광고환영

광고문의환영

منتدى أندونغ العالمي يضع شباب كوريا والعالم في غرفة واحدة: كيف تراهن غيونغبوك على الشبكات البشرية لصناعة نموها المقبل؟

منتدى أندونغ العالمي يضع شباب كوريا والعالم في غرفة واحدة: كيف تراهن غيونغبوك على الشبكات البشرية لصناعة نموها المقبل؟

من أندونغ إلى العالم: خبر محلي في كوريا يحمل دلالة دولية أوسع

في وقت تنشغل فيه التغطيات الاقتصادية عادة بأرقام الصادرات، وصفقات التكنولوجيا الكبرى، وتحركات الشركات العملاقة في سيول، برز في كوريا الجنوبية مشهد مختلف يستحق التوقف عنده من زاوية عربية أيضاً: مدينة أندونغ التابعة لإقليم غيونغبوك استضافت منتدى جمع 90 شاباً وشابة من قادة الجيل الجديد، قدموا من 21 دولة، بينهم شباب من أبناء الجاليات الكورية في الخارج، ورواد أعمال محليون، وطلبة جامعات، لمناقشة التعاون العالمي واستراتيجيات النمو المستقبلية. الحدث، الذي اختتم أعماله في الخامس من يوليو/تموز، لم يكن مجرد لقاء تعارف عابر، بل بدا أقرب إلى اختبار عملي لسؤال بات يشغل كثيراً من الاقتصادات المحلية حول العالم، ومنها اقتصادات عربية عديدة: كيف يمكن للأقاليم البعيدة عن العاصمة أن تصنع لنفسها مكاناً في الاقتصاد العالمي؟

المنتدى حمل عنواناً لافتاً: «غيونغبوك التي تحتضن العالم، والقيادة الصاعدة التي تفتح المستقبل». والعنوان بحد ذاته يكشف عن التحول في تفكير الحكومات المحلية الكورية. فالمسألة لم تعد محصورة في جذب مصنع جديد أو الترويج لسياحة تقليدية، بل في بناء شبكة بشرية عابرة للحدود، تتكون من أشخاص يعرفون الأسواق، ويتحدثون بلغاتها التجارية والثقافية، ويستطيعون الربط بين المنتج المحلي والفرصة العالمية. هذا النوع من التفكير ليس غريباً على كوريا الجنوبية التي بنت جزءاً مهماً من صعودها على التعليم والانفتاح والربط بين الدولة والقطاع الخاص، لكنه يكتسب هنا بعداً جديداً لأنه يحدث خارج العاصمة، وفي مدينة يرتبط اسمها لدى كثير من الكوريين بالتراث والهوية الثقافية أكثر مما يرتبط بالاقتصاد الدولي.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الخبر في ظاهره شأناً كورياً داخلياً، لكن دلالاته تتجاوز ذلك بكثير. ففي العالم العربي أيضاً، تواجه المدن والأقاليم خارج العواصم تحدياً مشابهاً: كيف تنتقل من الاعتماد على المركز إلى بناء قوتها الذاتية؟ وكيف تحول أبناءها في الخارج، أو شبكاتها التعليمية، أو طاقاتها الشابة، إلى جسر اقتصادي حقيقي؟ من هنا، فإن ما جرى في أندونغ ليس مجرد منتدى شبابي، بل نموذج عن طريقة تفكير جديدة في التنمية، قوامها أن العلاقات البشرية المنظمة قد تكون أصلًا اقتصادياً لا يقل أهمية عن رأس المال أو البنية التحتية.

من هم المشاركون؟ ولماذا يهم هذا التكوين بالتحديد؟

وفق المعطيات المعلنة، شارك في المنتدى 60 شاباً من القادة الكوريين الناشطين في الخارج، و22 من الرؤساء التنفيذيين الشباب من إقليم غيونغبوك، إضافة إلى 8 طلاب جامعيين من كوريا الجنوبية. هذا التوزيع ليس تفصيلاً تنظيمياً بسيطاً، بل هو جوهر الفكرة نفسها. فهناك، أولاً، شريحة من الشباب الذين يعيشون أو يعملون خارج كوريا ولديهم صلة ثقافية واقتصادية بها. وفي السياق الكوري يُستخدم مصطلح «جاي-أوي دونغبو» للإشارة إلى الكوريين في الخارج أو المنتمين إلى الشتات الكوري، وهو مفهوم يوازي في وعينا العربي ما نفهمه حين نتحدث عن أبناء الجاليات العربية أو الكفاءات المهاجرة التي تبقى محتفظة بروابط مع أوطانها الأصلية.

هذه الفئة مهمة لأن أفرادها يجمعون بين حساسية الانتماء ومعرفة السوق الخارجية. هم ليسوا دبلوماسيين رسميين، لكنهم غالباً أكثر قدرة على قراءة المزاج المحلي في البلد الذي يقيمون فيه، وفهم ما الذي يجذب المستهلك، وما الذي يثير حذر المستثمر، وما الذي يجعل الشراكة ممكنة أو متعثرة. وحين يجلس هؤلاء مع رواد أعمال شباب من غيونغبوك في مكان واحد، فإن النقاش لا يكون نظرياً فقط، بل يمس أسئلة عملية من قبيل: كيف تُقدَّم علامة تجارية محلية إلى سوق جديد؟ ما نوع الخطاب الذي ينجح في بلد ما ويفشل في بلد آخر؟ وما العقبات التنظيمية والثقافية التي لا تظهر في تقارير السوق المكتوبة؟

أما وجود 22 رئيساً تنفيذياً شاباً من غيونغبوك، فهو يوضح أن الإقليم لا يريد لهذا المنتدى أن يبقى في إطار العلاقات العامة أو التبادل الثقافي فقط، بل أن يتحول إلى فرصة مباشرة أمام من يقودون شركات ناشئة أو مشاريع محلية تحتاج إلى أسواق وشركاء. هؤلاء ليسوا طلاباً في مرحلة اكتشاف أولى، بل فاعلون اقتصاديون لديهم حاجة حقيقية إلى شبكات توزيع، ومنافذ تصدير، وشراكات تقنية، وربما مستثمرين أو مستشارين يفهمون طبيعة التوسع عبر الحدود.

ثم تأتي فئة الطلاب الجامعيين الثمانية، وهي فئة صغيرة عدداً لكنها ذات معنى. إدخال الطلبة في هذا النوع من المنتديات يكشف عن رغبة في تربية وعي مبكر لدى الجيل المقبل بأن الاقتصاد لم يعد محلياً خالصاً، وأن مسار الوظيفة أو ريادة الأعمال لا ينفصل عن القدرة على فهم العالم. وفي العالم العربي نعرف جيداً قيمة هذه المسألة؛ فالفجوة بين التعليم وسوق العمل لطالما كانت من العقد المزمنة، وأي نموذج يربط الطلبة مبكراً بالشبكات المهنية والدولية يستحق الدراسة.

أندونغ ليست سيول: لماذا اختارت غيونغبوك الرهان من خارج المركز؟

أندونغ مدينة معروفة في كوريا الجنوبية بأنها حاضنة للتراث الكونفوشي ولعدد من الرموز الثقافية التقليدية، ومنها القرية الشعبية التاريخية وطقوس ومهرجانات تعكس العمق الاجتماعي والثقافي الكوري. لهذا، فإن استضافة منتدى دولي للشباب ورواد الأعمال فيها تحمل رسالة تتجاوز الجغرافيا. المعنى هنا أن كوريا لا تريد أن تحصر علاقتها بالعالم في العاصمة سيول أو في المراكز الصناعية العملاقة المعروفة دولياً، بل تسعى إلى جعل الأقاليم نفسها منصات اتصال دولي.

هذا مهم لأن المركزية الاقتصادية ليست مشكلة عربية فقط. حتى في كوريا الجنوبية، حيث تتقدم البنية التحتية والكفاءة الإدارية، تبقى العاصمة ومنطقتها الأوسع مركز الثقل المالي والاستثماري. لذلك تحاول الأقاليم، ومنها غيونغبوك، أن تبتكر أدواتها الخاصة لجذب الاهتمام والفرص. وإذا كانت بعض المناطق تراهن على الصناعة أو السياحة أو الجامعات، فإن غيونغبوك تبدو هنا وكأنها تراهن على «رأس المال الشبكي»؛ أي القدرة على جمع الأشخاص المناسبين في اللحظة المناسبة، وبناء علاقات قد تُثمر لاحقاً في التجارة والاستثمار والابتكار.

هذا الرهان له ما يبرره. فالتنمية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعني فقط إنشاء طرق ومبانٍ ومجمعات صناعية، بل تعني أيضاً إدخال الإقليم في خرائط المعرفة والثقة والتواصل. وفي المنطقة العربية يمكن فهم هذه النقطة بسهولة إذا قارناها بمحاولات بعض المدن غير المركزية في الخليج أو شمال أفريقيا أو المشرق لتقديم نفسها بوصفها مراكز للمؤتمرات، أو للتكنولوجيا، أو للصناعات الإبداعية. الفكرة في كل الحالات واحدة: لا يكفي أن تمتلك الموارد، بل يجب أن يعرفك العالم، وأن يجدك على شبكته، وأن يراك شريكاً يمكن الوصول إليه.

من هنا يمكن قراءة اختيار أندونغ أيضاً باعتباره محاولة للجمع بين الهوية والانفتاح. فبدلاً من تقديم العولمة بوصفها نقيضاً للخصوصية المحلية، يجري توظيف مدينة ذات رمزية ثقافية كورية لاستضافة نقاشات عن المستقبل العالمي. وهذا نموذج بات يتكرر في كوريا كثيراً: تصدير الحداثة من دون التخلي عن السردية الثقافية الوطنية. وهو أمر يعرفه الجمهور العربي جيداً من خلال الشعبية الواسعة للمطبخ الكوري، والدراما، والموسيقى، والاهتمام المتزايد باللغة والثقافة الكوريتين في مدن عربية عدة.

ما الذي تعنيه «الشبكة» في الاقتصاد؟ أكثر من مجاملة وأقل من صفقة فورية

أحد أهم الدروس في هذا الحدث أن كلمة «شبكة» لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تعارفاً بروتوكولياً أو صورة جماعية تنتهي بانتهاء المنتدى. في الاقتصاد الحديث، الشبكة تعني الوصول إلى معرفة غير مكتوبة، وإلى أشخاص يختصرون الزمن، وإلى قنوات ثقة تفتح الأبواب المغلقة. كثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة لا تفشل لأنها تفتقر إلى منتج جيد فقط، بل لأنها لا تعرف كيف تدخل السوق، أو مع من تتحدث أولاً، أو كيف تقدم نفسها بلغة مفهومة للطرف الآخر.

هذا المعنى يتضح أكثر عندما نضع في الاعتبار أن المنتدى جمع مشاركين من 21 دولة. هنا لا نتحدث عن نافذة على سوق واحدة، بل عن فسيفساء من البيئات القانونية والثقافية والاستهلاكية. في بلد ما قد يكون التحدي في التوزيع، وفي آخر في التسجيل القانوني، وفي ثالث في فهم الذوق المحلي، وفي رابع في اختيار الشريك المناسب. وكل مشارك من أبناء الجاليات الكورية في الخارج يمثل، بشكل ما، خريطة مصغرة عن هذا التعقيد. إنهم يملكون ما يمكن وصفه بـ«الترجمة الثقافية» بين بلدين، وهي أحياناً أكثر قيمة من الترجمة اللغوية نفسها.

في التغطيات الاقتصادية العربية، كثيراً ما نقرأ عن مذكرات تفاهم واتفاقات تعاون من دون أن نعرف ما الذي يبقى منها فعلاً بعد انتهاء المؤتمرات. وفي حالة المنتدى الكوري، لا توجد حتى الآن معلومات معلنة عن عقود تصدير أو استثمارات محددة أو مشروعات مشتركة حُسمت خلال الأيام التي انعقد فيها اللقاء. وهذه نقطة مهمة مهنياً: النجاح هنا ليس في تضخيم النتائج، بل في فهم طبيعة الحدث كما هو. المنتدى يكتسب أهميته من كونه بنية تمهيدية، أو إذا شئنا التعبير، منصة تأسيسية لعلاقات قد تتحول لاحقاً إلى شراكات ومشاريع.

وهذا النهج، بصراحة، أكثر واقعية من الخطاب الاحتفالي المعتاد. فالأسواق لا تُفتح بقرار واحد، ولا الثقة تُبنى في جلسة واحدة. ما يحدث غالباً هو تراكم بطيء: لقاء أول يبدد الصور النمطية، ثم تواصل لاحق، ثم زيارة عمل، ثم تجربة صغيرة، ثم شراكة أوسع. وإذا نجحت غيونغبوك في تحويل هذا المنتدى إلى تقليد مؤسسي مستمر، فإن قيمته الحقيقية ستظهر في السنوات المقبلة، حين يمكن قياس أثره على عدد الشراكات، أو دخول شركات شابة إلى أسواق جديدة، أو حتى خلق فرص تدريب وتوظيف عابرة للحدود.

الشتات الكوري كقوة ناعمة واقتصادية: درس له صدى عربي واضح

من أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في هذا الحدث حضور أبناء الشتات الكوري أو الجاليات الكورية في الخارج بوصفهم شركاء في التفكير الاقتصادي، لا مجرد امتداد ثقافي أو رمزي. وهذا أمر يستحق التأمل عربياً. فالعالم العربي يمتلك بدوره جاليات واسعة، من رجال أعمال وأكاديميين ومهنيين ومبتكرين، موزعين في أوروبا والأمريكيتين وأفريقيا وآسيا. لكن السؤال الذي يتكرر دائماً هو: كيف تتحول هذه الكتلة البشرية إلى رافعة تنموية منظمة، لا إلى مجرد قصص نجاح فردية منفصلة عن أوطانها الأصلية؟

التجربة الكورية في هذا المنتدى تقدم إجابة عملية جزئياً: عبر خلق مساحة مؤسسية تجمع بين الداخل والخارج، وبين القطاع العام والشباب، وبين رجال الأعمال والطلاب. فالشتات هنا لا يُستدعى لإلقاء كلمة معنوية عن حب الوطن، بل للمساهمة في بناء إدراك مشترك للأسواق والفرص والتحديات. وهو ما ينسجم مع المقاربة الكورية العامة التي تنظر إلى الموارد البشرية بوصفها ثروة استراتيجية، سواء كانت داخل البلاد أم خارجها.

بالنسبة للقارئ العربي، يمكن تشبيه هذه الفكرة بما قد يحدث لو اجتمع رجال أعمال شباب من مدن عربية خارج العواصم مع أبناء الجاليات العربية الناجحين في كندا أو البرازيل أو فرنسا أو دول الخليج، ليس فقط للحديث عن الحنين والهوية، بل لصياغة قنوات تعاون فعلية في التجارة والتعليم والتقنية والصناعات الإبداعية. الفرق بين النموذجين يكمن عادة في درجة التنظيم والاستمرارية ووجود طرف مؤسسي يتابع ويحوّل النقاش إلى مسار عمل.

كوريا الجنوبية، التي استفادت تاريخياً من شبكاتها الخارجية في التعليم والاستثمار والمعرفة، تبدو اليوم وكأنها تطبق هذا المنطق على المستوى الإقليمي أيضاً. لم يعد الأمر مقتصراً على الدولة المركزية في سيول، بل امتد إلى حكومات محلية مثل غيونغبوك، التي تحاول أن تبني لنفسها جسوراً خاصة مع العالم. وهذا تطور مهم لأنه يدل على نضج في البنية المؤسسية: حين تبدأ الأقاليم نفسها في فهم قيمة الشتات بوصفه شريكاً تنموياً، فإن شبكة الدولة كلها تصبح أوسع وأكثر مرونة.

الشباب وريادة الأعمال: من خطاب الحماس إلى هندسة الفرص

لطالما كان الحديث عن الشباب في كثير من المؤتمرات الدولية محكوماً بلغة عامة: الإبداع، والطموح، والتغيير، والمستقبل. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه المفردات إلى هياكل تتيح للشباب فعلاً أن يتحركوا داخل الاقتصاد العالمي. ما يميز المنتدى الذي استضافته أندونغ أنه ربط بين «الشباب» و«الأعمال» و«الشبكات الدولية» ضمن سياق واحد. هذا الربط أساسي لأن ريادة الأعمال لا تزدهر بمجرد توفر الفكرة، بل تحتاج إلى بيئة من العلاقات، والمعلومات، والتغذية الراجعة، والقدرة على الوصول إلى أسواق لا تشبه السوق المحلية.

الشاب الذي يؤسس شركة في غيونغبوك، تماماً كما في مدينة عربية متوسطة الحجم، غالباً ما يصطدم بسرعة بحدود محيطه المباشر. السوق المحلي قد يكون ضيقاً، والمستثمرون محدودين، والخبرة في التوسع الخارجي نادرة. هنا يأتي دور مثل هذه المنتديات. فهي لا تقدم حلولاً سحرية، لكنها تفتح نوافذ على طرق تفكير مختلفة: كيف ينظر مستهلك في جنوب شرق آسيا إلى منتج غذائي كوري؟ كيف تقرأ سوق في أمريكا الشمالية قصة علامة تجارية آسيوية؟ ما المتطلبات التنظيمية في أوروبا؟ وما الذي يجعل شريكاً محلياً في الشرق الأوسط يثق في شركة ناشئة قادمة من مدينة غير معروفة له؟

ومن زاوية أخرى، فإن إشراك الطلبة مع الرؤساء التنفيذيين الشباب يخلق تواصلاً بين من هم داخل المعادلة الاقتصادية بالفعل ومن هم على أبوابها. هذا يشبه إلى حد ما فكرة «السند» أو «التوجيه المهني» التي تحتاجها الجامعات العربية أكثر من أي وقت مضى. فالاقتصاد العالمي لا ينتظر الخريجين حتى يكتشفوا قواعده بعد التخرج؛ بل يفرض عليهم أن يتعرفوا إليها خلال الدراسة، وأن يطوروا لغتهم المهنية والثقافية منذ وقت مبكر.

في السياق الكوري، يتقاطع هذا أيضاً مع السمعة المتنامية للبلاد بوصفها مختبراً لصناعات المستقبل، من التكنولوجيا إلى المحتوى الثقافي إلى التعليم المتقدم. ومن ثم، فإن تمكين الشباب من شبكات عابرة للحدود ليس ترفاً، بل جزء من معادلة تنافسية أشمل. وإذا كانت الموجة الكورية قد نجحت في جعل الثقافة أداة نفوذ، فإن المنتديات من هذا النوع تكشف الجانب الآخر الأقل ضجيجاً لكن الأعمق أثراً: بناء البنية البشرية للعولمة الكورية القادمة.

ما الذي تقوله هذه القصة عن الاقتصاد الكوري اليوم؟

من السهل النظر إلى الاقتصاد الكوري من خلال أسماء كبرى مثل «سامسونغ» و«هيونداي» و«إل جي»، أو من خلال صادرات الرقائق والسيارات والسفن. لكن قصة المنتدى في أندونغ تذكّرنا بأن ثمة طبقة أخرى من الاقتصاد الكوري تتحرك بعيداً عن الأضواء الكبرى: طبقة الأقاليم، والشركات الشابة، والشبكات البشرية، والتفكير في النمو من خارج القنوات المركزية التقليدية. وهذه الطبقة مهمة لأنها غالباً ما تكون المكان الذي تتولد فيه المرونة، وحيث تُجرَّب أفكار جديدة قبل أن تتحول إلى سياسات أو اتجاهات أوسع.

كذلك تكشف القصة عن تحول في تعريف «الميزة التنافسية». لم تعد الميزة فقط في قدرة بلد ما على الإنتاج السريع أو التصنيع عالي الجودة، بل في قدرته على تنظيم المعرفة الموزعة عبر العالم، وربطها بحاجات محلية محددة. إن جمع 90 شاباً من 21 دولة في مدينة إقليمية لمناقشة التعاون المستقبلي قد لا ينتج رقماً مالياً فورياً، لكنه يبني شيئاً أكثر صعوبة في البناء: الثقة المتبادلة، واللغة المشتركة، والإحساس بأن هناك منصة يمكن العودة إليها.

هذا التحول له أثر مباشر على صورة كوريا في الخارج أيضاً. فبدلاً من أن تُرى فقط كقصة نجاح صناعي مركزي، تظهر هنا بوصفها بلداً يحاول تعميم الانفتاح العالمي على أقاليمه وشرائحه الشابة. وهذه رسالة مهمة في زمن تتنافس فيه الدول على جذب العقول والشركاء والمواهب بقدر تنافسها على جذب رؤوس الأموال. الاقتصاد لم يعد فقط ما يُنتَج، بل أيضاً من يعرف من، ومن يثق بمن، ومن يستطيع العبور بين الثقافات والأسواق من دون ارتباك.

وفي العالم العربي، حيث تتسع النقاشات حول تنويع الاقتصادات، وتمكين الشباب، والاستفادة من الكفاءات في الخارج، تقدم هذه القصة الكورية مادة للتفكير أكثر مما تقدم وصفة جاهزة. ما فعلته غيونغبوك لا يحل كل التحديات، لكنه يلفت الانتباه إلى أن التنمية المحلية يمكن أن تبدأ من فكرة بسيطة ومركبة في آن معاً: جمع الأشخاص المناسبين حول أسئلة المستقبل، ثم إعطاء هذا الجمع بعداً مؤسسياً قابلاً للاستمرار.

خلاصة المشهد: حين تصبح العلاقات البشرية سياسة اقتصادية

يمكن القول إن المنتدى الذي اختُتم في أندونغ ليس من الأخبار الاقتصادية الصاخبة التي تتصدر العناوين بسبب مليارات الدولارات أو صفقات الاستحواذ العملاقة. لكنه من النوع الذي يكشف، بهدوء، أين تتجه بعض السياسات الذكية في كوريا الجنوبية. فإقليم غيونغبوك اختار أن يستثمر في شبكة من القادة الشباب الكوريين في الخارج، وأن يضعهم في تماس مباشر مع رواد أعمال محليين وطلاب جامعات، تحت سقف عنوان واضح: المستقبل يُبنى بالانفتاح، لكن الانفتاح يحتاج إلى تنظيم ومؤسسات ومنصات مستمرة.

أهمية هذا المشهد تكمن في أنه يُخرج مفهوم «التواصل الدولي» من دائرة المجاملة الدبلوماسية إلى دائرة الأدوات الاقتصادية الفعلية. فحين تتحول الشبكة البشرية إلى أصل منظم، تصبح قادرة على دعم التصدير، وتسهيل الشراكات، وتحسين فهم الأسواق، وتوسيع أفق الشباب. وربما هنا تكمن الرسالة الأهم للقارئ العربي: لا يكفي أن تمتلك مدينة أو إقليماً طاقات شابة أو تراثاً غنياً أو موقعاً جيداً، بل يجب أن تُترجم هذه العناصر إلى حضور فعلي داخل خرائط العالم.

في أندونغ، المدينة التي يعرفها كثيرون من باب الثقافة والتقاليد، جرى تقديم صورة أخرى لكوريا: كوريا التي تفكر في المستقبل من خارج المركز، وتبحث عن النمو عبر الناس بقدر ما تبحث عنه عبر المصانع والتكنولوجيا. وإذا كانت النتائج المباشرة لهذا المنتدى لم تُقاس بعد بعقود أو استثمارات معلنة، فإن قيمته تبقى واضحة في كونه يضع حجر أساس لشبكة قد تنتج لاحقاً ما هو أكبر من حدث عابر: اقتصاداً محلياً أكثر اتصالاً بالعالم، وشباباً أكثر قدرة على التفاوض مع المستقبل بلغته الحقيقية، لغة العلاقات والثقة والمعرفة المشتركة.

ولهذا، فإن الخبر الآتي من غيونغبوك لا يُقرأ فقط بوصفه نشاطاً شبابياً ناجحاً، بل بوصفه مؤشراً على مرحلة جديدة في التفكير التنموي الكوري. مرحلة تقول إن الطريق إلى الأسواق العالمية لا يبدأ دائماً من الموانئ والمصانع، بل قد يبدأ أحياناً من قاعة تجمع 90 شاباً من 21 دولة، يتحدثون عن المستقبل، ثم يعود كل واحد منهم حاملاً معه خيطاً جديداً في شبكة أكبر اسمها الاقتصاد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات