
مواجهة مناخية تضغط على الزراعة الكورية
أعلنت كوريا الجنوبية عن تحرك واسع لدعم القطاع الزراعي في ظل استمرار موجات الحر والجفاف التي أثرت على المزارعين في عدد من المناطق. وقال الاتحاد الوطني للتعاونيات الزراعية الكورية، المعروف باسم "نونغ هيوب"، في 7 أغسطس 2026 إنه سيخصص أموال طوارئ بقيمة 3 تريليونات وون كوري لمساندة المزارعين المتضررين وتعزيز قدرتهم على مواجهة الظروف المناخية القاسية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت أصبحت فيه الظواهر المناخية المتطرفة تحدياً متزايداً للزراعة في مختلف أنحاء العالم، من جفاف مناطق زراعية واسعة إلى ارتفاع درجات الحرارة خلال مواسم الإنتاج. وبالنسبة لكوريا الجنوبية، التي تعتمد زراعتها بشكل كبير على التوازن الدقيق بين المواسم والأمطار، فإن موجات الحر الطويلة ونقص المياه يمكن أن تؤثر مباشرة على المحاصيل ودخل الأسر الزراعية.
وبحسب وكالة يونهاب الكورية، فإن خطة الدعم لا تقتصر على تقديم التمويل فقط، بل تشمل أيضاً توفير مستلزمات لمواجهة الحرارة، وتوسيع حملات التوعية بالسلامة، وتعزيز الإجراءات الميدانية لحماية المزارعين. ويعكس ذلك تحولاً في طريقة التعامل مع الكوارث الزراعية، من التركيز على التعويض بعد وقوع الضرر إلى بناء قدرة استباقية على مواجهة المخاطر.
تمويل طارئ بقيمة 3 تريليونات وون لحماية الإنتاج الزراعي
يشكل صندوق الكوارث الزراعية البالغ 3 تريليونات وون محور الاستجابة الجديدة. ويهدف هذا التمويل إلى تخفيف العبء المالي عن المزارعين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع الإنتاج المحتمل بسبب الظروف الجوية الصعبة.
في كوريا الجنوبية، تلعب التعاونيات الزراعية دوراً مهماً في دعم المزارعين، فهي لا تعمل فقط كمؤسسات مالية، بل تمثل شبكة اقتصادية واجتماعية تمتد إلى المناطق الريفية. ومن خلال هذه الشبكة، يمكن توجيه المساعدات بسرعة إلى المناطق المتضررة، سواء عبر القروض الطارئة أو المعدات أو الخدمات الميدانية.
وتتميز الإجراءات الحالية باستخدام البنية التنظيمية لـ"نونغ هيوب" التي تضم التعاونيات الزراعية المحلية والمؤسسات المالية التابعة لها. وهذا يسمح بتحويل الدعم من قرار مركزي إلى إجراءات عملية تصل مباشرة إلى المزارعين في القرى والمناطق الزراعية.
كما قدمت المؤسسة نحو 1.3 مليون قطعة من المنتجات المخصصة للتخفيف من تأثير الحرارة، إضافة إلى مليون عبوة من عصير البصل للمزارعين الأكثر تعرضاً لدرجات الحرارة المرتفعة. ورغم أن هذه المساعدات تبدو بسيطة مقارنة بحجم التمويل، فإنها تستهدف جانباً أساسياً وهو حماية صحة العاملين في الحقول خلال فترات الطقس القاسي.
سلامة المزارعين تصبح أولوية مع ارتفاع درجات الحرارة
لطالما ارتبطت الزراعة الكورية بالعمل اليدوي المكثف، حتى مع توسع استخدام المعدات الحديثة. فالكثير من الأعمال الزراعية، مثل العناية بالمحاصيل والحصاد وإدارة الري، ما زالت تحتاج إلى وجود العمال في الحقول لساعات طويلة. لذلك أصبحت حماية صحة المزارعين خلال موجات الحر قضية اقتصادية واجتماعية في آن واحد.
وقام كانغ هو دونغ، رئيس الاتحاد الوطني للتعاونيات الزراعية، بزيارة مناطق زراعية وخزانات مياه ومرافق استراحة من الحر في مدينة كيمهاي بمقاطعة غيونغسانغ الجنوبية، للاطلاع على وضع إمدادات المياه الزراعية ونمو المحاصيل ونظام الاستجابة للحرارة.
وخلال الزيارة، تم تقديم معدات للري شملت 40 مضخة وجهازاً لضخ المياه، إضافة إلى 100 مجموعة من مواد الإغاثة ومياه الشرب. وتأتي هذه الإجراءات بهدف مساعدة المزارعين على الحفاظ على استمرارية الإنتاج وتقليل الأضرار الناجمة عن نقص المياه وارتفاع الحرارة.
وتحظى المناطق الزراعية مثل كيمهاي بأهمية خاصة بسبب إنتاجها لمحاصيل متنوعة، ومنها الأرز والبرسيمون الكوري المعروف محلياً باسم "دانغام". وتشير التقديرات المحلية إلى أن انخفاض هطول الأمطار وتراجع مستويات تخزين المياه في الخزانات أدى إلى زيادة المخاوف بشأن تأثير الجفاف على هذه المحاصيل.
الجفاف ونقص المياه يكشفان تحديات الزراعة في عصر تغير المناخ
توضح الأزمة الحالية في كوريا الجنوبية أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية بعيدة عن الاقتصاد، بل أصبح عاملاً مباشراً يؤثر على الإنتاج الغذائي واستقرار المجتمعات الريفية. فالمحاصيل الزراعية تحتاج إلى ظروف مناخية مستقرة نسبياً، وأي تغير طويل الأمد في درجات الحرارة أو توفر المياه يمكن أن يؤدي إلى خسائر كبيرة.
ويعتبر تأمين المياه الزراعية من أهم الأولويات في مثل هذه الظروف. فحتى إذا كانت البذور والتقنيات الزراعية متوفرة، فإن غياب المياه الكافية يمكن أن يهدد دورة الإنتاج بأكملها. ولهذا السبب تجمع خطة "نونغ هيوب" بين الدعم المالي وتوفير معدات الري والمساعدة الميدانية.
ويرى خبراء الزراعة أن الاستجابة للكوارث المناخية تحتاج إلى أكثر من تعويضات مالية مؤقتة. فالمطلوب هو تطوير أنظمة زراعية أكثر قدرة على التكيف، تشمل تحسين إدارة المياه، واستخدام تقنيات الزراعة الذكية، وتوفير معلومات دقيقة للمزارعين حول الظروف الجوية.
وفي هذا السياق، تمثل الإجراءات الكورية نموذجاً يجمع بين الجانب المالي والجانب العملي. فالدعم لا يهدف فقط إلى معالجة خسائر موسم زراعي معين، بل إلى الحفاظ على البنية الإنتاجية الزراعية ومنع تراجع قدرة المزارعين على الاستمرار في العمل.
التكنولوجيا والتوعية جزء من خطة الاستجابة الكورية
إلى جانب المساعدات المالية والمعدات، تعمل "نونغ هيوب" على استخدام شبكتها الرقمية لنشر رسائل الوقاية من مخاطر الحرارة. وتشمل هذه الجهود استخدام الشاشات الرقمية في التعاونيات الزراعية وفروع البنوك التابعة لها لتقديم إرشادات حول التعامل مع موجات الحر.
وتعكس هذه الخطوة اعتماد كوريا الجنوبية على الجمع بين البنية التقليدية للمؤسسات المحلية والأدوات الرقمية الحديثة. فالتعاونيات الزراعية التي تمتلك حضوراً واسعاً في المناطق الريفية أصبحت قناة لنقل المعلومات، وليس فقط جهة تقدم الخدمات المالية.
وتكتسب حملات الوقاية أهمية خاصة لأن التعامل مع موجات الحر لا يبدأ بعد حدوث الضرر. فالتوعية بأوقات العمل المناسبة، وأهمية شرب المياه، واستخدام وسائل الحماية، يمكن أن تقلل من المخاطر الصحية على المزارعين.
ومن منظور اقتصادي، فإن حماية المزارعين تعني أيضاً حماية سلاسل الإمداد الغذائي. فالقطاع الزراعي لا يؤثر فقط على أصحاب المزارع، بل يرتبط بأسواق الأغذية والنقل والتوزيع والمجتمعات المحلية التي تعتمد على النشاط الزراعي.
نموذج كوري للاستجابة الزراعية في مواجهة المناخ المتغير
تظهر مبادرة ضخ 3 تريليونات وون أن كوريا الجنوبية تتعامل مع تغير المناخ باعتباره تحدياً مرتبطاً بالأمن الاقتصادي والاجتماعي. فالزراعة، رغم أنها تمثل جزءاً أصغر من الاقتصاد مقارنة بالصناعات التكنولوجية والصناعات التحويلية، تبقى قطاعاً أساسياً للحفاظ على استقرار المجتمعات الريفية والأمن الغذائي.
ويحظى هذا النوع من الدعم باهتمام خارج كوريا أيضاً، خصوصاً في الدول التي تواجه تحديات مشابهة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الأمطار. فالعديد من الدول العربية، التي تعاني بدورها من الجفاف وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، تتابع بشكل متزايد التجارب الدولية في إدارة الموارد الزراعية والتكيف المناخي.
ورغم اختلاف الظروف بين شبه الجزيرة الكورية والمناطق العربية، فإن هناك قاسماً مشتركاً يتمثل في الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة للمياه، وتطوير الزراعة الذكية، وتعزيز حماية العاملين في القطاع الزراعي خلال الظروف المناخية القاسية.
وأكد كانغ هو دونغ أن صعوبة المزارعين ازدادت بسبب استمرار موجات الحر والجفاف غير المسبوقة، مشدداً على أن جميع إمكانات شبكة التعاونيات الزراعية ستُركز على حماية صحة المزارعين وسلامتهم. ويشير هذا التصريح إلى أن الاستجابة الحالية تهدف إلى بناء نظام دعم طويل الأمد وليس مجرد تدخل مؤقت.
وفي النهاية، تعكس خطة كوريا الجنوبية لمواجهة الحر والجفاف تحولاً في مفهوم إدارة الكوارث الزراعية. فبدلاً من انتظار وقوع الأضرار ثم التعامل معها، تتجه المؤسسات إلى الجمع بين التمويل الوقائي، والدعم الميداني، والتكنولوجيا، والتوعية. وفي عصر يتزايد فيه تأثير تغير المناخ على الإنتاج الغذائي العالمي، تصبح مثل هذه النماذج جزءاً من النقاش الدولي حول كيفية حماية الزراعة والمجتمعات المرتبطة بها.
0 تعليقات