
الكتاب الكوري يدخل المشهد الياباني من باب الثقافة الهادئة
في وقت اعتاد فيه الجمهور العربي أن يربط الحضور الكوري في العالم بأغاني البوب اللامعة، والمسلسلات التي تتصدر المنصات، والأزياء ومنتجات التجميل، جاءت فعالية «K-Book in Tokyo» لتلفت الانتباه إلى وجه آخر أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا: الكتاب. فقد أعلن المركز الثقافي الكوري التابع لسفارة كوريا الجنوبية في اليابان، بالتعاون مع وكالة صناعة النشر والثقافة الكورية، إقامة الدورة الأولى من هذه الفعالية في طوكيو خلال الفترة من الرابع إلى الثالث والعشرين من الشهر الجاري، في كل من المركز الثقافي الكوري ومكتبة «دايكان ياما تسوتايا» الشهيرة.
هذه ليست مجرد مناسبة ترويجية عابرة لعرض عناوين كورية مترجمة إلى اليابانية، بل يمكن النظر إليها بوصفها مشهدًا ثقافيًا أوسع، تلتقي فيه الدبلوماسية الثقافية مع سوق القراءة، وتغادر فيه الكتب الكورية إطار التعريف الرسمي إلى فضاء التلقي اليومي لدى القارئ الياباني. فالكتاب، بخلاف الأغنية التي قد تُستهلك في دقائق، أو الحلقة الدرامية التي تُشاهد في سهرة، يحتاج إلى زمن ومرافقة وتأمل. وحين يصل الأدب الكوري إلى رفوف مكتبة يابانية معروفة، ويُعرض داخل قسم الأدب لا كمنتج غريب بل كخيار قرائي طبيعي، فإن ذلك يحمل دلالة تتجاوز عدد الكتب المعروضة أو أيام الفعالية.
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا الخبر جزءًا من التنافس الثقافي الآسيوي، لكنه في الحقيقة يهمنا أيضًا من زاوية أخرى: كيف تتحول الثقافة من موجة جماهيرية سريعة إلى حضور معرفي طويل النفس؟ هذا السؤال مطروح عربيًا منذ سنوات، كلما ناقشنا الفارق بين الشهرة الرقمية العابرة وبين بناء صورة ثقافية راسخة عبر الترجمة والنشر والمعارض والحوارات. وما تفعله كوريا اليوم في اليابان عبر الكتاب يشبه، من حيث المبدأ، ما كانت تفعله عواصم عربية تاريخية حين عبرت كتبها إلى الجوار، من القاهرة إلى بيروت إلى بغداد، فصنعت نفوذًا ناعمًا لا يقاس فقط بالمبيعات، بل بما يتركه من أثر في الوعي.
الفعالية، بحسب المعلومات المعلنة، تقدم أكثر من مئة كتاب من الأدب الكوري وكتب الأطفال والكتب المصورة التي لاقت اهتمامًا بعد ترجمتها إلى اليابانية. هذه النقطة بالذات مهمة؛ لأن الحديث هنا لا يتعلق بعنوان واحد ناجح أو كاتب نجم فحسب، بل بمشهد نشر متنوع يسعى إلى الوصول لشرائح قرائية مختلفة. وهو ما يعني أن الكتاب الكوري لا يتحرك خارجيًا بوصفه استثناءً، بل بوصفه مشروعًا ثقافيًا تتكامل فيه المؤسسات الرسمية مع الناشرين والمترجمين وأماكن العرض.
لماذا طوكيو؟ ولماذا الآن؟
اختيار طوكيو ليس تفصيلًا جغرافيًا عابرًا. اليابان بالنسبة إلى كوريا الجنوبية ليست مجرد سوق خارجية، بل هي ساحة ثقافية معقدة تتداخل فيها الجغرافيا والتاريخ والمنافسة والفضول المتبادل. البلدان جاران، وبينهما ذاكرة سياسية حساسة في بعض الملفات، لكنهما في الوقت نفسه يتشاركان فضاءً آسيويًا حديثًا، ويملكان صناعات ثقافية مؤثرة، ويعرف كل منهما أن القوة الناعمة لم تعد هامشًا تجميليًا في العلاقات الدولية، بل أداة مركزية لفهم المجتمعات والتأثير فيها.
في هذا السياق، يصبح تقديم الأدب الكوري للقارئ الياباني فعلًا يتجاوز البروتوكول. فالياباني الذي يقرأ رواية كورية أو كتابًا مصورًا مترجمًا لا يتلقى فقط نصًا أجنبيًا، بل يدخل إلى تفاصيل الحياة الكورية المعاصرة: الأسرة، المدينة، التحولات الاجتماعية، عزلة الفرد، ضغوط العمل، وتبدلات الأجيال. وهذه كلها موضوعات قد تبدو قريبة من المجتمع الياباني في بعض جوانبها، ومختلفة عنه في جوانب أخرى. ومن هنا تنشأ قوة الأدب: أنه لا يشرح المجتمع بل يجعلك تعيشه من الداخل.
أما توقيت الفعالية، فيأتي في ظل حديث متكرر عن تنامي الاهتمام الياباني بالأدب الكوري والنشر الكوري. المهم هنا أن الخطاب الصادر عن الجهة المنظمة لا يتحدث عن «موضة مؤقتة»، بل عن اهتمام متزايد بصورة مستمرة. الفارق بين الأمرين كبير. فالموضة تصعد وتهبط سريعًا، أما تراكم الاهتمام فيعني أن هناك قاعدة قراءة تتشكل، ومترجمين يعملون، وناشرين يغامرون، ومكتبات تخصص مساحة، وقراء يعودون لاقتناء المزيد.
ولعل هذا ما يجعل الخبر لافتًا على مستوى أوسع. فنحن أمام مرحلة تتقدم فيها كوريا الثقافية من الشاشة إلى الصفحة، ومن الاستهلاك الترفيهي السريع إلى علاقة أعمق بالنص والمعنى. وفي العالم العربي نعرف جيدًا هذا التحول. فقد بدأ كثير من الشباب العرب بالتعرف إلى كوريا عبر الدراما والموسيقى، ثم انتقل بعضهم إلى تعلم اللغة، ومتابعة التاريخ، وقراءة الأدب المترجم. لذلك فإن ما يجري في طوكيو ليس بعيدًا عن تجارب عربية قائمة بالفعل، وإن كانت لا تزال تحتاج إلى دعم مؤسساتي أكبر.
مسرحان لرسالة واحدة: المركز الثقافي والمكتبة التجارية
من أبرز ما يميز «K-Book in Tokyo» أنه لا يُقام في فضاء واحد، بل في مكانين مختلفين من حيث الوظيفة والرمزية: المركز الثقافي الكوري في طوكيو، ومكتبة «دايكان ياما تسوتايا». هذا الازدواج في المكان مهم للغاية؛ لأنه يكشف طريقة مدروسة في تقديم الكتاب الكوري. فالمركز الثقافي هو، بطبيعته، مؤسسة رسمية تُعرّف بثقافة بلدها، وتمنح الزائر سياقًا وتفسيرًا وتأطيرًا. أما المكتبة التجارية، فهي مكان الاختيار الحر، حيث يتجول القارئ بين العناوين ويصادف كتابًا ويشتريه لأنه شدّه فعلًا، لا لأنه جاء إلى معرض تعريف وطني.
وهنا تكمن الفكرة الأذكى في هذه الفعالية. فحين يبقى الكتاب داخل المركز الثقافي وحده، قد يُنظر إليه بوصفه جزءًا من عرض دبلوماسي أو مناسبة تعريفية محدودة. لكن حين يدخل إلى قسم الأدب في مكتبة معروفة وراقية مثل «تسوتايا»، فإنه ينتقل من خانة «التعريف بثقافة الآخر» إلى خانة «هذا أدب يمكن أن تقرأه لأنك ترغب في ذلك». هذه النقلة الدقيقة هي ما يصنع الفارق بين دعاية ثقافية وبين اندماج فعلي في السوق القرائية.
وللقارئ العربي أمثلة قريبة على هذا المعنى. فهناك فرق بين أن تُعرض الكتب العربية في جناح ثقافي ضمن مهرجان رسمي في عاصمة أجنبية، وبين أن نجد الرواية العربية مترجمة داخل الرفوف المعتادة في مكتبة كبرى في باريس أو مدريد أو إسطنبول. في الحالة الأولى، نحن أمام حدث تعريفي محترم لكنه محدود الأثر. وفي الثانية، نحن أمام دخول حقيقي إلى دورة القراءة المحلية، حيث يُحكم على الكتاب بوصفه كتابًا أولًا، لا بوصفه سفيرًا ثقافيًا فقط.
إن الجمع بين الفضاءين، الرسمي والتجاري، يوحي بأن الجهات الكورية تدرك أن بناء الحضور الثقافي في الخارج لا يتم بشعار واحد. لا يكفي أن تقول للناس إن لديك أدبًا مهمًا؛ بل يجب أن تضع هذا الأدب في المكان الذي يلتقي فيه القراء فعلًا بالكتب. وهذا درس بالغ الأهمية لأي مشروع ثقافي عربي يفكر جديًا في الترجمة إلى اللغات الأخرى: المعرض وحده لا يكفي، والمؤسسة وحدها لا تكفي، والكتاب لا ينجح خارجيًا إلا عندما يعبر من المنصة الرسمية إلى الحياة اليومية.
أكثر من مئة كتاب: ماذا تقول الأرقام عن قوة الترجمة؟
الحديث عن عرض أكثر من مئة كتاب كوري مترجم إلى اليابانية ليس مجرد تفصيل عددي. هذا الرقم، وإن بدا بسيطًا في ظاهر الأمر، يكشف عن شيء جوهري: أن الترجمة هنا ليست استثناءً نخبويًا ولا تجربة وحيدة مرتبطة باسم لامع، بل عملية تتسع لأنواع وموضوعات وشرائح عمرية متعددة. في المعرض كتب أدبية وكتب مصورة وكتب أطفال، أي أن الرهان ليس على قارئ واحد، بل على عوالم قراءة مختلفة.
هذا التنوع بالغ الأهمية في فهم كيف تبني الدول حضورها الثقافي عبر النشر. فحين تكتفي دولة ما بتصدير رواية أو اثنتين حازتا جوائز، فإنها تحصد اهتمامًا نقديًا ربما، لكنها لا تبني عادةً عادةَ قراءة مستدامة. أما حين تقدم أدبًا وسردًا بصريًا وكتبًا للأطفال ونصوصًا متباينة المزاج والأسلوب، فإنها تصنع شبكة أوسع من نقاط التماس مع القارئ. الطفل الذي يلتقط كتابًا مصورًا اليوم قد يصبح بعد سنوات قارئًا للرواية الكورية، والأب أو الأم الذين يشترون كتابًا للأطفال قد يتجهون لاحقًا إلى أقسام الأدب المعاصر.
في التجربة العربية، نعرف جيدًا أن الترجمة ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى. إنها إعادة خلق للنص داخل سياق جديد. والمترجم هنا ليس وسيطًا محايدًا فقط، بل صانع جسر ثقافي. وهذا ينطبق تمامًا على الأدب الكوري في اليابان. فالتحدي لا يتمثل في نقل اللغة فحسب، بل في إيصال الحساسية الاجتماعية، والإشارات الثقافية، والطبقات النفسية، وحتى الإيقاع الخاص بالجملة الأدبية. حين تنجح الترجمة في ذلك، يصبح الكتاب قادرًا على الحياة في لغة ثانية، لا بوصفه ظلاً للنص الأصلي، بل بوصفه نصًا مقروءًا ومؤثرًا في ثقافة أخرى.
كما أن إدراج الكتب المصورة ضمن المعروضات يلفت النظر إلى بعد آخر مهم، هو تخفيف الحواجز اللغوية عبر الصورة والسرد البصري. فهذا النوع من الكتب لا يخاطب الأطفال وحدهم، بل يشكل أيضًا بوابة مثالية لقراء جدد قد يترددون في اقتحام الأدب المترجم الطويل. ومن الناحية الثقافية، تمثل الكتب المصورة أحد أكثر الأشكال قدرة على السفر بين اللغات، لأنها تعتمد على تضافر الصورة والنص، وتمنح المتلقي مساحة أكبر للتفاعل المباشر.
ومن المهم التزام حدود ما هو مؤكد: المعلومات المتاحة تشير إلى عرض هذه الكتب المترجمة وما تحظى به من اهتمام، لكنها لا تقدم تفاصيل عن مبيعاتها أو الجوائز التي حصدتها أو قوائم الكتب الأكثر رواجًا بينها. لذلك فإن القيمة الأساسية للحدث لا تكمن في الأرقام التجارية المعلنة، بل في توسيع نقطة الالتقاء بين الكتاب الكوري والقارئ الياباني، أي في خلق بيئة يتكرر فيها الاكتشاف والقراءة والعودة إلى رف الأدب الكوري مرة أخرى.
من الهاليو إلى الأدب: كيف تتغير صورة كوريا في الخارج؟
من المفيد هنا التوقف عند مفهوم يعرفه كثير من المتابعين للشأن الثقافي الآسيوي، وهو «الهاليو» أو «الموجة الكورية». هذا المصطلح يُستخدم للإشارة إلى الانتشار العالمي للثقافة الكورية الشعبية، خاصة الموسيقى والدراما والسينما والأزياء والطعام. لكن ما نشهده اليوم في طوكيو يشير إلى مرحلة متقدمة من هذه الموجة؛ مرحلة لم تعد فيها كوريا تُستقبل فقط عبر الصورة والصوت، بل عبر النص أيضًا.
والفارق بين المرحلتين مهم. فالثقافة المرئية والمسموعة قادرة على الوصول السريع والعابر للحدود، لكن الأدب يفرض علاقة أكثر بطئًا وعمقًا. عندما يقرأ شخص رواية، فهو يمنحها ساعات من تركيزه، ويعيش داخل لغتها وإيقاعها وأسئلتها. لذلك فإن نجاح الكتاب الكوري في كسب اهتمام قارئ أجنبي يعني أن صورة كوريا في الخارج لم تعد محصورة في الواجهة اللامعة للمشاهد والأغاني، بل صارت تشمل أيضًا أسئلتها الإنسانية والاجتماعية الأكثر تعقيدًا.
هذا التطور يذكّرنا عربيًا بما كان يحدث قديمًا مع السينما المصرية والأغنية العربية في محيطهما، ثم ما يحدث لاحقًا حين ينتقل الاهتمام إلى الرواية أو الشعر أو الفكر. فالقوة الناعمة لا تكتمل عندما يحبك الجمهور لأنك مسلٍ فقط، بل عندما يقرأك ليعرفك أكثر. ومن هذه الزاوية، فإن «K-Book in Tokyo» يمثل خطوة في مسار انتقال الثقافة الكورية من الاستهلاك الجماهيري إلى الحوار المعرفي.
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية: الأدب يسمح بتقديم صورة أقل تصنعًا وأكثر تعددًا عن المجتمع. الدراما والسينما، مهما بلغت جودتهما، تتحركان داخل صناعات واسعة وحسابات جماهيرية. أما الكتاب، فيتيح مساحات أرحب للهامش، والتجريب، والأسئلة الحرجة، والتفاصيل التي قد لا تجد طريقها بسهولة إلى الإنتاج التجاري الضخم. لذلك فإن ازدياد الاهتمام بالأدب الكوري في اليابان يعني أيضًا أن القارئ الياباني يريد أن يرى كوريا من زوايا أكثر ثراءً وتعقيدًا من تلك التي تقدمها الثقافة الجماهيرية وحدها.
وهذا درس يستحق التأمل عربيًا. فحين نفكر في كيفية حضور الثقافة العربية عالميًا، لا ينبغي أن نكتفي بالمراهنة على الصورة النمطية أو النجاح الموسمي لبعض الأعمال المرئية، بل علينا أيضًا أن نسأل: أين الرواية العربية في المكتبات العالمية؟ أين كتاب الطفل؟ أين الترجمة المستمرة التي تصنع قارئًا أجنبيًا يعرف المجتمع العربي من داخله لا من عناوين الأخبار فقط؟
الحديث عن الكتب لا يكتمل من دون القراء: دور «البوك توك» في صناعة المعنى
الفعالية في طوكيو لا تقتصر على عرض الكتب، بل تتضمن كذلك جلسات «بوك توك» أو أحاديث حول الكتب. وقد يبدو هذا التفصيل ثانويًا لمن ينظر إلى المعارض من زاوية البيع والاقتناء فقط، لكنه في الحقيقة عنصر محوري في الفعاليات الأدبية العابرة للغات. فالكتاب المترجم لا يعيش على الرف وحده؛ إنه يحتاج إلى من يشرحه، ويفتح له أبواب السياق، ويقرّبه من جمهور قد لا يعرف خلفياته الثقافية والاجتماعية.
جلسات النقاش هذه تؤدي وظيفة شبيهة بما كانت تقوم به الندوات في معارض الكتب العربية الكبرى، من القاهرة إلى الشارقة إلى الدار البيضاء، حين يتحول الكتاب من سلعة مطبوعة إلى موضوع حوار حي. القارئ لا يسأل فقط: ماذا أقرأ؟ بل يسأل أيضًا: لماذا أقرأ هذا النص تحديدًا؟ ما الذي يقوله عن مجتمعه؟ كيف عالجه المترجم؟ ما الذي قد يبدو مألوفًا لي، وما الذي سيحتاج مني إلى جهد لفهمه؟
في حالة الأدب الكوري المترجم إلى اليابانية، تزداد أهمية هذه الحوارات لأن العلاقة ليست لغوية فقط، بل ثقافية أيضًا. اليابانيون قريبون جغرافيًا من الكوريين، لكن القرب الجغرافي لا يعني تطابقًا في الحساسية الاجتماعية أو في تاريخ النشر أو في طريقة تمثيل الأسرة والعمل والمدينة. ولذلك فإن «البوك توك» يخلق طبقة إضافية من الفهم، تجعل قراءة الكتاب تجربة أكثر غنى وأقل سطحية.
ومن منظور إعلامي وثقافي، يعكس إدراج هذه الجلسات رغبة في التعامل مع الكتاب بوصفه موضوعًا للنقاش لا مجرد منتج للعرض. وهذا فارق مهم. حين تُعرض الكتب فقط، يبقى التلقي فرديًا وصامتًا. أما حين تُناقش، فإنها تدخل المجال العام، وتصبح جزءًا من حديث الناس عن المجتمع والهوية والذاكرة والاختلاف. في هذه اللحظة بالذات، تبدأ الثقافة الحقيقية بالعمل.
كما أن هذا الشكل من الفعاليات يعزز فكرة المشاركة. فالقارئ لا يقف خارج الحدث متفرجًا، بل يصبح طرفًا في عملية التلقي والتأويل. وهذا ما تحتاجه كل حركة ترجمة ناجحة: قارئ يشعر أن الكتاب يخاطبه شخصيًا، لا أنه موضوع معروض خلف زجاج ثقافي أنيق. وإذا كانت الموجة الكورية قد نجحت عالميًا لأنها عرفت كيف تقترب من الجمهور، فإن الأدب الكوري يبدو اليوم سائرًا في الاتجاه نفسه، ولكن بأدوات أكثر هدوءًا وعمقًا.
ما الذي يعنيه هذا الخبر للعالم العربي؟
قد يسأل قارئ عربي: لماذا ينبغي أن نهتم بفعالية للكتاب الكوري في طوكيو؟ الجواب أن الخبر لا يخص كوريا واليابان وحدهما، بل يخص أيضًا كل من يفكر في مستقبل الثقافة والترجمة والقراءة في عالم شديد التنافس. نحن هنا أمام نموذج واضح لكيفية اشتغال القوة الناعمة حين تتجاوز ضجيج المنصات إلى البنية التحتية للمعنى: مؤسسات ثقافية، هيئات نشر، ترجمات، مكتبات، وفعاليات حوارية.
العالم العربي يملك بدوره خبرة عريقة مع الكتاب والترجمة، من «بيت الحكمة» بوصفه رمزًا تاريخيًا، إلى النهضة العربية الحديثة التي ارتبطت بالمطابع والمجلات وحركة نقل المعارف، وصولًا إلى معارض الكتب الكبرى اليوم. لكن التحدي الذي يواجهنا لا يتعلق فقط بإنتاج الكتب، بل بتدويلها والوصول بها إلى قارئ غير عربي بصورة مستمرة ومنظمة. ومن هذه الزاوية، تقدم التجربة الكورية درسًا عمليًا: النجاح الثقافي لا يكتمل إلا عندما تنتقل القصة المحلية إلى لغة أخرى من دون أن تفقد روحها.
كما أن الحدث يلفت الانتباه إلى أهمية الاستثمار في كتاب الطفل والكتاب المصور، وهما مجالان لا يزالان في حاجة إلى مزيد من العناية عربيًا إذا أردنا الحضور في الأسواق العالمية. فالطفل الذي يقرأ أدب أمة أخرى في سن مبكرة يكبر ومعه ألفة تجاه تلك الثقافة، وهذه من أعمق صور التأثير الطويل الأجل. وقد أدركت دول كثيرة هذه الحقيقة، فدعمت نشر هذا النوع من الكتب بوصفه بوابة ثقافية مبكرة لا تقل أهمية عن الرواية والفيلم.
ثم إن الخبر يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل يمكن للكتب أن تؤدي دورًا في تحسين التفاهم بين المجتمعات؟ في منطقتنا العربية، حيث تسود أحيانًا صور نمطية متبادلة بين الشعوب بسبب السياسة أو الإعلام أو البعد اللغوي، يبدو الجواب ملحًا. نعم، لا تحل الروايات محل السياسات، لكنها تمنح الناس فرصة لرؤية البشر خلف العناوين. والقراءة، في نهاية المطاف، ليست مجرد متعة أو معرفة، بل تدريب على فهم الآخر.
من هنا، فإن «K-Book in Tokyo» يمكن قراءته كخبر ثقافي صغير في ظاهره، لكنه كبير في معناه. إنه يقول إن كوريا الجنوبية تراهن على أن حضورها العالمي لا ينبغي أن يبقى رهينة الشاشات، وإن اليابان تمتلك قراء مستعدين لاستقبال هذا الحضور في صيغة أكثر عمقًا، وإن مستقبل التبادل الثقافي في آسيا، وربما في العالم، لن يُكتب فقط بالأغاني والصور، بل أيضًا بالترجمة والكتب والحوارات التي تنشأ حولها.
تبادل هادئ لكنه مؤثر: حين تصبح الرفوف جسورًا بين الشعوب
ربما أكثر ما يميز هذه الفعالية أنها لا تدّعي صخبًا استثنائيًا. ليست مهرجانًا جماهيريًا ضخمًا، ولا حفلة تملأ الشاشات، ولا حدثًا يعتمد على النجومية السريعة. إنها، ببساطة، مناسبة يلتقي فيها كتاب كوري مترجم بقارئ ياباني داخل مكانين يعرفان قيمة الثقافة: مركز ثقافي يقدم السياق، ومكتبة تمنح الكتاب فرصة أن يُختار ويُقرأ. غير أن هذا الهدوء نفسه هو مصدر أهميتها.
في عالم يميل إلى قياس كل شيء بالترند والانتشار الفوري، يذكّرنا الكتاب بأن بعض أشكال التأثير تحتاج إلى زمن. قد لا تُقاس نتائج «K-Book in Tokyo» في اليوم التالي بأرقام مدوية، لكن أثرها الحقيقي يظهر عندما يخرج قارئ من المكتبة حاملاً رواية كورية، أو حين يشارك آخر في جلسة نقاش ثم يقرر متابعة مزيد من الأدب الكوري، أو عندما تبدأ المكتبات والناشرون في ملاحظة أن هناك اهتمامًا يستحق البناء عليه. هذا هو التراكم الذي تصنع منه الثقافات حضورها العابر للحدود.
واللافت أيضًا أن الدورة الحالية هي الأولى من نوعها، وفق التسمية المعلنة. وهذا يعني أن المشروع في بدايته، وأن الرهان منصب على فتح باب يمكن أن يتوسع لاحقًا إذا وجد صداه. من السابق لأوانه الحديث عن انتظام هذه الفعالية في دورات لاحقة أو عن نتائجها المباشرة على سوق الكتاب الياباني، لكن مجرد إطلاقها بهذه الصيغة يحمل إشارة واضحة: الكتاب الكوري بات يُقدَّم كجزء من المرحلة التالية في انتشار الثقافة الكورية خارج حدودها.
للقارئ العربي، تحمل هذه الصورة معنى مألوفًا ومُلهمًا معًا. لقد عرفت مدننا كيف تصنع الكتابة جسورًا بين شعوب وثقافات عبر قرون، ونعرف أن الأمة التي تُقرأ لا تُختزل بسهولة في الأخبار العاجلة ولا في الصور النمطية. لذلك فإن مشهد الكتب الكورية على رفوف طوكيو ليس مجرد خبر آسيوي بعيد، بل تذكير عالمي بأن القصص لا تزال قادرة على السفر، وأن الترجمة لا تزال من أنبل وسائل اللقاء بين البشر، وأن القوة الناعمة، حين تنضج، تختار أحيانًا طريقًا أكثر تواضعًا وأشد رسوخًا: طريق الكتاب.
في النهاية، تبدو فعالية «K-Book in Tokyo» أقرب إلى إعلان ثقافي هادئ عن مرحلة جديدة: مرحلة تدخل فيها كوريا الجنوبية إلى قلوب القراء اليابانيين لا بالصوت والصورة فقط، بل بالجملة الأدبية والخيال والصفحة المترجمة. وبين المركز الثقافي والمكتبة، وبين المعرض و«البوك توك»، وبين الأدب وكتب الأطفال، تتشكل صورة أوسع لمستقبل التبادل الثقافي في آسيا. صورة تقول إن الرفوف، مثل المسارح والشاشات، يمكن أن تكون أيضًا ساحة لقاء بين الأمم — وربما ساحة أبقى أثرًا.
0 تعليقات