광고환영

광고문의환영

جلسة مساءلة تهز كرة القدم الكورية: كيف تحوّل إخفاق المونديال إلى امتحان للشفافية والثقة؟

جلسة مساءلة تهز كرة القدم الكورية: كيف تحوّل إخفاق المونديال إلى امتحان للشفافية والثقة؟

من إخفاق رياضي إلى سؤال عام عن الحوكمة

في كوريا الجنوبية، لا تُعامَل كرة القدم بوصفها لعبة شعبية فحسب، بل باعتبارها مساحة تتقاطع فيها الوطنية والنجاح المؤسسي وصورة البلاد الحديثة أمام العالم. لذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول تداعيات الخروج المبكر من نهائيات كأس العالم 2026 في أميركا الشمالية إلى قضية سياسية وبرلمانية، بعدما مثل مسؤولون بارزون وشخصيات كروية معروفة أمام لجنة الثقافة والرياضة والسياحة في الجمعية الوطنية الكورية، في جلسة استماع طويلة خُصصت لمراجعة طريقة إدارة المنتخب الوطني وآليات اتخاذ القرار داخل الاتحاد الكوري لكرة القدم.

الجلسة، التي امتدت لنحو 12 ساعة، لم تكن مجرد محاكمة لمباراة خاسرة أو لنتيجة مخيبة للآمال، بل كانت في جوهرها محاولة لطرح سؤال أوسع: هل تُدار كرة القدم الكورية، التي طالما قُدمت نموذجًا للانضباط والتخطيط، وفق معايير شفافة وعادلة تليق بحجمها الشعبي والرمزي؟ هذا السؤال لا يخص الكوريين وحدهم. ففي العالم العربي أيضًا، نعرف جيدًا كيف يمكن لهزيمة في بطولة كبرى أن تفتح أبواب النقاش على مصراعيها بشأن المسؤولية، والكفاءة، وتضارب المصالح، وطريقة اختيار المدربين، وحدود المحاسبة داخل الاتحادات الرياضية.

وبحسب ما طُرح خلال الجلسة، انصب التركيز على مسار تعيين الجهاز الفني للمنتخب، وعلى أسلوب إدارة الاتحاد، وعلى ما إذا كانت القرارات المصيرية تُتخذ وفق معايير مهنية واضحة أم ضمن دوائر ضيقة يغلب عليها النفوذ الشخصي والولاءات القديمة. وقد قدّم عدد من المسؤولين اعتذارًا عن النتائج المتواضعة، لكنهم رفضوا في الوقت نفسه معظم الشبهات التي أثارها النواب، ما جعل الجلسة تبدو، في نظر كثيرين، مواجهة بين غضب الرأي العام من جهة، ومنظومة إدارية متمسكة بروايتها من جهة أخرى.

في السياق العربي، قد يذكّر هذا المشهد ببرلمانات أو لجان تحقيق دعت بعد إخفاقات كبرى إلى مساءلة الاتحادات المحلية، حين يتحول المنتخب من فريق يمثل الدولة في الملعب إلى مرآة تعكس طريقة إدارة المؤسسات كلها. واللافت في الحالة الكورية أن النقاش لم يقتصر على نتيجة المنتخب، بل امتد إلى ما هو أبعد: الثقة العامة، وحق الجمهور في المعرفة، ومعنى أن تكون الرياضة الحديثة خاضعة للمساءلة مثل أي قطاع يتصل بالمصلحة العامة.

لماذا اكتسبت الجلسة البرلمانية كل هذه الأهمية؟

لفهم أهمية ما جرى، ينبغي أولًا التوقف عند المكانة الخاصة لكرة القدم في كوريا الجنوبية. فكما تمثل كرة القدم في بلدان عربية كثيرة مناسبة جامعة تتجاوز الانقسامات اليومية، تحتل اللعبة في كوريا مساحة عاطفية ورمزية كبيرة. ويكفي أن نتذكر أن الذاكرة الكروية الكورية ما تزال تحتفظ بمكانة استثنائية لمونديال 2002، عندما استضافت البلاد البطولة مع اليابان وبلغ منتخبها الدور نصف النهائي في إنجاز تاريخي رسّخ فكرة أن كرة القدم الكورية قادرة على منافسة الكبار إذا توافرت لها الإدارة الجيدة والتخطيط والانضباط.

لهذا السبب، فإن أي تراجع حاد في النتائج لا يُقرأ هناك كتعثر عابر فحسب، بل كإشارة إلى احتمال وجود خلل أعمق. ومن هنا جاءت جلسة لجنة الثقافة والرياضة والسياحة، وهي لجنة برلمانية تتولى متابعة قضايا السياسة الثقافية والإعلامية والرياضية والسياحية. وفي النظام الكوري الجنوبي، لا تبدو مثل هذه اللجان بعيدة عن الرياضة كما قد يتصور البعض، لأن الرياضة تُعامل بوصفها شأنًا عامًا يرتبط بالتمويل والسمعة الوطنية والمساءلة المؤسسية.

ما زاد من حساسية الجلسة أن الشخصيات المستدعاة ليست أسماء عابرة. فقد حضر مدرب سابق للمنتخب الوطني ورئيس سابق للاتحاد، وهما اسمان يرتبطان بتاريخ كروي مؤثر في البلاد. وفي الثقافة الكورية، حيث يكتسب عامل الاحترام للتسلسل والرمزية الاجتماعية وزنًا معتبرًا، فإن مساءلة شخصيات ذات مكانة كهذه داخل البرلمان تحمل دلالات تتجاوز الملف الرياضي نفسه. إنها رسالة تقول إن الرمز لا يعفي من السؤال، وإن الشعبية السابقة أو التاريخ الشخصي لا ينبغي أن يكونا حصانة ضد المساءلة العامة.

ومن زاوية أخرى، تعكس الجلسة تحوّل الجمهور الكوري نفسه. فالمشجع اليوم، سواء في سيول أو بوسان أو إنشيون، لم يعد يكتفي بالتصفيق عند الفوز أو الغضب عند الخسارة، بل بات يسأل عن الوثائق والإجراءات وآليات التصويت وتفاصيل التعاقدات. وهذا التطور ليس خاصًا بكوريا وحدها؛ إنه جزء من التحول العالمي الذي جعل الرياضة الاحترافية صناعة ضخمة، تفرض على إداراتها معايير أشد صرامة في الحوكمة والإفصاح والتواصل.

المدرب والاتحاد تحت المجهر: أزمة إجراءات أم أزمة ثقة؟

النقاش الأبرز في الجلسة تمحور حول كيفية اختيار مدرب المنتخب، وهي مسألة يعرف الجمهور العربي حساسيتها جيدًا. ففي كثير من بلداننا، يتحول اسم المدرب إلى عنوان لصراع بين تيارات مختلفة: من يفضّل المدرسة المحلية، ومن يدافع عن الأجنبي، ومن يرى أن المشكلة ليست في الاسم بل في البيئة الإدارية التي يعمل داخلها. وفي كوريا الجنوبية، بدا أن السؤال لم يكن فقط: هل كان المدرب المناسب في المكان المناسب؟ بل أيضًا: كيف جرى الاختيار أصلًا؟ ومن شارك فيه؟ وهل كانت المعايير معلنة ومتساوية؟

هذه النقطة بالذات تكشف الفارق بين أزمة نتيجة وأزمة مؤسسة. فالخسارة في بطولة عالمية قد تقع حتى مع أفضل التحضيرات، لكن الغموض في الإجراءات يترك انطباعًا أكثر ضررًا على المدى الطويل، لأنه يضرب الثقة في النظام نفسه. ولذلك بدا أن كثيرًا من النواب ركزوا على الشفافية في مسار القرار، وليس فقط على النتيجة النهائية فوق العشب. وقد نفى المسؤولون وجود مخالفات متعمدة أو ترتيبات غير عادلة، لكن مجرد اضطرارهم إلى تقديم هذا النفي تحت قبة البرلمان يوضح حجم التآكل الذي أصاب صورة الاتحاد أمام الرأي العام.

في الرياضة المعاصرة، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها تصرفت بما يخدم المصلحة الفنية؛ عليها أن تُظهر كيف توصلت إلى ذلك القرار. وهذا يشبه، إلى حد بعيد، ما يحدث في قطاعات أخرى حين لا يكفي الإعلان عن القرار النهائي، بل يصبح المسار الذي أُنتج به القرار جزءًا من شرعيته. فالجمهور يريد أن يعرف: هل كانت هناك لجنة مستقلة؟ هل وُضعت معايير تقييم؟ هل خضع المرشحون للمفاضلة وفق مؤشرات واضحة؟ هل فُصلت الاعتبارات الشخصية عن المصلحة العامة؟

وفي الحالة الكورية، اكتسب هذا السجال بعدًا إضافيًا بسبب شخصية بعض الأسماء المرتبطة بالملف، إذ إن كرة القدم في كوريا، كما في دول عديدة، ما تزال متأثرة بثقل النجوم السابقين والعلاقات المتراكمة عبر عقود. وهذه ظاهرة مفهومة إنسانيًا، لأن رموز اللعبة غالبًا ما يستمر حضورهم بعد الاعتزال في مواقع الإدارة والتوجيه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرصيد التاريخي إلى بديل عن النظام المؤسسي، أو عندما تصبح العلاقة بين أهل اللعبة المغلقة أقوى من حق الجمهور في معرفة كيف يُتخذ القرار.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما حدث: الجلسة لم تقل إن كرة القدم الكورية تفتقر إلى الكفاءات، بل طرحت سؤالًا أشد إزعاجًا، وهو ما إذا كانت تلك الكفاءات تعمل داخل بنية إدارية قادرة على حماية نفسها من الشبهات، حتى في حال سلامة النوايا. وفي عالم الإعلام والجمهور الرقمي، لا يكفي أن تكون الإجراءات سليمة في الداخل إذا كانت تبدو غامضة في الخارج.

ما معنى «الشفافية» في الرياضة الكورية؟

حين يتحدث الإعلام الكوري أو النواب عن الشفافية، فهم لا يقصدون مجرد نشر بيان مقتضب أو عقد مؤتمر صحافي بعد وقوع الأزمة. المقصود أوسع من ذلك: وجود قواعد مكتوبة، وإجراءات قابلة للتدقيق، وتوزيع واضح للمسؤوليات، وآليات مساءلة لا تتعطل عند أول اختبار. هذا الفهم يقترب من المعنى المتداول اليوم في المؤسسات الرياضية الدولية، حيث يُنظر إلى الاتحاد الناجح على أنه ليس فقط من يحقق نتائج، بل من يبني نظامًا يمكن الوثوق به حتى في أوقات الهزيمة.

في الثقافة الكورية الحديثة، التي تشكلت تحت ضغط التنافس الاقتصادي والتعليمي والصناعي الشديد، تحظى فكرة الكفاءة الإدارية بقيمة كبيرة. ومن هنا يمكن فهم الغضب الشعبي عندما يشعر الناس بأن مؤسسة بحجم الاتحاد الكوري لكرة القدم لا تدير ملفاتها بحس احترافي يوازي مكانة البلاد. فالمشجع الكوري، الذي يرى شركات بلاده تنافس عالميًا في التكنولوجيا والسيارات والترفيه، يتوقع من مؤسساته الرياضية أن تعكس المستوى ذاته من التنظيم والانضباط.

ولعل هذا ما يجعل المقارنة مع الموجة الكورية، أو «الهاليو»، مفيدة هنا. فكما نجحت كوريا الجنوبية في تصدير الدراما والموسيقى والسينما عبر مزيج من الموهبة والإدارة الذكية والتخطيط طويل المدى، تريد أيضًا أن تُبقي صورتها الرياضية متماسكة. غير أن الصناعة الثقافية والرياضة تشتركان في أمر أساسي: الموهبة وحدها لا تكفي. ثمة حاجة دائمة إلى إدارة ذكية، وتواصل صريح، وقدرة على تحويل النجاح الفردي إلى منظومة عامة مستدامة.

في العالم العربي، تبدو هذه الفكرة مألوفة أيضًا. كثيرًا ما نسمع أن المشكلة ليست في اللاعب أو المدرب فقط، بل في «العقل الإداري» الذي يدير اللعبة. ولأن الجمهور العربي اختبر مرارًا كيف يمكن لقرارات غامضة أو صراعات داخلية أن تقوض طموحات أجيال كاملة من اللاعبين، فإن ما يجري في سيول يحمل صدى مألوفًا: لا نهضة رياضية حقيقية من دون مؤسسات تعترف بأن الشفافية ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط من شروط التنافسية.

كرة القدم كقضية وطنية: ما الذي يريده الجمهور الكوري؟

في أي بلد، ثمة لحظات يتجاوز فيها النقاش الرياضي حدود الملعب. وكوريا الجنوبية تعيش مثل هذه اللحظة الآن. فالنبرة العامة المحيطة بالملف توحي بأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بإعادة بناء منتخب قادر على استعادة هيبته، بل بإعادة صوغ العلاقة بين الاتحاد والجمهور واللاعبين والمدربين والإعلام. وهذا مهم للغاية، لأن الثقة حين تتصدع لا يعيدها بيان اعتذار، بل مسار إصلاح طويل يظهر فيه أن المؤسسة تعلمت من الأزمة.

الجمهور الكوري، كما يظهر من طبيعة التغطية والنقاش العام، لا يطالب بمعجزة كروية فورية. ما يريده، أولًا، هو وضوح في المسؤوليات. من قرر؟ على أي أساس؟ ومن يتحمل تبعات القرار إذا ثبت أنه أخطأ؟ وفي هذا المعنى، تبدو الجلسة البرلمانية أقرب إلى محاولة لاستعادة العقد الأخلاقي بين اللعبة ومجتمعها. فحين تُدار اللعبة الشعبية الأولى بعيدًا من الإقناع والشرح، يبدأ المشجع في الشعور بأن الانتماء العاطفي الذي يقدمه لا يُقابله احترام مماثل من المؤسسة التي تمثله.

ولأن كرة القدم في كوريا تحمل بعدًا وطنيًا، فإن الإخفاق فيها يُقرأ أحيانًا كإخفاق في تجسيد صورة البلد المنظم والقادر والطموح. وهذا لا يعني المبالغة في تحميل الرياضة أكثر مما تحتمل، لكنه يفسر لماذا تحظى المسألة بهذا القدر من الاهتمام السياسي والشعبي. فالدولة التي استثمرت كثيرًا في صورتها العالمية، من الصناعة إلى الثقافة إلى التكنولوجيا، ترى في الرياضة أيضًا واجهة من واجهات النفوذ الناعم والاعتزاز الوطني.

هنا يمكن للقارئ العربي أن يجد نقطة تماس واضحة. نحن أيضًا نعرف كيف يتحول المنتخب إلى موضوع عائلي وشعبي وإعلامي تتداخل فيه اللغة الرياضية بلغة الكرامة الوطنية والتمثيل الرمزي. ونعرف أيضًا أن الإخفاق لا يظل داخل صفحات الرياضة، بل يعبر إلى البرامج الحوارية ومجالس الناس ومنصات التواصل. وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال: لماذا خسرنا؟ فقط، بل يصبح: هل كانت لدينا منظومة تستحق أصلًا أن تنتصر؟

البرلمان يدخل الملعب: دلالة الرقابة السياسية على الرياضة

قد يستغرب بعض القراء العرب أن يصل ملف فني مثل اختيار مدرب المنتخب إلى البرلمان، لكن هذا الأمر مفهوم في السياق الكوري الجنوبي. فالجمعية الوطنية هناك لا تنظر إلى الرياضة بمعزل عن المال العام والصالح العام والتمثيل الوطني. وعندما تتحول قضية رياضية إلى شأن ذي أثر اجتماعي واسع، يصبح من الطبيعي أن تتدخل لجان برلمانية للاستماع إلى المسؤولين واستجوابهم ومطالبتهم بتقديم تفسير مفصل للرأي العام.

هذا لا يعني بالضرورة أن السياسة يجب أن تدير الرياضة يومًا بيوم، فالتدخل السياسي المباشر في الاتحادات يظل مسألة حساسة في النظام الرياضي العالمي. لكن ثمة فارقًا بين التدخل الفني وبين الرقابة على الحوكمة. البرلمان هنا لا يختار المدرب، لكنه يسأل: هل اختير المدرب وفق نظام سليم؟ ولا يضع الخطة التكتيكية، لكنه يراجع إن كانت المؤسسة التي تدير المنتخب تؤدي واجبها بشفافية ومسؤولية.

هذا التفريق مهم جدًا، لأنه يوضح كيف يمكن للدول أن توازن بين استقلال الهيئات الرياضية وبين حق المجتمع في مراقبة المؤسسات ذات التأثير العام. وفي كثير من الدول العربية، ما زال هذا التوازن محل جدل: هل المطلوب ترك الاتحادات تعمل بحرية كاملة؟ أم إخضاعها لرقابة صارمة؟ التجربة الكورية، بكل ما فيها من تعقيد، تقول إن الاستقلال لا ينبغي أن يتحول إلى غموض، وإن الخصوصية الفنية لا يجب أن تُستخدم ساترًا يحجب المساءلة.

والأهم أن جلسة الاستماع بعثت برسالة رمزية قوية: الرياضة ليست جزيرة معزولة عن المعايير العامة للإدارة الرشيدة. فعندما تكون المؤسسة ممثلة لبلد بأكمله، ومستفيدة من رصيد جماهيري ووطني هائل، يصبح مطلوبًا منها ما هو أكثر من تسجيل الأهداف. مطلوب منها أن تقدم نموذجًا في النزاهة والقدرة على الشرح واحترام الجمهور.

أصوات من داخل الوسط الكروي: بين النقد الخارجي والإصلاح من الداخل

من النقاط اللافتة في الجلسة وما تلاها من نقاش، الحديث عن دور المنتقدين من داخل الوسط الكروي ومن خارجه، بما في ذلك الأصوات الإعلامية وصناع المحتوى على المنصات الرقمية. فثمة من يرى أن النقد العلني، حتى لو كان حادًا، أصبح جزءًا من البيئة الصحية لأي رياضة شعبية، لأنه يوسع دائرة النقاش ويمنع احتكار الرواية الرسمية. وفي المقابل، هناك من يعتقد أن كثرة الصخب الإعلامي قد تحول النقاش المهني إلى مزايدات شعبوية.

الطرح الذي برز في هذا السياق كان لافتًا: لا ينبغي الاستخفاف بانتقادات أهل الكرة التي تُطرح عبر الإعلام، لكن الإصلاح يحتاج أيضًا إلى مشاركة عملية من داخل المؤسسات. وهذه الفكرة تبدو متوازنة إذا أُخذت بجدية. فالإصلاح الحقيقي لا يصنعه الهجوم المتواصل وحده، كما لا يصنعه الانغلاق المؤسسي وحده. المطلوب هو أن تبقى أبواب الاتحاد مفتوحة أمام الخبرات، وأن يتحول النقد من مجرد صخب عابر إلى مادة تدفع نحو تعديل القواعد وتحسين آليات القرار.

في العالم العربي، يمكن التقاط أهمية هذه الفكرة بسهولة. كم مرة تحولت البرامج الرياضية إلى ساحات للاتهام من دون أن ينعكس ذلك في إصلاح فعلي؟ وكم مرة بقي أهل اللعبة يتحدثون عن «البيت من الداخل» كأنه مبرر لرفض الشفافية؟ التجربة الكورية تطرح، ولو بشكل غير مباشر، احتمالًا ثالثًا: أن يصبح النقد الخارجي ضغطًا مفيدًا، وأن تتحول المؤسسات نفسها إلى كيانات أكثر استعدادًا لاستقبال المراجعة والتصحيح.

لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا قبلت المؤسسة مبدأ أن النقد ليس عداءً بالضرورة. فالجمهور الذي يغضب على منتخبه لا يفعل ذلك لأنه يريد تحطيمه، بل لأنه يعتبره جزءًا من صورته وهويته. وفي كوريا، كما في البلدان العربية، تظل المشكلة الكبرى حين تفسر الإدارات الرياضية أي مساءلة على أنها استهداف، فتفقد القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة إصلاح.

كيف ينظر العالم إلى الاتحادات الرياضية اليوم؟

ثمة تحول عالمي واضح في الطريقة التي تُقيَّم بها الاتحادات الرياضية. لم يعد الحكم يقتصر على ترتيب المنتخب في التصنيف الدولي أو عدد الألقاب التي أحرزها، بل صار يشمل جودة الإدارة، واستقلالية القرار، ونزاهة التعيينات، وكفاءة التواصل، وحماية مصالح اللاعبين والجمهور معًا. وهذه المعايير لم تعد رفاهية تنظيرية، بل جزءًا من اللغة اليومية للرياضة الحديثة التي تتحرك في فضاء استثماري وإعلامي شديد الحساسية.

الاتحاد الوطني لكرة القدم، في أي بلد، أصبح أشبه بمؤسسة عامة ذات تأثير متعدد الطبقات: رياضي واقتصادي وإعلامي وتربوي وحتى دبلوماسي. لذلك فإن أي اهتزاز في صورته ينعكس بسرعة على الأطراف كافة، من اللاعبين إلى الرعاة إلى الجمهور. وفي الحالة الكورية، فإن النقاش البرلماني يلفت الانتباه إلى أن البلاد تدرك أن التنافس على الساحة الدولية لا يتم بالأقدام فقط، بل أيضًا بقوة المؤسسة التي تقف وراء المنتخب.

ولعل هذا ما ينبغي التوقف عنده عربيًا. فنحن كثيرًا ما نحتفي باللاعب الموهوب والمدرب الكاريزمي، لكننا نتأخر في منح الاهتمام ذاته لبناء المؤسسة القادرة على الاستمرار بعد رحيل الأسماء. كوريا الجنوبية، رغم تقدمها الكبير في مجالات عدة، تكتشف اليوم أن النجاح التاريخي لا يعفيها من تحديث بنية الحوكمة. وهذه رسالة تتجاوز حدود شرق آسيا: كل منظومة رياضية تحتاج من وقت إلى آخر إلى مراجعة شجاعة، وإلا تحولت أمجاد الماضي إلى عبء يمنع رؤية عيوب الحاضر.

ما بعد الجلسة: هل تبدأ الإصلاحات أم تتجدد المراوحة؟

السؤال الأهم الآن ليس ما قيل تحت قبة البرلمان فقط، بل ما الذي سيحدث بعد ذلك. فجلسات الاستماع، مهما كانت صاخبة، قد تنتهي إلى أثر محدود إذا لم تتبعها مراجعات مؤسسية واضحة. الجمهور الكوري سيترقب، على الأرجح، ما إذا كان الاتحاد سيقدم خطوات ملموسة لتعزيز الشفافية، مثل توضيح آليات اختيار المدربين، وإعادة تقييم بنية اللجان، وتحسين قنوات التواصل مع الرأي العام، ووضع معايير أكثر صرامة للمساءلة الداخلية.

الرهان الحقيقي هنا هو استعادة الثقة. وهذه مهمة أصعب بكثير من الفوز في مباراة أو حتى التأهل إلى بطولة كبرى. الثقة تُبنى حين يشعر اللاعب والمدرب والمشجع والإعلامي أن المؤسسة لا تعمل بمنطق الدفاع عن نفسها فقط، بل بمنطق الخدمة العامة والتعلم من الخطأ. وإذا نجح الاتحاد الكوري في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإصلاحات جادة، فقد يخرج على المدى الطويل بصورة أكثر صلابة مما كان عليه قبل الجلسة.

أما إذا اكتفى بالإنكار وردود الفعل الدفاعية، فإن الأزمة قد تستمر حتى لو تحسنت النتائج مؤقتًا. لأن المشكلة عندئذ لن تكون في عدد الأهداف المسجلة، بل في شعور متراكم بأن المؤسسة لم تفهم الرسالة. وفي الرياضة، كما في السياسة والثقافة، قد تمنحك الجماهير فرصة ثانية، لكنها نادرًا ما تمنحك ثقة غير مشروطة إلى الأبد.

بالنسبة للقراء العرب المهتمين بكوريا الجنوبية وثقافتها العامة، تقدم هذه القضية وجهًا آخر من وجوه البلد الذي نعرفه عبر الدراما والسينما ونجوم الموسيقى. فخلف الصورة المصقولة لنجاحات «الهاليو» وللاقتصاد المتقدم، توجد أيضًا نقاشات حادة حول الشفافية والمحاسبة وإدارة المؤسسات. وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة الكورية مثيرة للاهتمام: إنها لا تقدم نفسها كبلد بلا أزمات، بل كبلد يحاول أن يواجه أزماته داخل الفضاء العام، حتى عندما يتعلق الأمر بأكثر ملفاته شعبية وحساسية.

في النهاية، قد تكون قصة جلسة الاستماع هذه أبعد من كرة القدم. إنها قصة عن العلاقة بين الجمهور والمؤسسة، بين الذاكرة الرياضية والمستقبل، بين المجد السابق وضرورة التجديد. وكما يقول المثل العربي الشهير: «من أمن العقوبة أساء الأدب»، فإن الرسالة التي يبعثها الشارع الكوري اليوم تبدو واضحة: لا مكان بعد الآن لاتحاد يريد نتائج كبيرة من دون مساءلة كبيرة، ولا لمنتخب يحمل آمال الأمة من دون إدارة تُقنع الأمة بأنها جديرة بثقتها.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات