광고환영

광고문의환영

بارك جاي بوم يعود إلى سيول بحفل «إنكور» يعيد رسم الجولة العالمية: لماذا يهم هذا الحدث جمهور الكيبوب العربي؟

بارك جاي بوم يعود إلى سيول بحفل «إنكور» يعيد رسم الجولة العالمية: لماذا يهم هذا الحدث جمهور الكيبوب العربي؟

عودة إلى نقطة البداية... ولكن بروح جديدة

في وقت باتت فيه الجولات العالمية لنجوم الكيبوب والآر أند بي الكوري أشبه بمشاريع ثقافية عابرة للقارات، يعود الفنان الكوري بارك جاي بوم، المعروف عالمياً باسم جاي بارك أو «جيه بارك»، إلى سيول في حفلين متتاليين يومي 29 و30 يوليو داخل صالة جامسيل الرياضية المغلقة في منطقة سونغبا، تحت عنوان «2026 جاي بارك وورلد تور سيرينيدز آند بودي رولز إن سيول: ذا ريبلاي». وعلى الورق قد يبدو الأمر وكأنه مجرد «إنكور» أو إعادة تقديم لحفل سابق، لكن القراءة الأعمق للمشهد الكوري تقول إن هذه العودة إلى العاصمة ليست استعادة لما مضى بقدر ما هي إعادة تصميم للرحلة كلها، من بدايتها في سيول إلى محطاتها المقبلة في أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية وأوروبا.

بالنسبة للقارئ العربي الذي يتابع الموجة الكورية منذ سنوات، من المهم فهم أن كلمة «إنكور» في السياق الكوري لا تعني دائماً مجرد استجابة لطلب الجمهور بإضافة دقائق أخيرة في نهاية العرض، كما اعتدنا في حفلات الطرب العربي حين يهتف الجمهور باسم الفنان طالباً أغنية إضافية. في صناعة الحفلات الكورية، يمكن أن يحمل «الإنكور» معنى أوسع بكثير: عودة محسوبة، تحمل رسالة فنية وتسويقية في آن، وتسمح للفنان بإعادة تعريف الحفل نفسه أمام الجمهور المحلي والعالمي. وهذا ما يبدو واضحاً في حالة بارك جاي بوم، الذي لا يقدّم حفلاً مكرراً، بل يعود بعد نحو عام وثلاثة أشهر على آخر حفله المنفرد في بلاده ليعرض نسخة مختلفة في ترتيبها، وإخراجها، وبنيتها الموسيقية.

الحدث لا يكتسب أهميته من كونه يقام في سيول فحسب، بل لأن سيول نفسها تظل، بالنسبة إلى المشهد الكوري، أشبه بالقاهرة أو بيروت أو الدار البيضاء في لحظات الذروة الفنية: مدينة تختبر فيها الأعمال قوتها الحقيقية أمام جمهور يعرف التفاصيل، ويتابع التحولات، ويميز بين التكرار والتجديد. من هنا يصبح «ذا ريبلاي» ليس إعادة تشغيل لشريط قديم، بل محاولة لقول شيء جديد بلغة مألوفة. وهذا تحديداً ما يجعل الحفلين جديرين بالمتابعة عربياً، لا باعتبارهما خبراً فنياً عابراً، بل بوصفهما محطة كاشفة لكيفية إدارة النجوم الكوريين لعلاقتهم بجمهورهم المحلي قبل التوجّه إلى العالم.

بارك جاي بوم ليس اسماً عادياً في صناعة الموسيقى الكورية المعاصرة. فهو واحد من الفنانين الذين عبروا أكثر من مساحة: من الكيبوب إلى الهيب هوب، ومن الأداء الراقص إلى الإنتاج وإدارة الأعمال الفنية. وحين يعود فنان بهذا الثقل إلى بلده بحفلات منفردة بعد فترة انقطاع محلية طويلة نسبياً، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بالحنين أو استعادة القاعدة الجماهيرية، بل بتثبيت موقعه داخل سردية أوسع: كيف يقدّم فنان كوري نفسه اليوم بوصفه مشروعاً عالمياً، من دون أن يفقد صلته بالمسرح الذي انطلقت منه الحكاية؟

ما الذي يعنيه «الإنكور» في الثقافة الكورية؟

في المتابعة العربية للأخبار الكورية، كثيراً ما تُنقل المصطلحات كما هي من دون شرح دقيق لسياقها. ومن بين هذه المصطلحات كلمة «إنكور»، التي تحمل في الثقافة الكورية الخاصة بصناعة الحفلات معنى مؤسسياً وفنياً يتجاوز معناها الشائع. فالحفل الإضافي أو الختامي في كوريا قد يأتي لأن الطلب على التذاكر كان مرتفعاً، أو لأن الفنان يريد منح جمهوره المحلي موعداً جديداً، أو لأنه يسعى إلى إعادة بناء الحفل قبل استكمال الجولة في الخارج. وفي أحيان كثيرة، يكون «الإنكور» بمثابة فصل جديد، لا خاتمة عاطفية فقط.

اللافت في حفل بارك جاي بوم أن الجهة المنظمة شددت على أن العرض الجديد لن يكون نسخة طبق الأصل من الحفل السابق في سيول، بل سيحمل تكويناً مسرحياً مختلفاً وتوزيعاً جديداً للفرقة الموسيقية. وهذا تفصيل يبدو تقنياً لأول وهلة، لكنه في الحقيقة يكشف جوهر المشروع. فالتحولات في ترتيب الأغاني، وشكل المصاحبة الحية، وطريقة الانتقال بين المقاطع، يمكن أن تغيّر التجربة الشعورية للجمهور بالكامل. الأغنية نفسها التي تُقدَّم بإيقاع حي أكثر خشونة، أو بجسر موسيقي أطول، أو بحضور أوضح للآلات، قد تبدو كما لو أنها وُلدت من جديد.

هذا النوع من الرهان نعرفه جيداً في العالم العربي، حتى لو اختلفت الأدوات. فالجمهور الذي حضر أكثر من مرة لفنان مثل كاظم الساهر أو ماجدة الرومي أو صابر الرباعي يعرف أن الأغنية الواحدة يمكن أن تتبدل بالكامل بين أمسية وأخرى بحسب التوزيع والفرقة واللحظة الشعورية. في الحالة الكورية، حيث تلعب الدقة البصرية والإخراجية دوراً كبيراً، يصبح هذا التبدل أكثر حساسية، لأن الحفل ليس غناءً فقط، بل بنية سردية متكاملة تشمل الصورة والحركة والإضاءة والتفاعل الجماهيري.

لذلك، فإن اختيار اسم «ذا ريبلاي» لا ينبغي أن يضلل المتابع. نعم، العنوان يستدعي ذاكرة الحفل السابق، لكنه يفعل ذلك ليبني عليها لا ليكررها. هناك فرق واضح بين «إعادة عرض» و«إعادة تأليف». وكل المؤشرات القادمة من سيول تقول إن بارك جاي بوم يفضّل الخيار الثاني: أن يعود إلى نقطة مألوفة كي يفتح منها باباً جديداً، لا ليعيش على رصيد ما سبق.

هذا الفهم ضروري أيضاً للجمهور العربي الذي بات أكثر انخراطاً في متابعة حفلات كوريا الجنوبية، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال السفر الفعلي إلى العواصم التي تستقبل نجوم الموجة الكورية. فقراءة الحفل بوصفه حدثاً تطورياً داخل الجولة تمنح المتابع فهماً أعمق من مجرد السؤال التقليدي: ما الأغاني التي سيؤديها الفنان؟ السؤال الأهم هنا هو: كيف يريد أن يُسمِعها الآن؟ وما الرسالة التي يحملها هذا التغيير قبل انتقاله إلى أسواق جديدة؟

سيول كمرآة للفنان... ولماذا تبدو العودة إليها حاسمة؟

عندما تبدأ الجولة العالمية من سيول ثم تعود إليها، لا يكون ذلك تفصيلاً جغرافياً. في الحالة الكورية، تحمل العاصمة وزناً رمزياً كبيراً، لأنها ليست فقط مركز الصناعة الموسيقية، بل أيضاً المكان الذي تُختبر فيه صدقية الفنان أمام جمهور يعتبر نفسه شاهداً على تطوره. جمهور سيول ليس جمهوراً عابراً؛ إنه جمهور يعرف أرشيف الفنان، ويتابع انتقالاته بين الشركات، ويدرك دلالات اختياراته، ويقارن بين كل مرحلة وأخرى.

ومن هنا يمكن فهم سبب وصف هذه الحفلات بأنها أقرب إلى «إعادة ضبط» لمسار الجولة العالمية، لا مجرد حفلات إضافية. حين يعود بارك جاي بوم إلى المسرح المحلي بعد نحو عام وثلاثة أشهر من آخر حفله المنفرد في كوريا، فإنه يقدّم نفسه أمام قاعدة جماهيرية تنتظر شيئاً أكثر من الحنين. هذا الفاصل الزمني منح الحدث كثافة خاصة؛ فهو كافٍ ليصنع شوقاً، وكافٍ أيضاً ليجعل العودة مطالبة بتقديم جديد ملموس، لا وعود عامة.

صالة جامسيل الرياضية المغلقة بدورها ليست مكاناً محايداً. فهذه القاعة تعد من أبرز المسارح الحية في سيول، وارتبط اسمها بعشرات الحفلات الكبرى التي صنعت لحظات مفصلية في ذاكرة الكيبوب والبوب الكوري. وعندما يختار فنان هذا المسرح تحديداً لعرض يحمل صفة «الإنكور»، فإنه يرسل إشارة ضمنية إلى حجم الرهان على التجربة. فالمكان نفسه يحمل إرثاً تنافسياً: الجمهور يدخل وهو يتوقع معياراً عالياً في الأداء الحي، والتنظيم، والإخراج، وجودة الصوت.

بالنسبة إلى المتابع العربي، قد يبدو هذا قريباً من دلالة أن يختار فنان كبير مسرحاً مثل دار الأوبرا في القاهرة، أو مسرح قرطاج في تونس، أو مهرجان جرش في الأردن، أو خشبة بعلبك في لبنان، عندما يريد أن يقدّم عملاً يملك قيمة رمزية إضافية. المكان هنا يشارك في صناعة المعنى، لا بوصفه ديكوراً، بل باعتباره جزءاً من السرد الفني. وعودة بارك جاي بوم إلى سيول عبر هذا الفضاء تقول ببساطة إنه يريد أن يثبت أن الجولة لم تفقد مركزها، وأن الانطلاق إلى الخارج لا يعني الابتعاد عن الجذر المحلي.

هذا البعد مهم أيضاً لأن كثيراً من الفنانين الذين يحققون حضوراً دولياً يواجهون سؤالاً دائماً: كيف يوازنون بين التوسع العالمي والحفاظ على نبض جمهورهم الأم؟ بعضهم ينجح في ذلك، وبعضهم يتحول تدريجياً إلى اسم دولي منفصل عن محيطه الأول. أما في هذه الحالة، فيبدو أن الحفلين يشكلان محاولة واعية للحفاظ على هذا التوازن؛ أي أن تكون سيول ليست محطة وداع، بل محطة معايرة قبل المراحل التالية.

الفرقة الحية وإعادة ترتيب المسرح... لماذا قد تغيّر كل شيء؟

من أبرز ما أُعلن بشأن الحفلين أن بارك جاي بوم سيقدّم تكويناً مختلفاً للعرض، مع إبراز جديد للفرقة الموسيقية الحية. هذه النقطة تستحق التوقف عندها لأنها تتعلق بجوهر التحول الذي يطرأ على كثير من حفلات البوب المعاصر. في عدد كبير من العروض الضخمة، يطغى الجانب البصري على الجانب الموسيقي، فيتحول الحفل إلى تجربة مشاهدة أكثر منه تجربة استماع. أما حين يتم التشديد على الفرقة الحية، فإن الرسالة تكون مختلفة: هناك رغبة في إعادة الاعتبار للصوت المباشر، وللتفاعل العضوي بين الفنان والآلات والجمهور.

بارك جاي بوم جاء من خلفية تسمح له بالتحرك في أكثر من مساحة موسيقية؛ فهو ليس مجرد مؤدٍ يعتمد على الرقص والكارزما، بل فنان يرتكز أيضاً إلى أساليب الهيب هوب والآر أند بي، وهما جنسان موسيقيان يستفيدان كثيراً من الحضور الحي عندما يُحسن توظيفه. لذلك فإن أي تغيير في شكل الفرقة أو طريقة توزيع الأغاني قد يعيد صياغة الانطباع العام عن الحفل. الأغنية التي تُبنى في الاستوديو على طبقات رقمية ملساء قد تكتسب على المسرح خشونة محببة، أو دفئاً إنسانياً، أو لحظة ارتجال تمنحها حياة جديدة.

في هذا الجانب، يمكن القول إن الحفلات الكورية تشهد منذ سنوات نوعاً من النضج التدريجي، إذ لم تعد القيمة الكبرى محصورة في المشهدية البصرية وحدها، بل باتت هناك محاولة لإقناع الجمهور بأن الفنان قادر على إنتاج تجربة حية مكتملة. وهذا يهم جمهور المنطقة العربية أيضاً، لأن كثيراً من النقاشات حول الكيبوب في عالمنا العربي تميل إلى اختزاله في الرقص، والأزياء، والصورة اللامعة، بينما تتجاهل التطورات الحقيقية التي تشهدها صناعة الأداء الحي في كوريا الجنوبية.

التعديل في ترتيب الأغاني لا يقل أهمية عن تعديل الفرقة. فترتيب الأغنيات داخل الحفل هو في الحقيقة طريقة لسرد القصة: متى يبدأ الفنان بطاقة عالية، ومتى يخفف الإيقاع، وأين يضع اللحظة العاطفية، وأين يترك مساحة للتأمل أو للتفاعل الجماهيري. هذه القرارات ليست شكلية؛ إنها تحدد كيف سيخرج الجمهور من القاعة، وما الصورة التي ستبقى معه بعد انتهاء الحفل. ومن هنا يصبح «الإنكور» الجديد مساحة لإعادة كتابة هذا المسار العاطفي، بحيث لا يشعر من حضر الحفل السابق أنه يعيد مشاهدة ما يعرفه، ولا يشعر من يحضره للمرة الأولى أنه يدخل متأخراً إلى قصة قديمة.

لهذا السبب بالذات، تبدو هذه الحفلات أقرب إلى ورشة فنية مفتوحة أمام الجمهور. فبدلاً من أن يحتفظ الفنان بالتغيير إلى أن يصل إلى الخارج، يقرر كشفه أولاً في سيول، أمام جمهوره الأقرب، كأنه يقول: هذا هو الشكل الجديد الذي ستسير به الجولة. إنها مخاطرة محسوبة، لكنها أيضاً دليل ثقة بالنفس وبالمادة الموسيقية.

من سيول إلى العالم... محطة تمهّد لأميركا اللاتينية والشمال وأوروبا

ما يمنح هذين الحفلين وزناً إضافياً هو أنهما لا يأتيان في نهاية الجولة، بل قبل فصل دولي جديد منها. فبعد سيول، يعتزم بارك جاي بوم مواصلة جولته انطلاقاً من سبتمبر إلى أميركا اللاتينية وأميركا الشمالية وأوروبا. وهذا يعني أن «ذا ريبلاي» ليس حفلاً للاحتفال بما تحقق فقط، بل أقرب إلى منصة إطلاق محدثة لما سيُقدَّم لاحقاً خارج كوريا.

في حسابات الصناعة الموسيقية العالمية، هذا التوقيت بالغ الدلالة. إذ إن انتقال فنان كوري إلى جماهير متعددة اللغات والثقافات يتطلب منه أن يقدّم عرضاً قابلاً للحياة في سياقات مختلفة. جمهور ساو باولو ليس كجمهور لوس أنجليس، وجمهور باريس ليس كجمهور سيول، لكن الحفل الناجح هو الذي يحتفظ بهوية واضحة ويظل في الوقت نفسه مرناً بما يكفي للتواصل مع هذه الفروقات. ومن هنا يمكن النظر إلى حفلَي سيول بوصفهما «النقطة المرجعية» التي سيقاس عليها ما يليهما.

الجمهور العربي، الذي اعتاد متابعة تمدد الكيبوب إلى الأسواق الغربية، يعرف أن كل خطوة من هذا النوع تحمل رهانات تتجاوز الفن نفسه. هناك رهان على قدرة النجم الكوري على الحفاظ على لغته وصورته من دون أن يبدو غريباً على الجمهور الأجنبي، ورهان على أن الموسيقى نفسها قادرة على عبور الحواجز اللغوية. في السنوات الأخيرة، أثبتت الموجة الكورية أنها لم تعد مجرد موضة عابرة، بل جزء من الاقتصاد الثقافي العالمي. لكن النجاح المستدام لا يصنعه الانتشار وحده، بل يصنعه أيضاً حسن إدارة اللحظة بين المحلي والعالمي.

وفي هذا السياق، تبدو سيول أقرب إلى غرفة التحكم الأخيرة قبل الإقلاع. ما سيجري على المسرح هناك، من حيث التوزيع، والإيقاع، واستجابة الجمهور، قد يرسم ملامح ما سيشاهده جمهور القارات الأخرى في الأشهر التالية. لذلك فإن متابعي بارك جاي بوم في الخارج، سواء كانوا في أوروبا أو الأميركتين أو العالم العربي، قد يجدون في حفلَي العاصمة الكورية مؤشراً مبكراً إلى الاتجاه الفني الذي تسلكه الجولة.

ثمة نقطة أخرى لا تقل أهمية: أن ربط الحفل المحلي بالجولة الدولية في سردية واحدة يعبّر عن نضج في طريقة التفكير بالحدث الموسيقي. لم يعد هناك فصل صارم بين «حفل كوري للجمهور المحلي» و«حفل عالمي للتصدير»، بل أصبح الاثنان جزءاً من قصة واحدة. وهذا ما يمنح المشروع تماسكا أكبر، ويجعل الجمهور أينما كان يشعر بأنه يواكب عملاً حيّاً يتطور أمامه، لا مجرد عروض منفصلة تحت الاسم نفسه.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي؟

قد يسأل البعض في العالم العربي: لماذا يستحق حفلان في سيول كل هذا الاهتمام؟ الإجابة تتجاوز اسم الفنان نفسه. فالمسألة هنا تتعلق بكيفية تطور صناعة الترفيه الكورية، وهي صناعة بات تأثيرها واضحاً في الذائقة الشبابية العربية، سواء عبر الدراما أو الموسيقى أو الأزياء أو حتى أنماط الاستهلاك الثقافي. متابعة هذا النوع من الأخبار لا تعني فقط ملاحقة نجوم الكيبوب، بل فهم كيف تُدار واحدة من أكثر الصناعات الثقافية ديناميكية في العالم اليوم.

بارك جاي بوم تحديداً يمثل حالة مثيرة للاهتمام لأنه يقف عند تقاطع عدة خطوط: فنان له شعبية جماهيرية، واسم معروف في دوائر الهيب هوب والآر أند بي، وشخصية صنعت لنفسها حضوراً مستقلاً نسبياً داخل الصناعة الكورية. وهذا يجعله نموذجاً مختلفاً عن بعض نجوم الفرق الجماعية الذين يرتبطون بالكامل ببنية الشركات الضخمة. لذلك فإن أي خطوة يتخذها على مستوى الحفلات والجولات تحمل قيمة تفسيرية أوسع: كيف يمكن لفنان كوري أن يوسّع مشروعه من دون أن يذوب في القوالب الجاهزة؟

كما أن الجمهور العربي لم يعد متلقياً هامشياً للموجة الكورية. من الخليج إلى شمال أفريقيا، هناك جمهور يتابع الإصدارات الجديدة، ويناقش الترتيبات الموسيقية، ويقارن بين جولات الفنانين، بل ويسافر أحياناً لحضور الحفلات في آسيا وأوروبا. وهذا الجمهور بات يحتاج إلى تغطية عربية تتجاوز النقل الحرفي للأخبار، وتقدم له تفسيراً ثقافياً ومهنياً. من هنا تأتي أهمية النظر إلى هذا الحدث على أنه علامة على استمرار تطور الأداء الحي الكوري، لا مجرد إعلان مواعيد.

ثم إن العالم العربي نفسه يعرف قيمة «العودة» في السردية الفنية. لدينا في ثقافتنا أمثلة كثيرة على حفلات شكلت عودة رمزية لفنان إلى جمهوره أو إلى مدينته أو إلى مسرحه الأول. وغالباً ما تحمل هذه العودة عبئاً عاطفياً وتوقعات كبيرة. الفارق هنا أن الصناعة الكورية تضيف إلى هذه العودة بعداً تخطيطياً شديد التنظيم، بحيث تتحول اللحظة العاطفية إلى أداة لإعادة تموضع فني واستراتيجي. وهذا ما يجعل التجربة جديرة بالتأمل حتى من خارج دائرة المعجبين المباشرين.

في المحصلة، لا تبدو حفلات «ذا ريبلاي» مجرّد موعد لجمهور سيول، بل نقطة مفصلية في مسار جولة عالمية تسعى إلى تجديد نفسها قبل التوجه إلى قارات جديدة. وبهذا المعنى، فإن الخبر لا يقول فقط إن بارك جاي بوم سيغني في سيول يومين متتاليين، بل يقول شيئاً أكبر: إن النجم الكوري الذي بدأ من هذه المدينة يعود إليها ليعيد ترتيب أدواته، ويختبر صوته من جديد، ثم ينطلق إلى العالم من منصة أكثر نضجاً. بالنسبة إلى جمهور عربي يراقب الموجة الكورية بفضول متزايد ووعي أعلى، هذه ليست مجرد تفاصيل داخل صناعة بعيدة، بل درس حي في كيف تُبنى النجومية المعاصرة: بالذاكرة، وبالتجديد، وبالقدرة على أن تجعل العودة نفسها بداية جديدة.

بين الحنين والتجديد... ما الذي قد يتركه الحفلان في ذاكرة الجولة؟

أهم ما يمكن استخلاصه من هذا الحدث أن بارك جاي بوم لا يتعامل مع الماضي كخزان مضمون للنجاح، بل كمادة قابلة لإعادة الصياغة. هذا فارق دقيق لكنه أساسي في فهم قيمة «الإنكور» الحالي. فالنجوم الذين يكتفون بالعيش على أثر حفلاتهم السابقة قد ينجحون في بيع التذاكر مرة أخرى، لكنهم يغامرون بإرهاق جمهورهم مع الوقت. أما حين يكون هناك وعي بأن الجمهور نفسه تغيّر، وأن لحظة الاستماع تغيّرت، وأن الجولة بوصفها كائناً حياً تحتاج إلى مراجعة، فإن النتيجة غالباً ما تكون أكثر رسوخاً.

الحفلان في سيول قد يتركان أثراً يتجاوز عدد الحضور أو التفاعل اللحظي على وسائل التواصل. فهما يقدمان، من حيث المبدأ، نموذجاً عن كيفية إدارة المسافة بين الألفة والمفاجأة: اسم الجولة مألوف، لكن المحتوى متحوّل؛ المدينة هي نفسها التي انطلقت منها الحكاية، لكن شكل الحكاية تغيّر؛ الجمهور يعرف الفنان جيداً، لكنه مدعو لأن يصغي إليه كما لو أنه يراه من زاوية مختلفة. وهذه معادلة شديدة الأهمية في زمن تتسارع فيه العروض وتتشابه فيه الكثير من المنتجات الترفيهية.

ربما لهذا السبب سيكون من المثير مراقبة كيف ستنعكس هذه النسخة من الحفل على المحطات التالية في الخارج. هل ستظل الفرقة الحية في الصدارة؟ هل سيحافظ الترتيب الجديد على بنيته؟ هل ستُضاف تعديلات أخرى تبعاً لطبيعة كل مدينة؟ هذه الأسئلة مفتوحة، لكنها تبدأ كلها من سيول، من هذين الموعدين اللذين يبدوان أقرب إلى بيان فني صغير داخل مشروع أكبر.

في نهاية المطاف، لا يحتاج القارئ العربي إلى أن يكون من جمهور بارك جاي بوم المباشر حتى يرى أهمية هذا التطور. يكفي أن يدرك أن الثقافة الشعبية الكورية اليوم لا تتحرك بعفوية كاملة، ولا ببرود صناعي محض، بل بمزيج معقد من التخطيط، والرمزية، والإنصات لاتجاهات السوق والجمهور. وحين ينجح فنان في تحويل حفل «إنكور» إلى إعلان عن مرحلة جديدة، فإنه يثبت أن الحفلات لم تعد مجرد مناسبات استعراضية، بل نصوصاً ثقافية تُكتب على المسرح، وتُقرأ في أكثر من لغة ومكان.

هكذا، بينما يستعد بارك جاي بوم للوقوف مجدداً أمام جمهوره في سيول، تبدو الصورة أوسع من مجرد عودة فنان إلى مدينته. إنها عودة تحمل وعداً بالتغيير، وتفتح الباب أمام فصل جديد من الجولة العالمية. وإذا كانت الموجة الكورية قد علمتنا شيئاً خلال العقدين الأخيرين، فهو أن التفاصيل الصغيرة في سيول قد تتحول بسرعة إلى حديث جمهور واسع من الرياض إلى القاهرة، ومن الدار البيضاء إلى دبي. ولهذا تحديداً، فإن «ذا ريبلاي» يستحق المتابعة: لأنه ليس إعادة لما كان، بل تمريناً على كيف يمكن للفن الشعبي أن يبدأ من جديد من دون أن يتنكر لذاكرته.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات