
من تحت الأضواء.. أزمة تتشكل في قلب الصناعة الكورية
في الوقت الذي تبدو فيه موسيقى البوب الكورية، أو ما يُعرف عالمياً بـK-pop، واحدة من أكثر الصناعات الثقافية بريقاً وتأثيراً في العالم، تكشف التطورات الأخيرة في سيول عن وجه آخر أقل لمعاناً وأكثر تعقيداً. فبحسب نقاشات دخلت البرلمان الكوري الجنوبي هذا الأسبوع، يتزايد الضغط داخل القطاع الموسيقي من أجل توسيع نطاق الإعفاءات أو الخصومات الضريبية على تكاليف الإنتاج، بحيث تشمل صناعة الموسيقى إلى جانب قطاعات أخرى مثل البث التلفزيوني والإنتاج المرئي والويب تون. وقد تقدم نائبان من الحزبين الرئيسيين في كوريا الجنوبية، أحدهما من الحزب الديمقراطي المعارض والآخر من حزب سلطة الشعب الحاكم، بمقترحين منفصلين يسيران في الاتجاه نفسه: الاعتراف بالموسيقى بوصفها صناعة محتاجة إلى دعم ضريبي منظم، لا مجرد نشاط ترفيهي قادر على تمويل نفسه من شهرة نجومه.
هذه الخطوة لا تأتي من فراغ، ولا يمكن قراءتها بوصفها تفصيلاً إجرائياً في السياسة المالية الكورية. فالقصة في جوهرها تتعلق بسؤال أكبر: كيف يمكن لصناعة حققت انتشاراً عالمياً، ونجحت في جعل اللغة الكورية مألوفة لدى ملايين الشباب من الرباط إلى الرياض ومن القاهرة إلى الدوحة، أن تعاني في الوقت نفسه من تآكل الربحية وارتفاع المخاطر على الشركات المنتجة؟ هذا التناقض يشبه، إلى حد ما، ما عرفته صناعات فنية عربية كثيرة حين كانت الأغنية تحقق صدى واسعاً في الشارع، بينما يعاني المنتجون من صعوبة استرداد التكلفة بسبب تبدل نماذج الاستهلاك، وارتفاع النفقات، واختلال التوازن بين الشهرة والعائد.
الحديث هنا لا يخص أسماء بعينها من الفرق اللامعة التي تملأ الشاشات والمنصات، بل يخص البنية التي تقف خلف هذا النجاح: شركات إنتاج، وكتّاب أغانٍ، وملحنون، وموزعون موسيقيون، ومصممو ألبومات، ومخرجو فيديو كليب، ومصممو رقصات، وفرق تصوير، وفنيون، ومصانع طباعة وتغليف. كل هؤلاء يدخلون في صناعة ما يسمى في الثقافة الكورية بـ«العودة» أو الـcomeback، وهي لحظة إطلاق عمل جديد لفنان أو فرقة، لكنها في الحقيقة ليست مجرد إصدار أغنية، بل حدث متكامل يُبنى حوله سرد بصري وتسويقي وأدائي كامل. ومن هنا، فإن النقاش الدائر في سيول ليس نقاشاً حول فاتورة تسجيل أغنية فحسب، بل حول الاقتصاد الكامل الذي يصنع هذا الوهج.
مبيعات ترتفع وأرباح تتآكل.. مفارقة الصناعة الناجحة
الأرقام التي استندت إليها المؤسسات الكورية المعنية بالمحتوى الثقافي توضح سبب القلق. فمتوسط الإيرادات السنوية لنحو 500 شركة مرتبطة بالموسيقى ارتفع من 5.32 مليارات وون في عام 2019 إلى 12.74 مليار وون في عام 2023، أي إن السوق اتسع بشكل لافت، وتدفقت الأموال بوتيرة توحي لأول وهلة بأن القطاع يعيش عصره الذهبي. لكن الصورة لا تكتمل عند الإيرادات وحدها. فمتوسط الربح التشغيلي، وهو المقياس الأكثر دلالة على قدرة الشركة على الاستمرار، انخفض من 3.92 مليارات وون في 2020 إلى 1.56 مليار وون في 2023.
هذه المفارقة معروفة جيداً في عالم الصناعات الإبداعية. قد يبدو المنتج حاضراً في كل مكان، وتزداد الضجة الإعلامية حوله، وتكبر قاعدته الجماهيرية، لكن التكاليف التي يتطلبها الحفاظ على هذا المستوى من الجودة والتنافسية قد تلتهم جزءاً كبيراً من العائد. وبالنسبة إلى K-pop، فإن النجاح العالمي لم يأتِ من فراغ، بل من استثمار كثيف في التدريب، والإنتاج الصوتي، والهوية البصرية، والإخراج، وتصميم الأداء الحركي، والترويج الرقمي، والتوزيع العالمي. وكلما ارتفع سقف توقعات الجمهور العالمي، ارتفعت معه فاتورة الحفاظ على المعايير نفسها أو تجاوزها.
في السياق العربي، يمكن تقريب الصورة إلى أذهان القراء عبر مقارنة ذلك بما يحدث في الأعمال الدرامية الضخمة خلال رمضان. فالمشاهد يرى عملاً مصقولاً على الشاشة، لكنه لا يرى دائماً ما وراءه من أجور وتقنيات وتصوير وسفر وبناء ديكورات وتسويق. النجاح الجماهيري لا يعني تلقائياً أن كل الأطراف ربحت بالقدر نفسه. وبالمنطق ذاته، فإن اتساع الحضور العالمي لـK-pop لا يضمن بالضرورة استقراراً مالياً للشركات التي تخاطر بإنتاجه، خصوصاً تلك التي لا تملك فرقاً عملاقة أو جماهير تضمن مسبقاً استرداد النفقات.
من هنا، تكتسب المقترحات الضريبية أهميتها. فهي لا تُطرح باعتبارها مكافأة لصناعة ناجحة، بل باعتبارها أداة لتخفيف الضغط عن قطاع تتضخم تكاليفه بسرعة تفوق قدرته على تحويل الشهرة إلى ربح مستدام. وهذا بالتحديد ما يفسر التوافق النادر نسبياً بين نواب من معسكرين سياسيين مختلفين على ضرورة نقل النقاش من المجال المهني إلى المجال التشريعي.
ما الذي يدخل فعلياً في تكلفة «العودة» الكورية؟
لمن يتابع K-pop من بعيد، قد تبدو الأغنية هي المنتج الأساسي. لكن في الواقع، فإن الأغنية ليست سوى العنصر الأول في حزمة إنتاجية أوسع بكثير. تكاليف الإنتاج في هذا القطاع تشمل أجور التسجيل الصوتي، واستئجار الاستوديوهات، وأتعاب المنتجين الموسيقيين، ورسوم كتابة الكلمات والتلحين والتوزيع، إضافة إلى سلسلة أخرى من النفقات المرتبطة بتحويل العمل إلى تجربة بصرية وحسية كاملة.
فيديو كليب واحد قد يحتاج إلى مواقع تصوير، وفرق إضاءة، وأزياء، وماكياج، ومونتاج، ومؤثرات بصرية. والرقصة المصاحبة للأغنية، وهي عنصر أساسي في هوية K-pop، تتطلب مصممي رقصات، ومدربين، وساعات طويلة من البروفات والتصوير. ثم تأتي عناصر الألبوم المادي، من الغلاف إلى الكتيبات والصور والبطاقات المعروفة باسم «فوتوكارد»، وهي بطاقات تحمل صور الأعضاء وتُعد جزءاً مهماً من ثقافة الاقتناء لدى جمهور K-pop.
وهنا يجدر التوقف عند نقطة ثقافية قد تبدو غير مألوفة لبعض القراء العرب. فالألبوم في K-pop ليس مجرد وسيط لسماع الأغاني، كما كان شريط الكاسيت أو القرص المضغوط في زمن سابق عربياً، بل هو منتج جامع بين الموسيقى والتصميم والهوية البصرية وقيمة الاقتناء. لهذا يشتري بعض المعجبين أكثر من نسخة من الألبوم نفسه لاختلاف محتويات الصور أو البطاقات أو التغليف. هذه المنظومة رفعت من قيمة المنتج لدى الجمهور، لكنها في المقابل رفعت أيضاً حجم الإنفاق المطلوب قبل أن يصل العمل إلى السوق.
بكلمات أخرى، فإن ما يسميه الجمهور «عودة» لفرقة أو فنان هو، من وجهة نظر الشركة المنتجة، مشروع استثماري مضغوط زمنياً يتطلب ضخ نفقات متعددة دفعة واحدة. الأغنية وحدها لا تكفي، لأن المنافسة في هذا السوق لا تُقاس بجودة اللحن فقط، بل بقدرة العمل على الحضور الشامل: صورة، وأداء، وسردية، وتفاعل جماهيري، وإمكان الانتشار عالمياً عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. وهذه المعادلة، رغم أنها صنعت فرادة K-pop، جعلت كل مشروع جديد أكثر كلفة وتعقيداً.
لماذا تخشى الصناعة على الفنانين الجدد؟
أحد أكثر الجوانب حساسية في النقاش الكوري الحالي هو ما يتعلق بالفنانين الجدد أو الفرق الصاعدة. فحين ترتفع تكلفة إنتاج العمل، ويصبح استردادها غير مضمون، تميل الشركات بطبيعتها إلى تقليل المخاطرة. وهذا يعني عملياً توجيه الموارد نحو الأسماء التي تملك قاعدة جماهيرية جاهزة، بدلاً من الاستثمار في مواهب لم تختبرها السوق بعد.
البيانات المتداولة في كوريا تشير إلى أن نسبة ملحوظة من الشركات لم تستطع استرداد حتى نصف تكاليف الإنتاج. نحو 45.9% من شركات إنتاج الألبومات، و43.6% من شركات إنتاج الموسيقى الرقمية، استعادت أقل من نصف ما أنفقته. وهذه الأرقام تشرح لماذا يتحول الحديث عن الضريبة إلى حديث عن التنوع الثقافي نفسه. فالمشكلة ليست محاسبية فقط، بل تمس مستقبل المواهب الجديدة والأنماط الموسيقية المختلفة التي تحتاج إلى فرصة كي تظهر.
في العالم العربي، يعرف العاملون في الموسيقى هذه المسألة جيداً. فالشركات، حين تضيق هوامش الربح، تميل إلى الرهان على الأسماء المضمونة أو الأغاني السريعة الاستهلاك، بينما يتراجع الاستثمار في التجريب أو في الأصوات الجديدة. وإذا استمر هذا المنطق طويلاً، يصبح المشهد أكثر فقراً وأقل قدرة على التجدد. وهذا ما تخشاه كوريا الجنوبية في قطاع يشكل جزءاً من قوتها الناعمة وصورتها الدولية.
K-pop لا يعيش على النجوم الكبار وحدهم. قوته الحقيقية في تدفق مستمر من المفاهيم الجديدة، والفرق الجديدة، والوجوه الجديدة، والخلطات الجديدة بين الموسيقى والموضة والرقص والصورة. فإذا أصبحت كلفة إطلاق فريق جديد عالية إلى درجة تردع الشركات عن المحاولة، فإن الصناعة ستدخل تدريجياً في مرحلة تحفظية، قد تضمن البقاء على المدى القصير لكنها تضعف القدرة على الابتكار على المدى البعيد.
ولذلك، ينظر كثيرون إلى توسيع الإعفاءات الضريبية بوصفه محاولة لحماية «خط الإمداد الإبداعي» للصناعة الكورية، وليس مجرد دعم للشركات الكبرى. فالسياسة الثقافية في النهاية ليست فقط ما يُعرض على المسرح، بل أيضاً ما إذا كان هناك من يستطيع تمويل المسرح نفسه، وتجهيز من سيصعد إليه غداً.
ماذا يريد النواب في سيول؟ وما الذي لم يُحسم بعد؟
المقترح المطروح حالياً في البرلمان الكوري يدور حول تعديل قانون خاص بالقيود أو الحوافز الضريبية، بحيث تُضاف صناعة الموسيقى إلى قائمة القطاعات المؤهلة لخصومات أو اعتمادات ضريبية على نفقات الإنتاج. هذه الميزة موجودة بالفعل في مجالات مثل البث والإنتاج المرئي والويب تون، وهو شكل كوري من القصص المصورة الرقمية حقق انتشاراً عالمياً واسعاً، بما في ذلك في الأسواق العربية عبر الترجمة والمنصات الإلكترونية.
فكرة المشرعين بسيطة في ظاهرها: إذا كانت الدولة تعترف بأن بعض قطاعات المحتوى تحتاج إلى دعم لتظل قادرة على المنافسة والتوسع، فلماذا تُستثنى الموسيقى، وهي من أبرز صادرات كوريا الثقافية؟ لكن ما يبدو بسيطاً سياسياً قد يتحول إلى نقاش معقد تقنياً. فالسؤال لن يكون فقط هل تُمنح الإعفاءات أم لا، بل ما هي النفقات التي ستُحتسب ضمن تكلفة الإنتاج؟ وهل يشمل ذلك الفيديو كليب؟ والرقص؟ وتصميم الألبومات؟ والبطاقات المصورة؟ وما حجم النسبة التي يمكن خصمها؟ ومن هي الشركات المؤهلة؟
حتى الآن، ما يوجد على الطاولة هو مشروعا قانون قدما بصورة منفصلة من نائبين ينتميان إلى تيارين سياسيين مختلفين. وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن القضية لم تعد مطلباً صناعياً هامشياً، بل أصبحت موضوعاً معترفاً به داخل المؤسسات التشريعية. لكن في الوقت نفسه، لا يعني طرح المشروعين أن الإعفاءات أصبحت أمراً واقعاً. فما زالت هناك مراحل نقاش، ومراجعة، وربما تعديل، قبل أن يصبح أي دعم نافذاً على الأرض.
هذا التفريق ضروري مهنياً، خصوصاً في تغطية القضايا الاقتصادية والثقافية. فالإعلان عن نية التشريع لا يساوي التشريع نفسه، والتشريع لا يساوي بالضرورة الأثر الفوري. وقد اعتادت الصناعات الإبداعية في أنحاء كثيرة من العالم، بما فيها المنطقة العربية، على أن المسافة بين إعلان النوايا وبين التنفيذ العملي قد تكون طويلة، وتتوقف على التوازنات السياسية والمالية والبيروقراطية.
ما الذي يعنيه ذلك للجمهور العربي المتابع للثقافة الكورية؟
قد يسأل القارئ العربي: لماذا ينبغي أن يعنيني نقاش ضريبي يدور في برلمان أجنبي؟ الجواب أن هذا النقاش يمس مباشرة المنتج الثقافي الذي يتابعه ملايين العرب يومياً على الهواتف والمنصات. فكل من يشاهد عودة فرقة كورية جديدة، أو ينتظر إصدار ألبوم، أو يتابع أداءً راقصاً متقناً على المسرح، هو في الواقع يستهلك نتيجة منظومة إنتاجية معقدة. وإذا تعرضت هذه المنظومة لضغط مالي شديد، فإن أثر ذلك سيظهر عاجلاً أو آجلاً على نوعية الأعمال وعددها وتنوعها.
كما أن هذه التطورات تحمل دروساً أوسع للمنطقة العربية. لقد نجحت كوريا الجنوبية في تحويل الثقافة الشعبية إلى قطاع استراتيجي يدار بقدر كبير من الاحتراف، وتدعمه بنية قانونية ومؤسسية وبحثية. وحين تظهر مشكلات في الربحية أو في الاستدامة، لا تُترك المسألة لتقديرات السوق وحدها، بل تنتقل إلى النقاش العام والبرلمان. هذا لا يعني أن النموذج الكوري مثالي، لكنه يوضح كيف تُعامل الثقافة هناك بوصفها صناعة حقيقية لها سلاسل قيمة ووظائف وعوائد ومخاطر.
في العالم العربي، كثيراً ما يجري التعامل مع الفن إما بوصفه رفاهية، أو بوصفه شأناً نجمياً مرتبطاً بالمشاهير، بينما تُهمَل البنية الاقتصادية التي تصنع المحتوى وتوفر له فرص الاستمرار. لذلك فإن الجدل الكوري يقدم زاوية مفيدة لفهم أن الأغنية اليوم لم تعد مجرد صوت ومطرب، بل اقتصاداً متكاملاً من المهارات والعمالة والتقنيات والملكية الفكرية والتسويق والتوزيع.
ومن زاوية المتابع العربي لـ«الهاليو» أو الموجة الكورية، وهي التسمية التي تشير إلى الانتشار العالمي للثقافة الكورية من دراما وموسيقى وموضة وطعام، فإن ما يجري في سيول يذكّر بأن هذه الموجة لا يحركها السحر وحده. خلفها تشريعات، ومؤسسات، وأبحاث سوق، وسياسات دعم، ونقاشات صعبة حول من يدفع الكلفة ومن يجني العائد. ربما هذا هو الوجه الأقل رومانسية، لكنه بالتأكيد الوجه الأكثر تفسيراً لسبب استمرار كوريا في المنافسة عالمياً.
بين القوة الناعمة وحسابات السوق.. اختبار جديد لاستدامة K-pop
في نهاية المطاف، تبدو القضية أبعد من مجرد خصم ضريبي. إنها اختبار لما إذا كانت كوريا الجنوبية قادرة على تحديث أدواتها السياسية والاقتصادية بما يتناسب مع التحول الذي قاد موسيقاها من سوق محلية إلى ظاهرة عابرة للحدود. النجاح العالمي رفع التوقعات من الجمهور، وزاد الضغوط على الشركات، وخلق نموذجاً إنتاجياً شديد الكثافة من حيث الإنفاق والسرعة والمنافسة. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد كافياً الاحتفاء بالأرقام الكبرى للمشاهدات أو المبيعات أو المتابعين، من دون النظر إلى ما إذا كانت الشركات التي تصنع هذا النجاح قادرة فعلاً على الاستمرار.
اللافت في هذه اللحظة أن النقاش لم يأتِ نتيجة انهيار مفاجئ، بل نتيجة إدراك مبكر لمؤشرات الخلل: إيرادات أعلى، أرباح أقل، تكاليف متصاعدة، وصعوبة في استرداد النفقات لدى شريحة كبيرة من الشركات. وهذه في العادة هي اللحظة التي تختبر فيها الصناعات الناضجة قدرتها على الإصلاح قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمة بنيوية.
بالنسبة إلى جمهور K-pop في العالم العربي، فإن المتابعة هنا لا تتعلق بالتفاصيل التشريعية وحدها، بل بمستقبل المحتوى نفسه: هل ستظل الصناعة قادرة على تقديم أسماء جديدة وأفكار جديدة؟ هل ستحافظ على ذلك التوازن بين الجودة البصرية والإنتاجية العالية وبين الجدوى الاقتصادية؟ وهل ستتمكن من حماية شبكتها الواسعة من المبدعين الذين يعملون خلف الكاميرا والميكروفون؟
الإجابة النهائية لم تتضح بعد، لأن القانون ما زال في طور الطرح والنقاش. لكن الرسالة التي تخرج من سيول اليوم واضحة: وراء كل مشهد مبهر على المسرح حسابات صعبة، ووراء كل أغنية تصل إلى قوائم الاستماع العالمية سلسلة طويلة من الاستثمارات والمخاطر. وإذا كان الجمهور يرى النتيجة في ثلاث دقائق من الموسيقى والصورة، فإن صناع القرار باتوا مطالبين بالنظر إلى ما قبل تلك الدقائق الثلاث: إلى النظام الذي يصنعها، وإلى كيفية إبقائه حياً وقادراً على التجدد.
وفي هذا المعنى، قد تكون المعركة الحقيقية لـK-pop في المرحلة المقبلة ليست فقط على قمة التصنيفات أو عدد الجوائز، بل على القدرة على بناء نموذج أكثر توازناً بين الإبداع والربح، وبين القوة الناعمة وحسابات السوق. ذلك أن الثقافة، مهما بدت طائرة في فضاء الخيال، تحتاج دائماً إلى أرض صلبة تقف عليها. والسياسة الضريبية، في الحالة الكورية الراهنة، قد تصبح جزءاً من هذه الأرض.
0 تعليقات