
بوسان تفتح ورشة المستقبل في قلب صناعة تقليدية
في مدينة بوسان، عاصمة الموانئ الكورية الجنوبية وأحد أهم المراكز البحرية في شرق آسيا، يجري التحضير لتجربة تبدو وكأنها خرجت من صفحات رواية عن المستقبل، لكنها في الحقيقة تنطلق من قلب واحدة من أقدم وأشق الصناعات الثقيلة: بناء السفن. فقد أعلنت جامعة بوسان الوطنية، بالتعاون مع مؤسسات بحثية وشركات محلية وجهات صناعية عاملة في قطاع السفن، المضي في مشروع يهدف إلى تطوير واختبار روبوتات لحام تعمل بالذكاء الاصطناعي داخل حوض بناء السفن في يونغدو التابع لشركة HJ للصناعات الثقيلة.
الخبر في ظاهره تقني وصناعي، لكنه في عمقه يكشف كثيراً عن الطريقة التي تفكر بها كوريا الجنوبية في مستقبل العمل والإنتاج. نحن هنا لا نتحدث عن آلة تكرر حركة محفوظة على خط إنتاج رتيب، كما في المصانع التقليدية، بل عن ما يسمى في الأدبيات الكورية الحديثة بـ«الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، أي ذكاء اصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات على الشاشة، بل يتفاعل مع العالم المادي، يرى ويتحسس ويتخذ قراراً ويتحرك في بيئة معقدة ومتغيرة.
وهذا النوع من الذكاء يُراد له أن يدخل إلى واحد من أكثر المواقع الصناعية صعوبة وخطورة: ساحات اللحام داخل أحواض السفن، ولا سيما في المساحات الضيقة والمغلقة، أو على الكتل المعدنية المنحنية التي يتعذر على أنظمة الأتمتة التقليدية التعامل معها بسهولة. في تلك المساحات، لا تكفي الدقة النظرية، بل يحتاج العامل أو الروبوت إلى وعي لحظي بالمكان، واتزان جسدي، وقدرة على تعديل الحركة وفق شكل المعدن، وزاوية الوصلة، والظروف المحيطة.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه القصة بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة جداً من أسئلة نطرحها نحن أيضاً: كيف يمكن للصناعات الثقيلة أن تتجدد من دون أن تخسر خبرة الإنسان؟ كيف تتحول المهارة اليدوية المتراكمة عبر عقود إلى أصل رقمي قابل للنقل والتطوير؟ وكيف تستطيع دولة صناعية ككوريا أن تحافظ على تنافسيتها في زمن ترتفع فيه كلفة العمالة، وتتسارع فيه المنافسة التكنولوجية العالمية من الصين إلى أوروبا والولايات المتحدة؟
المشروع الذي يبدأ فعلياً من حوض يونغدو ليس مجرد تطوير روبوت جديد، بل اختبار لفكرة أوسع: هل يمكن تحويل «ذاكرة العامل الماهر» إلى لغة تفهمها الآلة؟ وإذا نجح ذلك، فنحن أمام تحول لا يخص كوريا وحدها، بل قد يصبح نموذجاً تحتذي به صناعات عربية تبحث بدورها عن معادلة تجمع بين الخبرة البشرية والتقنية المتقدمة.
ما الذي تفعله كوريا الجنوبية فعلياً في هذا المشروع؟
بحسب ما أعلنته الجهات المشاركة، فقد تم اختيار كونسورتيوم تقوده جامعة بوسان الوطنية ضمن برنامج حكومي مدعوم من وزارة العلوم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية، وبإشراف من وكالة تعزيز صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الكورية المعروفة اختصاراً بـNIPA. وهذا التفصيل مهم، لأن البرامج الحكومية الكورية في العادة لا تمنح التمويل لمجرد البحث الأكاديمي المجرد، بل تربط المختبر بالمصنع، والجامعة بالسوق، والتجريب بالحاجة الفعلية للصناعة.
جوهر المشروع هو بناء نموذج عملي لروبوتات لحام ذكية يمكنها العمل في أحواض السفن بعد أن تتعلم من الحركات الفعلية للحامين المهرة. الفريق لا يريد تسجيل فيديوهات توثيقية فقط، ولا يريد برمجة سلسلة أوامر ثابتة، بل يهدف إلى جمع بيانات واسعة من أرض الواقع: كيف يقف العامل؟ كيف يثبت ذراعه؟ بأي ترتيب يحرك يده؟ متى يقترب من السطح المعدني ومتى يبتعد؟ وكيف يتصرف عندما تتغير زاوية القطعة أو عندما تصبح الرؤية محدودة داخل فراغ ضيق؟
بعد ذلك، تُحول هذه التفاصيل الدقيقة إلى بيانات ثلاثية الأبعاد قابلة للمعالجة والتعلم. بمعنى آخر، تُترجم المهارة الحرفية إلى نموذج رقمي: موقع الجسد، مسار الذراع، زاوية المعصم، علاقة الحركة بالفراغ المحيط، واستجابة الحداد أو اللحام لمتغيرات العمل في اللحظة ذاتها. هذه البيانات تصبح المادة الخام التي يتدرب عليها الذكاء الاصطناعي.
المرحلة التالية تتمثل في نقل ما تعلمه النظام إلى روبوتات بشرية الشكل، أو ما يعرف بـ«الهيومانويد» ثنائية الذراعين. وهذا المصطلح قد يحتاج توضيحاً للقارئ العام: «الهيومانويد» لا يعني روبوتاً يشبه الإنسان فقط في الهيئة، بل آلة صممت لتعمل في بيئات بناها البشر أصلاً للبشر، مثل الممرات والسلالم والزوايا الضيقة وأماكن المعدات اليدوية. ولذلك، فإن استخدام روبوت ذي ذراعين في حوض بناء السفن ليس استعراضاً شكلياً، بل محاولة لجعل الآلة قادرة على التعامل مع فضاء صُمم تاريخياً للعامل الإنساني.
المكان المختار للتجربة، وهو حوض HJ في جزيرة يونغدو بمدينة بوسان، يحمل هو الآخر دلالة رمزية وصناعية. فهذه المنطقة جزء من الذاكرة الصناعية لكوريا الجنوبية، البلد الذي صعد من فقر ما بعد الحرب إلى مصاف القوى التكنولوجية العالمية عبر التصنيع الشاق والتصدير المنظم. وإذا كانت الدراما الكورية والموسيقى الكورية قد عرّفت الجمهور العربي على «الهاليو» أو الموجة الكورية الناعمة، فإن هذا المشروع يذكر بأن وراء القوة الثقافية الكورية بنية صلبة من المصانع، والموانئ، وأحواض السفن، والجامعات البحثية.
حين تتعلم الآلة من «المعلم» لا لتحل محله بل لتحفظ خبرته
أكثر ما يلفت في هذا المشروع ليس الروبوت بحد ذاته، بل الفلسفة التي تقف خلفه. في كثير من النقاشات العربية والعالمية حول الذكاء الاصطناعي، يظهر هاجس قديم بصيغة جديدة: هل ستسرق الآلة وظيفة الإنسان؟ أما في هذا النموذج الكوري، فالخطاب الرسمي والبحثي يقدّم تصوراً مختلفاً نسبياً، يقوم على أن العامل الماهر ليس عقبة أمام الأتمتة، بل هو المصدر الأساسي الذي تتغذى منه الأتمتة الذكية.
هذا المعنى يستحق التوقف عنده. فمهنة اللحام في أحواض السفن ليست وظيفة يمكن تعلمها في أيام معدودة. إنها حرفة تتراكم فيها الخبرة ببطء، مثلما كان الصنّاع المهرة في تراثنا العربي يتوارثون أسرار المهنة في النجارة وصناعة السفن التقليدية والحدادة والنقش. في البيئات البحرية العربية، من الخليج إلى البحر الأحمر، عرف الناس قديماً قيمة «الأستاذ» الذي لا يُقاس علمه بالشهادة فقط، بل بسنوات الممارسة، وبالحس العملي الذي يعرف كيف يتصرف حين لا تنفع الوصفة الجاهزة.
المشروع الكوري يحاول أن يلتقط هذا النوع من المعرفة الضمنية؛ المعرفة التي يصعب كتابتها في كتيب تعليمات. فالعامل الماهر أحياناً لا يشرح كل ما يفعله بالكلمات، لأنه يعرفه بجسده وعينه وإيقاع حركته. وهنا يأتي دور الحساسات والكاميرات والتمثيل ثلاثي الأبعاد لتحويل هذه الخبرة المتجسدة إلى بيانات منظمة. لذلك يمكن القول إن المشروع لا «يستبدل» المهارة البشرية بقدر ما «يرقمنها» ويحاول حفظها وإعادة استخدامها.
لكن هذا لا يعني أن المخاوف المهنية غير موجودة. ففي كل انتقال صناعي كبير، من المكننة إلى الروبوتات إلى الذكاء الاصطناعي، تنشأ أسئلة عن الوظائف، وإعادة التأهيل، وحدود المسؤولية بين الإنسان والآلة. غير أن ما يجعل التجربة الكورية مثيرة للاهتمام هو أنها تنطلق من واقع ديموغرافي وصناعي ضاغط: شيخوخة سكانية، ونقص متزايد في العمالة الماهرة في بعض المهن الشاقة، وحاجة إلى الحفاظ على الإنتاجية والجودة والسلامة في آن واحد.
في هذا السياق، تبدو الروبوتات الذكية أداة لسد فجوة مستقبلية بقدر ما هي وسيلة لتحسين الكفاءة. وإذا صحّ هذا التوجه، فإن قيمة العامل الماهر لن تنخفض، بل قد ترتفع، لأن خبرته تصبح المادة التي يبنى عليها النظام الذكي كله. يصبح «المعلم» هنا ليس منفذاً فحسب، بل مرجعاً معرفياً ومصدراً للبيانات وخبيراً في تدريب الآلة، حتى وإن لم يستخدم هذه المصطلحات بنفسه.
لماذا تُعد أحواض السفن بيئة مثالية وصعبة في الوقت نفسه؟
قد يتساءل البعض: لماذا لا تبدأ كوريا بهذه التجارب في مصانع سيارات أو إلكترونيات، حيث البيئات أكثر انتظاماً وأسهل للأتمتة؟ الجواب أن أحواض السفن تمثل تحدياً أعلى بكثير، ولذلك فإن النجاح فيها يفتح الباب لتطبيقات واسعة في صناعات أخرى. السفينة ليست منتجاً صغيراً متكرراً بالمقاس ذاته، بل مشروع هائل متعدد الطبقات، أشبه بمدينة معدنية عائمة قيد التشكيل. كل قطعة فيها كبيرة، ثقيلة، وأحياناً غير منتظمة في الشكل. كما أن كثيراً من عمليات اللحام يتم على أسطح منحنية، أو داخل مساحات مغلقة، أو في أوضاع جسدية مرهقة ومحفوفة بالمخاطر.
هذه الظروف تجعل الأتمتة التقليدية محدودة الفاعلية. فالروبوت الصناعي التقليدي بارع حين تكون المهمة متكررة، وموقع القطعة ثابتاً، وزاوية الحركة معروفة مسبقاً. لكن في حوض السفن، قد تتغير الظروف بسرعة، وقد يحتاج المنفذ إلى قراءة ما حوله باستمرار. ومن هنا تأتي الحاجة إلى «ذكاء» يربط الإدراك بالحركة. ليس كافياً أن تتحرك الذراع؛ عليها أن تعرف لماذا تتحرك، وإلى أين، وما الذي تغير في محيطها.
ثم هناك عامل السلامة. اللحام في البيئات الضيقة أو المغلقة من أكثر الأعمال الصناعية إجهاداً وخطورة، بسبب الحرارة، والدخان، وصعوبة التهوية، والاحتمالات المرتبطة بالشرر والمعادن الثقيلة. وإذا تمكنت الروبوتات الذكية من أداء جزء من هذه المهام أو دعم الإنسان فيها، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتسريع العمل، بل أيضاً بخفض التعرض للمخاطر المهنية.
هذه النقطة قد تكون مألوفة للقارئ العربي من خلال نقاشات جارية في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والموانئ، حيث تتجه الاستثمارات الحديثة نحو تعظيم السلامة عبر الأتمتة والاستشعار عن بعد. وكما باتت بعض الموانئ الخليجية تستخدم أنظمة ذكية لإدارة الحاويات والمخازن، فإن ما تفعله بوسان في أحواض السفن يشير إلى مرحلة جديدة: الانتقال من أتمتة العمليات إلى أتمتة «المهارة» نفسها، أو بالأحرى تمثيلها رقمياً.
واللافت أن المشروع لا يجري في مختبر معزول، بل داخل حوض إنتاج فعلي. هذه مسألة بالغة الأهمية، لأن كثيراً من التقنيات تبدو واعدة في بيئة تجريبية نظيفة، ثم تتعثر عندما تواجه واقع المصنع المزدحم والضوضاء والاهتزازات وتعقيدات المواد. أما الاختبار المباشر في موقع العمل، فيعني أن القيود الحقيقية ستُؤخذ في الاعتبار منذ اليوم الأول، وهو ما يرفع فرص تحويل الابتكار إلى ممارسة صناعية قابلة للاستدامة.
تحالف الجامعة والشركة والدولة: الصيغة الكورية التي صنعت المعجزة الصناعية
من يراقب كوريا الجنوبية عن قرب يعرف أن قوتها لا تقوم فقط على الشركات الكبرى المعروفة عالمياً، بل على منظومة متكاملة تجمع الدولة والجامعة والقطاع الخاص والمؤسسات المحلية الداعمة. والمشروع الجديد في بوسان يقدم مثالاً واضحاً على هذه الصيغة. فالكونسورتيوم يضم جامعة بوسان الوطنية، وشركة رينبو روبوتيكس المتخصصة في الروبوتات، وشركة سونغوو هاي تيك، وشركة ناشئة أسسها أكاديميون من الجامعة، إلى جانب وكالة بوسان لصناعة المعلومات، بينما توفر HJ للصناعات الثقيلة البيئة الصناعية والبيانات والخبرة الميدانية اللازمة للتجريب.
هذا التشابك ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل هو سر من أسرار النجاح الكوري. في العالم العربي كثيراً ما يُطرح سؤال عن الفجوة بين الجامعة وسوق العمل، أو بين الباحث والمصنع، أو بين الابتكار والتمويل. أما في هذه الحالة، فالمعادلة تبدو أوضح: الجامعة تبني النموذج المعرفي، الشركة تحول النموذج إلى آلة، الجهة الصناعية توفر التحدي الواقعي والاحتياج، والدولة تمول وتنسق وتدفع باتجاه التطبيق.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تستمر كوريا في إنتاج مبادرات تكنولوجية ليست معزولة عن الاقتصاد الفعلي. فهي لا تطور الذكاء الاصطناعي فقط من أجل الإبهار أو السباق الدعائي، بل تربطه بقطاعات استراتيجية مثل بناء السفن، وهو قطاع يمنحها ثقلاً عالمياً في التجارة والصناعة والتصدير. فحين تتحرك دولة صناعية في هذا المستوى، فإنها لا تراهن على تقنية منفردة، بل على سلاسل قيمة كاملة: من البيانات إلى البرمجيات، ومن الروبوتات إلى التصميم الهندسي، ومن التدريب إلى التشغيل والصيانة.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم اهتمام الحكومة الكورية بما يسمى «التحول بالذكاء الاصطناعي» للصناعات التقليدية. فبدلاً من الفصل بين الاقتصاد القديم والاقتصاد الجديد، تسعى سيول إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في صلب الصناعات التي بنت نهضتها، مثل السفن والسيارات والإلكترونيات والآلات الدقيقة. إنها مقاربة تشبه، بصورة ما، تحديث الأسواق العتيقة من الداخل بدل هدمها وبناء شيء منفصل عنها.
بالنسبة إلى المدن العربية الساحلية التي تراهن على اللوجستيات والصناعة البحرية، من الإسكندرية إلى جدة، ومن الدار البيضاء إلى موانئ الخليج، يطرح النموذج الكوري درساً يستحق التأمل: التطوير الحقيقي لا يبدأ دائماً من التطبيقات الاستهلاكية التي تجذب الأنظار، بل من تحسين ما يجري في الورش والموانئ والمصانع، حيث تتحدد القدرة التنافسية للدول على المدى الطويل.
المفهوم الكوري لـ«الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» ولماذا يهم القارئ العربي؟
مصطلح «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» قد يبدو أكاديمياً أو غامضاً، لكنه في الحقيقة قريب من حياتنا أكثر مما نتصور. الفكرة ببساطة هي أن الذكاء الاصطناعي لا يبقى محصوراً في النصوص والصور والشاشات، بل ينتقل إلى الأجسام والآلات التي تتحرك في العالم الحقيقي. إنه عقل رقمي مرتبط بجسد ميكانيكي، يستطيع أن يرى محيطه عبر الكاميرات والمستشعرات، وأن يترجم الفهم إلى حركة فعلية.
إذا أردنا تقريب الصورة إلى ذهن القارئ العربي، يمكن تشبيه الفرق بين النوعين بالفرق بين من يشاهد وصفة طبخ على الهاتف، وبين طاهٍ محترف يطبخ فعلياً في مطبخ مزدحم بالنار والسكاكين والأواني والوقت الضاغط. في الحالة الأولى هناك تحليل وفهم نظري، أما في الثانية فهناك تنفيذ ضمن واقع مادي متغير. المشروع الكوري يقع بوضوح في الحالة الثانية.
أهمية ذلك تتجاوز اللحام. فإذا نجح هذا النوع من النماذج، فقد نراه لاحقاً في الصيانة الصناعية، أو الإنقاذ، أو بناء الهياكل، أو إدارة المستودعات، أو حتى في خدمات الرعاية المساندة في المجتمعات المتقدمة بالعمر. لذلك، فإن ما يحدث في بوسان ليس حدثاً محلياً فقط، بل مؤشر على اتجاه عالمي تتسابق فيه الدول الصناعية لتحويل الذكاء الاصطناعي من أداة تحليل إلى قوة عمل مادية.
ومن الزاوية الثقافية، ينسجم هذا التحول مع صورة أوسع لكوريا الجنوبية اليوم. فخلف شهرة الدراما الكورية والفرق الموسيقية والأطعمة التي باتت مألوفة في المدن العربية، هناك بلد يعيد تصدير نفسه أيضاً بوصفه مختبراً للمستقبل الصناعي. وربما هذه إحدى السمات اللافتة للموجة الكورية في نسختها الأحدث: لم تعد مقتصرة على الثقافة الشعبية، بل باتت تشمل نماذج في الإدارة الحضرية والتعليم والتقنية والتصنيع الذكي.
وهذا مهم إعلامياً أيضاً. فالاهتمام العربي بكوريا غالباً ما يُختزل في الثقافة والترفيه، بينما تحمل القصص الصناعية الكورية بعداً لا يقل إثارة، لأنه يكشف كيف تتكون القوة الناعمة أصلاً فوق قاعدة صلبة من العمل المنظم والاستثمار في البحث والتطوير. ومن دون هذه القاعدة، ما كان لكوريا أن تتحول إلى اسم حاضر في الشاشات والهواتف والأسواق معاً.
ما الذي يمكن أن يتعلمه العالم العربي من هذه التجربة؟
ليس المطلوب من الدول العربية أن تستنسخ التجربة الكورية حرفياً، فلكل بلد ظروفه الاقتصادية والبشرية والمؤسسية. لكن ما يمكن استخلاصه من مشروع بوسان هو مجموعة مبادئ عملية. أولها أن الرقمنة الحقيقية لا تعني فقط إطلاق تطبيقات وخدمات ذكية للمستهلك، بل تعني أيضاً تحويل الخبرات الصناعية المتراكمة إلى أصول قابلة للقياس والتطوير. وثانيها أن الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر قيمة حين يُربط بالقطاعات الإنتاجية، لا حين يبقى شعاراً عاماً في المؤتمرات.
المبدأ الثالث هو أن المهارة البشرية ليست نقيضاً للتقنية. في مجتمعاتنا العربية، لا تزال هناك حرف وصناعات ومهن تعتمد على «اليد الخبيرة» التي يصعب تعويضها. والسؤال الأهم ليس كيف نستغني عنها، بل كيف نوثقها، ونعلمها، ونحولها إلى معرفة مؤسسية يمكن أن تنتقل بين الأجيال وتستفيد منها الأنظمة الذكية لاحقاً. من هذا المنظور، تبدو التجربة الكورية وكأنها تقول إن التحديث لا يبدأ بإلغاء الإنسان، بل بفهمه بدقة أكبر.
المبدأ الرابع يتعلق بالسياسات العامة. نجاح مثل هذه المبادرات يحتاج إلى تمويل موجه، وشراكات جادة بين الجامعات والشركات، واستعداد من المؤسسات الصناعية لفتح مواقعها وبياناتها أمام التطوير. وهذا يضع أمام صناع القرار العرب تحدياً واضحاً: هل يمكن بناء بيئات تجريبية حقيقية في الموانئ، والمناطق الصناعية، ومصانع الطاقة، وأحواض الصيانة، بحيث تصبح هذه المواقع نفسها مختبرات للابتكار؟
ثم هناك بعد اجتماعي لا ينبغي تجاهله. فكلما تقدمت الأتمتة، زادت الحاجة إلى برامج تدريب وإعادة تأهيل تضمن ألا يُترك العمال خارج المعادلة. التجربة الكورية، إن أرادت النجاح الكامل، ستحتاج بدورها إلى معالجة هذا الجانب بحساسية، لأن تحويل المهارة إلى بيانات لا يلغي ضرورة حفظ المكانة المهنية لأصحابها. وهذا درس عالمي بامتياز: لا توجد ثورة تقنية مستقرة من دون عقد اجتماعي جديد يوضح للناس مكانهم في الاقتصاد المقبل.
في النهاية، ما يجري في حوض يونغدو في بوسان ليس مجرد قصة عن روبوت يمسك بمشعل اللحام. إنها قصة عن بلد يحاول أن يحفظ خبرة عماله وهو يدفعها إلى المستقبل، وعن صناعة ثقيلة تختبر كيف يمكن للآلة أن تتعلم من الإنسان في أصعب البيئات، وعن نموذج تنموي يرى أن الابتكار لا يعيش منفصلاً عن المصنع والميناء والجامعة. وربما لهذا السبب تحديداً تستحق هذه التجربة متابعة عربية جادة: لأنها تفتح نافذة على السؤال الذي سيواجه الجميع عاجلاً أم آجلاً، وهو كيف نصنع اقتصاداً أكثر ذكاءً من دون أن نفقد الحكمة المتراكمة في أيدي البشر.
0 تعليقات