
حين يختار نولان العودة إلى الجذور الأولى للحكاية
في عالم السينما المعاصرة، هناك أسماء لا تُستقبل أخبارها كأخبار عادية، بل كأحداث ثقافية مكتملة الأركان. ومن بين هذه الأسماء يقف المخرج البريطاني كريستوفر نولان في مقدمة الصف، بوصفه صانع أفلام لا يكتفي بسرد قصة، بل يبني تجربة كاملة تُناقش بعد العرض، وتُفكك مشاهدها في الصحافة، وتتحول إلى مادة للنقاش بين جمهور السينما والنقاد على السواء. لذلك لم يكن مفاجئاً أن يحظى مشروعه الجديد «الأوديسة» بكل هذا الاهتمام منذ لحظة الإعلان عنه، خاصة مع تأكيد إسناد دور أوديسيوس إلى النجم الأميركي مات ديمون.
الجديد هنا لا يكمن فقط في اسم المخرج أو الممثل، بل في طبيعة المادة الأصلية نفسها. فنحن أمام عمل يستند إلى «الأوديسة»، الملحمة التي تُنسب إلى هوميروس، والتي تُعد من أقدم النصوص المؤسسة في التراث الإنساني. هذه ليست مجرد حكاية مغامرات بحرية عن ملك يريد العودة إلى بلاده، بل نصٌّ تأسيسي عن معنى البيت، والنجاة، والحنين، والسلطة، والخسارة، وما يبقى من الإنسان بعد الحرب. وإذا كان نولان قد اشتهر بأفلام مثل «إنسبشن» و«إنترستيلار»، حيث تتسع الشاشة للأسئلة الكبرى عن الزمن والوعي والمصير، فإن انتقاله الآن إلى نص كلاسيكي عمره نحو ثلاثة آلاف عام يبدو كأنه عودة إلى المنابع الأولى للدراما الإنسانية.
وبالنسبة للقارئ العربي، لا تبدو هذه القصة غريبة أو بعيدة كما قد يُخيَّل للوهلة الأولى. فالذاكرة العربية نفسها مأهولة بحكايات الترحال والعودة والتيه والاختبار. من «ألف ليلة وليلة» إلى السيرة الهلالية، ومن حكايات البحّارة في الخليج إلى سرديات العودة في الأدب الفلسطيني الحديث، نجد أن فكرة الإنسان الذي ينجو من معركة كبرى ثم يكتشف أن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد ذلك، ليست غريبة عن وجداننا. لهذا تبدو «الأوديسة» عملاً قابلاً لأن يُقرأ عربياً بعمق، لا بوصفه أثراً يونانياً قديماً فحسب، بل بوصفه مرآة لأسئلة إنسانية نعرفها جيداً.
ما يتردد حتى الآن عن الفيلم يشير إلى أن نولان لا يتعامل مع النص كمادة متحفية، بل كجسد حي يمكن أن يُبعث من جديد بلغة السينما الحديثة. وهذا هو التحدي الحقيقي: كيف تُنقل ملحمة مكتوبة في القرن الثامن قبل الميلاد إلى جمهور يعيش في زمن السرعة والمؤثرات والذكاء الاصطناعي، من دون أن تفقد روحها الأصلية؟ هنا تحديداً تتجه الأنظار إلى نولان، المخرج الذي بنى سمعته على قدرته في تحويل الأفكار الثقيلة إلى مشاهد تُرى وتُسمع وتُعاش داخل قاعة السينما.
«الأوديسة» ليست قصة حرب بل قصة ما بعد الحرب
ما يجعل «الأوديسة» مختلفة عن كثير من الحكايات البطولية أنها لا تبدأ من الانتصار بوصفه خاتمة سعيدة، بل من الانتصار بوصفه بداية مأزق جديد. أوديسيوس، بطل حرب طروادة وصاحب الحيلة الشهيرة المعروفة بـ«حصان طروادة»، لا يعود من الحرب مباشرة إلى بيته ليُكلل بالنصر والطمأنينة. على العكس، بعد عشر سنوات من القتال، يجد نفسه مضطراً إلى خوض رحلة أشد قسوة، رحلة العودة إلى مملكته إيثاكا عبر بحر مليء بالمخاطر والتأجيلات والاختبارات.
هذا التحول من «بطولة المعركة» إلى «بطولة العودة» هو ما يمنح الحكاية قوتها الاستثنائية. فالحرب، مهما كانت عنيفة، تُقدَّم غالباً في الخطاب الشعبي على أنها لحظة حسم: ينتصر طرف ويُهزم آخر. لكن «الأوديسة» تقول شيئاً مختلفاً وأكثر مرارة: الانتصار لا يعني أن الجراح التأمت، ولا أن الحياة يمكن استعادتها فوراً. هنا تبدو الملحمة معاصرة جداً، لأن العالم الحديث يعرف أكثر من أي وقت مضى أن نهاية الحرب على الورق لا تعني نهاية آثارها على الأفراد.
في الوعي العربي، يمكن التقاط هذه الفكرة بسهولة. كم من سردياتنا الثقافية والسياسية قامت على سؤال العودة المؤجلة؟ وكم من بطل في الرواية أو الشعر أو السينما العربية نجح في عبور النار، لكنه تعثر عند عتبة البيت؟ من هنا فإن مركز الثقل في «الأوديسة» ليس السيف ولا الميدان ولا صخب النصر، بل ذلك الإصرار العنيد على الوصول إلى المكان الذي يمنح الحياة معناها. ليست إيثاكا مجرد مملكة في الجغرافيا القديمة، بل رمز للمأوى، للهوية، لاستعادة الذات بعد أن مزقتها السنوات.
ويكتسب هذا المعنى قوة إضافية لأن الملحمة تقوم على مفارقة لافتة: البطل الذي قاد خطة أنهت الحرب لا يستطيع أن يفرض على البحر أن يفتح له الطريق. في الحرب كان هناك عدو واضح وخطة واضحة، أما في رحلة العودة فالمخاطر متغيرة، والقدر متقلب، والطريق نفسه يمكن أن ينقلب إلى فخ. وهذا الانتقال من عالم السيطرة إلى عالم الهشاشة قد يكون من أكثر ما سيجذب نولان درامياً، لأنه ينسجم مع انشغاله القديم بشخصيات تبدو قوية من الخارج، لكنها تواجه تصدعاتها الداخلية في العمق.
مات ديمون وأوديسيوس: بطل بوجهين لا بطل بملمح واحد
اختيار مات ديمون لأداء دور أوديسيوس يفتح باباً واسعاً للتأويل. ديمون ليس من الممثلين الذين يقوم حضورهم فقط على الكاريزما الجسدية أو الإبهار الخارجي، بل على قدرة واضحة على تجسيد التوتر الداخلي للشخصية. وهو ما يحتاجه هذا الدور بالضبط. فأوديسيوس ليس محارباً نمطياً يمكن اختزاله في القوة والشجاعة، بل هو شخصية مركبة: ملك وقائد ومخطط، لكنه أيضاً زوج وأب ورجل أنهكته السنوات ويريد فقط أن يعود.
هنا لا بد من التذكير بأن أوديسيوس، في التراث الإغريقي، اشتهر بذكائه بقدر ما اشتهر بشجاعته. وإذا كانت بعض البطولات القديمة تحتفي بعضلات البطل وسيفه، فإن «الأوديسة» تمنح مساحة أكبر للدهاء والصبر والقدرة على احتمال الطريق. ومن هذه الزاوية يبدو ديمون اختياراً منطقياً، لأنه ممثل قادر على إقناع المشاهد بأنه رجل خبر المعارك، لكنه لا يزال يحمل على وجهه تعب الأسئلة لا نشوة النصر فقط.
المثير في هذه الشخصية أن هدفها واضح منذ البداية: العودة إلى إيثاكا. لكن وضوح الهدف لا يجعل الرحلة أسهل، بل ربما يزيدها توتراً. فالمشاهد يعرف إلى أين يريد البطل أن يصل، ولذلك تصبح كل عقبة أكثر إيلاماً، وكل انحراف عن المسار أكثر ثقلاً. هذا النوع من الدراما لا يقوم على الغموض بشأن النهاية بقدر ما يقوم على شدة التعلق بالطريق نفسه: كم سيدفع البطل ثمناً لكي يقترب من البيت؟ وكم مرة سيظن أنه نجا قبل أن تنفتح أمامه هاوية أخرى؟
بالنسبة إلى ممثل مثل ديمون، فإن قوة الدور تكمن في هذا التناقض بين صورتين: صورة الرجل الذي انتصر في التاريخ، وصورة الرجل الذي لا يزال مطالباً بإثبات قدرته على الاحتمال في الحياة. والواقع أن كثيراً من البطولات السينمائية الحديثة تسقط حين تُقدَّم الشخصية باعتبارها مكتملة من البداية، بينما أوديسيوس يبدو أقرب إلى نموذج البطل الذي لا يكتمل إلا عبر الانكسار والتأجيل والخسارة. وهذا ما يجعل الرهان على الأداء التمثيلي هنا مهماً بقدر الرهان على الإخراج.
ولعل ما سيهم المشاهد العربي أيضاً هو ما إذا كان الفيلم سيقدم أوديسيوس كبطل أسطوري بعيد، أم كشخصية يمكن التعاطف معها إنسانياً. التجارب الناجحة في السينما الملحمية لا تُقاس فقط بحجم الجيوش والسفن والديكورات، بل بقدرتها على جعلنا نشعر أن مصير هذا الفرد يعنينا حقاً. وإذا نجح ديمون في حمل الشخصية بهذه الازدواجية، فقد يقدّم واحداً من أهم أدواره في السنوات الأخيرة.
نولان والملحمة: من الفضاء والزمن إلى البحر والذاكرة
جمهور نولان اعتاد على أن يدخل أفلامه وفي ذهنه توقع محدد: لن تكون المسألة مجرد حكاية تُروى بخط مستقيم، بل تجربة حسية وفكرية في آن. في «إنسبشن» دخلنا متاهة الأحلام، وفي «إنترستيلار» تمددت الأسئلة على اتساع الكون، وفي أعمال أخرى ظل الزمن عنده مادة سردية يمكن طيّها وإعادة تشكيلها. لذلك فإن توجهه إلى «الأوديسة» لا يعني أنه سيقدم نسخة كلاسيكية مدرسية من الملحمة، بل على الأرجح قراءة سينمائية تبحث عن كيفية إعادة خلق هذا العالم القديم بلغة معاصرة.
الرهان هنا مزدوج. فمن جهة، هناك المادة الأصلية التي تتمتع بهيبة النص الكلاسيكي، ومن جهة أخرى هناك توقّعات جمهور اليوم الذي يريد صورة ضخمة وتجربة غامرة، خاصة من مخرج ارتبط اسمه بقوة العرض السينمائي في الصالات الكبيرة. إذاً، التحدي ليس فقط في ترجمة الوقائع الأسطورية إلى صور، بل في إيجاد الإيقاع الذي يجعل الجمهور يعيش الرحلة وكأنها تحدث الآن، لا كأنها محفوظة في كتاب قديم.
البحر، مثلاً، قد يتحول في يد نولان إلى أكثر من خلفية طبيعية. في «الأوديسة» البحر ليس مجرد مسافة بين نقطتين، بل كائن سردي كامل: يَعِد ويُهدد، يفتح الطريق ويغلقه، يمنح الأمل ثم يسحبه فجأة. وفي الثقافة العربية أيضاً للبحر هذا الوجه المزدوج؛ فهو في الموروث الخليجي مصدر رزق وخطر في الوقت نفسه، وفي الأدب العربي الحديث فضاء للمنفى والعبور واللايقين. لذلك يُنتظر أن يكون البحر في الفيلم عنصراً مركزياً في صناعة التوتر، لا مجرد ديكور لرحلة قديمة.
ومن المرجح أيضاً أن يجد نولان في هذه الحكاية فرصة نادرة لدمج حسه البصري الواسع مع سؤال إنساني بسيط وعميق: ماذا يعني أن تعود؟ ليس إلى مكان فحسب، بل إلى نفسك أيضاً. وهذه الفكرة تناسب تماماً ما يبرع فيه المخرج حين يجعل المساحات الكبرى، سواء كانت فضاءً أو مدناً أو ساحات حرب، مرآة لاهتزاز داخلي في شخصية واحدة.
ثم إن نولان يأتي إلى هذا المشروع في لحظة أصبحت فيها السينما التجارية الكبرى متهمة أحياناً بأنها تعتمد على الضجيج أكثر من المعنى. أما «الأوديسة» فتمثل فرصة لتذكير الجمهور بأن الفيلم الملحمي يمكن أن يجمع بين الفرجة الواسعة والعمق الدرامي في الوقت نفسه. وهذه المعادلة، إذا تحققت، ستكون مكسباً للفيلم وللسينما السائدة معاً.
لماذا تبقى حكاية العودة مفهومة عربياً إلى هذا الحد؟
قد يسأل البعض: ما الذي يجعل ملحمة يونانية قديمة قريبة من القارئ العربي اليوم؟ الجواب يكمن في أن جوهر الحكاية لا يرتبط بالتفاصيل الحضارية وحدها، بل بعاطفة إنسانية شديدة الرسوخ: الرغبة في الرجوع. العودة إلى البيت، إلى العائلة، إلى المكان الأول، إلى الحياة التي نعرفها قبل أن تبتلعها الفوضى. هذه ليست فكرة غربية أو شرقية، بل من أقدم ما عرفته الإنسانية من مشاعر وسرديات.
في الثقافة العربية، لا تحتاج فكرة الحنين إلى شرح طويل. يكفي أن نتذكر مكانة «الديار» في الشعر القديم، وكيف وقف الشعراء على الأطلال لا لأنهم مولعون بالماضي على نحو رومانسي فقط، بل لأن المكان كان شاهداً على هوية مهددة بالزوال. ويكفي أيضاً أن ننظر إلى الأدب العربي الحديث، حيث صار سؤال العودة واحداً من أكثر الأسئلة تكراراً في الرواية والشعر والمذكرات. العودة هنا ليست حدثاً جغرافياً، بل تجربة أخلاقية ونفسية: هل يمكن للمرء أن يعود كما كان؟ وهل يبقى البيت هو نفسه بعد غياب طويل؟
لهذا تبدو «الأوديسة» ملحمة مفهومة عربياً بامتياز. أوديسيوس لا يبحث عن كنز جديد، بل عن استعادة ما فقده. ومشكلته ليست أنه لا يعرف الطريق، بل أن الطريق لا يتوقف عن امتحانه. وهذه بنية درامية يعرفها المتلقي العربي من نصوص كثيرة، سواء في السير الشعبية أو في حكايات المنفى أو حتى في الأعمال الدرامية التلفزيونية التي تدور حول الغياب والرجوع وتبدل الأحوال.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن الحكاية تقوم على الصبر والتحمل لا على النصر الخاطف، فإن صلتها بالوجدان العربي تصبح أوضح. فثقافتنا تميل إلى تقدير البطولة التي تُختبر بالزمن، لا باللحظة الخاطفة فقط. البطل الذي يواصل السير رغم التعب، ويصمد رغم تبدل المصائر، أقرب إلى مخيلتنا من البطل الذي يحسم كل شيء في مشهد واحد. من هنا يمكن القول إن «الأوديسة» ليست مجرد مادة عالمية، بل مادة قابلة للتوطين الثقافي في القراءة العربية من دون عناء كبير.
من ثقافة «التيزر» إلى الحدث العالمي: كيف يُبنى الترقب اليوم؟
واحدة من السمات اللافتة في استقبال الأفلام الكبرى اليوم أن الحماس لا يبدأ مع العرض الأول، بل قبل ذلك بزمن طويل. خبر اختيار الممثلين، أول صورة من موقع التصوير، ملصق رسمي، لقطة قصيرة من إعلان تشويقي، كلها تتحول إلى مادة نقاش واسعة بين الجمهور. وفي حالة نولان تحديداً، يتضاعف هذا الترقب لأن جمهوره اعتاد أن يقرأ حتى التفاصيل الصغيرة بوصفها إشارات إلى طبيعة الفيلم ورؤيته.
هذه الظاهرة ليست بعيدة عن جمهور الثقافة الكورية الذي يعرف جيداً معنى انتظار «التيزر» و«المفهوم البصري» وقراءة الرموز قبل صدور العمل الكامل. متابعو الكيبوب، على سبيل المثال، بنوا خلال السنوات الماضية ثقافة كاملة من التفاعل المسبق مع الإصدارات الجديدة: صورة واحدة قد تفتح عشرات التأويلات، وثوانٍ معدودة من الفيديو قد تتحول إلى مادة تحليل على المنصات الاجتماعية. واللافت أن جمهور السينما الكبرى بات يتحرك بالطريقة نفسها تقريباً، وإن اختلفت اللغة الفنية بين ألبوم غنائي وفيلم ملحمي.
في هذا السياق، يبدو «الأوديسة» مشروعاً مثالياً لبناء هذا النوع من الحماسة. فلدينا أصل أدبي معروف عالمياً، ومخرج يتمتع بقاعدة جماهيرية صلبة، ونجم من الصف الأول يؤدي الدور الرئيسي، ثم موضوع يملك قدرة كبيرة على إثارة الخيال البصري: الحرب، البحر، الملوك، الوحوش المحتملة، والرحلة الطويلة نحو الوطن. كل هذه العناصر تجعل من الفيلم مادة خصبة للانتظار الجماعي، حيث يصبح الترقب نفسه جزءاً من تجربة المشاهدة.
ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذا الترقب ليس مجرد ضجيج تسويقي فارغ، بل يعكس أيضاً تحوّل استهلاك الثقافة في العصر الرقمي. الجمهور لم يعد متلقياً سلبياً ينتظر المنتج النهائي، بل صار شريكاً في بناء المعنى حوله منذ المراحل الأولى. وهذا ما يمنح الأفلام الكبرى حياة أطول في المجال العام، ويجعلها حاضرة في النقاش الثقافي قبل أن تصل إلى الشاشة.
ما الذي قد يجعل «الأوديسة» أكثر من مجرد اقتباس جديد؟
تاريخ السينما مليء باقتباسات الأعمال الكلاسيكية، لكن ليس كل اقتباس ينجح في أن يبرر وجوده. أحياناً يبدو الأمر مجرد إعادة تزيين لحكاية معروفة، وأحياناً أخرى تنجح السينما في اكتشاف ما يجعل النص القديم ضرورياً للحاضر. هنا بالضبط يقف التحدي الأكبر أمام نولان: كيف يصنع من «الأوديسة» فيلماً نشعر أنه وُلد لزمننا، لا مجرد تمرين فاخر على استحضار الماضي؟
الإجابة المحتملة تكمن في زاويتين. الأولى أن الحكاية، في جوهرها، تتحدث عن الإنسان بعد الكارثة، لا أثناءها فقط. وهذا موضوع راهن بامتياز في عالم تتكرر فيه الحروب والأزمات والاقتلاعات. والثانية أن الفيلم، إذا حافظ على روح الملحمة، قد يقدم بديلاً مهماً عن كثير من البطولات المسطحة في السينما التجارية، من خلال بطل لا يُقاس بقدرته على سحق خصومه فقط، بل بقدرته على البقاء إنساناً وسط امتحانات لا تنتهي.
هناك أيضاً مسألة الشكل. نولان يعرف جيداً أن الجمهور لا يذهب إلى أفلامه بحثاً عن قصة معروفة فحسب، بل عن طريقة مخصوصة في الحكي والصورة والصوت. وإذا استطاع أن يزاوج بين ثقل النص الهوميري وطموحه البصري المعتاد، فقد ينجح في تقديم فيلم يرضي جمهور الأدب الكلاسيكي وعشاق السينما الملحمية معاً. وهذه معادلة نادرة.
في النهاية، تبقى قيمة المشروع في أنه يعيد طرح سؤال قديم بلغة جديدة: ماذا يبقى من البطل حين تنتهي الحرب؟ هل المجد كافٍ؟ هل الانتصار يساوي الخلاص؟ أم أن الرحلة الأصعب هي تلك التي تبدأ بعد تصفيق الجنود، حين يهدأ غبار المعركة ويجد الإنسان نفسه وحيداً أمام البحر، لا يريد شيئاً أكثر من أن يصل إلى البيت؟
إذا التقط نولان هذا البعد الإنساني كما ينبغي، فإن «الأوديسة» قد تكون أكثر من فيلم ضخم منتظر؛ قد تصبح عملاً يعيد إلى السينما الملحمية اعتبارها بوصفها فناً قادراً على مساءلة المصير الإنساني، لا مجرد عرض للقوة البصرية. وهذا ربما هو السبب الحقيقي الذي يجعل الخبر مهماً من الآن: لأننا لا ننتظر فقط فيلماً جديداً من نولان، بل ننتظر اختباراً جديداً لقدرة السينما على إحياء أقدم الأسئلة في قلب أكثر الشاشات حداثة.
0 تعليقات