광고환영

광고문의환영

انتخاب رئيس جديد لأطباء الامتياز والإقامة في كوريا الجنوبية يفتح نقاشاً أوسع حول العدالة المهنية وجودة التدريب

انتخاب رئيس جديد لأطباء الامتياز والإقامة في كوريا الجنوبية يفتح نقاشاً أوسع حول العدالة المهنية وجودة التدريب

وجوه جديدة في قيادة الأطباء الشباب بكوريا

في تطور لافت داخل القطاع الصحي الكوري الجنوبي، انتخب الأطباء المقيمون، وهم الفئة التي تمثل العمود الفقري اليومي للمستشفيات الجامعية والتعليمية، الطبيب الشاب لي أوي-جو رئيساً جديداً لجمعيتهم المهنية على مستوى البلاد. وبحسب نتائج الاقتراع المعلنة في نهاية يوليو، حصد المرشح الذي خاض السباق منفرداً تأييداً واسعاً من المشاركين، ما منح فوزه دلالة تتجاوز مجرد انتقال إداري روتيني داخل مؤسسة نقابية أو مهنية. ففي بلد مثل كوريا الجنوبية، حيث يحتل التعليم الصارم والانضباط المؤسسي مكانة مركزية في الحياة العامة، لا تُقرأ انتخابات كهذه فقط بوصفها اختياراً لشخص، بل باعتبارها مؤشراً على ما تريده قاعدة مهنية شابة من الدولة والمستشفيات والجامعة معاً.

الهيئة التي انتخبت رئيسها الجديد هي الجمعية الكورية للأطباء المقيمين والمتدربين، وهي الجهة التي تمثل الأطباء الذين أنهوا دراسة الطب وبدؤوا مرحلة التدريب التخصصي داخل المستشفيات تمهيداً للحصول على صفة الاختصاصي. وللقارئ العربي، يمكن تشبيه هذه الفئة بما يُعرف في كثير من بلداننا العربية بأطباء الامتياز أو الأطباء المقيمين، مع اختلافات تنظيمية من دولة إلى أخرى. هؤلاء هم الأطباء الذين يقفون في منطقة شديدة الحساسية بين التعلم والعمل: فهم أطباء يعالجون المرضى ويشاركون في العمليات والخدمات المناوبة، لكنهم في الوقت نفسه متدربون ما زالوا في طور بناء خبرتهم التخصصية. هذه الازدواجية تجعل أي نقاش يتعلق بهم نقاشاً عن شروط العمل، وعن جودة التعليم الطبي، وعن سلامة المرضى في الوقت ذاته.

النتيجة الرقمية للاقتراع كانت بدورها ذات مغزى. فالمشاركة تجاوزت نصف الجسم الانتخابي، بينما منح أكثر من تسعة من كل عشرة مشاركين أصواتهم بالموافقة. صحيح أن وجود مرشح واحد يخفف من عنصر المنافسة التقليدي، لكنه لا يلغي الرسالة السياسية والمهنية التي تحملها هذه النسبة، خاصة في مناخ كوري ظل خلال الشهور الماضية مشحوناً بالنقاش حول إصلاح القطاع الصحي وعلاقة الحكومة بالأطباء الشباب. من هنا، يبدو أن الرئيس الجديد لا يتسلم منصبه بصفته شخصية إدارية فقط، بل كواجهة لتوقعات مرتفعة من جيل كامل يشعر أن الوقت حان للانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تعريف معنى التدريب الطبي الجيد.

وفي الإعلام العربي، اعتدنا كثيراً أن نتابع أخبار كوريا الجنوبية عبر بوابات الثقافة الشعبية، من الدراما إلى الكيبوب والمطبخ والموضة. لكن خلف الصورة اللامعة التي تصنعها سيول على الشاشات والمنصات، هناك مجتمع شديد الحيوية يفاوض باستمرار على شروط العمل والتعليم والرفاه الاجتماعي. والواقع أن هذا الخبر، رغم طابعه المهني المتخصص، يكشف جانباً مهماً من كوريا المعاصرة: بلد يملك اقتصاداً متقدماً وصناعة ثقافية مؤثرة، لكنه يواجه مثل سواه أسئلة صعبة عن الضغط المهني، والتمثيل النقابي، والتوازن بين الكفاءة الإنسانية ومتطلبات المؤسسات الكبرى.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟

قد يسأل بعض القراء: ما الذي يجعل انتخاب رئيس جمعية للأطباء المقيمين في كوريا الجنوبية خبراً يستحق المتابعة عربياً؟ الجواب أن القضية لا تخص كوريا وحدها، بل تمس نموذجاً عالمياً يتكرر بأشكال مختلفة في أنظمتنا الصحية العربية أيضاً. فالأطباء الشباب في القاهرة والرياض وبيروت والدار البيضاء وتونس وعمّان يعرفون جيداً معنى أن يكون الطبيب في أول حياته المهنية مثقلاً بالمناوبات، والتوثيق الإداري، وتوقعات التفوق الأكاديمي، وضغط العلاقة مع المرضى وذويهم، فضلاً عن محدودية الدخل في كثير من الأحيان. لذلك، حين يرفع أطباء كوريا الشباب شعارات من نوع تحسين الأجور، وضمان وقت التدريب المحمي، وتخفيف عبء السجلات، وتوسيع مشاركتهم في صياغة السياسات، فهم في الحقيقة يطرحون أسئلة قريبة جداً من أسئلة القطاع الصحي في منطقتنا.

في الثقافة العربية، كثيراً ما ينظر المجتمع إلى الطبيب باعتباره صاحب مكانة مستقرة ونفوذ مهني ومالي، وهي صورة لا تخلو من الصحة على المدى البعيد، لكنها تخفي سنوات طويلة من الإرهاق المهني والتدرج القاسي في بداية الطريق. وفي هذا الجانب تحديداً، تبدو التجربة الكورية مرآة تستحق التأمل. لأن النقاش هناك لا يقتصر على تحسين ظروف معيشية لفئة مهنية، بل يمتد إلى سؤال أعمق: كيف نضمن أن الوقت الذي يقضيه الطبيب الشاب في المستشفى هو وقت يصنع طبيباً أفضل، لا مجرد عامل مستنزف داخل ماكينة لا تتوقف؟

هذه النقطة شديدة الأهمية، خصوصاً في المجتمعات التي تواجه نقصاً في الكوادر الطبية أو تركزاً للخدمات في المدن الكبرى أو تفاوتاً بين القطاعين العام والخاص. ففي كثير من الدول العربية، يعاني الأطباء المقيمون من معادلة معقدة: مطلوب منهم إنجاز العمل السريري اليومي بكثافة، وفي الوقت نفسه مواصلة التعلم والبحث والاستعداد للامتحانات والتقييمات. وإذا اختل هذا التوازن، تصبح النتيجة ضرراً مزدوجاً: طبيب أقل قدرة على التطور، ومريض أقل استفادة من نظام التدريب نفسه. من هنا، فإن متابعة النقاش الكوري ليست ترفاً خارجياً، بل نافذة على قضية مهنية وإنسانية يلمسها القارئ العربي حتى لو اختلفت الأطر القانونية والمؤسساتية.

ثم إن كوريا الجنوبية تحظى في المخيال العربي المعاصر بصورة خاصة باعتبارها بلداً نجح في الجمع بين الحداثة الاقتصادية والانضباط المؤسسي والقدرة على التصدير الثقافي. وحين يظهر التوتر داخل قطاعاتها الحيوية، فإن ذلك يذكرنا بأن النموذج الناجح لا يعني غياب المشكلات، بل ربما يعني فقط وجود مؤسسات قادرة على تحويل التذمر المهني إلى نقاش عام وبرنامج مطالب واضح. وهذه إحدى الرسائل اللافتة في هذه الانتخابات: أن الأطباء الشباب لم يكتفوا بالاعتراض العام، بل صاغوا أجندة محددة تقيس المشكلة في أربعة عناوين مترابطة.

أربعة ملفات تختصر أزمة التدريب الطبي

الرئيس الجديد طرح برنامجاً يركز على أربعة محاور: رفع الأجور، وضمان ساعات تدريب محمية، وتبسيط سجلات التدريب، وتوسيع البحث والسياسات الخاصة بالأطباء الشباب. وهذه المحاور قد تبدو للوهلة الأولى مطالب نقابية تقليدية، لكنها في الحقيقة أقرب إلى إعادة تصميم ليوم الطبيب المقيم من بدايته إلى نهايته. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم الراتب أو عدد الساعات، بل بما إذا كان هذا النظام برمته يسمح للطبيب أن يتعلم فعلاً ويعمل بكرامة من دون أن يتحول إلى موظف محاصر بالإنهاك والورق.

المحور الأول، أي الأجور، يلامس أبسط معاني العدالة المهنية. فالتدريب الطبي ليس دراسة نظرية معزولة، بل عمل حقيقي شاق، يشمل مناوبات ليلية، ومشاركة في اتخاذ قرارات حساسة، وتعاطياً مع الحالات الطارئة والمرهقة نفسياً. وحين يشعر الطبيب المقيم أن المقابل المادي لا يعكس حجم العبء والمسؤولية، فإن ذلك لا ينتج فقط شعوراً بالغبن، بل يضرب أيضاً معنى الالتزام المؤسسي على المدى الطويل. وفي المجتمعات الآسيوية، ومنها كوريا، يرتبط الراتب كذلك بالتقدير الرمزي داخل المؤسسة، لا بالمردود المالي وحده. لذا فإن المطالبة بزيادة الأجور هي أيضاً مطالبة باعتراف صريح بأن التدريب ليس مرحلة هامشية، بل جزء أساسي من تشغيل المستشفى.

أما المحور الثاني، المتعلق بـ«ساعات التدريب المحمية»، فهو يحتاج إلى شرح للقارئ العربي لأن المصطلح قد يبدو تقنياً. المقصود هنا هو تخصيص وقت واضح ومضمون داخل جدول الطبيب المقيم للتعلم والتدريب الفعلي، من حضور المحاضرات ومناقشة الحالات والتدريب الإجرائي والتوجيه الأكاديمي، بحيث لا تبتلع الأعمال الروتينية كل ساعات اليوم. بكلمات أبسط: ليس المطلوب فقط أن يكون الطبيب موجوداً في المستشفى، بل أن يكون هناك وقت لا يُستباح بالكامل بالخدمة اليومية، حتى يبقى التدريب تدريباً بالفعل. هذه الفكرة معروفة في الأنظمة الطبية المتقدمة، لكنها تصطدم عملياً بنقص الكوادر وضغط العمل، فتتحول بسهولة إلى بند جميل على الورق ما لم تدافع عنه جهة تمثيلية قوية.

المحور الثالث هو تبسيط سجلات التدريب. وفي هذا الملف تحديداً تلتقي كوريا مع ظاهرة عالمية باتت تؤرق العاملين في الصحة والتعليم والخدمات العامة: التضخم الإداري. فالمؤسسات الحديثة تميل إلى توثيق كل شيء، بدافع الجودة والمحاسبة والاعتماد، لكن الإفراط في التوثيق قد يحول الطبيب من متعلم وممارس إلى ناسخ بيانات يطارد النماذج والمنصات. والرسالة التي يحملها هذا المطلب أن السجلات مهمة، لكن بشرط ألا تصبح غاية بذاتها. فحين يستنزف التوثيق وقتاً وطاقة كانا يجب أن يذهبا إلى التعلم أو رعاية المريض، تصبح البيروقراطية خصماً للتدريب بدل أن تكون أداة لتنظيمه.

أما المحور الرابع، وهو توسيع البحث والسياسات الخاصة بالأطباء الشباب، فهو ربما الأكثر طموحاً وعمقاً. لأن معناه الضمني أن الأطباء المقيمين لا يريدون البقاء في موقع المتلقي لقرارات تصاغ فوقهم أو بعيداً عنهم، بل يريدون أن يكونوا طرفاً في إنتاج المعرفة المتعلقة بظروفهم المهنية والتعليمية. وهذا تطور بالغ الدلالة: الانتقال من الشكوى إلى البحث، ومن التذمر إلى اقتراح السياسات. في السياق العربي، نعرف جيداً كيف تظل كثير من النقاشات المهنية أسيرة الانطباعات الشخصية والتجارب الفردية. أما حين تُحوَّل المعاناة اليومية إلى بيانات ودراسات ومقارنات، فإن المطالب تكتسب وزناً أكبر وقدرة أعلى على التأثير في المشرعين والجامعات وإدارات المستشفيات.

من إدارة الفوضى إلى المطالبة بالإصلاح

أهمية هذه الانتخابات تتعزز إذا وُضعت في سياق أوسع شهدته كوريا الجنوبية في الفترة الأخيرة، حيث مرّ القطاع الصحي بحالة من الاضطراب والسجال الحاد على خلفية سياسات حكومية وإصلاحات أثارت اعتراضات واسعة بين الأطباء، وخصوصاً الشباب منهم. وفي مثل هذه اللحظات، تنشغل المؤسسات المهنية عادة بمحاولة احتواء الفوضى، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الداخلي، وتخفيف آثار الصدام على بيئات العمل والتدريب. لكن ما يبدو من خطاب القيادة الجديدة هو أن الجمعية تريد الانتقال من مرحلة امتصاص الصدمة إلى مرحلة البناء على الدروس المستفادة، أي تحويل الأزمة إلى فرصة لانتزاع إصلاحات ملموسة.

هذا التحول بالغ الأهمية. ففي كثير من الأزمات المهنية، تنجح النقابات أو الجمعيات في حشد الغضب، لكنها تفشل لاحقاً في ترجمة ذلك إلى برنامج عملي واضح. أما هنا، فالمشهد يوحي بأن الأطباء الشباب في كوريا يسعون إلى تثبيت فكرة محورية: تحسين أوضاع المقيم ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، بل مدخل لتحسين البنية الصحية نفسها. لأن الطبيب المنهك، والمستنزف بالأوراق، والمحروم من وقت التعلم المنظم، لا يمكنه أن يقدّم أفضل ما عنده للمريض ولا أن يتحول لاحقاً إلى اختصاصي عالي الكفاءة.

اللافت أيضاً أن الرئيس المنتخب ليس وجهاً بعيداً عن العمل التنظيمي، بل سبق أن شغل موقع نائب الرئيس، ما يمنحه خبرة في توازنات الجمعية واستمرارية في معرفة الملفات العالقة. وهذا النوع من الانتقال الداخلي قد يحمل ميزة مزدوجة: فمن جهة يضمن عدم ضياع ما تراكم خلال الفترة الماضية، ومن جهة أخرى يرفع سقف التوقعات لأن القاعدة المهنية ستعتبر أن الأعذار المرتبطة بقلة الخبرة لم تعد مطروحة. بكلمات أخرى، الاستمرارية هنا نعمة واختبار في آن واحد.

في الإعلام العربي، نعرف هذا النمط جيداً في الأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية: حين يأتي القائد الجديد من داخل المؤسسة نفسها، يترقب الأعضاء ما إذا كان سيكتفي بإدارة الموروث أم سيحوّله إلى مشروع أكثر جرأة. والحال أن الأطباء المقيمين في كوريا، بحسب مؤشرات التصويت وخطاب البرنامج، لا يطلبون مجرد إدارة هادئة، بل يطالبون بنتائج قابلة للقياس. وهذا ما يجعل الشهور المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الجمعية ستنجح في فرض لغة جديدة على الحوار مع المستشفيات والسلطات الصحية.

خصوصية مفهوم «الطبيب المقيم» في كوريا الجنوبية

لكي نفهم أبعاد هذا الخبر بعمق، من المفيد التوقف عند خصوصية موقع الطبيب المقيم في كوريا الجنوبية. فالمجتمع الكوري، شأنه شأن عدد من المجتمعات الآسيوية، يمنح قيمة عالية للنجاح الأكاديمي والمسار المهني المنضبط. والطبيب تحديداً يحتل مكانة معتبرة، ليس فقط من حيث الدخل أو المكانة الاجتماعية، بل من حيث الرمزية الثقافية المرتبطة بالتفوق والاجتهاد وخدمة المجتمع. غير أن الوصول إلى هذه المكانة يمر عبر سنوات شديدة الصعوبة، ويُنتظر من الطبيب خلالها أن يتحمل ضغوطاً كبيرة بوصفها جزءاً من «الطريق الطبيعي» نحو النضج المهني.

هذه الفكرة، أي تطبيع المعاناة بوصفها ثمناً للجدارة، ليست غريبة على القارئ العربي. ففي جامعاتنا وكلياتنا ومهننا، كثيراً ما يُقال للشباب إن القسوة في البدايات ضرورية لصناعة المحترفين. لكن الخبرة الحديثة في التعليم والعمل أظهرت أن هذا المنطق يصبح خطيراً حين يتجاوز حدوده المعقولة، فيحوّل التدريب إلى استنزاف، ويخلط بين الانضباط والإرهاق، وبين الصرامة والإهمال. من هنا تكتسب مطالب الأطباء المقيمين في كوريا طابعاً ثقافياً أيضاً: إنها تقول للمؤسسة إن التضحية لا يجب أن تكون بلا سقف، وإن الجودة لا تأتي من إنهاك المتدرب بل من تنظيم خبرته بطريقة عقلانية.

كما أن الطبيب المقيم في كوريا ليس مجرد طالب داخل قاعة، بل عنصر فاعل في سير المستشفى. وفي المستشفيات الكبرى، وخاصة تلك المرتبطة بالمراكز الجامعية المرموقة، يعتمد جزء كبير من العمل اليومي على هذه الفئة التي تتابع المرضى وتنفذ التعليمات وتغطي المناوبات وتتعلم بالممارسة. لذلك، فإن أي خلل في وضع المقيمين ينعكس فوراً على الإيقاع العام للمؤسسة الصحية. وهذا يفسر لماذا تتحول قضاياهم أحياناً إلى شأن وطني، لا إلى قضية مهنية داخلية فقط.

وللقارئ الذي يتابع الدراما الكورية الطبية، قد تبدو صورة الطبيب الشاب في المسلسلات لامعة ومشحونة بالعاطفة والبطولة الفردية. لكن الواقع، كما تكشفه هذه الانتخابات، أكثر تعقيداً: وراء الرداء الأبيض هناك صراع يومي مع الوقت، والتقييمات، والورديات، والإجراءات، وتراتبية المستشفى. وفي هذا الجانب تحديداً، تقدم الحياة المهنية في كوريا درساً مهماً: حتى في الأنظمة التي تبدو شديدة الكفاءة من الخارج، تبقى مسألة العدالة داخل الهرم المهني قضية مفتوحة لا تُحل تلقائياً بفضل التقدم الاقتصادي أو السمعة الدولية.

ما الذي قد يتغير فعلاً؟

السؤال الأساسي الآن ليس ماذا قال الرئيس الجديد، بل ماذا يستطيع أن يحقق. فالبرامج الانتخابية في الهيئات المهنية، مثلها مثل البرامج السياسية، تواجه اختبار الواقع بمجرد انتهاء التصويت. وفي حالة الأطباء المقيمين في كوريا الجنوبية، يتوقف نجاح الأجندة الجديدة على عدة عوامل: قدرة الجمعية على التفاوض مع المستشفيات الكبرى، ومستوى التجاوب من الجهات الحكومية المختصة، وإمكانية تحويل المطالب العامة إلى بنود تنظيمية وجداول تنفيذية واضحة.

رفع الأجور، مثلاً، يتطلب مفاوضات مالية ومؤسسية قد تكون شائكة، لأن المستشفيات ستربط أي زيادة بميزانياتها وبنمط توزيع الموارد البشرية. وضمان ساعات تدريب محمية قد يبدو مطلباً منطقياً، لكنه يصطدم مباشرة بحقيقة أن الخدمات الطبية لا تنتظر، وأن أي تخصيص للوقت التعليمي يحتاج إلى بدائل تغطي العمل السريري. كذلك فإن تبسيط السجلات قد يواجه مقاومة من الإدارات التي ترى في التوثيق الكثيف وسيلة للحماية القانونية والاعتماد المؤسسي. أما إدخال الأطباء الشباب بقوة إلى مجال البحث وصياغة السياسات، فهو يتطلب بنية معرفية ودعماً تنظيمياً وتمويلاً واستمرارية تتجاوز الحماس الأولي.

ومع ذلك، فإن وجود أجندة متماسكة بحد ذاته يمثل تقدماً. لأن التغيير في المؤسسات المعقدة لا يأتي عادة عبر قفزة واحدة، بل عبر تراكمات مدروسة. وإذا تمكنت القيادة الجديدة من تحقيق اختراق في ملف واحد أو اثنين، كتنظيم وقت التدريب أو تقليص العبء الورقي، فقد ينعكس ذلك سريعاً على ثقة الأطباء الشباب بقدرة جمعيتهم على الإنجاز. وحين تتولد هذه الثقة، يصبح من الأسهل توسيع المعركة إلى ملفات أعمق وأكثر حساسية.

في السياق العربي، يمكن قراءة هذه التجربة باعتبارها تذكيراً بأن إصلاح بيئات التدريب لا يحتاج فقط إلى مزيد من التمويل، رغم أهمية التمويل، بل يحتاج أيضاً إلى حسن تعريف المشكلة. فحين تُصاغ الأزمة بدقة، كما في الحالة الكورية بين أجر ووقت وسجل وسياسة، يصبح الحوار أكثر جدوى من الشكوى المفتوحة. وربما هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن أن يلتقطه المهنيون وصانعو القرار في منطقتنا: أن جودة القطاع الصحي تبدأ كثيراً من مكان يبدو أحياناً مهمشاً، وهو حياة الطبيب الشاب داخل يومه المرهق.

رسالة تتجاوز كوريا: من هو «مكان العمل الجيد»؟

الجانب الأكثر إثارة في هذه القصة هو أنها تعيد تعريف ما يسمى «مكان العمل الجيد» في المهن المعرفية المعقدة. ففي العقود الماضية، كان النقاش حول جودة العمل يدور غالباً حول الراتب والاستقرار الوظيفي. أما اليوم، فالأجيال الجديدة في قطاعات عدة، من التكنولوجيا إلى الإعلام إلى الطب، باتت تطرح أسئلة أوسع: هل يتيح لي هذا المكان أن أتعلم؟ هل يحترم وقتي؟ هل يثق بمهنتي أم يغرقني بالرقابة الورقية؟ وهل يسمح لي بالمشاركة في صياغة مستقبلي بدل الاكتفاء بتلقي التعليمات؟

في هذا المعنى، فإن ما يجري في كوريا الجنوبية ليس قصة أطباء فقط، بل قصة تحول أوسع في وعي المهنيين الشباب. إنهم لا يرفضون الجهد، ولا يطلبون طريقاً سهلاً إلى التخصص، بل يطالبون بأن يكون الجهد موجهاً إلى ما يرفع الكفاءة فعلاً، لا إلى ما يستهلكها. وهذه لغة نسمع صداها في قطاعات كثيرة من العالم العربي أيضاً، حيث تتغير نظرة الأجيال الجديدة إلى معنى النجاح، والكرامة المهنية، والصحة النفسية، والتوازن بين العمل والتعلم والحياة.

قد تبدو المسافة الجغرافية والثقافية بين سيول والعالم العربي كبيرة، لكن هذا الخبر يكشف أن هموم المهن الحديثة باتت عابرة للحدود أكثر مما نتصور. فالطبيب المقيم في كوريا، مثل نظيره العربي، يريد أن يُعامَل بوصفه إنساناً يتعلم ويخدم ويستحق نظاماً عادلاً، لا مجرد ترس صامت في مؤسسة ضخمة. وإذا كانت كوريا الجنوبية، بكل ما تمثله من تطور وانضباط، تخوض هذا النقاش الآن بهذه الحدة، فإن ذلك يقول شيئاً مهماً للجميع: لا توجد منظومة صحية متقدمة حقاً إذا كانت تبني تميزها على إنهاك الحلقة الأضعف فيها.

الأسابيع والأشهر المقبلة ستُظهر ما إذا كانت القيادة الجديدة ستنجح في نقل هذا الوعي إلى قرارات فعلية. لكن حتى قبل ظهور النتائج، ثمة حقيقة واضحة: الأطباء الشباب في كوريا الجنوبية رفعوا سقف النقاش من مطالب متفرقة إلى تصور شامل يربط بين الأجر، والوقت، والإدارة، والحق في المساهمة بالسياسات. وهذه، في حد ذاتها، قصة تستحق المتابعة، لا لأنها تتعلق بكوريا فحسب، بل لأنها تضع إصبعها على سؤال إنساني ومهني عالمي: كيف نصنع طبيباً جيداً من دون أن نكسر الإنسان الذي بداخله؟

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات