
بين الصحة اليومية وثقافة الاستهلاك الجديدة
يشهد سوق المكملات الصحية في كوريا الجنوبية تحولاً لافتاً يكشف كثيراً عن المزاج الاستهلاكي الجديد في البلاد، وعن الطريقة التي تعيد بها الشركات تعريف علاقتها بالمستهلك. فالمسألة لم تعد مقتصرة على طرح منتج يحمل وعداً عاماً مثل «دعم الصحة» أو «تعزيز النشاط»، بل باتت المنافسة أكثر دقة وتخصيصاً: منتج يستهدف المناعة مع صحة الأمعاء في آن واحد، وآخر يقدَّم في عبوة تستعين بشخصية كرتونية عالمية محببة لجذب جيل الشباب. هذا ما يظهر بوضوح في أحدث التحركات التي قادتها شركتا hy وCJ ويل كير، في مشهد يعكس اتجاهاً أوسع داخل صناعة الأغذية الوظيفية في كوريا.
وبحسب المعطيات المعلنة في السوق الكورية، فإن hy وسّعت مجموعة علامتها «بايوليف» بإطلاق منتج جديد يحمل اسم «بايوليف بروبيوتيك المناعة»، بينما قدمت CJ ويل كير منتج «بايوكور إنزيم الموز» في عبوة تحمل شخصية «بوم بوم بورين» الشهيرة. للوهلة الأولى قد يبدو أن الخبر يتناول منتجين منفصلين، لكن القراءة الأعمق تكشف أننا أمام ظاهرة متكاملة: شركات تحاول أن تجعل المكملات الصحية أكثر تخصصاً من جهة، وأكثر قرباً من الحياة اليومية ومن الذائقة البصرية للمستهلك من جهة أخرى.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، فإن هذا التطور ليس بعيداً عن أسئلة مطروحة في أسواقنا أيضاً. فالمستهلك في العالم العربي، كما في كوريا، بات أكثر احتكاكاً بمفاهيم مثل البروبيوتيك، والإنزيمات، والمناعة، وصحة الجهاز الهضمي، خصوصاً بعد جائحة كورونا وما تبعها من موجة اهتمام واسعة بالصحة الوقائية. كما أن الأجيال الشابة التي تتعامل مع العلامات التجارية عبر «إنستغرام» و«تيك توك» لا تشتري المكوّن فقط، بل تشتري القصة، والتجربة، والتصميم، والإحساس بالانتماء إلى أسلوب حياة بعينه. ومن هنا، يصبح ما يجري في سيول أقرب إلى مرآة مكبرة لاتجاه عالمي، لا مجرد تفصيل محلي في سوق آسيوية بعيدة.
في السنوات الأخيرة، تعلّمت الشركات الكورية درساً مهماً: المستهلك لم يعد يقبل الخطاب الصحي التقليدي وحده، تماماً كما أن الخطاب الجمالي أو الدعائي وحده لم يعد كافياً. المطلوب هو معادلة تجمع الفعالية المعلنة، والمرجعية العلمية، وسهولة الاستخدام، وجاذبية الشكل. وهذا ما يفسر أن منتجات يفترض أنها «جدية» بطبيعتها، مثل المكملات الصحية، باتت تدخل في شراكات مع شخصيات كرتونية وتستثمر في تنويع الأشكال بين السائل والمسحوق والكبسولة.
في السياق العربي، قد نستحضر هنا كيف تطورت أسواق العسل الغذائي، والفيتامينات، والمشروبات الوظيفية، وحتى المنتجات المرتبطة بالأعشاب التقليدية، من خطاب يركز على «الفائدة» فقط إلى خطاب يمزج بين الثقة والهوية البصرية ونمط الحياة. غير أن كوريا تبدو اليوم أكثر تقدماً في هندسة هذه المعادلة، مستفيدة من خبرتها في تسويق الثقافة الشعبية، ومن قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية إلى صناعة قائمة بذاتها، كما فعلت سابقاً في مستحضرات التجميل، والموضة، والأغذية السريعة، وحتى أدوات تنظيم المنزل.
hy تراهن على المناعة وصحة الأمعاء في منتج واحد
المنتج الجديد الذي قدمته hy يحمل رسالة واضحة: المستهلك يريد حلاً عملياً ومحدداً، لا شعاراً فضفاضاً. ولذلك ركزت الشركة في «بايوليف بروبيوتيك المناعة» على الجمع بين وظيفتين تحظيان باهتمام متزايد في السوق الكورية، هما دعم المناعة وصحة الأمعاء. وهذه الثنائية ليست اعتباطية، إذ إن الحديث عن العلاقة بين الجهاز الهضمي والوظائف المناعية أصبح جزءاً راسخاً من خطاب الصحة اليومية في العديد من الأسواق العالمية، حتى لدى جمهور غير متخصص.
وتقول الشركة إن المكوّن الرئيسي في المنتج هو «HY7017»، وهو مكوّن طوّرته اعتماداً على سلالة جرى اكتشافها في جذور الجينسنغ. وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية في فهم السوق الكورية: الجينسنغ ليس مجرد مكوّن نباتي عادي، بل يمثل في الوجدان الكوري، كما في بلدان شرق آسيا عموماً، مادة تقليدية ذات مكانة رمزية وصحية خاصة. ويمكن تشبيه مكانته، بدرجة ما، بما تمثله مكونات مثل العسل الطبيعي أو الحبة السوداء أو زيت الزيتون في الذاكرة الصحية العربية؛ أي مكونات يتجاوز حضورها الاستخدام الغذائي إلى الثقة الثقافية المتراكمة عبر الزمن.
لكن hy لا تقدم الجينسنغ هنا بصورته التقليدية المعروفة، بل تعيد توظيفه ضمن منطق صناعي حديث: سلالة بكتيرية مستخرجة من جذوره، ثم تحويلها إلى مادة معترف بخصائصها الوظيفية. هذا المزج بين «الموروث» و«المختبر» هو أحد أسرار نجاح الصناعات الصحية الكورية. فبدلاً من الوقوف عند حدود التقاليد، تعمل الشركات على تحديثها، وصياغتها بلغة علمية، وتقديمها في قوالب استهلاكية معاصرة.
ومن المهم توضيح مفهوم قد يبدو غير مألوف لبعض القراء العرب، وهو ما يعرف في كوريا بـ«المادة المعترف بها بشكل فردي». والمقصود هنا أن المكوّن حصل على اعتراف تنظيمي بوظيفة محددة بعد المرور بإجراءات تقييم خاصة، بما يمنحه تميزاً في سوق مزدحمة بعشرات المنتجات المتشابهة. صحيح أن هذا لا يعني أن المنتج دواء، ولا أنه بديل عن العلاج الطبي، لكن هذه الصفة تمنح الشركة أداة تسويقية وعلمية في آن واحد، وتمنح المستهلك سبباً إضافياً للنظر إلى المنتج بوصفه أكثر تخصصاً من غيره.
ومن زاوية السوق، فإن hy لا تكتفي بإضافة منتج جديد إلى رفوف المتاجر، بل توسع حضور علامتها «بايوليف» في فئة تعرف نمواً متواصلاً. فالرهان هنا ليس فقط على الإقبال الحالي على البروبيوتيك، بل على تثبيت صورة ذهنية مفادها أن الشركة قادرة على مواكبة الاحتياجات الصحية الدقيقة للمستهلك: منتج للمناعة، وآخر لصحة الأمعاء، وربما لاحقاً منتجات للنوم أو للتركيز أو للعناية بفئات عمرية محددة. هذا هو منطق «التخصيص» الذي يغزو الأسواق الحديثة، حيث تصبح الصحة أقرب إلى قائمة مفصلة من الاحتياجات الفردية، لا عنواناً عاماً شاملاً.
من الزجاجة إلى الكبسولة: كيف تغيّر الشركات شكل الاستهلاك؟
أحد الجوانب اللافتة في تحرك hy لا يتعلق بالمكوّن وحده، بل بطريقة تناوله أيضاً. فالشركة أوضحت أنها تتجه إلى توسيع أشكال منتجات البروبيوتيك من الصيغة السائلة التقليدية إلى المساحيق والكبسولات، بما يفتح الباب أمام خيارات أوسع للمستهلكين. قد يبدو هذا تفصيلاً تقنياً للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة عنصر جوهري في فهم المنافسة الجديدة داخل سوق المكملات الصحية.
ففي عالم الاستهلاك الحديث، لا يكفي أن يكون المنتج مفيداً نظرياً، بل يجب أن يكون قابلاً للاندماج في الروتين اليومي. هناك من يفضل المشروبات الجاهزة لسهولة تناولها في الصباح أو أثناء العمل، وهناك من يفضل الكبسولات لأنها أسهل حملاً وأقل حساسية من حيث التخزين، بينما قد يجد آخرون في المساحيق خياراً مناسباً يمكن مزجه بالماء أو الطعام. هذا التنوع في الشكل يعني أن الشركات لم تعد تبيع «المادة» فحسب، بل تبيع طريقة حياة متكاملة تراعي عادات الناس وإيقاع يومهم.
وإذا نقلنا هذا المعنى إلى السياق العربي، يمكن ملاحظة الاتجاه نفسه في عدد من الأسواق، حيث تتوسع المنتجات الصحية بين أكياس فردية، وأقراص فوّارة، وشرائط جاهزة، وعبوات صغيرة ملائمة للتنقل. فالمستهلك الذي يقضي ساعات طويلة بين العمل والجامعة والمواصلات لا يتخذ قراره على أساس المكوّن وحده، بل يسأل أيضاً: هل يسهل استخدام هذا المنتج كل يوم؟ هل يمكن وضعه في الحقيبة؟ هل يحتاج إلى تبريد؟ هل يناسب نمط حياتي؟
وهذا بالضبط ما تلتقطه الشركات الكورية بذكاء. فالتنويع بين السائل والمسحوق والكبسولة ليس مجرد «تجميل» لخط الإنتاج، بل محاولة لتوسيع قاعدة المستهلكين وتحرير المنتج من الارتباط بفئة محددة. فمن كان ينظر إلى البروبيوتيك باعتباره مشروباً يومياً فقط، قد يجد نفسه أمام خيارات أكثر عملية. ومن كان يؤجل الشراء بسبب صعوبة الحمل أو التخزين، قد يصبح أقرب إلى اتخاذ القرار.
في الجوهر، نحن أمام انتقال من مفهوم «المنتج الصحي» إلى مفهوم «الروتين الصحي». والفرق بينهما كبير. فالمنتج قد يشتريه المستهلك مرة بدافع الفضول، أما الروتين فيحتاج إلى تصميم يجعل الالتزام اليومي ممكناً ومريحاً. وهذه نقطة بالغة الأهمية في سوق تعتمد، أكثر من غيرها، على التكرار والاستمرارية. فالمكمل الصحي لا ينجح فقط حين يقنع المستهلك بالشراء الأول، بل حين ينجح في أن يصبح جزءاً من عاداته اليومية، تماماً كما يحدث مع القهوة الصباحية أو زجاجة الماء أو تطبيقات تتبع الخطوات.
CJ ويل كير و«بوم بوم بورين»: عندما تدخل الشخصيات الكرتونية إلى رف الصحة
على الضفة الأخرى من المشهد، اختارت CJ ويل كير مدخلاً مختلفاً لكنه لا يقل دلالة. فقد طرحت «بايوكور إنزيم الموز» في عبوة تحمل شخصية «بوم بوم بورين»، وهي شخصية يابانية معروفة عالمياً ضمن عالم الثقافة البصرية الآسيوية الذي يجمع بين البراءة والوداعة وسهولة التعلق العاطفي. هذه الخطوة تقول الكثير عن الطريقة التي تنظر بها الشركات الكورية اليوم إلى فئة المكملات الصحية: لم تعد هذه المنتجات محصورة في خطاب جاد وجاف ومليء بالمصطلحات العلمية فقط، بل أصبحت قابلة لأن تُقدَّم عبر قنوات بصرية وعاطفية أكثر نعومة وقرباً من الأجيال الشابة.
وللقارئ العربي الذي قد لا يكون على دراية بهذا النوع من الشخصيات، فإن «بوم بوم بورين» ينتمي إلى ثقافة واسعة في شرق آسيا تُعرف بالاعتماد على شخصيات لطيفة وذات حضور بصري قوي في التسويق، من الأدوات المكتبية إلى الحقائب والطعام والمقاهي والمنتجات المنزلية. وفي كوريا الجنوبية، حيث تتقاطع الثقافة المحلية مع التأثير الياباني والعالمي في قطاع التصميم والمنتجات اليومية، لم يعد غريباً أن تظهر هذه الشخصيات في مساحات غير متوقعة، بما فيها منتجات مرتبطة بالصحة.
ما الذي يعنيه ذلك من الناحية التجارية؟ ببساطة، يعني أن CJ ويل كير تراهن على أن قرار الشراء لا يبدأ دائماً من قراءة التفاصيل الغذائية الدقيقة، بل قد يبدأ من شعور أولي بالألفة. العبوة الجذابة قد تكون «بوابة الدخول» التي تدفع المستهلك إلى التقاط المنتج، ثم قراءة مكوناته، ثم التفكير في تجربته. وهذا مهم خصوصاً في المنتجات التي تتطلب قدراً من الشرح، مثل منتجات الإنزيمات أو البروبيوتيك أو المكمّلات المتخصصة.
قد يرى البعض في هذا النهج نوعاً من التسطيح أو المبالغة في تحويل كل شيء إلى سلعة مرئية جذابة. لكن من منظور الصناعة، فإن الأمر أكثر تعقيداً. فالشركات تدرك أن الشباب اليوم يعيشون في بيئة مشبعة بالصور، وأن المنافسة على الانتباه تسبق المنافسة على الإقناع. لذلك، تصبح العبوة جزءاً من استراتيجية الاتصال، لا مجرد غلاف. وفي هذا المعنى، تبدو المكملات الصحية وكأنها تلتحق بما فعلته سابقاً مستحضرات العناية بالبشرة الكورية، حين جمعت بين الوظيفة العلمية والهوية البصرية اللطيفة وسهولة التداول على المنصات الاجتماعية.
وفي العالم العربي، يمكن ملاحظة بوادر مشابهة، ولو بدرجات أقل، في استخدام الألوان الجذابة، والرسوم التوضيحية، والتغليف الموجَّه إلى فئات عمرية محددة، لا سيما بين العلامات التي تستهدف الشباب أو الأمهات أو المهتمين باللياقة. لكن التجربة الكورية تضيف عنصراً آخر هو استثمار ثقافة الشخصيات ذات الشعبية العابرة للحدود. وهذا ينسجم تماماً مع مزاج «الهاليو» أو الموجة الكورية التي جعلت من الثقافة الاستهلاكية جزءاً مكملاً من القوة الناعمة، وليس مجرد نشاط اقتصادي منفصل عنها.
ما الذي تقوله هذه الموجة عن المستهلك الكوري اليوم؟
عند جمع الخطين معاً، أي خط «الوظيفة الصحية الدقيقة» الذي تمثله hy، وخط «التغليف العاطفي الجاذب» الذي تمثله CJ ويل كير، يظهر بوضوح أن المستهلك الكوري يتغير على أكثر من مستوى. أولاً، هناك طلب متزايد على منتجات تحمل رسالة محددة وواضحة: مناعة، صحة أمعاء، إنزيمات، هضم، طاقة، نوم، تركيز. لم يعد الخطاب العام حول «الصحة الجيدة» كافياً لإقناع جمهور بات أكثر بحثاً ومقارنة وانتقائية.
ثانياً، هناك إدراك متصاعد بأن الالتزام الصحي لا ينفصل عن الراحة والاعتياد والمتعة البصرية. فالمستهلك، حتى حين يشتري منتجاً وظيفياً، يريد أن يشعر بأن التجربة سلسة وقريبة من يومه، لا أنها واجب ثقيل أو وصفة جامدة. من هنا نفهم لماذا أصبح الشكل، والجرعة، والتغليف، والرسالة التسويقية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن المكوّن نفسه.
ثالثاً، يعكس هذا الاتجاه صعود فكرة «الصحة اليومية» بوصفها جزءاً من أسلوب الحياة، لا استجابة مؤقتة لمرض أو أزمة. وهذه نقطة أساسية. فحين تتحول المكملات الصحية إلى سلعة روتينية، فإنها تدخل في منافسة مع منتجات الحياة اليومية كلها: مع القهوة، والوجبات الخفيفة، ومستحضرات العناية، والاشتراكات الرقمية، وكل ما ينفق عليه الفرد من أجل تحسين شعوره بجسده ومزاجه وأدائه.
في هذا الإطار، يمكن القول إن كوريا الجنوبية تواصل تعميق ما يمكن تسميته «اقتصاد الرفاهية اليومية». وهو اقتصاد لا يقوم فقط على العلاج أو الوقاية بالمعنى الطبي الصارم، بل على منتجات تمنح المستهلك إحساساً بأنه يعتني بنفسه بوعي وانتظام. وهذا الإحساس بحد ذاته صار قيمة قابلة للبيع. ولعل هذا قريب من ظواهر باتت معروفة عالمياً، مثل تطبيقات التأمل، وساعات تتبع النوم، والأغذية المدعّمة، ومقاهي المشروبات الوظيفية، وكلها تنتمي إلى الفضاء نفسه.
أما في العالم العربي، فهذه التحولات تستحق المتابعة بدقة، لأن أسواق المنطقة تشهد هي الأخرى ارتفاعاً في الطلب على المنتجات المرتبطة بالصحة العامة والمناعة والهضم واللياقة. والفارق هنا أن التجربة الكورية قد تقدم نموذجاً لكيفية تطوير هذا القطاع بعيداً عن الخطاب التقليدي الوعظي، وباتجاه أكثر حداثة وتخصيصاً. لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً نقدياً مشروعاً: إلى أي مدى يمكن للمستهلك أن يميّز بين الحاجة الفعلية، وقوة التسويق، وسحر العبوة، وإغراء التكرار اليومي؟
بين العلم والتسويق: كيف يقرأ المستهلك العربي هذا النوع من الأخبار؟
من المهم، عند تناول أخبار كهذه، ألا نقع في فخ المبالغة أو التلقي الدعائي المباشر. فالمكملات الصحية، مهما كانت متطورة أو جذابة أو مدعومة بسردية علمية، ليست أدوية علاجية، ولا ينبغي التعامل معها على هذا الأساس. ما تفعله هذه المنتجات هو أنها تدخل ضمن مساحة «إدارة الصحة اليومية» أو «الدعم الوظيفي» وفق ما تسمح به طبيعتها ومكوناتها وتصميمها التنظيمي. ولذلك، فإن أي قراءة متوازنة للخبر يجب أن تضع هذه الحقيقة في المقدمة.
وبالنسبة إلى المستهلك العربي الذي يتابع ما يجري في الأسواق الكورية بحكم الاهتمام المتزايد بالثقافة الكورية ومنتجاتها، فإن أبرز ما ينبغي الانتباه إليه هو ثلاثة أمور. أولها: المكوّن الفعلي وما إذا كان معترفاً به في الإطار التنظيمي المعني. ثانيها: الوظيفة المحددة التي يدّعي المنتج دعمها، وهل هي مصاغة بدقة أم بصياغات فضفاضة. ثالثها: مدى ملاءمة شكل المنتج وعادة تناوله لنمط الحياة الحقيقي للمستهلك، لأن كثيراً من المنتجات تفشل عملياً لا بسبب ضعف الفكرة، بل لأن الالتزام بها يومياً ليس سهلاً.
كما أن هذا النوع من الأخبار يذكرنا بفارق مهم بين الثقافة الصحية الحديثة والثقافة العلاجية التقليدية. ففي مجتمعاتنا العربية، غالباً ما يجري التعامل مع أي منتج صحي جديد بمنطقين متناقضين: إما الثقة المطلقة وكأنه حل سحري، أو الشك المطلق وكأنه مجرد دعاية. بينما المطلوب في الحقيقة هو منطقة وسطى تقوم على الفهم والمقارنة والتمييز. فليست كل المنتجات سواء، وليست كل الوعود متساوية في القوة أو الدقة، كما أن اختلاف الأجسام والعادات والحاجات يجعل تجربة كل مستهلك مختلفة.
ومن زاوية إعلامية أوسع، فإن الخبر الكوري لا يهم فقط من يتابع المنتجات الصحية، بل يهم أيضاً من يدرس كيف تتحول الثقافة الشعبية إلى قوة اقتصادية. فعندما تدخل الشخصيات الكرتونية إلى عبوات الإنزيمات، وعندما يُستثمر الجينسنغ التقليدي داخل بروبيوتيك حديث، فنحن لا نرى مجرد إطلاقات تجارية متفرقة، بل نرى نموذجاً صناعياً قادراً على مزج التراث والعلم والتصميم والتسويق ضمن قصة واحدة قابلة للبيع محلياً وعالمياً.
وهذا ربما هو الدرس الأهم: كوريا الجنوبية لا تكتفي بتصدير الدراما والموسيقى ومستحضرات التجميل، بل تصدر أيضاً طريقة في التفكير بالمنتج نفسه. طريقة تجعل السلعة أكثر قرباً من المشاعر، وأكثر التصاقاً بالروتين، وأكثر استناداً إلى حكاية يمكن للمستهلك أن يرويها عن نفسه. في زمن تتداخل فيه الصحة مع الهوية ونمط الحياة والصورة الاجتماعية، تبدو هذه القدرة على السرد جزءاً أساسياً من النجاح التجاري.
مستقبل السوق: مكملات أكثر تخصيصاً وأكثر ألفة
إذا كان من خلاصة يمكن الخروج بها من هذا المشهد، فهي أن سوق المكملات الصحية في كوريا الجنوبية يتجه إلى مزيد من التخصيص ومزيد من الألفة في الوقت نفسه. التخصيص يظهر في استهداف وظائف بعينها، وفي تطوير مكونات تحمل تمايزاً واضحاً، وفي توسيع الأشكال الدوائية أو الاستهلاكية لتناسب أنماطاً مختلفة من الحياة. أما الألفة فتظهر في اللغة البصرية، وفي إدخال الشخصيات المحببة، وفي تحويل المنتج من شيء «صحي» بالمعنى البارد إلى شيء يمكن التفاعل معه والاعتياد عليه.
ولا يبدو أن هذه الموجة ستتوقف عند hy وCJ ويل كير. فالمؤشرات كلها توحي بأن المنافسة المقبلة في هذا القطاع ستكون على ثلاثة مستويات متوازية: أولاً قوة المكوّن والاعتراف الوظيفي المرتبط به؛ ثانياً سهولة الدمج في الروتين اليومي؛ وثالثاً القدرة على خلق علاقة عاطفية أو بصرية مع المستهلك. ومن ينجح في جمع هذه العناصر سيكون الأقدر على البقاء في واجهة السوق.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يحمل هذا المشهد معنى يتجاوز الخبر الاقتصادي المباشر. إنه يفتح نافذة على كيف تتطور كوريا الجنوبية في المناطق الأقل صخباً من موجتها الثقافية. ففي حين ينشغل كثيرون بالدراما والكي-بوب والموضة، تمضي الشركات الكورية أيضاً في إعادة تشكيل قطاعات مثل الأغذية الوظيفية والمكملات الصحية بلغة العصر نفسه: مزج الذكاء التسويقي بالتقليد المحلي والتصميم العالمي.
وهنا تبرز المفارقة الجميلة: بلد اشتهر بتصدير صور النجوم والموسيقى والأناقة، ينجح أيضاً في تصدير نماذج جديدة للتعامل مع أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من العناية بالبشرة إلى تناول المكملات الصحية. وفي الحالتين، الفكرة واحدة تقريباً: المنتج لا يكفي أن يعمل، بل يجب أن يُفهم، وأن يُحب، وأن يُتداول، وأن يجد مكانه الطبيعي في يوم المستهلك.
لهذا، فإن إطلاق «بروبيوتيك المناعة» من hy و«إنزيم الموز» بعبوة «بوم بوم بورين» من CJ ويل كير ليس مجرد خبر عن منتجين جديدين، بل إشارة إلى مرحلة جديدة في سوق تتقاطع فيها الصحة مع الهوية البصرية، والتقاليد المحلية مع الابتكار، والعلم مع فن الإقناع. وفي عالم يزداد فيه وعي الناس بما يستهلكون، ويزداد في الوقت نفسه تأثير الصورة على القرار، تبدو كوريا مرة أخرى في موقع من يختبر مبكراً ما قد يصبح، بعد وقت قصير، اتجاهاً مألوفاً في أسواق كثيرة حول العالم، بما فيها الأسواق العربية.
0 تعليقات