
ثلاثة عقود من الخيال الكوري على منصة واحدة
في وقتٍ اعتاد فيه الجمهور العربي أن يتابع كوريا الجنوبية من بوابة الدراما التلفزيونية ونجوم الكيبوب، جاءت انطلاقة الدورة الثلاثين من مهرجان بوشون الدولي للأفلام الفانتازية لتذكّر بأن المشهد الثقافي الكوري أوسع بكثير من الصورة الرائجة على المنصات. فالمهرجان الذي افتتح فعالياته في مركز بوشون للفنون في مدينة بوشون، قرب سيول، لا يقدّم نفسه بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل باعتباره مساحة متراكمة عبر ثلاثين عاماً لتطوير سينما النوع؛ أي الأفلام التي تقوم على الخيال العلمي والرعب والإثارة والفانتازيا وكل ما يتجاوز الواقع المباشر إلى أسئلة أكثر قلقاً وجرأة.
هذه الذكرى الثلاثون ليست مجرد رقم يُضاف إلى أرشيف المهرجانات، بل محطة تفرض قراءة أعمق لما آلت إليه السينما الكورية خلال العقود الأخيرة. وإذا كانت كوريا الجنوبية قد صنعت لنفسها مكانة عالمية بفضل الدراما المتلفزة والأغنية الجماهيرية، فإنها في السينما قدّمت نموذجاً مختلفاً: صناعة قادرة على الجمع بين السوق والجرأة الفنية، وبين الترفيه والأسئلة الفلسفية الثقيلة. ومن هنا تأتي أهمية مهرجان بوشون الذي اختار منذ تأسيسه أن يضع أفلام النوع في الواجهة، في وقتٍ كانت فيه هذه الأفلام تُعامل أحياناً على أنها أقل مكانة من السينما “الجدية” أو أقل قيمة من أفلام الجوائز التقليدية.
ولعل القارئ العربي يعرف جيداً هذا الجدل. ففي عالمنا العربي أيضاً طالما عاشت أفلام الرعب والخيال والمغامرة في مساحة ملتبسة: جماهيرية من جهة، ومهمّشة نقدياً من جهة أخرى. لكن ما فعله بوشون في كوريا يشبه إلى حد ما ما كانت تفعله بعض المهرجانات العربية الجريئة حين قررت فتح الباب أمام السينما المختلفة، السينما التي لا تخجل من اللعب على حدود الممكن والممنوع والمرئي. ولهذا فإن متابعة ما يجري في بوشون ليست شأناً كوريّاً محلياً فقط، بل درساً في كيف يمكن لمهرجان متخصص أن يتحول إلى علامة ثقافية دولية.
افتتاح الدورة الجديدة مساء الثاني من يوليو لم يكن مجرد حفل بروتوكولي يمرّ على السجادة الحمراء وتوزيع الابتسامات أمام عدسات المصورين. بل بدا، وفق ملامح الحدث ورسائله، كأن المهرجان يريد أن يعلن مجدداً أنه ما زال حياً وقادراً على طرح السؤال نفسه بصياغات جديدة: إلى أي مدى يمكن لسينما النوع الكورية أن تتسع؟ وما الذي يمكن أن تقوله عن الإنسان المعاصر في زمن التقنية والقلق والتحولات السريعة؟
بوشون.. مدينة صنعت لنفسها هوية عبر السينما
قد لا تكون مدينة بوشون، بالنسبة إلى القارئ العربي، من الأسماء الكورية الأكثر شهرة مثل سيول أو بوسان. لكنها في الخريطة الثقافية الكورية تحمل خصوصية لافتة. فهي مدينة من مدن الحزام الحضري المحيط بالعاصمة، واستطاعت عبر هذا المهرجان أن تصنع لنفسها هوية مستقلة داخل المشهد السينمائي. مثلما نرى مدناً عربية ارتبط اسمها بمهرجان بعينه حتى صار الحدث جزءاً من تعريف المكان، نجحت بوشون في تحويل السينما إلى عنوان ثقافي للمدينة، وإلى رافعة رمزية تتجاوز الجغرافيا الإدارية.
هذا النوع من التراكم لا يحدث صدفة. فاستمرار مهرجان لمدة ثلاثين دورة يعني وجود شبكة كاملة من الدعم: مؤسسات محلية تؤمن بقيمة الثقافة، وصناع أفلام يرون في المهرجان منصة حقيقية، وجمهوراً لديه استعداد لاكتشاف الأعمال غير التقليدية. في منطقتنا العربية كثيراً ما نتحدث عن صعوبة استدامة المهرجانات الثقافية، لأن التمويل يتقلب، والسياسات الثقافية تتبدل، والأولويات الرسمية تذهب غالباً إلى الملفات الأكثر إلحاحاً. لذلك فإن بقاء بوشون على قيد التأثير طوال هذه العقود يكشف جانباً مهماً من الطريقة التي تدير بها كوريا الجنوبية قوتها الناعمة: ليس فقط عبر المنتج المكتمل الذي يصل إلى العالم، بل عبر بناء بنية تحتية للاكتشاف والتجريب وصناعة الأسماء الجديدة.
وليس من المبالغة القول إن مهرجانات كهذه تؤدي دور “المعمل” الثقافي. فقبل أن تصل الأفلام إلى المنصات العالمية، وقبل أن يتحول ممثل أو مخرج إلى اسم متداول في الصحافة الدولية، غالباً ما تكون هناك منصات محلية أو إقليمية راهنت عليه مبكراً. هذا ما يمنح مهرجان بوشون أهمية مضاعفة: هو ليس احتفالاً بالمشهور فقط، بل مساحة للعثور على القادم. وهذه نقطة جوهرية لفهم سرّ الحيوية الكورية في السينما؛ إذ لا تقوم الصناعة على الإنتاج التجاري وحده، بل على دورة كاملة من التجريب والرصد والاحتضان.
ومن هنا أيضاً تبدو الدورة الثلاثون لحظة مراجعة للهوية. فالمهرجان الذي حمل اسم “الفانتازيا” لم يحصر نفسه في المعنى الساذج للخيال، بل جعل من هذا العنوان باباً للحديث عن المخاوف المعاصرة، وعن المستقبل، وعن العنف، وعن التوترات الأخلاقية التي تنتجها الحداثة المتسارعة. وهذا ما يفسر لماذا تبدو بوشون مدينة سينمائية بقدر ما هي مدينة فعلية: لأن اسمها بات يرتبط بخيال كامل، لا بموقع جغرافي فحسب.
الروبوت الشبيه بالإنسان.. سؤال تقني أم مرآة لقلق البشر؟
اللافت في افتتاح الدورة الحالية أن المحور الأبرز كان “تعايش الروبوت البشري مع الإنسان”. والحديث هنا عن الروبوتات الشبيهة بالبشر، أو ما يُعرف بالـ”هيومانويد”، أي الآلات المصممة بحيث تحاكي هيئة الإنسان أو حركته أو بعض تعبيراته. قد يبدو هذا الموضوع، للوهلة الأولى، أقرب إلى عناوين الخيال العلمي التي نراها في الأفلام فقط، لكنه في السياق الكوري والعالمي صار سؤالاً يومياً يتصل بالعمل والتعليم والفن وحتى العلاقات الإنسانية.
اختيار هذا الموضوع في حفل الافتتاح ليس زينة بصرية، بل إعلان موقف فكري من المهرجان. ففي عالم تتقدم فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي بوتيرة مذهلة، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت التقنية ستدخل الفنون، بل كيف ستعيد تعريفها. هل تصبح الآلة أداة فقط؟ أم شريكاً؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تنتج إحساساً، أم أنها تحاكيه فحسب؟ هذه الأسئلة، التي تبدو فلسفية، تجد في سينما النوع أرضها الطبيعية. فالفانتازيا والخيال العلمي لطالما كانا وسيلتين لمناقشة ما نخشى قوله مباشرة عن الحاضر.
في الثقافة العربية، لدينا أمثلة كثيرة على استخدام الحكاية المتخيلة لقول الحقيقة الأكثر حساسية. من “ألف ليلة وليلة” إلى أدب الخيال العلمي العربي الحديث، ظل الخيال وسيلة لفحص السلطة والرغبة والخوف والمصير. وما يفعله بوشون اليوم يندرج في هذا التقليد الإنساني الواسع: استخدام الصورة المتخيلة كي نسأل ما الذي يبقى من الإنسان عندما تحاصره الشاشات والخوارزميات والآلات الذكية.
الرسالة الأعمق هنا أن كوريا الجنوبية، التي تُعد من أكثر المجتمعات التصاقاً بالتكنولوجيا في الحياة اليومية، لا تتعامل مع التقنية بوصفها انتصاراً نهائياً، بل بوصفها مادة للتفكير الأخلاقي والجمالي. وهذا فارق مهم. ففي كثير من الخطابات العامة يجري الاحتفاء بالذكاء الاصطناعي والروبوتات من زاوية الكفاءة والإنتاجية فقط. أما في السينما، وخصوصاً في مهرجان مثل بوشون، فإن السؤال يتحول إلى سؤال عن المشاعر والهوية والذاكرة. هل يمكن للآلة أن تفهم الفقد؟ هل تستطيع أن تحاكي الحنان؟ وماذا يحدث للإنسان إذا صار يقيس نفسه على نموذج آلي دقيق لا يخطئ ولا يشيخ؟
مثل هذه الثيمة تجعل المهرجان قريباً من جمهور عربي يعيش بدوره تحولات تقنية سريعة، من المنصات الرقمية إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي دخلت التعليم والإعلام والفنون. ولهذا فإن خبر الافتتاح لا ينبغي أن يُقرأ فقط كحدث كوري، بل كجزء من نقاش عالمي صار يصل إلى بيوتنا ومؤسساتنا وأسئلتنا اليومية.
حفل الافتتاح بوصفه عرضاً فنياً لا مجرد بروتوكول
تولّى إخراج حفل الافتتاح للمرة الثانية على التوالي سونغ سونغ هوان، وهو اسم معروف في المشهد الكوري بوصفه مخرجاً ومنتجاً وصاحب خبرة طويلة في المزج بين الأداء الحي والمحتوى البصري. وهذه التفاصيل، التي قد تمرّ سريعاً في أخبار المناسبات، مهمة لفهم طبيعة ما يريد مهرجان بوشون أن يكونه. فحفل الافتتاح هنا ليس إجراءً تنظيمياً يبدأ معه البرنامج الرسمي، بل عرض بحد ذاته، يترجم هوية المهرجان إلى فرجة بصرية وفكرية.
هذا النهج ينسجم مع منطق الموجة الكورية نفسها. فالقوة الناعمة الكورية لم تتصاعد لأن المنتجات الثقافية جيدة فقط، بل لأنها تُقدَّم بعناية عالية في الشكل والحدث والتسويق والطقس العام المحيط بها. من الحفلات الموسيقية إلى الدراما إلى الجوائز السينمائية، هناك وعي واضح بأن الجمهور المعاصر لا يستهلك المحتوى وحده، بل يستهلك التجربة أيضاً. وبوشون، من خلال افتتاح يستند إلى فكرة مركزية هي التعايش بين الإنسان والآلة، يقدّم هذه التجربة كاملة: مسرح، صورة، فكرة، ونقاش.
في العالم العربي نعرف أيضاً أثر الافتتاحات الكبرى حين تكون مصممة بعناية. فبعض المهرجانات لا يبدأ حضورها الحقيقي إلا من لحظة الافتتاح، حين يتحول الحدث إلى خطاب عام عن الثقافة والفن ودور البلد أو المدينة في المشهد الإقليمي. واللافت في بوشون أن هذا الخطاب لا يذهب إلى الفخامة الفارغة، بل يحاول ربط الشكل بالمضمون. فحين يصبح الروبوت البشري محوراً بصرياً في الافتتاح، فإن ذلك يربط الحفل مباشرة بمستقبل السينما وبالأسئلة التي ستطرحها الأعمال المشاركة.
هنا يتجلى ذكاء المهرجان: لا يكتفي بأن يعرض أفلاماً عن المستقبل أو الرعب أو الفانتازيا، بل يجعل من حفل افتتاحه نفسه امتداداً لهذه الروح. كأن المدينة كلها تقول لزوّارها: أنتم لا تدخلون مهرجاناً عادياً، بل فضاءً تتجاور فيه العروض مع الأفكار، والنجوم مع المختبرات البصرية، والاحتفاء مع التأمل.
نجوم من آسيا وأوروبا.. لماذا تعني الجوائز الخاصة أكثر مما تبدو؟
من أبرز محطات الافتتاح هذا العام منح “جائزة الأيقونة الفانتازية” للممثلة جوزي هو، و”جائزة الأيقونة العالمية” للممثلة الصينية فان بينغ بينغ، فيما نالت الممثلة الفرنسية الكبيرة إيزابيل أوبير جائزة الإنجاز. ومن السهل، في التغطيات السريعة، التعامل مع هذه الأسماء باعتبارها مجرد حضور لنجوم يضيفون بريقاً للسجادة الحمراء. لكن المعنى الحقيقي أوسع من ذلك بكثير.
جوزي هو تمثل وجهاً من وجوه السينما الآسيوية التي لم تخشَ الاقتراب من مناطق النوع: الرعب، الإثارة، الأعمال الحادة ذات الحضور الجسدي والنفسي القوي. أما فان بينغ بينغ فهي من الأسماء التي تجاوزت السوق الصينية إلى الحضور الآسيوي والعالمي، وصارت بالنسبة إلى جمهور واسع رمزاً لتداخل النجومية الشعبية مع التمثيل في أعمال ذات طابع بصري ضخم أو حساسية فنية مختلفة. وإيزابيل أوبير، من جهتها، تنتمي إلى تقليد سينمائي أوروبي رفيع، لكنها أيضاً ممثلة لم تتعامل يوماً مع السينما بوصفها قوالب جامدة، بل كانت دائماً على تماس مع الشخصيات المركبة والمزعجة والمختلفة.
جمع هذه الأسماء في مناسبة واحدة يقول شيئاً أساسياً عن بوشون: المهرجان لا يرى سينما النوع هامشاً منفصلاً عن السينما الكبرى، بل مساحة تتقاطع فيها تجارب جماهيرية وفنية ونخبوية وتجريبية في آن. وهذا مهم جداً في لحظة ما زال فيها بعض الخطاب النقدي العربي يتردد في منح أفلام الرعب أو الخيال أو التشويق مكانتها الكاملة. بوشون يقول عملياً إن هذه الأنواع ليست “تسلية أقل قيمة”، بل إحدى اللغات الأساسية التي يتحدث بها العالم المعاصر عن نفسه.
كما أن هذه الجوائز تمثل إشارة إلى اتساع الشبكة الدولية للمهرجان. فحين تستطيع منصة بدأت في مدينة كورية متوسطة أن تجمع ممثلين من هونغ كونغ والصين وفرنسا تحت عناوين تكريمية مختلفة، فهذا يعني أنها لم تعد حدثاً محلياً يراقب نفسه في المرآة، بل طرفاً فاعلاً في الحوار السينمائي العالمي. وهذا تحديداً ما تحتاجه كثير من المهرجانات: أن تكون لها شخصية واضحة تجعل الآخرين يأتون إليها لا بدافع المجاملة، بل لأن لديها ما تضيفه إلى خريطة السينما.
حضور صناع السينما الكوريين.. اعتراف داخلي بمكانة المهرجان
شهد الافتتاح أيضاً حضور أسماء كورية بارزة مثل المخرج لي جون إيك والمخرج كواك كيونغ تايك، وهما من الشخصيات المعروفة في السينما الكورية، وإن كان لكل منهما عالمه الخاص وأسلوبه المختلف. أهمية هذا الحضور لا تكمن فقط في قيمة الأسماء، بل في الرسالة التي يوجهها إلى الداخل الكوري: مهرجان بوشون ليس تجمعاً لعشاق نوع سينمائي ضيق، بل محطة يتقاطع عندها صناع السينما الكورية على اختلاف اتجاهاتهم.
هذا البعد مهم لأن بعض مهرجانات التخصص تقع في فخ الانعزال داخل جمهورها الخاص. أما حين يحرص مخرجون من مشارب متعددة على الحضور، فإن ذلك يعني أن المهرجان بات منصة حوار داخل الصناعة نفسها. فسينما النوع لا تتغذى فقط من المخرجين المتخصصين فيها، بل من الاحتكاك الدائم بين المدارس والأساليب والخبرات. والحيوية التي نراها في السينما الكورية اليوم لا يمكن فصلها عن هذا النوع من اللقاءات المستمرة بين التجاري والفني، وبين المخرج المؤلف وصانع الفيلم الجماهيري، وبين العمل المحلي والطموح العالمي.
من منظور عربي، تبدو هذه النقطة شديدة الأهمية. فالتجارب السينمائية الأكثر نضجاً هي تلك التي لا تبني جدراناً عالية بين الأنواع والتيارات، بل تسمح لها بالتفاعل. عندما تصبح أفلام النوع جزءاً معترفاً به من الثقافة السينمائية الوطنية، لا مجرد استثناء، فإن الصناعة كلها تستفيد. وهذا ما يبدو أن بوشون كرّسه عبر ثلاثين عاماً: الاعتراف بأن الخيال ليس ترفاً، وأن الرعب ليس لعبة مراهقين، وأن الخيال العلمي يمكن أن يكون مختبراً للأفكار الكبرى مثلما يمكن أن يكون وسيلة للمتعة البصرية.
الاحتفال بالذكرى الثلاثين، في هذا السياق، بدا أيضاً احتفالاً بزمن كامل من العلاقات المهنية والثقافية. فالمهرجان لا يعيش بالعروض وحدها، بل بالشبكات التي يبنيها، وبالثقة التي يراكمها، وبقدرته على أن يكون بيتاً موقتاً للسينمائيين والنقاد والجمهور. وهذه أمور لا تُقاس بلقطة واحدة على السجادة الحمراء، لكنها تظهر بوضوح حين نرى أسماء متعددة من أجيال واتجاهات مختلفة تجتمع في المكان نفسه.
ما الذي يعنيه بوشون للجمهور العربي المتابع للموجة الكورية؟
في العالم العربي، غالباً ما تُختصر كوريا الجنوبية ثقافياً في ثلاثية معروفة: المسلسلات، الموسيقى، ومنتجات الجمال. وهذه الصورة، رغم صحتها الجزئية، تحجب طبقات أخرى أكثر تعقيداً في التجربة الكورية. فهناك أدب، وفنون بصرية، ومسرح، وسينما تجريبية، ومهرجانات لعبت دوراً أساسياً في تشكيل الذائقة العامة وتصدير أسماء جديدة إلى الخارج. ومهرجان بوشون واحد من أبرز هذه المفاتيح.
أهمية متابعة هذا الحدث عربياً لا تنبع فقط من الفضول الثقافي، بل من أنه يساعدنا على فهم كيف تعمل القوة الناعمة بصورة مكتملة. فالدول لا تبني حضورها العالمي بأغنية ناجحة أو مسلسل شهير فقط، بل بمنظومة تسمح باستمرار إنتاج الجديد. المهرجانات هنا جزء من ماكينة الإبداع، لأنها تصنع الذائقة، وتمنح الشرعية، وتفتح قنوات التلاقي بين السوق والفكرة. وإذا كانت كوريا قد أصبحت لاعباً ثقافياً عالمياً، فذلك لأن لديها مؤسسات وفضاءات مثل بوشون تدير العلاقة بين المخيلة والصناعة.
ثم إن سينما النوع نفسها تملك جاذبية خاصة للجمهور العربي. فهذه المنطقة عاشت، وما زالت، تحولات حادة وأسئلة وجودية وسياسية واجتماعية تجعل الخيال أحياناً أقرب إلى الحقيقة من الواقعية المباشرة. ليس غريباً إذاً أن يجد المشاهد العربي في السينما الكورية، خصوصاً أفلام التشويق والرعب والديستوبيا، صدى لقلق إنساني يتجاوز الحدود. ولعل هذا ما يفسر النجاح الذي حققته أعمال كورية كثيرة عربياً، حتى خارج الأطر الرسمية للتوزيع.
من هنا، فإن خبر افتتاح الدورة الثلاثين من بوشون لا يخص عشاق السينما الكورية وحدهم، بل يخص كل من يتابع كيف تتشكّل الثقافات المؤثرة في العالم المعاصر. إنه تذكير بأن وراء اللمعان الجماهيري بنية ثقافية أعمق، وأن كوريا لا تعرض للعالم صوراً جاهزة فقط، بل تنتج أيضاً أسئلة محرجة عن الإنسان والتقنية والسلطة والعزلة والمستقبل.
ثلاثون عاماً مضت.. والسؤال الحقيقي يبدأ الآن
حين يبلغ مهرجان سينمائي دورته الثلاثين، فإنه لا يكتفي بالاحتفال بالماضي، بل يُجبر على تقديم تصور لما بعد هذه النقطة الرمزية. وهذا بالضبط ما يضع مهرجان بوشون أمامه اليوم. فالعالم يتغير بسرعة، وعادات المشاهدة تتغير، والمنصات تنافس القاعات، والتقنيات الجديدة تهزّ تعريف الصورة نفسها. في هذا السياق، لا يكفي أن ينجو المهرجان من الزمن، بل عليه أن يثبت أنه ما زال ضرورياً.
المؤشرات القادمة من الافتتاح توحي بأن بوشون يدرك هذا التحدي جيداً. اختار ثيمة تقنية-إنسانية شديدة الراهنية، وكرّم أسماء ذات وزن دولي، وأبقى على موقعه بوصفه منصة لسينما النوع في بلد صار لاعباً مركزياً في الثقافة العالمية. لكن الامتحان الأهم يبقى في ما إذا كان قادراً على الاستمرار بوصفه مكاناً لاكتشاف المستقبل، لا فقط للاحتفال بالماضي.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: مهرجان يحتفل بمرور ثلاثين سنة، لكنه يفعل ذلك عبر سؤال عن الغد، عن الروبوتات، عن الإنسان، عن حدود الفن في عصر الذكاء الاصطناعي. كأن الرسالة تقول إن أفضل طريقة لتكريم التاريخ هي ألا نتعامل معه كمتحف، بل كرصيد يسمح بالمجازفة التالية. وهذا بالتحديد ما تحتاجه الثقافة في كل مكان، عربياً وكورياً وعالمياً: مؤسسات لا تكتفي بحراسة الذاكرة، بل تصنع الاحتمال.
في المحصلة، يبدو افتتاح الدورة الثلاثين من مهرجان بوشون الدولي للأفلام الفانتازية أكثر من مناسبة سينمائية لامعة. إنه إعلان متجدد عن أن كوريا الجنوبية تواصل توسيع نفوذها الثقافي عبر أدوات متنوعة، وأن السينما ما زالت، رغم تغير الشاشات والمنصات، قادرة على أن تكون مختبراً للقلق الإنساني والدهشة معاً. وبالنسبة إلى القارئ العربي، فإن هذا الحدث يفتح نافذة إضافية على كوريا الأخرى: كوريا التي لا تكتفي بتصدير النجوم، بل تصدّر أيضاً الأسئلة.
0 تعليقات