبيعه، بل على ما يعتقد الناس أنها تمثله. الجمهور لا يشتري مقعداً فحسب، بل يشتري وعداً ضمنياً بالجودة والاستقلال والاتساق. والمانح لا يموّل حفلاً أو عرضاً فقط، بل يموّل فكرة عن الدور العام للفن. فإذا شعر الطرفان أن المؤسسة باتت أقرب إلى منصة صراع سياسي منها إلى بيت للفنون، فإن رد الفعل الطبيعي قد يكون سحب الثقة المالية، ولو من دون إعلان صاخب.

هذا يفسر لماذا تبدو عبارة «انهيار التبرعات» أخطر أحياناً من تراجع المبيعات. فالمبيعات قد تتعافى بحملة تسويقية أو عرض جماهيري ناجح، لكن التبرعات تحتاج إلى ترميم علاقة ثقة. والمؤسسات الثقافية في العالم كله تعرف أن استعادة المانحين أصعب من جذب زائر عابر. المانح يسأل عن الحوكمة والشفافية والهوية والاستدامة، ولا يكتفي عادة ببيان علاقات عامة يقول إن الأمور بخير.

ومن هنا تبرز فجوة أخرى شديدة الدلالة في هذه الأزمة: القيادة، بحسب التقارير، كانت تتحدث عن تحسن مالي، بينما تُظهر الوثائق الداخلية صورة مغايرة. في عالم المال والأعمال، قد يكون الخلاف على التقدير أمراً شائعاً، لكن في مؤسسة ثقافية ذات وظيفة عامة، فإن التناقض بين الخطاب الرسمي والأرقام الداخلية يضاعف الأزمة. لأن الثقة لا تُستهلك فقط عندما يتدخل السياسي في الاسم، بل أيضاً عندما يشعر الجمهور والمانح بأن الحقيقة لا تُروى لهم كاملة.

ولعل هذا ما يفسر سبب اهتمام الصحافة الأميركية بالموضوع بوصفه قضية عامة لا شأناً إدارياً داخلياً. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يدير المركز، بل بمن يملك حق تعريفه أمام الناس: هل هو مؤسسة وطنية للفنون، أم ساحة لإعادة هندسة الرموز وفق ميزان القوة السياسية؟

الثقافة والسلطة: أين تبدأ الشرعية وأين تنتهي الهيمنة؟

على امتداد التاريخ الحديث، لم تكن العلاقة بين السلطة والثقافة علاقة سهلة. فالسلطة تحتاج إلى الثقافة لتجميل صورتها، والثقافة تحتاج أحياناً إلى الدولة كي تموّل البنية التحتية وتحفظ المؤسسات وتوسع الوصول إلى الجمهور. لكن هذا التعايش يصبح خطراً عندما يتحول الدعم إلى وصاية، أو عندما تصبح المؤسسة الثقافية امتداداً مباشراً لذوق الحاكم أو معركته الرمزية.

في الحالة الأميركية، ما يجعل المشهد لافتاً هو أن التدخل لم يعد يُقرأ فقط من خلال تعيينات إدارية، بل من خلال محاولة دمج الاسم الرئاسي الحاضر باسم مؤسسة مرتبطة برئيس راحل وشحنة تاريخية مختلفة. هنا يصبح السؤال عن الحدود: هل من حق السلطة المنتخبة أن تعيد توجيه المؤسسات الثقافية وفق رؤيتها؟ من الناحية القانونية قد توجد مساحات للتأويل والإجراء، لكن من الناحية الثقافية، تبدو المسألة أكثر تعقيداً. لأن الشرعية القانونية لا تكفي وحدها لإنتاج الشرعية الرمزية.

الجمهور، في نهاية المطاف، لا يختبر المؤسسات الثقافية بنصوص القوانين، بل بإحساسه العام حيال استقلاليتها. وحين يظن أن المعيار الفني تراجع أمام المعيار السياسي، يتولد نوع من النفور الهادئ. هذا النفور لا يملأ الشوارع بالضرورة، لكنه يفرغ القاعات بالتدريج. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن ما جرى في مركز كينيدي يقدّم درساً عملياً في أن الهيمنة على الرمز لا تعني بالضرورة امتلاك ولاء الجمهور.

العالم العربي ليس بعيداً عن هذا النقاش. لدينا بدورنا تجارب متعددة في إدارة التوازن بين التمويل الرسمي والاستقلال الفني، وبين الرمزية الوطنية والانفتاح على النقد والتجريب. وفي كثير من الأحيان، تبين أن المؤسسة التي تنجح في بناء احترام طويل الأمد هي تلك التي تحتفظ بمسافة ما عن الاستخدام السياسي المباشر، حتى لو كانت تعمل تحت مظلة الدولة أو بتمويل عام. فالهيبة الثقافية، مثل السمعة الصحافية، تُبنى ببطء ويمكن أن تُفقد بسرعة.

ومن هذا المنظور، لا تبدو أزمة مركز كينيدي شأناً أميركياً داخلياً فحسب. إنها حالة دراسية عالمية عن هشاشة التوازن بين السلطة والفن. وإذا كانت الولايات المتحدة، بما تملكه من تقاليد مؤسساتية وإعلام رقابي، قد وجدت نفسها أمام هذا النوع من الجدل، فإن الرسالة إلى بقية العالم واضحة: استقلال المؤسسة الثقافية ليس ترفاً أخلاقياً، بل جزء من نموذجها الاقتصادي وقدرتها على البقاء.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي وأسواقه الثقافية؟

بالنسبة إلى القارئ العربي، لا تنبع أهمية القصة من متابعة الشأن الأميركي فقط، بل من انعكاساتها على سوق ثقافية عربية آخذة في الاتساع. فمنطقة الخليج، على سبيل المثال، تستثمر بقوة في الفنون الأدائية والمتاحف والمهرجانات والمواسم الثقافية، فيما تراهن عواصم عربية أخرى على إعادة بناء دورها الثقافي عبر المسرح والسينما والموسيقى وصناعات المحتوى. وفي مثل هذا المشهد، تصبح السمعة المؤسسية عنصراً لا يقل أهمية عن حجم الاستثمار أو فخامة المبنى.

الشركات العربية الراعية للثقافة، سواء كانت بنوكاً أو شركات اتصالات أو مجموعات استثمارية أو طيراناً وطنياً، تراقب مثل هذه السوابق بعناية. فالراعي لا يبحث فقط عن الظهور الإعلامي، بل عن الارتباط بعلامة موثوقة وآمنة وقادرة على جمع الجمهور لا تقسيمه. وإذا باتت المؤسسة الثقافية مشحونة سياسياً إلى درجة تجعل رعايتها عبئاً على الصورة العامة، فإن الشركات تعيد حساباتها. هذا ينطبق على المانح الفردي كما ينطبق على العلامة التجارية الكبرى.

هناك أيضاً بُعد يرتبط بالجمهور العربي نفسه، ولا سيما الأجيال الشابة التي باتت أكثر حساسية لقضايا الهوية والتمثيل والشفافية. هذه الأجيال قد لا تذهب إلى المسرح أو الحفل فقط بحثاً عن الترفيه، بل لأنها تشعر بانتماء إلى فضاء ثقافي معين. فإذا فقدت المؤسسة صدقيتها أو بدت خاضعة بالكامل لرسالة سياسية ضيقة، فإن النفور قد يظهر بسرعة على المنصات الرقمية أولاً ثم في المبيعات لاحقاً. وهذا ما يجعل درس مركز كينيدي وثيق الصلة بمستقبل الصناعات الإبداعية في المنطقة.

ومن جهة العلاقات العربية مع كوريا، وهي الزاوية التي تهم قارئ الثقافة الكورية تحديداً، فإن المسألة تكتسب بعداً إضافياً. كوريا الجنوبية بنت جزءاً كبيراً من نفوذها الناعم على فكرة أن الثقافة صناعة حديثة لكنها أيضاً مساحة ثقة بين الجمهور والمؤسسة والمنصة. من الدراما إلى الكيبوب إلى المتاحف والمراكز الثقافية، تعتمد القوة الناعمة الكورية على إدارة دقيقة للصورة والهوية والشراكات العابرة للحدود. وحين تنظر المؤسسات الكورية أو العربية إلى أمثلة من هذا النوع في الغرب، فإنها تقرأها بوصفها تحذيراً من أن العلامة الثقافية قد تتضرر إذا طغت المعركة السياسية على الرسالة الفنية.

العالم العربي، الذي بات سوقاً مهماً للمنتج الثقافي الكوري من الموسيقى والمسلسلات إلى المعارض والتعاونات التجارية، يحتاج هو الآخر إلى مؤسسات ثقافية قادرة على الحفاظ على استقلالها النسبي وثقة جماهيرها. فالتبادل الثقافي لا يزدهر فقط بوجود المال، بل بوجود مناخ يشعر فيه الشريك الأجنبي والجمهور المحلي بأن المنصة الثقافية تحكمها معايير مهنية أكثر من الولاءات العابرة. وهذا ما يجعل الأزمة الأميركية ذات صدى يتجاوز حدودها الجغرافية.

بالنسبة لبلداننا: ما الذي ينبغي أن تتعلمه المؤسسات الثقافية العربية؟

إذا أردنا قراءة الدرس بعيون عربية خالصة، فالأولوية ليست في مقارنة التفاصيل الأميركية بواقعنا حرفياً، بل في استخلاص المبادئ العامة. أول هذه المبادئ أن المؤسسة الثقافية ليست مشروع عقار أو حملة ترويج يمكن تغيير هويتها بقرار فوقي من دون كلفة. الاسم، والذاكرة، والاستمرارية، والحوكمة، كلها أصول غير ملموسة لكنها شديدة القيمة. وفي بلداننا، حيث تبني الحكومات والقطاع الخاص على حد سواء مشاريع ثقافية كبيرة لتعزيز السياحة والاقتصاد الإبداعي والسمعة الدولية، تصبح إدارة هذه الأصول مسألة استراتيجية لا تجميلية.

ثاني الدروس أن الشفافية ليست ترفاً بيروقراطياً. حين تتحدث الإدارة عن تحسن بينما تشير البيانات إلى العكس، فإن المشكلة لا تبقى محاسبية. في العالم العربي، حيث تسعى كثير من المؤسسات إلى جذب جمهور جديد وشراكات دولية واستثمارات في المحتوى، فإن لغة الأرقام الموثوقة والحوكمة الرشيدة ستكون عاملاً حاسماً في بناء الثقة. وهذا ينطبق خصوصاً على المؤسسات التي تريد العمل مع منصات عالمية، أو استضافة أعمال كورية ويابانية وأوروبية، أو تطوير مهرجانات ذات حضور إقليمي واسع.

ثالثاً، على الشركات العربية التي تدخل مجال الرعاية الثقافية أن تدرك أن أفضل استثمار طويل الأمد هو دعم المؤسسات التي تتمتع بسمعة مهنية واضحة. الرعاية الذكية لا تلاحق الضجيج فقط، بل تحتمي بالمصداقية. وفي ظل المنافسة الإقليمية على استقطاب المواهب والفعاليات العالمية، فإن أي مؤسسة تفقد صورتها الجامعة قد تجد نفسها أقل جاذبية للرعاة والشركاء والجمهور معاً.

رابعاً، ثمة بُعد يمس الجمهور العربي مباشرة. فقد شهدت السنوات الأخيرة صعوداً ملحوظاً في استهلاك الثقافة العابرة للحدود، ولا سيما الكورية، سواء عبر المنصات أو الحفلات أو الفعاليات الترويجية. وهذا الجمهور بات أكثر استعداداً لمكافأة المؤسسات التي تحترمه وتمنحه تجربة واضحة المعايير، وأكثر استعداداً أيضاً لمعاقبة من يستخف بذكائه أو يحوّل الثقافة إلى أداة استقطاب. ولعل هذا ما يقرّب المسافة بين قاعة في واشنطن وبين مسرح أو مهرجان في مدينة عربية: الجمهور اليوم أسرع في إصدار حكمه، وأوضح في التعبير عنه بمحفظته.

أما خامس الدروس، فهو أن العلاقات الثقافية بين الدول، ومنها العلاقات العربية الكورية، تستفيد من بيئات مؤسساتية مستقرة وذات مصداقية. فحين تكون المؤسسة موضع ثقة، يسهل جذب الإنتاجات الأجنبية، وتنظيم الأسابيع الثقافية، وتوقيع الشراكات، وتطوير برامج التبادل. أما إذا غلب الطابع السياسي المتقلب على صورتها، فإنها تصبح أقل قدرة على أداء هذا الدور. ومن هنا فإن حماية استقلالية المؤسسات الثقافية في بلداننا ليست مسألة نخبوية، بل ركيزة من ركائز الاقتصاد الثقافي والدبلوماسية الناعمة.

ما الذي يجب مراقبته بعد ذلك؟

الأسئلة المقبلة في ملف مركز كينيدي لن تتعلق فقط بحجم الخسائر الحالية، بل بقدرة المؤسسة على استعادة جمهورها ومانحيها. هل يمكن لخطاب إداري متفائل أن يوقف التدهور إذا ظل الخلاف قائماً حول الهوية والقيادة؟ وهل تستطيع المؤسسة أن تفصل نفسها مجدداً عن ضوضاء السياسة وتعيد تقديم ذاتها كمنصة للفنون لا كعنوان لمعركة رمزية؟ هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كنا أمام أزمة عابرة أم تحوّل بنيوي في صورة واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية الأميركية.

ثمة أمر آخر يستحق المراقبة: كيف ستتصرف النخب الثقافية والفنية نفسها؟ فالفنانون، والمنظمون، والمنتجون، والرعاة، جميعهم جزء من النظام البيئي للمؤسسة. وإذا شعر هؤلاء بأن المشاركة فيها باتت تُقرأ سياسياً أكثر مما تُقرأ فنياً، فقد تتسع دائرة الانكماش من الجمهور إلى المبدعين أنفسهم. وهذه مرحلة أخطر، لأنها تعني أن الأزمة لم تعد في الاستقبال فقط، بل في الإنتاج أيضاً.

بالنسبة للعالم العربي، يبقى مغزى القصة واضحاً: الثقافة ليست محصنة من السياسة، لكنها تخسر كثيراً حين تُختزل فيها. والمؤسسة التي تتجاهل هذا التوازن قد تكتشف متأخرة أن الجمهور لا يدافع عن استقلال الفن بالشعارات وحدها، بل بقرارات شراء ومقاطعة وتمويل وحجب تمويل. في النهاية، ليست كل معركة على الاسم معركة رابحة. أحياناً يكون الاسم الذي يُضاف أثقل من أن تحمله المؤسسة من دون أن تنكسر الثقة التي جعلت لهذا الاسم قيمة أصلاً.

لذلك فإن الخبر الأميركي، وإن بدا بعيداً جغرافياً، يلامس سؤالاً عربياً راهناً بامتياز: كيف نبني مؤسسات ثقافية قوية، حديثة، قادرة على اجتذاب العالم، من دون أن نفقد استقلالها الرمزي وقدرتها على تمثيل المجال العام؟ هذا سؤال يهم العواصم التي تستثمر اليوم في القوة الناعمة، ويهم الشركات التي تبحث عن شراكات ثقافية آمنة، ويهم الجمهور العربي الذي بات جزءاً من سوق ثقافية عالمية تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وبالصورة الذهنية. وفي هذه المعادلة، يبدو أن مركز كينيدي قد قدّم، عن قصد أو من دونه، درساً قاسياً في قيمة الثقة حين تُهدد، وفي الثمن الذي تدفعه المؤسسة عندما يصبح الرمز ميداناً للصراع أكثر منه مساحة للفن.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات