
خبر كوري يتجاوز حدود الطرافة
في زمنٍ صار فيه الحديث عن الذكاء الاصطناعي يتردد في كل شيء، من غرف الأخبار إلى استوديوهات الموسيقى، يبرز من كوريا الجنوبية خبرٌ يستحق التوقف عنده بعيداً عن عناوين الإثارة السريعة. فالمسؤول الكوري الجنوبي السابق يونغ هو-سونغ، الذي شغل منصب النائب الأول لوزير الثقافة والرياضة والسياحة في بلاده، نجح في إدخال عمل موسيقي ألّفه بمساعدة الذكاء الاصطناعي إلى قائمة نصف النهائي في مسابقة عالمية لموسيقى الجاز تحمل اسم "AI Loves Jazz"، وتقام في مدينة مونترو السويسرية الشهيرة.
العمل الذي يحمل عنوان "Frozen Edge" ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، ولا هو قصة تسويقية مصممة لاستغلال هوس العالم بكلمة "AI". الأهم في هذه الحكاية أن صاحبها ليس مغنياً شاباً خرج من برنامج مواهب، ولا منتجاً موسيقياً يسعى إلى توسيع حضوره في سوق المنصات الرقمية، بل رجل أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل جهاز الدولة الثقافي في كوريا الجنوبية، قبل أن ينتقل بعد التقاعد إلى موقع آخر تماماً: موقع المجرّب، المتعلم، والمؤلف.
بحسب المعطيات المتاحة، اختيرت مقطوعته ضمن 15 عملاً وصلت إلى نصف النهائي، على أن تُعرض في التاسع والعاشر من الشهر الجاري بالتوقيت المحلي ضمن هذه الفعالية التي تُنظم في مونترو. ومن المهم هنا التمييز بين المسابقة نفسها وبين مهرجان مونترو لموسيقى الجاز المعروف عالمياً؛ فالمسابقة تقام بالتزامن مع أجواء المدينة الموسيقية وتستفيد من رمزيتها، لكنها فعالية مستقلة وليست جزءاً تقليدياً من برنامج المهرجان التاريخي.
ومع أن الخبر لا يتضمن حتى الآن فوزاً نهائياً أو تتويجاً حاسماً، فإن دلالته الثقافية أكبر من مسألة الجوائز. نحن أمام انتقال لافت من الإدارة الثقافية إلى الممارسة الإبداعية، ومن خطاب السياسات العامة إلى اختبار أدوات الفن الجديد. وهذه زاوية لا تبدو بعيدة عن أسئلة العالم العربي أيضاً، حيث تتزايد النقاشات حول مستقبل الإبداع في ظل التقنيات الحديثة، وحول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي خصماً للفنان أم شريكاً له.
من هو يونغ هو-سونغ؟ ولماذا تستحق قصته المتابعة؟
لفهم مغزى هذا التطور، لا بد من التوقف عند شخصية الرجل نفسه. يونغ هو-سونغ، البالغ من العمر 59 عاماً، ليس اسماً هامشياً في المشهد الثقافي الكوري. فقد دخل السلك الحكومي في أوائل التسعينيات بعد اجتياز الامتحان الإداري الوطني، ثم التحق بوزارة الثقافة والرياضة، التي أصبحت لاحقاً وزارة الثقافة والرياضة والسياحة. ومنذ عام 1993 وحتى تقاعده في العام الماضي، واصل مسيرة طويلة داخل مؤسسات الدولة الثقافية، قبل أن يصل إلى موقع رفيع كنائب أول للوزير.
في السياق الكوري، تؤدي وزارة الثقافة والرياضة والسياحة دوراً مركزياً في رسم السياسات المتعلقة بالفنون، والصناعات الإبداعية، والمحتوى الترفيهي، والسياحة الثقافية، بل وحتى بعض أبعاد القوة الناعمة التي جعلت من "الموجة الكورية" أو "الهاليو" ظاهرة عالمية. ومن هنا، فإن انتقال مسؤول سابق من هذا المستوى إلى تأليف موسيقى تعتمد على الذكاء الاصطناعي لا يبدو تفصيلاً شخصياً، بل صورة مكثفة عن مرحلة تتقاطع فيها الدولة والثقافة والتكنولوجيا.
لكن المثير أن هذه النقلة لم تبدأ من فراغ. فالرجل، بحسب ما نُقل عنه، عازف درامز، وله حضور سابق بوصفه ناقداً موسيقياً، كما يُعرف بشغفه الواسع بجمع الأسطوانات، إذ يمتلك أكثر من عشرة آلاف تسجيل. وهذا يعني أن الموسيقى بالنسبة إليه ليست هواية متأخرة اكتسبها بعد الخروج من المنصب، بل شغف قديم ظل يرافق مسيرته الإدارية. وما فعله بعد التقاعد هو، على الأرجح، تحويل هذا الشغف من دور المتابع والجامع والناقد إلى دور الصانع.
ولعل في هذا الجانب ما يذكّر القارئ العربي بصور معروفة في تاريخنا الثقافي، حيث لم يكن العمل العام دائماً نقيضاً للفن أو الأدب. فمن عالمنا العربي خرج وزراء وموظفون كبار كانوا في الوقت نفسه شعراء أو مفكرين أو رعاة للفنون. الجديد اليوم أن الوسيط الذي يعبر به هذا المسؤول الكوري إلى الإبداع ليس القصيدة أو المقال أو المذكرات، بل خوارزميات توليد الموسيقى.
مونترو: عندما يلتقي إرث الجاز بتجربة الذكاء الاصطناعي
اختيار مونترو بالذات يمنح الخبر بعداً إضافياً. فهذه المدينة السويسرية الصغيرة المطلّة على بحيرة جنيف تحمل مكانة رمزية كبيرة في تاريخ الجاز العالمي، بفضل مهرجان مونترو لموسيقى الجاز الذي ارتبط عبر عقود بأسماء أسطورية وتجارب فنية شكلت وجدان هذا النوع الموسيقي. ومن يعرف علاقة الجاز بتاريخ الارتجال والحرية والتجريب سيدرك أن إقامة مسابقة تجمع الجاز بالذكاء الاصطناعي في هذا المكان ليست خطوة بلا معنى.
فالجاز، بالنسبة لكثيرين، ليس مجرد ألحان وإيقاعات، بل فلسفة أداء تقوم على الحس اللحظي، والانزياح عن القوالب الصارمة، وإعطاء مساحة واسعة للتأويل الشخصي. لذلك فإن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا الحقل يثير أسئلة ثقافية وفنية معقدة: هل يمكن لخوارزمية أن تلامس روح الارتجال؟ وهل تصبح الآلة هنا امتداداً لخيال الموسيقي أم بديلاً عنه؟ وهل ما نسمعه في النهاية هو "موسيقى" بالمعنى الإنساني، أم مخرجات بارعة لحسابات إحصائية؟
لا يقدم خبر نصف النهائي إجابات حاسمة عن هذه الأسئلة، لكنه يؤكد أن العالم الموسيقي بدأ يتعامل معها على أرض الواقع، لا في مستوى التنظير فقط. المسابقة نفسها، من حيث الفكرة، تعكس اتجاهاً جديداً في صناعة الموسيقى العالمية، حيث لم تعد التكنولوجيا تقتصر على التسجيل والتوزيع والمعالجة الصوتية، بل أصبحت تدخل إلى صلب الفعل التأليفي.
ومن زاوية عربية، يمكن تشبيه هذا التحول بما يحدث في مجالات أخرى من الثقافة، حين تواجه الأشكال الفنية القديمة أدوات حديثة تفرض إعادة تعريف المفاهيم. كما حدث سابقاً مع دخول السينما إلى فضاء الحكاية الشعبية، أو مع ظهور المنصات الرقمية التي غيّرت معنى الألبوم الغنائي، فإن الذكاء الاصطناعي يضعنا أمام سؤال مشابه: ماذا يبقى من "المؤلف" عندما تصبح الخوارزمية شريكاً في بناء اللحن؟
ليست ترجمة للآلة بل مشروع فني له بنية واضحة
من السهل، عند سماع عبارة "أغنية ألّفها الذكاء الاصطناعي"، الوقوع في انطباع سطحي مفاده أن العمل نتج بضغط زر، وأن الإنسان اقتصر دوره على كتابة أمر نصي وترك النظام يفعل ما يشاء. غير أن التفاصيل المرتبطة بيونغ هو-سونغ توحي بصورة أكثر تركيباً. فالرجل، بعد تقاعده من الوزارة في أغسطس من العام الماضي، التحق بدورة متخصصة في التأليف الموسيقي بالذكاء الاصطناعي في "SM Universe"، وهي مؤسسة تعليمية مرتبطة بشركة "SM Entertainment"، إحدى أبرز شركات الترفيه الكوري وأكثرها تأثيراً في تاريخ الكيبوب.
هذا التفصيل مهم للغاية، لأنه يكشف أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في الصناعة الثقافية الكورية لا يجري على الهامش، بل يدخل ضمن بيئة تعليمية ومهنية تتصل بمؤسسات لها خبرة طويلة في صناعة النجوم وتطوير المحتوى. و"SM Entertainment" بالنسبة للقارئ العربي ليست مجرد شركة إنتاج، بل إحدى القوى التي أسهمت في تشكيل الصورة الحديثة للبوب الكوري، تماماً كما لعبت شركات إنتاج عربية كبرى في مراحل سابقة دوراً في صناعة الأغنية الجماهيرية وتصديرها.
بعد هذا التدريب، انصرف المسؤول السابق إلى العمل على مشروع أوسع من مجرد مقطوعة منفردة. فهو يشتغل، تحت اسم فني مستعار هو "Doctor Dragon"، على إعادة تقديم جميع سونيتات شكسبير الـ154 في قالب غنائي. وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية: "Frozen Edge" ليست عملاً معزولاً طارئاً، بل جزء من مشروع إبداعي متماسك يقوم على مادة أدبية كلاسيكية معروفة عالمياً.
في هذا المشروع يلتقي أكثر من عالم في آن واحد: شكسبير، بوصفه أحد أعمدة الأدب الإنجليزي؛ والسونيت، بوصفها شكلاً شعرياً صارماً من حيث البناء والإيقاع؛ والجاز، بوصفه مساحة تأويل موسيقية مفتوحة؛ والذكاء الاصطناعي، بوصفه أداة قادرة على اقتراح أنماط لحنية وصوتية جديدة. والنتيجة ليست مجرد "لعبة تقنية"، بل مختبر حقيقي يعيد طرح العلاقة بين النص والموسيقى، وبين التراث الأدبي والوسيط الرقمي.
وبحسب ما أعلنه، أنجز الرجل بالفعل أكثر من خمسين عملاً ضمن هذا المسار. وهذا رقم كافٍ كي نتعامل مع المسألة بوصفها ممارسة جادة ومستمرة، لا مغامرة عابرة هدفها جذب الانتباه الإعلامي. صحيح أن تفاصيل النشر الكامل للمشروع أو موعد اكتماله لم تتضح بعد، لكن الثابت أن عملاً واحداً منه استطاع بلوغ منصة دولية متخصصة في لحظة مبكرة من عمر هذه التجارب.
الهاليو خارج الوصفة المعتادة: ليس كل حضور كوري هو كيبوب
اعتاد الجمهور العربي، حين ترد أخبار الثقافة الكورية، أن يتجه ذهنه فوراً إلى الفرق الغنائية، والمسلسلات الرومانسية، وأفلام التشويق، وأخبار النجوم. وهذه الصورة مفهومة، لأنها تمثل الواجهة الأشهر للموجة الكورية في العالم. غير أن قصة يونغ هو-سونغ تقدم وجهاً آخر أقل صخباً، لكنه لا يقل أهمية: كوريا التي تصنع موقعها الثقافي عبر التجريب المؤسسي، والتعليم المتخصص، والانفتاح المبكر على أدوات المستقبل.
هنا لا يظهر النجم بوصفه أيقونة استهلاكية أو بطلاً لمتابعات منصات التواصل، بل يظهر مسؤول متقاعد يحمل خبرة حكومية طويلة، ويقرر أن يتعلم لغة جديدة في الفن. وفي هذا المعنى، يمكن القول إن الخبر يوسع تعريف "K-Culture" أمام القارئ العربي. فالثقافة الكورية التي نتابعها ليست فقط ما يصلنا مترجماً على الشاشات أو في تطبيقات الموسيقى، وإنما أيضاً منظومة أوسع تسمح بتلاقي الإدارة العامة بالتعليم الفني، والتكنولوجيا بالإنتاج الإبداعي.
لعل هذا ما يميز النموذج الكوري في نظر كثير من المراقبين: القدرة على بناء جسور بين القطاعات المختلفة، بحيث لا تبدو الثقافة شأناً منفصلاً عن الاقتصاد أو التقنية أو التعليم. ومن هنا، يصبح مفهوماً أن يتقاعد مسؤول ثقافي من منصبه، ثم يدخل صفاً دراسياً ليتعلم التأليف بالذكاء الاصطناعي، قبل أن يشارك في مسابقة دولية. في بلداننا العربية، ما زلنا غالباً ننظر إلى هذه المسارات بوصفها متباعدة: إما موظف دولة، وإما فنان، وإما أكاديمي. أما في هذه الحالة، فالشخص نفسه يتحرك بين هذه الأدوار من دون تناقض ظاهر.
ولا يعني ذلك أن التجربة الكورية خالية من الأسئلة أو التحديات. بالعكس، هي تثير نقاشات مشابهة لتلك الدائرة في العالم كله: من يملك الحقوق؟ كيف تُنسب المسؤولية الإبداعية؟ ما حدود استخدام المواد الأدبية الكلاسيكية؟ وما الفارق بين الاستعانة بالأداة وبين التماهي الكامل معها؟ لكن ما يلفت النظر أن هذه الأسئلة لا تمنع التجريب، بل تصاحبه.
ماذا يعني الذكاء الاصطناعي في الموسيقى بالنسبة للقارئ العربي؟
بالنسبة إلى القارئ العربي، قد تبدو هذه القصة بعيدة جغرافياً، لكنها قريبة جداً من النقاشات التي باتت تمس المشهد الثقافي المحلي. ففي المنطقة العربية أيضاً، بدأت تتوسع استخدامات الذكاء الاصطناعي في الكتابة البصرية، وتوليد الصور، وتجريب الأصوات، وحتى محاكاة أساليب غنائية. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً حول إمكان إعادة إنتاج أصوات مطربين راحلين، أو صياغة ألحان تشبه مدارس موسيقية قائمة، أو استخدام الخوارزميات في كتابة الكلمات وتوزيعها.
الفارق أن قصة المسؤول الكوري السابق تضيف إلى هذا الجدل بعداً مهماً: الذكاء الاصطناعي لا يُطرح هنا فقط كتهديد لسوق العمل الفني، بل كوسيلة تعلم وإعادة اكتشاف ذاتي. وهذا جانب قد يكون مفيداً في نقاشنا العربي، حيث تميل بعض المقاربات إلى الانقسام الحاد بين الاحتفاء الأعمى بالتقنية وبين رفضها المطلق. المثال الكوري لا يقول إن الآلة ستحل محل الموسيقي، ولا يقول أيضاً إن كل ما تنتجه التقنية فن عظيم. بل يقدم حالة وسطية ترى في الذكاء الاصطناعي أداة تحتاج إلى ذائقة، وخبرة، ومرجعيات ثقافية، ومشروع واضح.
يمكن هنا استحضار مثال من تراثنا الموسيقي العربي: حين دخلت الآلات الكهربائية وبرامج التسجيل الحديثة إلى الأغنية العربية، لم يؤد ذلك تلقائياً إلى اختفاء الطرب أو قتل الحس الإنساني، لكنه غيّر طرائق الإنتاج والتلقي. بعض النتائج كان مبهراً، وبعضها الآخر سطحياً ومكرراً. الأمر نفسه يبدو مرجحاً مع الذكاء الاصطناعي. التقنية وحدها لا تصنع قيمة العمل، بل الطريقة التي تُستخدم بها، والسؤال الذي تحاول الإجابة عنه.
وفي حالة "Frozen Edge"، تبدو القيمة الأساسية كامنة في السياق: مسؤول سابق في قلب مؤسسة ثقافية كبرى، يمتلك تاريخاً شخصياً مع الموسيقى، يدخل مجالاً تعليمياً متخصصاً، ثم يوظف الذكاء الاصطناعي ضمن مشروع أدبي موسيقي واسع، قبل أن يصل إلى نصف نهائي مسابقة دولية. هذه السلسلة من المعطيات هي ما يمنح الخبر ثقله، لا مجرد العبارة السهلة: "أغنية من صنع الذكاء الاصطناعي".
بين السياسات الثقافية وصناعة المبدع الجديد
هناك جانب آخر في هذه القصة لا يقل إثارة عن الجانب الفني، وهو ما يتعلق بفكرة "المبدع الهجين" في زمن الاقتصاد الإبداعي. فالرجل لا يقتصر نشاطه بعد التقاعد على التأليف الموسيقي، بل يواصل أيضاً التدريس في عدد من برامج الدراسات العليا، من بينها معهد للفنون، وكلية لإدارة الأعمال، وبرنامج لإدارة التكنولوجيا. هذا التنقل بين الفنون والإدارة والتقنية يختصر ملامح مرحلة جديدة تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الاختصاصات.
في العالم العربي، ما زلنا كثيراً ما نفصل بين الفنان بوصفه صاحب موهبة، والإداري بوصفه رجل مؤسسة، والأكاديمي بوصفه رجل نظرية. أما الصناعات الثقافية المعاصرة، من سيول إلى لوس أنجليس، فتتجه أكثر فأكثر إلى طلب شخصيات قادرة على فهم هذه الحقول مجتمعة. منتج الموسيقى اليوم لا يحتاج فقط إلى أذن مرهفة، بل إلى معرفة بالبيانات والمنصات وحقوق الملكية وسلوك الجمهور. وصانع السياسات الثقافية بدوره لم يعد بوسعه التفكير في المسرح أو الموسيقى أو السينما بمعزل عن البنية الرقمية.
من هنا يمكن قراءة تجربة يونغ هو-سونغ بوصفها نموذجاً مصغراً لهذا التحول. فهو آتٍ من مؤسسة رسمية، لكنه لا يكتفي بعد التقاعد بدور المستشار أو المحاضر، بل يتحول إلى حالة تطبيقية على ما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تتصالح مع التعلم المستمر. وهذه الفكرة تحديداً تستحق اهتماماً عربياً، لأنها تمس سؤالاً أوسع: كيف يمكن لمؤسساتنا الثقافية أن تصنع أفراداً قادرين على مواكبة التحولات التقنية، لا الاكتفاء بمراقبتها من الخارج؟
وربما لهذا السبب يخرج الخبر من دائرة الغرابة إلى دائرة الدلالة. فحين يتعلم مسؤول سابق التأليف بالذكاء الاصطناعي، ثم يدخل بهذه التجربة إلى مسابقة دولية في مدينة لها وزنها الرمزي في تاريخ الجاز، فإن الرسالة الأعمق ليست أن كوريا ربحت جولة جديدة في الترويج لنفسها، بل أن مشهدها الثقافي يختبر أشكالاً جديدة من إنتاج المعنى.
النتيجة لم تُحسم بعد… لكن الإشارة وصلت
من الناحية المهنية، لا ينبغي تضخيم ما حدث بما يتجاوز الوقائع المتاحة. لا توجد حتى الآن معلومة تفيد بفوز "Frozen Edge" بالجائزة النهائية، ولا معطيات منشورة بالتفصيل حول طبيعة العمل الموسيقية أو كيفية تلقيه من الجمهور والنقاد. ما نعرفه على وجه الدقة هو أن المقطوعة وصلت إلى نصف النهائي ضمن 15 عملاً، وأن صاحبها مسؤول كوري جنوبي سابق استخدم الذكاء الاصطناعي في التأليف ضمن مشروع أوسع قائم على إعادة تقديم سونيتات شكسبير.
لكن في العمل الصحفي الجاد، ليست كل قصة مهمة لأنها انتهت بانتصار مدوٍ. أحياناً تكون قيمة الحدث في ما يكشفه من تغيرات أعمق تحت السطح. وهذا بالتحديد ما تقوله هذه الواقعة: إن الثقافة الكورية، التي عرفها العالم العربي غالباً عبر الدراما والبوب والنجومية اللامعة، تتحرك أيضاً في مساحات أكثر هدوءاً وتعقيداً، حيث يلتقي الأدب الكلاسيكي مع الجاز، والذكاء الاصطناعي مع التجربة الشخصية، والمسؤول السابق مع شغفه القديم الذي وجد طريقاً جديداً للتعبير.
للقارئ العربي الذي يتابع كوريا من نافذة "الهاليو"، يفتح هذا الخبر نافذة أخرى على بلد لا يتعامل مع التكنولوجيا بوصفها عرضاً جانبياً، بل كجزء من إعادة تشكيل الحقل الثقافي نفسه. وللقارئ المهتم بمستقبل الفنون، يقدم الخبر مادة خصبة للتأمل: ربما لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت الآلة تستطيع أن تؤلف، بل كيف يمكن للإنسان أن يستخدمها من دون أن يتخلى عن بصمته.
في النهاية، سواء فازت "Frozen Edge" أم لا، فإن وصولها إلى نصف النهائي في مونترو يكفي ليعلن عن حقيقة باتت أكثر وضوحاً: حدود الإبداع تتغير، والفاعلون فيه يتغيرون أيضاً. ومن يدري؟ ربما نرى قريباً في عالمنا العربي مسؤولين سابقين، أو أكاديميين، أو كتّاباً، يخوضون المسار نفسه، لا لأن التكنولوجيا موضة عابرة، بل لأنها أصبحت ساحة جديدة لاختبار معنى الخلق الفني في القرن الحادي والعشرين.
0 تعليقات