광고환영

광고문의환영

حين تصبح 3 دقائق مسافة نجاة: موجة الحر القياسية في كوريا الجنوبية تكشف هشاشة السكن وشيخوخة المدن

حين تصبح 3 دقائق مسافة نجاة: موجة الحر القياسية في كوريا الجنوبية تكشف هشاشة السكن وشيخوخة المدن

حرّ غير مسبوق يبدّل معنى البيت والشارع

في نشرات الطقس تبدو الأرقام مجرّدة، لكنّها على الأرض تتحوّل إلى تفاصيل يومية قاسية: خطوات أبطأ، نوافذ مفتوحة بلا جدوى، ومراوح تعمل على استحياء لأن فاتورة الكهرباء نفسها صارت هاجساً. هذا هو المشهد الذي ترسمه موجة الحر غير المسبوقة في كوريا الجنوبية، وخصوصاً في مدينة تشانغوون الجنوبية، حيث اقتربت الحرارة من 40 درجة مئوية في أحياء سكنية قديمة تقطنها نسبة مرتفعة من كبار السن. هناك، لا يكون البيت بالضرورة ملاذاً من القيظ، بل قد يغدو صندوقاً يحتفظ بالحرارة طوال النهار، فيما يصبح الخروج إلى الشارع بدوره مغامرة ثقيلة على الأجساد المتعبة.

القصة هنا ليست عن الطقس وحده، بل عن البنية الاجتماعية التي تكشفها الحرارة حين تبلغ حدودها القصوى. ففي أحد الأحياء المرتفعة والقديمة في تشانغوون، وهي أحياء تُعرف في كوريا باسم "دال دونغنيه"، أي مناطق سكنية متراصة على سفوح التلال أو المرتفعات، يواجه السكان المسنّون نهاراً طويلاً من الحر داخل بيوت قديمة ضعيفة العزل. بعضهم يمتلك مكيّفاً أو مروحة، لكن امتلاك الجهاز لا يعني القدرة على استخدامه متى شاؤوا. الكلفة، والخوف من ارتفاع الفواتير، وعادات التوفير المتجذّرة لدى الجيل الأكبر، كلها تجعل وسائل التبريد متاحة نظرياً ومقيّدة عملياً.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو المشهد مألوفاً على نحو مؤلم. فمدن كثيرة في منطقتنا تعرف هذا التناقض: جهاز تكييف معلّق على الجدار، لكنه ليس ضمانة للراحة؛ منزل قائم منذ عقود، لكنه لا يصدّ شمس الظهيرة؛ وسكّان مسنون يقتصدون في أبسط وسائل التبريد خوفاً من المصروف. الجديد في الحالة الكورية أن بلداً عُرف طويلاً ببنيته الحديثة وكفاءته الخدمية يجد نفسه اليوم أمام اختبار قاسٍ: كيف تتعامل المدن المتقدمة مع من بقي خارج معايير الراحة الحديثة، أو عند أطرافها؟

ولأن كوريا الجنوبية كثيراً ما تُقدَّم للعالم من خلال صورة التكنولوجيا اللامعة، وقطاراتها السريعة، وصادراتها الثقافية من الدراما والكي-بوب، فإن هذا الوجه الآخر يلفت الانتباه. خلف الواجهات المضيئة، توجد أحياء هرمة وسكان متقدّمون في السنّ، وتوجد فجوة حقيقية بين مدينة معاصرة في المركز، وأحياء قديمة على الهامش تعاني من هشاشة سكنية واجتماعية تتضخم مع كل صيف أشدّ حرارة من سابقه.

المفارقة أن الحرارة القياسية لا تغيّر جدول الناس فحسب، بل تغيّر أيضاً معنى المكان نفسه. فالبيت الذي يُفترض أن يكون ساتراً من الجوّ القاسي قد يفشل في أداء هذا الدور، والشارع الذي كان ممراً يومياً عادياً يصبح مساحة طاردة في عزّ الظهيرة. عند هذه النقطة، لا تعود موجة الحر حدثاً مناخياً عابراً، بل تصبح عاملاً يعيد رسم إيقاع المدينة، ويعيد تعريف من يستطيع الاحتمال، ومن يحتاج إلى النجاة.

من هي أحياء "دال دونغنيه" ولماذا تكشف الكثير عن كوريا المعاصرة؟

تعبير "دال دونغنيه" قد لا يكون معروفاً لدى القارئ العربي، لكنه مفتاح مهم لفهم جانب اجتماعي عميق في المدن الكورية. الكلمة تُستخدم لوصف الأحياء القديمة المتجمعة على سفوح الجبال أو المرتفعات، وغالباً ما تكون بيوتها صغيرة ومتقاربة وبنيتها التحتية متقادمة. نشأت كثير من هذه المناطق في فترات التحوّل الصناعي والهجرة الداخلية الكبيرة، عندما انتقل آلاف الناس من الريف إلى المدينة بحثاً عن العمل، فبنوا أو سكنوا مساكن متواضعة في الأماكن الأرخص والأشد وعورة.

هذا النوع من الأحياء ليس غريباً تماماً عن الذاكرة العربية. يمكن تشبيهه، مع الفارق في السياق، ببعض مناطق الأطراف القديمة في مدن عربية كبرى، حيث تتراكم البيوت على السفوح أو في الأزقة الضيقة، وتبقى البنية العمرانية أقل من أن تواجه تطرف المناخ. في كوريا، احتفظت هذه الأحياء بموقع خاص في الوجدان الشعبي والفني؛ فهي تظهر أحياناً في الأفلام والدراما بوصفها أماكن للفقر والكدح والحنين أيضاً. غير أن الحنين الثقافي لا يخفف قسوة الواقع حين تتحوّل هذه المساحات إلى مصائد حرارية لكبار السن.

في تشانغوون، وهي مدينة صناعية وإدارية مهمة في جنوب البلاد، يكتسب هذا التناقض معنى إضافياً. فهذه مدينة مرتبطة في المخيال الكوري بالصناعة والتنظيم الحضري والتوسع الحديث، لكنها تحتوي في الوقت ذاته على جيوب سكنية قديمة تشهد اليوم ضغطاً مضاعفاً من الشيخوخة السكانية والتغير المناخي. حين يقول أحد السكان الذي عاش في الحي أكثر من ستين عاماً إنه لم يعرف حرارة كهذه من قبل، فإن العبارة لا تُقرأ بوصفها انطباعاً شخصياً فحسب، بل بوصفها شهادة من ذاكرة محلية طويلة على أن ما يجري تجاوز حدود الصيف المعتاد.

أهمية هذه الأحياء أنها تكشف بوضوح أن أزمة الحر ليست متساوية بين الجميع. في الشقق الحديثة، حيث العزل أفضل والتبريد أكثر كفاءة، يمكن للنهار الحار أن يكون مرهقاً لكنه قابل للإدارة. أما في بيت قديم، جدرانه احتفظت بحرارة الشمس، وسقفه منخفض التهوية، ونوافذه لا تخلق تياراً هوائياً كافياً، فإن الساعات داخل المنزل قد تصبح استنزافاً صامتاً. هنا يظهر الوجه الاجتماعي للمناخ: ليس الجميع يواجه الدرجة نفسها من الحرارة، حتى لو عاشوا تحت السماء نفسها.

وما يزيد المسألة حساسية أن سكان هذه المناطق من الفئات الأكبر سناً غالباً، أي ممن تقلّ قدرتهم على الحركة السريعة، أو تحمل الجفاف، أو الانتقال المتكرر بحثاً عن مكان أبرد. لذلك فإن الحيّ القديم لا يُقاس فقط بعمر بيوته، بل بعمر سكانه أيضاً. وحين يلتقي البناء المتقادم بالجسد المتعب، تصبح موجة الحر أزمة رعاية عامة وليست مجرد موسم صعب.

كبار السن بين ثقافة الادخار وقسوة الفاتورة

من أكثر المشاهد دلالة في القصة الكورية الحالية أن بعض كبار السن يقتصدون حتى في تشغيل المراوح. من ينظر إلى المسألة من الخارج قد يستغرب: كيف يمكن لمروحة صغيرة أن تصبح عبئاً يُحسب بهذه الدقة وسط حرارة خانقة؟ لكنّ الإجابة تكمن في التقاء عاملين معاً: الاقتصاد المنزلي المحدود، وثقافة جيلية محافظة في الإنفاق. كثير من كبار السن في كوريا الجنوبية عاشوا مراحل قاسية من الفقر وإعادة البناء بعد الحرب الكورية، ثم شهدوا التحول الاقتصادي الكبير للبلاد. هذا الجيل تربّى على الادخار والانضباط الشديد في الاستهلاك، ولا يزال كثيرون منه يتعاملون بحذر كبير مع كل فاتورة شهرية.

في العالم العربي، نعرف هذا السلوك جيداً أيضاً. كم من ربّة منزل أو رجل مسنّ يطفئ المكيف بعد قليل قائلاً إن البرودة تكفي، أو يؤجل تشغيله حتى تشتدّ الحاجة؟ وكم من كبار السن يفضّلون احتمال التعب على أن يشعروا بأنهم يثقلون على ميزانية البيت؟ هذا البعد النفسي والاقتصادي لا يظهر في خرائط الطقس، لكنه من صلب فهم كيف يمرّ الحر على الفئات الهشة. فالمشكلة ليست فقط في وجود الأجهزة، بل في حرية استخدامها من دون خوف.

كذلك لا ينبغي إغفال أثر الوحدة أو محدودية الدعم الأسري. فجزء من كبار السن في كوريا يعيشون منفردين أو مع شريك مسنّ، وهي ظاهرة تتزايد في مجتمع يشهد شيخوخة سريعة وتراجعاً في حجم الأسر التقليدية. حين يكون المسنّ وحده، يصبح اتخاذ قرار بسيط مثل الذهاب إلى مركز تبريد أو طلب المساعدة قراراً أثقل مما يبدو. وليس مستغرباً أن يتحمّل بعضهم الحر في صمت داخل البيت، بدلاً من إعلان حاجته أو تغيير روتينه.

هنا يتقاطع الاجتماعي مع الثقافي. فالمجتمعات الآسيوية، ومن ضمنها الكورية، تمنح قيمة عالية لتحمّل المشقة وضبط النفس وعدم إزعاج الآخرين. وهذه فضائل محمودة في سياقات كثيرة، لكنها قد تتحوّل في ظروف قصوى إلى سبب إضافي لتأخر طلب النجدة أو التقليل من خطورة الوضع الصحي. لذلك فإن التعامل مع موجات الحر يحتاج إلى ما هو أكثر من أجهزة وتكييفات؛ يحتاج إلى سياسات تلتقط السلوك البشري نفسه، وتفهم أن بعض الأكثر عرضة للخطر هم أحياناً الأقل طلباً للمساعدة.

وإذا كانت درجات الحرارة القياسية قد سلّطت الضوء على أزمة السكن القديم، فإنها كشفت أيضاً أزمة طاقة معيشية صامتة. لأن النقاش لا يدور حول انقطاع الكهرباء أو غيابها، بل حول القدرة على استهلاكها بطمأنينة. هذه نقطة فارقة، وهي تذكّر بأن الفقر في المدن الحديثة لا يكون دائماً فقر حرمان كامل، بل فقر استخدام: تمتلك الأداة لكنك لا تستخدمها بما يكفي؛ تسكن في المدينة لكنك لا تنعم بخدماتها على قدم المساواة؛ وتعيش في دولة متقدمة لكنك تظلّ مكشوفاً أمام أقسى اختبار مناخي.

ثلاث دقائق إلى المأوى: لماذا تصنع الملاجئ العامة فرقاً حقيقياً؟

وسط هذا المشهد القاسي، تبرز في تشانغوون صورة تبدو بسيطة لكنها شديدة الدلالة: مسنّ في الثمانين من عمره ينهي بعض أعمال المنزل صباحاً، ثم يتوجه إلى مركز قريب مخصص كملجأ من الحر، لا يبعد عن بيته سوى ثلاث دقائق سيراً. هذه الدقائق القليلة، التي قد تبدو تافهة في الحساب النظري، تغيّر في الواقع شكل اليوم كله. صحيح أن الطريق القصير نفسه قد يكون مرهقاً تحت شمس حارقة، لكن وجود مساحة مكيّفة وقريبة ومفتوحة بلا كلفة تقريباً يمنح صاحبها هامشاً من الاختيار والكرامة معاً.

في كوريا الجنوبية، تُعدّ "ملاجئ الحر" أو مراكز الاستراحة المكيّفة جزءاً من استجابة الحكومات المحلية لمواسم الحر الشديد. وهي أماكن عامة، مثل مراكز كبار السن أو المرافق المجتمعية، تُفتح ليستريح فيها الناس خلال الساعات الأكثر قسوة. في مقاطعة جنوب غيونغسانغ، التي تقع فيها تشانغوون، تقرر تمديد ساعات عمل هذه المراكز حتى العاشرة مساءً في أيام الأسبوع، وفتح بعضها في عطلات نهاية الأسبوع أيضاً. هذه الخطوة تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها من منظور الحياة اليومية تعني الكثير.

فحين يستمرّ الحر حتى المساء، لا تكفي نافذة هروب قصيرة في منتصف النهار. المطلوب مساحة تسمح للناس بأن يؤخروا العودة إلى بيوت تختزن الحرارة، وأن ينظّموا يومهم وفق درجات الحرارة لا وفق ساعات الدوام الرسمية. وهذا درس مهم جداً لمدن عربية تعيش واقعاً مشابهاً في فصول الصيف: ليس المهم الإعلان عن وجود قاعة مكيّفة فحسب، بل جعلها قابلة للاستخدام فعلاً، من حيث الوقت، والقرب، وسهولة الدخول، وملاءمتها لكبار السن والمرضى.

اللافت أيضاً أن فعالية هذه المراكز لا تُقاس بعددها فقط. فمن السهل على أي إدارة محلية أن تعلن رقماً كبيراً عن المرافق المفتوحة، لكن السؤال الأهم هو: هل يستطيع الناس الوصول إليها؟ وما المسافة التي يقطعونها؟ وهل الطريق إليها مظلل وآمن؟ وهل يستطيع المسنّ الجلوس فيها من دون شعور بالحرج أو الحاجة إلى شراء شيء أو تسجيل معقد؟ في تجربة تشانغوون، تتضح قيمة البعد المكاني الصغير. ثلاث دقائق سيراً قد تكون الفرق بين ملجأ قابل للاستخدام وملجأ موجود على الورق فقط.

هناك معنى آخر لا يقل أهمية: هذه المراكز لا تنقذ الجسد من الحرارة فحسب، بل تحمي الإيقاع الاجتماعي من الانهيار. المسنّ الذي يغادر البيت إلى مكان مألوف في الحيّ لا يشعر بأنه اقتُلع من حياته أو أُودع في مكان طارئ، بل يواصل يومه في نطاقه اليومي المعتاد. وهذا ما يمنح الاستجابة طابعاً إنسانياً لا إغاثياً فقط. إنّه تبريد يحفظ الاستقلال الشخصي، لا مجرد إيواء مؤقت.

من تشانغوون إلى سيول: مدينة كاملة تغيّر إيقاعها

ما يحدث في تشانغوون ليس حالة معزولة. ففي اليوم نفسه، شهدت مناطق مختلفة من كوريا الجنوبية ارتفاعات حادة في الحرارة، بينها مدينة يانغسان التي سجّلت 42.5 درجة مئوية، وهو رقم غير مسبوق منذ بدء الرصد المناخي الحديث في البلاد مطلع القرن العشرين. هذا الرقم ليس مجرد سابقة أرشيفية، بل إشارة إلى أن جنوب كوريا يدخل عتبة جديدة من التطرف الحراري، عتبة تُرغم المدن على إعادة التفكير في تفاصيل قديمة كانت تبدو محسومة: كيف تُستخدم الأرصفة؟ متى يخرج الناس؟ أين يجلسون؟ وكم ساعة يستطيع البيت أن يبقى صالحاً للمعيشة من دون تبريد فعّال؟

في سيول، العاصمة التي ترمز إلى الحداثة والكثافة الحضرية، رُفعت التحذيرات من الحر إلى مستوى أشد، وبدأت السلطات إجراءات خاصة لمتابعة السكان في مساكن شديدة الهشاشة، من بينها ما يُعرف بـ"غرف الجوكبانغ" أو الغرف الصغيرة جداً المتلاصقة، وهي نمط سكني حضري شديد الضيق يسكنه غالباً أصحاب الدخل المتدني وكبار السن وبعض من يعيشون بمفردهم. هذا النمط السكني، وإن بدا بعيداً عن صورة الأبراج اللامعة، يكشف أن المدينة العالمية نفسها تحتوي طبقات من الضعف قد لا يراها الزائر العابر.

وفي مدن أخرى، تغيّر إيقاع الشوارع. مناطق تجارية يفترض أن تضج بالمارة بدت أكثر هدوءاً تحت وطأة الحر، بينما انتقلت الحركة إلى الداخل، إلى المراكز التجارية والمكتبات والمرافق المكيفة. بهذا المعنى، تعيد موجة الحر توزيع الحياة الحضرية. لم تعد المسألة مرتبطة فقط براحة فردية، بل بتحول جماعي في أنماط الاستهلاك والتنقل والعمل. الشارع يفرغ في ساعات كانت حتى وقت قريب طبيعية، والمكان الآمن يصبح هو المكان المكيف، لا المكان المفتوح.

هذا التحول قد يبدو مألوفاً للعرب الذين اعتادوا في بلدان خليجية أو صحراوية مثلاً على قلب مواعيد الحياة صيفاً، بحيث تتراجع الحركة نهاراً وتنتعش ليلاً. لكن في كوريا الجنوبية، حيث لم يكن هذا النمط بالحدّة نفسها في العقود الماضية، تبدو التغيرات أكثر لفتاً للانتباه. نحن أمام بلد يعيد ترتيب علاقته بالصيف، لا باعتباره فصلاً حاراً فحسب، بل باعتباره تحدياً بنيوياً يتطلب تعديلاً في إدارة المدينة نفسها.

ولا يقتصر الأثر على الأحياء السكنية. حتى الفعاليات الرياضية والحياة العامة تتأثر، بما في ذلك تأجيل أو إلغاء أحداث بسبب الحر. حين تصل درجات الحرارة إلى هذا المستوى، فإن المدينة كلها تدخل في وضع احتراز غير معلن: المدارس تراجع أنشطتها، البلديات توسّع إجراءات الرش والتظليل، والأسر تعيد التفاوض مع أبنائها وكبارها حول الخروج والعودة والراحة. ما نراه إذاً ليس مجرد صيف قاسٍ، بل إعادة كتابة لجدول الحياة المدنية.

الدرس الأعمق: أزمة مناخ أم أزمة عدالة حضرية؟

من السهل أن تُقدَّم هذه القصة على أنها إنذار مناخي جديد، وهذا صحيح. لكن الاقتصار على هذا الوصف يحجب نصف الحقيقة. فموجة الحر في كوريا الجنوبية هي أيضاً قصة عدالة حضرية واجتماعية. من يملك بيتاً حديثاً معزولاً جيداً، ومن يعيش على مقربة من مركز تبريد، ومن يستطيع دفع فاتورة الكهرباء بلا قلق، لا يعيش الصيف نفسه الذي يعيشه مسنّ في حيّ مرتفع وبيت قديم. الحرارة واحدة في النشرة، لكنها ليست واحدة في التجربة.

هذا التفاوت هو ما يجعل النقاش حول التكيّف مع المناخ أكثر تعقيداً من مجرد زيادة عدد أجهزة التكييف. فالحلول الفعّالة تبدأ من السكن: ترميم البيوت القديمة، تحسين العزل، دعم الفئات الفقيرة في فواتير الطاقة، وتخطيط أحياء تكون فيها الخدمات الأساسية على مسافة قصيرة. كما تمرّ عبر الرعاية: أن تعرف البلديات من هم الأكثر هشاشة، وأن تتواصل معهم قبل أن تتحول موجة الحر إلى مأساة صحية. وفي ذلك درس يهمّ القارئ العربي أيضاً، لأن مدننا تواجه الأسئلة نفسها بدرجات متفاوتة.

المهم هنا أن كوريا الجنوبية، رغم تقدمها، تكتشف أن البنية الحديثة وحدها لا تكفي حين يضرب المناخ الفئات التي عاشت خارج دوائر الرفاه الكاملة. وقد يكون هذا من أكثر أوجه "الموجة الكورية" الاجتماعية إثارة للتأمل من منظور عربي: البلد الذي صدّر للعالم صور الابتكار والانضباط يجد نفسه مضطراً اليوم إلى إعادة الاعتبار لفكرة بسيطة جداً، هي أن أقوى بنية تحتية قد تبدأ من غرفة عامة باردة وقريبة، مفتوحة أمام من يحتاج إليها من دون شروط معقّدة.

هنا تبرز قيمة السياسات الصغيرة التي تبدو متواضعة في لغة الأرقام، لكنها عظيمة في أثرها الفعلي: تمديد ساعات مراكز الاستراحة، فتحها في عطلة نهاية الأسبوع، تيسير الوصول إليها، ومخاطبة كبار السن بلغة تحثّهم على الاستخدام لا على التحمّل. وفي هذه التفاصيل ما يذكّرنا بأن الإدارة الرشيدة لا تُقاس بما تعلنه فقط، بل بما تغيّره في حياة الناس خلال أشدّ الأيام وطأة.

وإذا كان رقم 42.5 درجة في يانغسان قد دخل السجلّات بوصفه حدثاً استثنائياً، فإن الصورة الأبلغ ربما تأتي من مكان أصغر وأهدأ: مسنّ يقطع ثلاث دقائق تحت شمس لاهبة كي يصل إلى مركز قريب يلتقط فيه أنفاسه. في تلك المسافة القصيرة تختصر كوريا الجنوبية تحدياً عالمياً كبيراً: كيف نجعل النجاة من الحر حقاً يومياً عادياً، لا امتيازاً جغرافياً أو طبقياً؟ وكيف نعيد تصميم مدننا بحيث لا يُترك الأضعف وحده في مواجهة صيف يزداد قسوة عاماً بعد عام؟

ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟

قد يتساءل بعض القراء: لماذا ينبغي أن نهتم، عربياً، بموجة حر في مدينة كورية بعيدة؟ الجواب أن المسافة الجغرافية لا تُلغي القرب في الأسئلة. مدن عربية كثيرة تعرف اليوم صيفاً أطول وأشد، وتعرف أيضاً أحياء قديمة، وسكاناً مسنين، وفوارق طبقية في القدرة على التبريد، وشوارع تتبدل حركتها تحت وطأة الحر. من هنا، تبدو التجربة الكورية مرآة مفيدة أكثر منها مجرد خبر خارجي. إنها تقدّم مثالاً واضحاً على أن التحدي المناخي لا يخص الصحارى وحدها، ولا الدول الفقيرة وحدها، بل يطال أيضاً مجتمعات صناعية متقدمة حين تتلاقى درجات الحرارة القصوى مع هشاشة السكن والشيخوخة الديموغرافية.

في النقاشات العربية حول المناخ، كثيراً ما يُركَّز على المياه والطاقة والزراعة، وهي ملفات أساسية بلا شك. لكن قصة تشانغوون تذكّرنا بملف لا يقلّ أهمية: حق الناس في الراحة الحرارية داخل المدينة. أي الحق في أن يجد الإنسان، وخصوصاً المسنّ والفقير، مكاناً قريباً وآمناً وبارداً يمكنه اللجوء إليه من دون مشقة أو كلفة. هذا ليس ترفاً، بل جزء من الحق في الصحة والحياة الكريمة.

كما تقدّم هذه القصة درساً إعلامياً أيضاً. فالصحافة حين تغطي موجات الحر لا يكفي أن تكرر التحذيرات العامة أو تسرد الأرقام القياسية. الأهم أن تذهب إلى أثر الحرارة في البيوت والأجساد والإيقاع الاجتماعي: ماذا يحدث لكبار السن؟ كيف تتبدل حركة الشارع؟ ما الذي يعنيه ارتفاع الفاتورة بالنسبة إلى عائلة محدودة الدخل؟ من هنا، تتحول تغطية الطقس إلى تغطية للعدالة الاجتماعية، وتصبح قصة الحرارة قصة بشر لا مجرد درجات.

ربما لهذا السبب بالذات تستحق تشانغوون أن تُقرأ عربياً. ليست مدينة سياحية في الواجهة مثل سيول أو بوسان، ولا اسمها متداولاً كثيراً في أخبار الثقافة الشعبية. لكنها تكشف اليوم بوضوح ما تحاول دول كثيرة تجنّب الاعتراف به: أن المستقبل المناخي وصل بالفعل، وأن اختباره الحقيقي لا يكون في المؤتمرات، بل في البيت القديم، والحيّ المرتفع، والمروحة التي يتردد صاحبها في تشغيلها، والملجأ العام الذي قد ينقذ نهاراً كاملاً لأنه لا يبعد إلا ثلاث دقائق.

بين حرارة تقترب من الأربعين في تشانغوون، وذروة غير مسبوقة تجاوزت 42 درجة في يانغسان، ترسم كوريا الجنوبية ملامح صيف جديد أشدّ قسوة وأكثر تفاوتاً. وبينما تتغيّر إيقاعات المدينة وتتوسع الحاجة إلى الملاجئ العامة والتدخلات المحلية السريعة، يتأكد أن معركة الحر ليست ضد الطبيعة وحدها، بل ضد الهشاشة التي راكمتها المدن على أطرافها وبين أجيالها الأكبر سناً. وهذا، في النهاية، درس كوري بقدر ما هو درس عالمي وعربي في آن واحد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات