광고환영

광고문의환영

كوريا الجنوبية تدخل من بوابة البحر: لماذا يهمّ العالم العربي بدء سيول وسانتياغو مفاوضات قرار أممي حول مؤتمر المحيطات؟

كوريا الجنوبية تدخل من بوابة البحر: لماذا يهمّ العالم العربي بدء سيول وسانتياغو مفاوضات قرار أممي حول مؤتمر المحيطات؟

من نيويورك تبدأ الحكاية.. لكن العنوان الحقيقي هو ما قبل المؤتمر

في الأخبار الدولية، كثيراً ما تخطف القمم واللقطات الختامية والبيانات النهائية الأضواء، بينما تمرّ المراحل التمهيدية مروراً عابراً لدى الجمهور. غير أن ما جرى في مقر الأمم المتحدة في نيويورك هذه الأيام يستحق قراءة أعمق من مجرد خبر بروتوكولي. فقد بدأت كوريا الجنوبية وتشيلي إجراءات التفاوض على مشروع قرار تحضيري يتعلق بالدورة الرابعة لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمحيطات، وهو تطور قد يبدو فنياً للوهلة الأولى، لكنه في لغة الدبلوماسية متعددة الأطراف يحمل دلالة أكبر بكثير من حجمه الظاهري.

المسألة هنا ليست أن المؤتمر انعقد بالفعل، ولا أن الدول توصلت إلى اتفاق نهائي، بل إن كوريا الجنوبية اختارت أن تكون حاضرة منذ المربع الأول: مربع صياغة الإطار، وترتيب الأولويات، وتحديد اللغة التي سيتحرك ضمنها المجتمع الدولي لاحقاً. وفي عالم الأمم المتحدة، لا تقل أهمية الجملة التي تُكتب في مرحلة التفاوض الأولى عن الخطاب الذي يُلقى تحت أضواء الجلسات الرسمية. فالخلافات الكبرى بين الدول لا تظهر فقط في العناوين الصاخبة، بل في الأفعال والصفات والمصطلحات التي تُصاغ بعناية داخل مشاريع القرارات.

بحسب المعطيات المعلنة، فإن سيول وسانتياغو بدأتا التشاور مع الدول الأعضاء بهدف دفع القرار نحو التبني في الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال ديسمبر المقبل. هذا يعني أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن النجاح غير مضمون تلقائياً، لكنه يعني أيضاً أن كوريا الجنوبية لم تعد تكتفي بدور المتلقي للمعايير الدولية، بل تسعى إلى المشاركة في هندسة النقاش نفسه. وهذا فارق مهم في تقييم موقع أي دولة على المسرح الدولي.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو هذا النوع من الأخبار أقل إثارة من ملفات الحرب أو الطاقة أو الأزمات السياسية الحادة، لكن البحر بالنسبة لمنطقتنا ليس ملفاً هامشياً. من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن المتوسط إلى المحيط الأطلسي، تقوم اقتصادات عربية كاملة على الموانئ، والشحن، والثروة السمكية، والسياحة الساحلية، وأمن الممرات البحرية. ولهذا فإن أي تحرك أممي جاد يطال حماية البيئة البحرية واستخدام الموارد البحرية بشكل مستدام يستحق المتابعة الدقيقة، لا بوصفه خبراً بعيداً، بل باعتباره جزءاً من مستقبل المنطقة أيضاً.

ما هو مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات؟ ولماذا يختلف عن الاجتماعات العادية؟

مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات ليس مناسبة رمزية عابرة ولا منصة لعرض السياسات الوطنية فحسب، بل هو واحد من أبرز الاجتماعات الدولية رفيعة المستوى المخصصة لملف البحار والمحيطات. وظيفته الأساسية هي دعم تنفيذ أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتحديداً الهدف الرابع عشر المتعلق بالحياة تحت الماء، وهو الهدف الذي يدعو إلى حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام.

وربما يحتاج هذا المفهوم إلى تبسيط للقارئ غير المتخصص. فعندما تتحدث الأمم المتحدة عن “الاستخدام المستدام”، فهي لا تدعو إلى منع البشر من الاستفادة من البحر، ولا إلى فتحه بلا ضوابط أمام الاستثمار والاستغلال. الفكرة هي إيجاد توازن بين حاجتين تبدوان في أحيان كثيرة متعارضتين: حماية النظم البيئية البحرية من التلوث والاستنزاف، وفي الوقت نفسه السماح للدول والمجتمعات بالاستفادة من الثروات البحرية، سواء في الصيد أو النقل أو الطاقة أو السياحة أو الأبحاث.

هذا التوازن هو لبّ المعضلة العالمية. فالبحر ليس مجرد مساحة زرقاء على الخريطة، بل مصدر غذاء لملايين البشر، وممر رئيسي للتجارة العالمية، وخزان للتنوع البيولوجي، وساحة تنافس اقتصادي واستراتيجي متزايد. وحين يجتمع العالم لمناقشة هذا الملف، فإن القضايا المطروحة لا تكون بيئية فقط، بل تتداخل فيها اعتبارات التنمية والعدالة بين الشمال والجنوب، وحق الدول النامية في النمو، وواجب الدول الصناعية في تقليص الأضرار التاريخية التي ألحقتها بالبيئة.

من هنا تأتي أهمية القرار التحضيري الذي دخلت كوريا الجنوبية وتشيلي في مفاوضاته. فالقرار لا يكتفي بتحديد موعد أو ترتيبات تقنية، بل يساعد عملياً في رسم الملامح الأولى للنقاش: ما الذي ستكون له الأولوية؟ كيف ستُصاغ الأهداف؟ ما نوع اللغة التي ستقبل بها الدول المختلفة؟ وهل سيكون التركيز أكبر على الحماية الصارمة، أم على التنمية البحرية المتوازنة، أم على الجمع بين المسارين؟ هذه الأسئلة لا تُحسم في يوم المؤتمر، بل تبدأ من الآن.

في الصحافة العربية، اعتدنا القول إن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وهذه العبارة تنطبق تماماً على التفاوض الأممي. فبين عبارة تدعو إلى “التعهد” وأخرى تكتفي بـ“التشجيع”، مسافة سياسية وقانونية كبيرة. وبين نص يشدد على “المسؤوليات المشتركة” وآخر يراعي “الظروف الوطنية المختلفة”، تتحدد حدود الالتزام الحقيقي للدول. لذلك فإن مجرد إطلاق التفاوض على مشروع القرار يمثل خطوة مؤثرة في حد ذاتها.

لماذا تتقدم كوريا الجنوبية إلى الواجهة في الدبلوماسية البحرية؟

التحرك الكوري الجنوبي لا يمكن فصله عن صورة أوسع تتشكل منذ سنوات. فسيول، المعروفة عربياً أكثر عبر موجة الثقافة الكورية من الدراما والكي-بوب والتكنولوجيا، تحاول في الوقت نفسه توسيع حضورها في الملفات الدولية ذات الطابع المؤسسي والتنظيمي. هي تدرك أن النفوذ في القرن الحادي والعشرين لا يُقاس فقط بحجم الصادرات أو الشعبية الثقافية، بل أيضاً بالقدرة على المشاركة في وضع القواعد التي تدير الشؤون العالمية.

اختيار كوريا الجنوبية الانخراط مبكراً في التحضير لمؤتمر أممي خاص بالمحيطات يعكس هذا الطموح. فالدولة التي بنت معجزة صناعية على سواحلها وموانئها وشبكاتها التجارية تدرك أن البحر جزء من أمنها الاقتصادي ومن مكانتها العالمية. كما أن لديها مصلحة مباشرة في استقرار النظام البحري الدولي، سواء من حيث التجارة أو البيئة أو سلاسل الإمداد. ومن الطبيعي، والحال هذه، أن تسعى إلى حضور أقوى في أي نقاش أممي يتعلق بالمحيطات.

لكن الأهم من ذلك أن الدبلوماسية متعددة الأطراف تمنح كوريا الجنوبية فرصة مختلفة عن السياسة الصلبة التقليدية. ففي قضايا الأمن والعسكرة، كثيراً ما تُحاصر سيول بحسابات شبه الجزيرة الكورية وتوازنات القوى الكبرى في شرق آسيا. أما في الملفات البيئية والتنموية، فبإمكانها أن تقدم نفسها كوسيط نشط، وكدولة قادرة على الجمع بين خبرة صناعية متقدمة وحساسية متزايدة تجاه الاستدامة. وهذا النموذج يلقى قبولاً لدى عدد من الدول، خصوصاً عندما يكون النقاش بعيداً عن الاستقطابات الحادة.

من زاوية عربية، قد يذكّرنا هذا بنموذج دول تسعى إلى توسيع نفوذها عبر “دبلوماسية الملفات” لا عبر المواجهة المباشرة. أي أن الدولة تكسب وزناً إضافياً عندما تُثبت قدرتها على إدارة نقاش معقد، وجمع أطراف مختلفة، وصوغ حلول وسط قابلة للحياة. بهذا المعنى، فإن الدور الكوري الجنوبي الجاري بناؤه في ملف المحيطات ليس تفصيلاً إدارياً، بل رسالة مفادها أن سيول تريد أن تُرى كفاعل يصنع الأجندة، لا مجرد دولة تستجيب لها.

ومع أن المشهد لا يزال في بدايته، فإن قيمة التحرك الكوري تكمن في التوقيت أيضاً. العالم يمر بمرحلة تتقاطع فيها أزمات المناخ، والأمن الغذائي، واضطراب سلاسل الإمداد، والتنافس على الموارد. وفي كل واحدة من هذه الأزمات، يعود البحر إلى الواجهة: بوصفه طريقاً للتجارة، ومصدراً للغذاء، وميداناً هشاً بيئياً في آن واحد. لذلك فإن الإمساك بخيط التفاوض البحري اليوم يعادل، سياسياً، الإمساك بجزء من نقاش المستقبل.

تشيلي شريك في التفاوض.. وما معنى هذا التحالف العابر للقارات؟

اللافت في هذه الخطوة أن كوريا الجنوبية لا تتحرك منفردة، بل بالشراكة مع تشيلي. وهذا التفصيل ليس ثانوياً. فتشيلي دولة تمتلك ساحلاً طويلاً على المحيط الهادئ، ولديها خبرة ومصلحة مباشرة في قضايا البحار والموارد البحرية. وعندما تتشارك دولة آسيوية مثل كوريا الجنوبية مع دولة من أميركا اللاتينية في قيادة مسار تفاوضي أممي، فإن الرسالة تتجاوز الجغرافيا المباشرة: المحيطات قضية كونية، وليست حكراً على إقليم واحد.

في النظام الدولي، كثيراً ما تمنح الشراكات العابرة للأقاليم زخماً سياسياً أكبر للمبادرات متعددة الأطراف. فهي تساعد على كسر الانطباع بأن الملف يُدار من منظور ضيق أو لمصلحة كتلة بعينها. كما أنها تفتح المجال أمام بناء لغة وسطية يمكن أن تستوعب حساسيات مختلفة: بين الدول الصناعية والدول النامية، وبين البلدان الساحلية الثرية والبلدان التي تعاني هشاشة بيئية أو نقصاً في القدرات التقنية.

هذا النوع من الترتيبات التفاوضية يهمّ أيضاً العالم العربي، لأن معظم القضايا البيئية الدولية لا تُحسم بقوة طرف واحد، بل بقدرة بعض الدول على بناء “ائتلافات معقولة” تُقرب المسافات. وإذا نجحت كوريا الجنوبية وتشيلي في إدارة هذه المهمة بمرونة، فقد يصبح المشروع التحضيري نموذجاً لآلية تنسيق تتجاوز الاصطفافات التقليدية.

ومع ذلك، لا ينبغي المبالغة في تصوير الأمر كما لو أنه نجاح مكتمل. فالطريق إلى اعتماد قرار في الجمعية العامة يمر عبر نقاشات قد تكون شاقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصياغات تمس التنمية والتمويل والالتزامات البيئية. هناك دائماً دول تريد لغة أشد صرامة لحماية البيئة، وأخرى تطالب بمراعاة ظروفها الاقتصادية والتنموية. وبين الموقفين، يتقرر نجاح القيادة التفاوضية من فشلها.

هنا بالذات تبرز قيمة الشراكة بين سيول وسانتياغو. فإذا تمكن الطرفان من العمل بوصفهما منسقين لا مروّجين لموقف ضيق، فسيزداد احتمال أن يلتف حول النص عدد أوسع من الدول. أما إذا طغت المقاربات الفئوية أو اللغة المتصلبة، فستتحول البداية الواعدة إلى مسار بطيء أو متعثر. في الأمم المتحدة، لا يكفي أن تكون الفكرة جيدة؛ يجب أن تكون قابلة للتفاوض أيضاً.

بين حماية البحر واستغلال موارده.. العقدة التي يعرفها العرب جيداً

الملف الذي يناقشه العالم هنا ليس سهلاً من حيث المبدأ. فحماية البيئة البحرية تبدو مطلباً بديهياً، لكن ترجمتها إلى التزامات عملية تثير أسئلة شائكة: ماذا عن الدول التي يعتمد جزء من اقتصادها على الصيد؟ ماذا عن المجتمعات الساحلية الفقيرة؟ ماذا عن مشروعات الموانئ والنقل والطاقة؟ وماذا عن التلوث العابر للحدود الذي قد تُنتجه دولة بينما تدفع دولة أخرى ثمنه؟

هذه الأسئلة ليست بعيدة عن الواقع العربي. ففي منطقتنا، تعرف الحكومات والسكان معاً معنى التوتر بين التنمية والحماية. على سواحل المتوسط مثلاً، تتقاطع السياحة مع حماية الشواطئ والأنظمة البيئية. وفي البحر الأحمر، يرتبط الحديث عن الاستثمارات الكبرى والممرات البحرية بضرورة الحفاظ على الشعاب المرجانية والكائنات البحرية. وفي الخليج، يظل التلوث البحري، إلى جانب الصناعات الساحلية وحركة الملاحة الكثيفة، من الملفات الحساسة بيئياً واقتصادياً.

لهذا فإن الأجندة المطروحة في مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات تمس العالم العربي بشكل مباشر حتى لو لم يكن طرفاً في هذا الخبر بعينه. نحن أمام نقاش دولي حول كيفية التوفيق بين حق الدول في استخدام البحر وواجبها في عدم تدميره. وهذه المعادلة تُشبه، في صورتها العامة، الجدل العربي المستمر حول استثمار الموارد من دون استنزافها، وحول التنمية التي لا تتحول إلى عبء على الأجيال المقبلة.

في التعبير الثقافي العربي القديم، كان البحر مرادفاً للرزق والمغامرة والمجهول معاً. في أدب الموانئ من الإسكندرية إلى عدن، وفي حكايات الصيادين في المغرب والخليج، لم يكن البحر مجرد مشهد طبيعي، بل مساحة حياة كاملة. واليوم يعود هذا المعنى في صيغة حديثة: من يحفظ البحر، يحفظ الاقتصاد والغذاء والمجتمعات الساحلية. ومن يهمله، يفتح الباب لأزمات بطيئة لكنها عميقة الأثر.

ومن هذه الزاوية، فإن نجاح أو تعثر المفاوضات المرتبطة بالمؤتمر الأممي لن يكون مسألة تخص الدبلوماسيين وحدهم. فالمآلات النهائية لهذه القرارات تنعكس، ولو تدريجياً، على تمويل المبادرات البيئية، وعلى أولويات التعاون الدولي، وعلى طبيعة الخطاب العالمي بشأن استخدام الموارد البحرية. أي أنها، على المدى الأبعد، تؤثر في سياسات الدول وفي شروط الدعم والشراكات والالتزامات.

ما الذي بدأ فعلاً في نيويورك؟ ولماذا يجب تجنب المبالغة؟

من المهم هنا التمييز بين ما حدث فعلاً وما قد يتخيله البعض من خلال العنوان المختصر. الذي بدأ في نيويورك هو التفاوض على مشروع قرار تحضيري للدورة الرابعة من مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات. بمعنى آخر، نحن أمام بداية مسار، لا أمام نهاية قصة. لم يُعتمد القرار بعد، ولم يُحسم شكل المؤتمر بصورة نهائية، ولم تُحل الخلافات بين الدول سلفاً.

هذه النقطة أساسية لأن التغطيات السريعة قد تُغري بالمبالغة، وكأن مجرد إطلاق المشاورات يعادل تحقيق اختراق دبلوماسي كامل. الحقيقة أن المسافة بين فتح التفاوض واعتماد القرار قد تكون طويلة، وتتخللها مساومات وصياغات بديلة وتحفظات وتفاهمات متدرجة. وعادةً ما تختبر هذه المراحل قدرة الدول القائدة للمسار على التحمل السياسي والنفَس التفاوضي الطويل.

لكن في المقابل، لا ينبغي التقليل من أهمية ما جرى. ففي الأمم المتحدة، بدء التفاوض نفسه يحمل وزناً سياسياً، لأنه ينقل الفكرة من دائرة الرغبة إلى دائرة الإجراء. وعندما تكون دولة ما شريكاً في إدارة هذا الإجراء، فإن ذلك يمنحها موقعاً متقدماً في النقاش الدولي. بكلمات أخرى: الحدث ليس نهائياً، لكنه ليس شكلياً أيضاً.

ما تخطط له كوريا الجنوبية وتشيلي هو العمل مع الدول الأعضاء خلال الأشهر المقبلة، على أمل الوصول إلى اعتماد القرار في الجمعية العامة بحلول ديسمبر. وحتى ذلك الحين، سيكون السؤال الحقيقي: هل ستتمكنان من بناء نص يحقق التوازن بين الطموح البيئي والواقعية السياسية؟ وهل ستحافظان على زخم التفاوض من دون أن يتفكك تحت وطأة الأولويات المتباينة للدول؟

في العمل الصحفي المهني، لا يكفي أن نرصد البدايات، بل يجب أن نراقب ما إذا كانت هذه البدايات تتحول إلى مسارات منتجة. ولذلك فإن المتابعة في الأشهر المقبلة ستكون أهم من عنوان الانطلاق ذاته. فإذا واصلت سيول وسانتياغو إدارة الملف بهدوء وكفاءة، قد نشهد مثالاً واضحاً على كيف تصنع الدبلوماسية الهادئة نتائج تتجاوز ضجيج الأخبار اليومية.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي الآن؟

قد يسأل قارئ عربي: ما الذي يجعل خبراً عن تفاوض أممي تقوده كوريا الجنوبية وتشيلي في ملف المحيطات مهماً بالنسبة لنا؟ الجواب يبدأ من حقيقة بسيطة: العالم العربي ليس خارج خريطة البحر، بل هو في قلبها. موانئ المنطقة تربط الشرق بالغرب، والتجارة البحرية شريان حيوي لاقتصادات عربية كبرى، والأمن البحري عنصر أساسي في الاستقرار الإقليمي، والبيئة الساحلية تمس الغذاء والسياحة والعمل والاستثمار.

إلى جانب ذلك، فإن الدول العربية، كغيرها من دول الجنوب العالمي، معنية عادة بكيفية صياغة الالتزامات الدولية المتعلقة بالبيئة والتنمية. فهذه الصياغات قد تحدد لاحقاً شكل التمويل، ونقل التكنولوجيا، ودعم بناء القدرات، وموقع الاعتبارات الوطنية ضمن المعايير الكونية. وبالتالي فإن أي نقاش أممي حول المحيطات هو، ضمناً، نقاش حول العدالة في تقاسم الأعباء والمكاسب أيضاً.

وثمة بعد آخر لا يقل أهمية: هذا الخبر يقدّم صورة مختلفة عن كوريا الجنوبية في الوعي العربي. فالجمهور العربي يعرف سيول عبر الدراما، والموسيقى، والهواتف الذكية، والسيارات، ومنتجات الجمال، وربما عبر قصص النجاح الاقتصادي. لكن هذا التحرك يكشف وجهاً آخر لكوريا: وجه الدولة التي تريد أن تترك بصمتها في مؤسسات الحوكمة العالمية، وفي الملفات التي تحدد قواعد التعامل الدولي مع الموارد المشتركة.

في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، يصبح من المفيد للقارئ العربي ألا ينظر إلى الدول فقط من زاوية منتجاتها الثقافية أو الاقتصادية، بل من زاوية أدوارها المتحركة في المنظمات الدولية. فالدول التي تكتسب القدرة على صياغة التوافقات الدولية، حتى في الملفات التقنية، هي دول تبني لنفسها رأسمالاً سياسياً قد ينعكس لاحقاً في ملفات أخرى.

لهذا كله، يمكن القول إن ما بدأ في نيويورك هو أكثر من مجرد تحضير لمؤتمر. إنه اختبار مبكر لقدرة كوريا الجنوبية على لعب دور المنسق الدولي في قضية حساسة ومعقدة، واختبار أيضاً لمدى قدرة النظام متعدد الأطراف نفسه على إنتاج تفاهمات في عالم يزداد انقساماً. وبين الاختبارين، يظل البحر عنواناً جامعاً: مساحة مشتركة للبشرية، وميداناً مفتوحاً أمام الصراع والتعاون في آن واحد.

الخطوة التالية: ما الذي يجب مراقبته حتى ديسمبر؟

إذا كان الحدث الحالي يمثل افتتاحاً للمسار التفاوضي، فإن المرحلة التالية ستكون الأهم من حيث المضمون. أول ما ينبغي مراقبته هو طبيعة اللغة التي ستتبلور داخل مشروع القرار: هل ستدفع الدول نحو التزامات أوضح في حماية البيئة البحرية؟ أم ستفضّل الاكتفاء بصيغ عامة تستوعب أكبر عدد من الأعضاء؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكشف مقدار الطموح الحقيقي الكامن خلف التحرك الحالي.

المؤشر الثاني يتعلق بقدرة كوريا الجنوبية وتشيلي على جمع المواقف المختلفة داخل نص واحد قابل للحياة. فالنجاح في مثل هذه الملفات لا يقاس فقط بسرعة الاجتماعات، بل بمدى صلابة التسوية التي يتم التوصل إليها. وكلما زاد عدد الدول التي ترى نفسها ممثلة في النص، ارتفعت فرص اعتماده من دون انقسامات حادة.

أما المؤشر الثالث، فهو مدى ربط الملف البحري بأهداف التنمية المستدامة بشكل عملي لا إنشائي. فالعالم لم يعد يحتاج إلى بيانات عامة عن أهمية حماية البحار بقدر ما يحتاج إلى آليات تعاون ومتابعة ومحاسبة ودعم تقني وتمويلي. وإذا نجحت المفاوضات في تقريب هذه العناصر من بعضها، فسيكون للقرار المرتقب معنى أبعد من الجانب الإجرائي.

ويبقى المؤشر الرابع مرتبطاً بالصورة الأوسع لكوريا الجنوبية نفسها. فإذا أدارت سيول هذا المسار بكفاءة، فإنها ستعزز صورتها بوصفها دولة متوسطة القوة قادرة على تحويل خبرتها الاقتصادية ومكانتها الدولية إلى دور تفاوضي ملموس. وهذا مكسب سياسي لا يقل أهمية عن أي بيان ختامي، لأنه يتصل بالسمعة الدبلوماسية وبالثقة الدولية في قدرتها على بناء الجسور بين أطراف متعددة.

حتى ذلك الحين، لا مجال للأحكام النهائية. لكن المؤكد أن أول خيط في هذه القصة قد أُلقي في مياه الدبلوماسية الدولية، وأن متابعة تموجه في الأشهر المقبلة ستكون ضرورية لكل من يهتم بمستقبل البحر، وبأدوار الدول الصاعدة، وبكيفية صناعة التوافقات الدولية في زمن الأزمات المتشابكة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات