광고환영

광고문의환영

من دعم الجامعات إلى بناء حياة الشباب: كيف تحاول مقاطعة غانغوون الكورية تحويل التعليم إلى مشروع استقرار محلي؟

من دعم الجامعات إلى بناء حياة الشباب: كيف تحاول مقاطعة غانغوون الكورية تحويل التعليم إلى مشروع استقرار محلي؟

تحول لافت في سياسة الأقاليم الكورية

في كوريا الجنوبية، حيث تُقاس قوة المدن والأقاليم غالبًا بقدرتها على جذب الشباب والاحتفاظ بهم، أعلنت مقاطعة غانغوون ذاتية الحكم الخاصة إطلاق منظومة جديدة لتأهيل الكفاءات المحلية تحت اسم «غانغوون أنكور» أو ANCHOR، في خطوة تعكس تحولًا أعمق من مجرد تعديل إداري في سياسات التعليم العالي. الجديد هنا ليس اسم البرنامج بقدر ما هو الفلسفة التي يقوم عليها: الانتقال من دعم الجامعات بوصفها مؤسسات، إلى دعم الطالب بوصفه إنسانًا له مسار حياة يبدأ بالتعليم ولا ينتهي عند التخرج، بل يمتد إلى العمل والاستقرار والاندماج في المجتمع المحلي.

وبحسب ما أُعلن في مدينة تشنتشون، عاصمة غانغوون الإدارية، فإن هذه المنظومة الجديدة جاءت بعد إعادة صياغة إطار حكومي أوسع كانت وزارة التعليم الكورية قد دفعته سابقًا تحت مسمى «نظام دعم الجامعات القائم على الابتكار الإقليمي»، وهو ما يُعرف اختصارًا في كوريا باسم RISE. لكن غانغوون اختارت أن تمنح هذا التوجه طابعًا محليًا واضحًا، ينسجم مع احتياجاتها السكانية والاقتصادية، ويستجيب بصورة أكثر مباشرة للتحدي الأكبر الذي يواجه معظم المناطق خارج سيول: نزيف الشباب.

هذا التحدي ليس كوريًا صرفًا، بل يبدو مألوفًا للغاية للقارئ العربي. ففي عدد كبير من البلدان العربية، من مدن الأطراف في المغرب العربي إلى محافظات الداخل في مصر والأردن والعراق، تدور نقاشات شبيهة حول سؤال واحد: كيف نمنع الجامعة من أن تكون مجرد محطة مغادرة إلى العاصمة أو إلى الخارج؟ وكيف يمكن تحويل التعليم إلى رافعة تنمية محلية، بدل أن يصبح سلّمًا فرديًا للهجرة الدائمة؟ من هنا تبدو تجربة غانغوون ذات أهمية خاصة؛ لأنها تقدم مثالًا على محاولة ربط الجامعة بسوق العمل والهوية المحلية والاستقرار السكاني ضمن تصور واحد متكامل.

الرسالة المركزية في المبادرة الكورية الجديدة واضحة: لم يعد كافيًا أن تحصل الجامعات على تمويل، أو أن تفتتح تخصصات جديدة، أو أن تعلن عن شراكات شكلية مع الشركات. المعيار الحقيقي، وفق هذا التوجه، هو ما إذا كان الطالب قد تلقى تعليمًا مرتبطًا فعلًا باحتياجات السوق، وما إذا كان هذا التعليم قد قاده إلى فرصة عمل حقيقية، ثم إلى قدرة على البقاء والعيش في الإقليم نفسه. بهذا المعنى، نحن أمام نقلة من «سياسات المؤسسات» إلى «سياسات المسار الحياتي للشباب».

ما هو «غانغوون أنكور»؟ ولماذا يحمل هذه الدلالة؟

اختيار اسم «أنكور» ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. فكلمة Anchor في الإنجليزية تعني «المرساة»، وهي في السياق الرمزي توحي بالثبات والربط وعدم الانجراف. هذا المعنى يتناسب تمامًا مع الهدف الذي تطرحه سلطات غانغوون: تثبيت الشباب في الإقليم، وربط التعليم بفرص العمل، وربط الوظيفة بإمكانية الاستقرار طويل الأمد. وكأن المقاطعة تقول لشبابها: نريد أن تكون الجامعة مرساتكم الأولى، لكننا نريد أيضًا أن تتحول هذه المرساة إلى حياة كاملة، لا إلى محطة عابرة قبل الرحيل.

غانغوون نفسها ليست من المراكز الحضرية الكورية الأكثر صخبًا مثل سيول أو بوسان أو إنشيون. وهي معروفة عربيًا أكثر من خلال بعدها السياحي والطبيعي، لا سيما جبالها ومنتجعاتها الشتوية واستضافتها لبعض فعاليات أولمبياد بيونغ تشانغ الشتوي عام 2018. لكن خلف هذه الصورة الهادئة يوجد سؤال تنموي حاد: كيف يمكن لمنطقة ذات موارد وطبيعة وفرص صناعية وسياحية أن تضمن وجود شباب مؤهلين يعملون فيها ويواصلون بناء حياتهم داخلها؟

المبادرة الجديدة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال ثلاثة عناوين رئيسية أعلنتها المقاطعة بصراحة: «التركيز على الطالب»، و«التركيز على النتائج»، و«الربط واسع النطاق عبر الأقاليم». العنوان الأول يعني أن مركز الثقل لم يعد الجامعة كمؤسسة تتلقى التمويل وتنفذ مشروعًا ثم ترفع تقريرًا، بل الطالب الذي يجب أن يحصل على تعليم ذي معنى وفرصة فعلية. أما العنوان الثاني، أي التركيز على النتائج، فهو يعني أن نجاح البرنامج لن يُقاس بعدد الدورات التدريبية أو اتفاقيات التعاون، بل بما إذا كان الشباب قد وجدوا وظائف، وبما إذا كانوا قد استقروا في المنطقة. أما العنوان الثالث فيتجاوز حدود الإقليم الواحد، ويعكس تفكيرًا كوريًا حديثًا يقوم على التعاون بين المناطق بدل المنافسة الضيقة بينها.

في الخبر المعلن، قُدمت الأدوار بصورة مباشرة: الشركات تحدد صورة الكفاءة التي تحتاج إليها، الجامعات تترجم ذلك إلى مناهج وبرامج تدريبية، والسلطات المحلية تتولى الربط والتنسيق والدعم. هذه البنية تبدو بسيطة نظريًا، لكنها في الواقع تحمل تغييرًا عميقًا في العلاقة التقليدية بين التعليم وسوق العمل. ففي كثير من النماذج القديمة، كان الطالب يدرس أولًا ثم يبدأ لاحقًا رحلة البحث عن وظيفة في سوق غالبًا ما يشتكي أصلًا من عدم مواءمة الخريجين. أما هنا، فالفكرة هي أن يُبنى المسار التعليمي منذ البداية على حوار مباشر مع الاحتياجات الفعلية للاقتصاد المحلي.

من الجامعة إلى الوظيفة ثم إلى السكن: السلسلة التي تريدها غانغوون

اللافت في التجربة الكورية أن الحديث لم يتوقف عند حدود «التوظيف» فقط، بل امتد إلى «الاستقرار المحلي» أو ما يمكن ترجمته في السياق الكوري بعبارة الإقامة الدائمة أو العيش المستقر داخل الإقليم. وهذا عنصر بالغ الأهمية، لأن كثيرًا من السياسات العامة في العالم تنجح أحيانًا في تدريب الشباب أو حتى في تشغيلهم لفترة قصيرة، لكنها تفشل في معالجة ما يأتي بعد ذلك: هل يستطيع هؤلاء الشباب أن يعيشوا فعليًا في المنطقة؟ هل توجد مساكن مناسبة؟ هل البيئة الاجتماعية والخدمية مشجعة؟ هل يشعر الشاب أن مستقبله الشخصي والعائلي يمكن أن يُبنى هناك؟

في العالم العربي، نعرف جيدًا أن الوظيفة وحدها لا تكفي دائمًا لصناعة الاستقرار. فكم من شاب حصل على عمل، لكنه ظل مضطرًا إلى الهجرة الداخلية بسبب كلفة السكن أو ضعف الخدمات أو انعدام الأفق الاجتماعي؟ هذا بالضبط ما تحاول غانغوون أن تلتفت إليه مبكرًا. فالمقاطعة تقول إنها ستدفع في اتجاه توسيع البرامج التعليمية المرتبطة بالتوظيف، إلى جانب مشاريع دعم الاستقرار المحلي. أي أن السياسة لا تنظر إلى الشاب باعتباره «رقمًا» في بيانات البطالة، بل باعتباره شخصًا يحتاج إلى سلسلة متكاملة: تعليم، ثم عمل، ثم شروط حياة.

هذه المقاربة تحمل شيئًا من النضج في فهم العلاقة بين التنمية البشرية والتنمية الاقتصادية. فالشركات المحلية لا تحتاج فقط إلى موظفين يحملون شهادات، بل إلى أشخاص قادرين على البقاء، والتطور، والمساهمة في المجتمع والاقتصاد على المدى المتوسط والطويل. وإذا كان الموظف سيغادر بعد فترة قصيرة إلى العاصمة بحثًا عن أجر أعلى أو بيئة أكثر راحة، فإن الاستثمار في تدريبه لن يتحول إلى رصيد تنموي مستدام للمنطقة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يبدو مصطلح «الطالب محور السياسة» أكثر عمقًا مما قد يوحي به في القراءة الأولى. فالمقصود ليس إرضاء الطالب استهلاكيًا، بل إعادة تصميم الدعم العام انطلاقًا من تجربته الحقيقية: ماذا يدرس؟ ولماذا يدرس؟ وما المهارات التي سيكتسبها؟ ومن سيوظفه؟ وهل يستطيع بعد الوظيفة أن يستأجر منزلًا أو يبدأ أسرة أو يخطط لمستقبله في الإقليم نفسه؟ هذا النوع من الأسئلة يقرّب السياسة التعليمية من الحياة اليومية، ويمنحها مضمونًا اجتماعيًا لا يقتصر على البيروقراطية أو الأرقام.

وإذا نجحت هذه السلسلة كما تخطط لها غانغوون، فإن النتيجة ستكون ما يسميه الكوريون غالبًا «الدائرة الحميدة» أو «الحلقة الإيجابية»: شركات تجد كفاءات محلية أفضل، جامعات تصبح أكثر اتصالًا بالواقع، شباب يحصلون على فرص أوضح، وإقليم يحدّ من تسرب سكانه ويعزز تنافسيته. هذه هي الفكرة التي تحاول المبادرة تجسيدها، حتى لو كان الحكم النهائي عليها سيبقى رهين التنفيذ لا الشعارات.

دور الشركات والجامعات: شراكة ضرورية لكن بشروط

في قلب المبادرة يوجد تصور واضح لتوزيع الأدوار. الشركات ليست مجرد جهة توظيف تنتظر الخريج عند نهاية الطريق، بل طرف يُفترض أن يشارك منذ البداية في تعريف المهارات المطلوبة. الجامعات، بدورها، لا تظل في برجها الأكاديمي المعتاد، وإنما تتحول إلى منصة ترجمة لهذه الاحتياجات إلى برامج دراسية ومهنية. أما الحكومة المحلية فتتحرك بصفتها «الوسيط المنسق» الذي يضمن ألا تنقطع الصلة بين الطرفين.

هذا النموذج ينسجم مع اتجاه عالمي بات يتصاعد في كثير من الدول، حيث لم يعد من المقبول أن تبقى الجامعات منعزلة عن الاقتصاد الحقيقي، ولا أن تشتكي الشركات طوال الوقت من ضعف المواءمة من دون أن تنخرط هي نفسها في صياغة الحل. لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب توازنًا دقيقًا. فلو طغت الشركات بالكامل على تصميم البرامج، قد تتحول الجامعة إلى مركز تدريب ضيق يلاحق احتياجات آنية ومحدودة. ولو بقيت الجامعات متمسكة بمنطقها التقليدي وحده، فقد يستمر الانفصال بين الشهادة وفرصة العمل.

لهذا تبدو العبارة الأكثر حساسية في كل ما طُرح حول «غانغوون أنكور» هي تلك المتعلقة بعدم الاكتفاء بكون التعليم «مصممًا حسب حاجة الشركات». فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير يد عاملة مطابقة لمواصفات السوق الحالية، بل كذلك بضمان أن الطالب يملك مجالًا للاختيار والنمو والتطور على المدى البعيد. فالشاب ليس قطعة تركب في آلة إنتاج ثم تنتهي مهمته، بل إنسان يحتاج إلى تعليم يمنحه أيضًا مرونة مهنية وقدرة على التكيف مع التغيرات المستقبلية.

وهنا تبرز أهمية المعيار الذي وضعته غانغوون تحت عنوان «التركيز على النتائج». فالنتيجة الجيدة ليست مجرد حصول شركة ما على موظف مناسب هذا العام، بل خلق مسار مهني قابل للاستمرار بالنسبة للشاب. وإذا لم يشعر الطلاب أن البرامج الجديدة تفتح لهم آفاقًا فعلية وتحترم تطلعاتهم، فإن «الطالب محور السياسة» سيتحول إلى شعار جميل بلا مضمون. وهذه نقطة يعرفها العرب جيدًا أيضًا، خاصة في النقاشات المتكررة حول التعليم التقني والمهني، والتي غالبًا ما تفشل حين يُنظر إلى الطالب باعتباره أداة لسد نقص في السوق، لا شريكًا في بناء مستقبله الشخصي.

مع ذلك، لا يمكن إنكار أن مجرد جلوس الجامعات والشركات والسلطات المحلية على طاولة واحدة لصياغة سياسة متماسكة يعد خطوة مهمة. ففي كثير من الأحيان، تكمن أزمة الأقاليم لا في غياب الموارد وحده، بل في غياب التنسيق بين الجهات التي تعمل كل منها بمنطق منفصل. الشركة تريد توظيفًا سريعًا، الجامعة تريد تمويلًا واستمرارية، والسلطة تريد أرقامًا تنموية. وعندما تتباعد هذه الأهداف، تضيع مصلحة الشاب. أما إذا جرى توحيدها ضمن مشروع واحد، فهناك فرصة أفضل لصنع أثر ملموس.

لماذا تهم هذه القصة القارئ العربي؟

قد يسأل القارئ العربي: ما الذي يجعل خبرًا محليًا من مقاطعة كورية بعيدة جديرًا بالمتابعة؟ الجواب أن القضية المطروحة هنا شديدة القرب من أسئلة التنمية التي تعيشها مجتمعاتنا. فالمشهد يتكرر في أكثر من بلد عربي: عواصم ومدن كبرى تستقطب الموارد والكفاءات، في مقابل مناطق داخلية أو طرفية تكافح للاحتفاظ بشبابها. الجامعات موجودة، والطلاب يتخرجون، لكن كثيرين لا يرون في مدنهم الأصلية أفقًا للحياة الكريمة أو التطور المهني، فيغادرون إلى المركز.

لذلك فإن ما يجري في غانغوون يمكن قراءته بوصفه جزءًا من نقاش عالمي حول «عدالة الفرص جغرافيًا». أي أن يكون للشاب في المدينة البعيدة أو الإقليم الجبلي أو الساحلي حق حقيقي في تعليم جيد ووظيفة مناسبة وحياة مستقرة، من دون أن يُجبر نفسيًا أو اقتصاديًا على الانتقال إلى العاصمة. هذا النقاش يمس جوهر فكرة الدولة الحديثة: هل التنمية تتركز في بقعة واحدة، أم تتوزع بصورة تسمح للمناطق المختلفة بالحياة والنمو؟

ومن زاوية ثقافية، ثمة ما يستحق الشرح أيضًا. فالصورة المنتشرة عن كوريا الجنوبية في العالم العربي غالبًا ما ترتبط بالكي-بوب والدراما والتكنولوجيا والهواتف الذكية ومستحضرات التجميل. لكن خلف هذه القوة الناعمة توجد دولة تخوض منذ سنوات معارك معقدة في ملفات أقل لمعانًا إعلاميًا: الشيخوخة السكانية، تراجع معدلات الإنجاب، الفجوة بين العاصمة والأقاليم، ومنافسة سوق العمل القاسية. مبادرة مثل «غانغوون أنكور» تكشف جانبًا آخر من كوريا، جانب الإدارة المحلية التي تحاول التفكير في الإنسان العادي، لا فقط في الصناعة العملاقة أو الصورة الترفيهية اللامعة.

كما أن مفهوم «الاستقرار المحلي» في السياق الكوري يختلف قليلًا عما قد يفهمه القارئ العربي من مجرد البقاء في المدينة نفسها. ففي كوريا، حيث البنية التحتية عالية والتنقل متاح نسبيًا، يبقى التحدي قائمًا لأن الجاذبية الهائلة لمنطقة العاصمة تجعل الأقاليم الأخرى في موقع دفاع دائم عن شبابها. لذلك فإن أي سياسة تريد النجاح خارج سيول يجب أن تقدم أكثر من مجرد وعود عامة؛ عليها أن تخلق شعورًا بأن الحياة المهنية والاجتماعية ممكنة ومحترمة خارج المركز أيضًا.

هذا المعنى ليس بعيدًا عن أمثال عربية قديمة من قبيل «العيش حيث الرزق»، لكنه هنا يُعاد صياغته بلغة مؤسساتية حديثة: الرزق لا ينبغي أن يكون سببًا دائمًا لاقتلاع الإنسان من منطقته، بل يمكن للسياسات الذكية أن تقرب بين مكان التعلم ومكان العمل ومكان العيش. ولذلك، فإن متابعة هذه التجربة لا تدخل في باب الفضول الخارجي فقط، بل في باب المقارنة المفيدة مع أسئلة نعيشها نحن أيضًا.

بين الطموح والاختبار: ما الذي سيحدد نجاح المبادرة؟

رغم الجاذبية النظرية للمشروع، فإن نجاحه لن يُقاس يوم الإعلان ولا في الصور التذكارية لحفل الإطلاق. التحدي الحقيقي يبدأ الآن: هل ستتمكن الشركات فعلًا من تقديم تصور واضح ومحدث للكفاءات التي تحتاجها؟ وهل ستستطيع الجامعات تعديل مناهجها وآلياتها بسرعة ومرونة كافيتين؟ وهل تملك السلطات المحلية الأدوات والميزانيات والتنسيق السياسي اللازم لتحويل هذا التصور إلى واقع يومي يلمسه الطلاب؟

هناك أيضًا سؤال نوعي بالغ الأهمية: ماذا لو كان ما تريده الشركات اليوم محدودًا أو قصير الأجل؟ الاقتصاد يتغير بسرعة، والمهارات المطلوبة تتبدل باستمرار. لذلك لا بد أن تكون المناهج المصممة ضمن هذا النظام قادرة على تحقيق توازن بين التأهيل العملي المباشر وبين بناء قدرات أوسع، مثل التفكير النقدي، والتكيف الرقمي، والعمل التعاوني، وحل المشكلات. فهذه المهارات هي التي تجعل الشاب قادرًا على البقاء في السوق حتى إذا تغيرت احتياجات الشركة أو الصناعة بعد سنوات قليلة.

كذلك، فإن ربط النجاح بالتوظيف وحده قد يكون قاصرًا إذا لم يُنظر أيضًا إلى جودة الوظائف نفسها. هل هي مستقرة؟ هل أجورها كافية؟ هل تمنح الشباب أفقًا مهنيًا، أم تكتفي بتسجيلهم في خانة «الموظفين» لفترة وجيزة؟ في كثير من السياسات العامة، تبدو الأرقام براقة في البداية، ثم يتضح لاحقًا أن الوظائف المعلنة لا توفر الشروط التي تجعل الناس يريدون البقاء فعلًا. وإذا كانت غانغوون تريد حقًا أن تجعل من الاستقرار المحلي ركيزة للنمو، فإن نوعية العمل لا تقل أهمية عن عدده.

ثم يأتي العامل الاجتماعي الأوسع. فالشاب لا يعيش بالعمل وحده. ثمة ثقافة محلية، ومرافق، وخدمات، ونمط حياة، وفضاءات للترفيه، وإحساس بالانتماء. الأقاليم التي تريد الاحتفاظ بشبابها تحتاج أيضًا إلى أن تكون جذابة إنسانيًا، لا فقط اقتصاديًا. وربما يدرك صناع السياسة في كوريا هذا الأمر أكثر مما يبدو في العناوين الرسمية، لأن المنافسة مع سيول ليست منافسة رواتب فقط، بل منافسة أسلوب حياة وفرص اجتماعية وشبكات مهنية وثقافية واسعة.

مع ذلك، تبقى القيمة الأهم في هذه المبادرة أنها تعترف بالمشكلة كما هي: الجامعة وحدها لا تكفي، والتوظيف وحده لا يكفي، والتمويل وحده لا يكفي. المطلوب هو سلسلة مترابطة تنظر إلى الشاب من البداية إلى النهاية، من قاعة الدرس إلى باب الشركة إلى مفتاح المنزل. وإذا نجحت غانغوون في تطبيق ذلك ولو جزئيًا، فقد تقدم نموذجًا يستحق أن تراقبه أقاليم أخرى داخل كوريا وخارجها.

كوريا التي نراها من زاوية أخرى

من السهل دائمًا أن ننظر إلى كوريا الجنوبية من نافذة منتجاتها الثقافية الشهيرة: الأغنية السريعة، والدراما العاطفية، وصورة النجاح التكنولوجي الباهر. لكن الخبر الآتي من غانغوون يفتح نافذة مختلفة على بلد منشغل بإعادة توزيع الفرص داخل حدوده، وبمحاولة جعل التنمية أقل تمركزًا وأكثر إنصافًا جغرافيًا. وهي معركة قد لا تكون جذابة مثل نجوم البوب أو منصات البث، لكنها تمس قلب المستقبل الكوري.

في هذا السياق، تبدو «غانغوون أنكور» أكثر من مبادرة محلية عابرة. إنها إشارة إلى أن السياسات الكورية الخاصة بالمواهب والجامعات لم تعد تكتفي بسؤال «كم أنفقنا؟» أو «كم برنامجًا أطلقنا؟»، بل بدأت تميل إلى سؤال أكثر جوهرية: «ماذا حدث للشاب نفسه؟». هل حصل على فرصة؟ هل فهم هدف تعليمه؟ هل وجد طريقًا إلى الوظيفة؟ وهل استطاع أن يبني حياة في المكان الذي تعلم فيه؟

هذا النوع من الأسئلة هو ما يمنح السياسة معناها الإنساني. وهو أيضًا ما يجعل الخبر الكوري مهمًا للقارئ العربي، لأننا نحن أيضًا نحتاج، في نقاشاتنا عن التعليم والشباب والتنمية، إلى الانتقال من لغة المؤسسات المجردة إلى لغة المسارات الحياتية الفعلية. لا يكفي أن نفتخر بعدد الجامعات أو المراكز أو المبادرات إذا ظل الشباب يشعرون بأن مستقبلهم يبدأ من مكان وينتهي قسرًا في مكان آخر.

ربما لا تقدم غانغوون اليوم حلًا سحريًا. لكن مجرد وضع «الشاب بعد التخرج» في صلب السياسة العامة يعد تطورًا لافتًا. وهو تطور يستحق المتابعة، خصوصًا في زمن تتزايد فيه المنافسة على العقول والمهارات، وتصبح فيه القدرة على الاحتفاظ بالشباب مسألة بقاء اقتصادي واجتماعي للأقاليم والدول معًا. من هنا، يمكن القول إن «أنكور» ليست مجرد مرساة لغوية جميلة، بل محاولة سياسية لربط التعليم بالحياة، والجامعة بالمجتمع، والطموح الفردي بالمصلحة المحلية.

وفي النهاية، سيبقى الامتحان الحقيقي كما هو دائمًا: ليس في الاسم، بل في الأثر. فإذا شعر طلاب غانغوون خلال السنوات المقبلة أن الجامعة صارت تقودهم فعلًا إلى فرص أوضح، وأن وظائفهم باتت أكثر ارتباطًا بحياتهم، وأن الإقليم أصبح مكانًا قابلًا للعيش لا مجرد محطة مؤقتة، عندها فقط سيكتسب هذا المشروع معناه الكامل. أما إذا بقيت الفكرة حبيسة المؤتمرات والوثائق، فستضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات التي كانت تعرف المشكلة جيدًا لكنها لم تنجح في تغيير مصير من يفترض أنها وُجدت من أجلهم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات