광고환영

광고문의환영

كوريا الجنوبية تمنح كبار السن دورًا جديدًا في العصر الرقمي: نموذج إعلامي يحوّل الخبرة إلى عمل وخدمة عامة

كوريا الجنوبية تمنح كبار السن دورًا جديدًا في العصر الرقمي: نموذج إعلامي يحوّل الخبرة إلى عمل وخدمة عامة

من جائزة رسمية إلى قصة تحوّل اجتماعي أوسع

في وقت تتسابق فيه الحكومات حول العالم للبحث عن صيغ عملية للتعامل مع الشيخوخة السكانية وتسارع التحول الرقمي، برزت في كوريا الجنوبية تجربة لافتة تستحق التوقف عندها عربيًا، ليس فقط لأنها حصدت جائزة رسمية رفيعة، بل لأنها تكشف عن طريقة مختلفة في التفكير بدور كبار السن في المجتمع. فقد نال مشروع «الوظائف الإعلامية لكبار السن» الذي تديره «مؤسسة إعلام المشاهدين» في كوريا الجنوبية الجائزة الكبرى، وهي جائزة وزير الصحة والرعاية الاجتماعية، خلال حفل تكريم النماذج المتميزة للوظائف الجديدة الملائمة لكبار السن لعام 2026، والذي أشرف عليه المعهد الكوري لتنمية القوى العاملة لكبار السن في 31 يوليو/تموز.

الخبر في ظاهره يبدو كأي خبر مؤسسي عن جائزة أو تكريم، لكن معناه الفعلي أعمق من ذلك بكثير. فالمشروع لا يعامل كبار السن بوصفهم فئة تحتاج إلى المساعدة فقط، ولا يضعهم في خانة «المتلقي» للتدريب الرقمي وحسب، بل يعيد تعريفهم باعتبارهم منتجين للمحتوى، ومرشدين رقميين، ومقدمي خدمة عامة داخل مجتمعاتهم المحلية. وهذا التحول في زاوية النظر مهم للغاية، لأنه ينقل النقاش من سؤال «كيف نساعد كبار السن على اللحاق بالعصر؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «كيف نجعل خبراتهم المتراكمة جزءًا من صناعة المستقبل؟»

وبحسب المعطيات المعلنة، وفّر المشروع هذا العام 309 فرص عمل لكبار السن موزعة على 12 مركزًا إعلاميًا للمشاهدين في أنحاء كوريا الجنوبية، وهو رقم قد يبدو محدودًا إذا قورن بسوق العمل الواسع، لكنه يكتسب ثقله الحقيقي من كونه جاء بعد توسع بلغ 17 ضعفًا مقارنة ببداية المشروع. هذا النمو السريع يشير إلى أن الفكرة لم تعد مجرد تجربة رمزية أو برنامجًا تجريبيًا صغيرًا، بل تحولت إلى نموذج وطني قابل للتوسع، يجمع بين خلق الوظائف، وتطوير المهارات، وتحسين الوصول إلى المعلومات، وتعزيز الأمان الرقمي في المجتمع المحلي.

وللقارئ العربي، قد تبدو الفكرة قريبة من تجارب عرفتها مجتمعاتنا في مجالات أخرى، حين لعب كبار السن دور «حفظة الذاكرة» أو «أهل الخبرة» في الحي والقرية والأسرة. الجديد هنا أن كوريا الجنوبية لم تكتف بالاعتراف المعنوي بهذه الخبرة، بل حولتها إلى وظيفة حديثة ترتبط بالإعلام الرقمي والخدمات المجتمعية. وبدل أن يبقى كبير السن في موقع الراوي الشفهي أو المستشار الاجتماعي غير الرسمي، أصبح جزءًا من بنية مهنية منظمة لها تدريب وأدوار ومردود اجتماعي واقتصادي واضح.

هذه النقلة تفتح بابًا مهمًا للنقاش في العالم العربي أيضًا، خاصة في ظل ازدياد الاعتماد على التطبيقات والمنصات الرقمية في الخدمات العامة والمالية والإعلامية. فبينما ما زال كثير من كبار السن في منطقتنا يعانون من فجوة رقمية حقيقية، تطرح التجربة الكورية سؤالًا جادًا: هل يمكن أن يكون كبار السن جزءًا من الحل، لا مجرد عنوان للمشكلة؟

ما هو هذا المشروع؟ وكيف يعمل على الأرض؟

يقوم المشروع الكوري على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها ذكية في تصميمها: تدريب كبار السن وتأهيلهم للعمل في مجالات إعلامية وخدمية مرتبطة بالاحتياجات اليومية للمجتمع المحلي. المشاركون لا يقتصر دورهم على حضور ورش تعليمية، بل ينتجون محتوى فعليًا ويتواصلون مباشرة مع السكان في مؤسسات الرعاية والمراكز الإدارية المحلية ومرافق الخدمة العامة.

ومن بين المهام التي يضطلع بها المشاركون إنتاج محتوى يشرح المعلومات العامة المحلية، وصياغة أخبار السلامة بطريقة مبسطة، والترويج للتراث الثقافي في مناطقهم، إضافة إلى تقديم استشارات حول استخدام الهواتف الذكية، وشرح كيفية التعامل مع الخدمات الرقمية، وتنبيه السكان، ولا سيما كبار السن، إلى أساليب الاحتيال المالي المعروفة باسم «التصيد الصوتي» أو الاحتيال الهاتفي. وهذا النوع من الجرائم الرقمية يتزايد عالميًا، ويستهدف غالبًا الفئات الأقل خبرة بالتكنولوجيا أو الأكثر ثقة بالمكالمات التي تتظاهر بأنها صادرة عن جهات رسمية.

الأهمية هنا أن الوظيفة الواحدة تجمع أكثر من بعد في آن واحد. فالمشارك قد يكون منتج محتوى، ومدربًا مبسطًا، ووسيطًا بين المواطن والمعلومة، ومرشدًا في مسائل السلامة الرقمية. وهذه التركيبة تجعل المشروع أبعد من برنامج تشغيل عادي، لأنه يربط التشغيل بالمنفعة العامة. بمعنى آخر، ليس الهدف مجرد إعطاء دخل إضافي لكبير السن، بل استثمار حضوره الاجتماعي في خدمة مجتمعه، مع تزويده بالأدوات الحديثة التي تمكّنه من أداء هذا الدور باحترافية.

وتستند التجربة إلى شبكة من 12 مركزًا إعلاميًا للمشاهدين موزعة على مناطق مختلفة من كوريا الجنوبية. وهذا أمر مهم، لأن العمل لا يُدار بعقلية مركزية جامدة، بل ينطلق من حاجات كل منطقة على حدة. فالمعلومات العامة التي يحتاجها سكان مدينة كبيرة قد تختلف عن احتياجات منطقة ريفية أو ساحلية أو منطقة معروفة بتراثها الثقافي. لذلك يصبح كبير السن، بما لديه من معرفة محلية متراكمة، عنصرًا ثمينًا في اختيار الموضوعات وصياغتها بطريقة تمس الحياة اليومية للناس.

في العالم العربي، نعرف جيدًا قيمة الشخص الذي «يعرف الناس ويعرف المكان»؛ من المختار في القرية، إلى كبير العائلة، إلى الموظف المحلي الذي يملك خبرة طويلة بتفاصيل المجتمع. التجربة الكورية تلتقط هذه القيمة ذاتها، لكنها تلبسها ثوب العصر الرقمي. فالمعرفة المحلية لم تعد مجرد رأسمال اجتماعي معنوي، بل أصبحت قاعدة لإنتاج محتوى وخدمة وتدريب ومساندة تقنية.

لماذا حظي هذا النموذج بكل هذا التقدير؟

السبب الأساسي وراء احتفاء المؤسسات الكورية بهذا المشروع هو أنه يحقق أكثر من هدف في وقت واحد، وهو ما تحاول السياسات العامة الحديثة الوصول إليه عادة. فهو أولًا يفتح باب عمل جديدًا أمام كبار السن في مجتمع يتقدم في العمر بسرعة، وثانيًا يقلص الفجوة الرقمية بين الأجيال، وثالثًا يرفع مستوى الوصول إلى المعلومات العامة، ورابعًا يعزز السلامة الرقمية والوعي المجتمعي، وخامسًا يربط كل ذلك ببنية محلية قابلة للتوسع.

التقدير الرسمي للمشروع جاء لأنه قُدم باعتباره نموذجًا للخدمة الاجتماعية ذات المنفعة العامة، لا كبرنامج تشغيل محدود الأثر. وهذا فارق جوهري. ففي كثير من الأحيان، تُصمم برامج تشغيل كبار السن على أساس أعمال هامشية أو مساندة لا تمنح المشاركين شعورًا واضحًا بالقيمة المهنية أو الأثر المجتمعي. أما في هذه الحالة، فقد أُعيد بناء الوظيفة نفسها بحيث تكون ذات مضمون مهني ومعرفي. فالمشارك لا يقوم بمهمة روتينية فقط، بل يسهم في صناعة رسالة عامة، وفي توعية الناس، وفي حماية بعضهم من مخاطر رقمية متنامية.

ومن الناحية الاقتصادية أيضًا، يبدو المشروع أكثر ذكاءً من مجرد زيادة الأرقام. فالقيمة ليست فقط في الوصول إلى 309 فرص عمل، بل في طبيعة هذه الوظائف. حين يُبنى الدور الوظيفي على ما يملكه كبار السن أصلًا من خبرة حياتية وفهم اجتماعي ومعرفة محلية، ثم يُضاف إليه التدريب الإعلامي والرقمي، فإن المجتمع لا يهدر خبرة متراكمة عبر عقود، بل يعيد تدويرها في شكل أكثر مواكبة للعصر. إنها أشبه بعملية «تحويل مهارة» لا «استبدال جيل»؛ أي أن الحكمة والخبرة لا تُقصى بحجة الحداثة، بل تُنقل إلى لغة جديدة يفهمها الزمن الحالي.

في الثقافة العربية، لطالما حملت صورة «كبير السن» معاني الوقار والخبرة و«المرجعية» داخل الأسرة والمجتمع. لكن هذه المكانة الرمزية تعرضت في العقود الأخيرة إلى اهتزاز نسبي تحت ضغط التغير التكنولوجي السريع، حيث أصبح الهاتف الذكي والتطبيق المصرفي والخدمة الإلكترونية فضاءات يشعر فيها بعض الشباب بالثقة، بينما يتراجع فيها حضور الأكبر سنًا. ما تفعله كوريا هنا هو ترميم هذا الخلل بطريقة عملية: تمنح كبير السن فرصة لاكتساب أدوات العصر، ثم تعيده إلى المجال العام وهو أكثر تأثيرًا، لا أقل.

ولهذا يمكن فهم الجائزة بوصفها اعترافًا بنجاح مشروع لم يكتف برفع شعار «دمج كبار السن»، بل جسده فعليًا عبر دور ملموس يخدم المجتمع. وهذا ما يجعل النموذج جذابًا للنظر إليه خارج كوريا أيضًا، لأنه يقدم إجابة عملية لسؤال عالمي: كيف يمكن أن تتحول الشيخوخة من تحدٍ ديموغرافي إلى فرصة اجتماعية؟

309 وظائف ليست رقمًا فقط: شبكة أمان رقمية داخل المجتمع

حين يُقال إن 309 مشاركين يعملون عبر 12 مركزًا محليًا، فقد يتبادر إلى الذهن رقم إداري جامد. لكن عند تفكيك الأدوار التي يقوم بها هؤلاء، يتضح أن المسألة أقرب إلى بناء «شبكة أمان رقمية» موزعة داخل المجتمع. فالمحتوى الذي ينتجونه حول المعلومات العامة أو أخبار السلامة يساعد السكان على فهم ما يحتاجونه في الحياة اليومية بلغة أبسط وأكثر قربًا. والمحتوى المرتبط بالتراث الثقافي لا يؤدي وظيفة ترويجية فقط، بل يوثق الذاكرة المحلية ويعيد تقديمها للأجيال الجديدة بمنصات وأشكال حديثة.

أما الاستشارات المتعلقة بالهواتف الذكية والخدمات الرقمية، فهي من أكثر جوانب المشروع أهمية من الناحية الاجتماعية. ففي عصر تتحول فيه المواعيد الطبية، والوثائق الإدارية، والخدمات البنكية، وحتى التواصل الأسري، إلى تطبيقات ورسائل وروابط إلكترونية، يصبح العجز عن استخدام الهاتف الذكي شكلًا جديدًا من أشكال التهميش. وفي مجتمعاتنا العربية نلمس هذا الأمر بوضوح حين يحتاج كبار السن إلى مساعدة الأبناء أو الأحفاد لإجراء أبسط المعاملات الرقمية. وإذا كانت الأسرة العربية لا تزال غالبًا تؤدي هذا الدور بحكم الروابط الاجتماعية، فإن السؤال يبقى مطروحًا حول من لا يجد هذا السند، أو من يحتاج إلى شرح مهني ومنهجي ومتكرر.

من هنا تبدو قيمة المشروع الكوري مزدوجة: فهو يساعد كبار السن العاملين فيه على اكتساب دور جديد، وفي الوقت نفسه يساعد سكانًا آخرين، بمن فيهم كبار السن أيضًا، على تجاوز العزلة الرقمية. وتلك حلقة تبادلية ذكية؛ فالمتدرب بالأمس يصبح مدربًا اليوم، والمتلقي يتحول إلى وسيط معرفة. وهذه البنية الدائرية تمنح المشروع قابلية للاستمرار، لأنه لا يعتمد فقط على خبراء خارجيين، بل يبني قدرات من داخل المجتمع نفسه.

كما أن التوعية بمخاطر الاحتيال الهاتفي والرقمي تحمل أهمية خاصة. فالجريمة الإلكترونية لم تعد مسألة تخص فقط مستخدمي الإنترنت المحترفين أو الشركات الكبرى، بل أصبحت تطرق أبواب الأفراد عبر مكالمة مقنعة أو رسالة نصية خادعة أو رابط مزيف. وفي هذا السياق، وجود أشخاص من الجيل نفسه يشرحون المخاطر بلغة مفهومة وواقعية يمكن أن يكون أكثر فاعلية من حملات رسمية باردة أو رسائل تقنية معقدة. أحيانًا يحتاج الناس إلى من يقول لهم ببساطة: «لا تضغط هنا، لا تعطِ هذا الرقم، لا تثق بهذه المكالمة»، لكن بصوت يعرف مخاوفهم وطريقة تفكيرهم.

ولذلك فإن الحديث عن 309 وظائف ينبغي ألا يُقرأ بصفته إنجازًا رقميًا محضًا، بل بصفته بناءً لمستوى جديد من الحماية الاجتماعية الرقمية. إنه نوع من البنية التحتية الناعمة، حيث يصبح الإنسان المدرب جزءًا من منظومة الأمان المجتمعي، لا يقل أهمية عن المنصة أو التطبيق أو الخدمة الرسمية نفسها.

خصوصية النموذج الكوري: بين المركز المحلي والمصلحة العامة

أحد أسرار قوة هذه التجربة أنها لم تُبنَ على منطق التعميم البيروقراطي، بل على منطق الارتكاز المحلي. وجود 12 مركزًا إعلاميًا للمشاهدين يتيح للمشروع أن يتعامل مع قضايا كل منطقة بحسب خصوصيتها: معلومات خدمية محلية، قضايا سلامة مرتبطة بالمكان، معالم تراثية تحتاج إلى توثيق أو تعريف، واحتياجات رقمية تختلف من مجتمع لآخر. هذه اللامركزية المرنة تجعل العمل أكثر التصاقًا بالواقع، وأكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات الناس الفعلية.

وفي كوريا الجنوبية، تُعد مراكز إعلام المشاهدين جزءًا من الجهد العام لتعزيز الثقافة الإعلامية وتمكين المواطنين من استخدام الوسائط بشكل أفضل، سواء في الفهم أو الإنتاج أو التفاعل. وقد لا يكون هذا المفهوم مألوفًا تمامًا في العالم العربي، حيث تتركز صورة «الإعلام» غالبًا في المؤسسات الكبرى والقنوات والمنصات الإخبارية، لكن الفكرة هنا أقرب إلى مؤسسات محلية تعمل على رفع الكفاءة الإعلامية للمجتمع، أي ليس فقط استهلاك الأخبار، بل فهم الرسائل الإعلامية وإنتاج محتوى يخدم الشأن العام.

هذا الدمج بين الإعلام والخدمة المجتمعية ينسجم أيضًا مع خصوصية التجربة الكورية في التعامل مع التحول الرقمي بوصفه شأنًا وطنيًا يشمل التعليم والإدارة والاقتصاد والثقافة. فحين يُطلب من كبير السن أن يشارك في إنتاج أخبار السلامة أو في توثيق التراث المحلي أو في تدريب الآخرين على الهاتف الذكي، فهو لا يُدفع إلى عمل منفصل عن المجتمع، بل إلى دور يقع في قلب التحول الذي تعيشه البلاد.

ومن الناحية السياسية والاجتماعية، يحمل ذلك رسالة مهمة: الوظيفة الجديدة لكبير السن ليست مجرد «ترتيب رفاهي» أو «نشاط ما بعد التقاعد»، بل جزء من تصور أوسع للمواطنة النشطة. أي أن الإنسان، حتى بعد تجاوزه سن العمل التقليدي، يبقى قادرًا على الإسهام في المجال العام إذا توفرت له البنية المناسبة. وهذه الفكرة تجد صدى واضحًا في نقاشات عربية متزايدة حول كيفية التعامل مع ارتفاع متوسط الأعمار، وضرورة ألا تُختزل مرحلة ما بعد التقاعد في الانسحاب الكامل من الحياة العامة.

في كثير من المدن العربية، توجد طاقات كبيرة لدى المتقاعدين: معلمون سابقون، وموظفون إداريون، وإعلاميون، وحرفيون، وأشخاص راكموا معرفة محلية وثقافية لا تُقدّر بثمن. لكن هذه الطاقات غالبًا ما تبقى غير منظمة أو تُستثمر بشكل محدود. التجربة الكورية تقول ببساطة: إذا وُضعت بنية تدريبية ومؤسسية مناسبة، يمكن لهذه الخبرة أن تتحول إلى رصيد تنموي وإعلامي حقيقي.

ما الذي يمكن أن تتعلمه المنطقة العربية من هذه التجربة؟

ليس المطلوب، بالطبع، استنساخ النموذج الكوري حرفيًا، فلكل مجتمع تركيبته المؤسسية والثقافية وموارده وأولوياته. لكن هناك دروسًا عملية يمكن للعالم العربي أن يستفيد منها. أولها أن مسألة الفجوة الرقمية لا ينبغي النظر إليها فقط بوصفها مشكلة تقنية، بل بوصفها مسألة عدالة اجتماعية ومشاركة مدنية. فمن لا يعرف استخدام الهاتف الذكي أو التطبيقات الأساسية قد يجد نفسه خارج دوائر الخدمة والمعلومة والفرصة.

الدرس الثاني هو أن كبار السن ليسوا بالضرورة عبئًا على مشاريع التحديث الرقمي، بل يمكن أن يكونوا جزءًا فاعلًا منها إذا أُعيد تصميم الأدوار بصورة ذكية. في المجتمعات العربية، حيث تحظى فئة الكبار بمكانة اجتماعية ورمزية قوية، قد يكون إشراكهم في التوعية الرقمية أو في التوثيق الثقافي المحلي أو في تبسيط الخدمات العامة أكثر فاعلية من الاعتماد الحصري على حملات شبابية أو تقنية صرف. فالقضية ليست فقط في معرفة الضغط على الأزرار، بل في القدرة على التواصل، والإقناع، وبناء الثقة.

الدرس الثالث يتعلق بالإعلام المحلي. كثير من مجتمعاتنا تحتاج إلى محتوى بسيط وموثوق وقريب من الناس: معلومات عن الخدمات، إرشادات السلامة، شرح إجراءات، قصص عن التراث المحلي، مواد توعوية ضد الاحتيال الإلكتروني. وهذه كلها مجالات يمكن أن يلعب فيها كبار السن دورًا مهمًا إذا حصلوا على التدريب والدعم. بل إن خبرتهم في فهم المجتمع المحلي قد تجعل المحتوى أكثر دقة وإنسانية من كثير من الرسائل الرسمية العامة.

أما الدرس الرابع، فهو أن سياسات التشغيل لا ينبغي أن تُقاس بعدد الوظائف وحده، بل بنوعيتها وأثرها. فحين تكون الوظيفة نفسها مبنية على منفعة عامة واضحة، فإن قيمتها تتجاوز صاحبها إلى المجتمع كله. وهذا ما نحتاجه في منطقتنا، حيث كثيرًا ما يُطرح ملف البطالة أو التشغيل بصيغة كمية بحتة، بينما تُهمل مسألة القيمة الاجتماعية للوظائف الجديدة.

وقد يكون من المفيد تخيل تطبيقات عربية شبيهة، ولو على نطاق محدود: متقاعدون يشرحون الخدمات الحكومية الرقمية في البلديات، أو يشاركون في توثيق التاريخ الشفهي للأحياء والمدن، أو يقدمون ورشًا مبسطة حول الأمان الرقمي في المراكز المجتمعية، أو يساعدون في إنتاج نشرات محلية مصورة بلغة سهلة. مثل هذه المبادرات لا تحتاج دائمًا إلى ميزانيات هائلة، بقدر ما تحتاج إلى رؤية تعتبر الإنسان، مهما تقدم به العمر، أصلًا اجتماعيًا يمكن الاستثمار فيه.

بين احترام الكبار وصناعة المستقبل

تكمن جاذبية القصة الكورية في أنها تمزج بين قيمة تقليدية يعرفها العرب جيدًا، هي احترام كبار السن وتقدير خبرتهم، وبين حاجة حديثة ملحّة، هي اكتساب أدوات العصر الرقمي. ومن هذا المزج يولد نموذج يبدو عمليًا وإنسانيًا في الوقت نفسه. فهو لا يكتفي بخطاب أخلاقي عن فضل الكبار، ولا يذيبهم في عالم تقني لا يراعي خصوصيتهم، بل يفتح لهم بابًا جديدًا للفاعلية والاعتراف.

ولعل هذا هو جوهر الرسالة التي حملها فوز المشروع بجائزة وزير الصحة والرعاية الاجتماعية في كوريا الجنوبية: أن السياسات العامة الناجحة ليست تلك التي تعالج الفئات العمرية بمنطق الشفقة أو الرعاية فقط، بل تلك التي ترى الإمكانات الكامنة فيها وتمنحها قالبًا مؤسسيًا مناسبًا. فحين يتحول كبير السن إلى منتج محتوى، وناقل معرفة، ومرشد رقمي، فإن المجتمع كله يربح: هو يربح كرامة الدور، والناس يربحون خدمة أوضح وأقرب، والدولة تربح نموذجًا أكثر استدامة للمشاركة.

ومن زاوية أوسع، تبدو هذه التجربة جزءًا من صورة كوريا الجنوبية المعاصرة، وهي دولة كثيرًا ما تُقرأ عربيًا من خلال الدراما والكيبوب وصناعة التكنولوجيا. لكن خلف هذا البريق الثقافي المعروف عربيًا، هناك أيضًا مختبر اجتماعي يحاول ابتكار حلول لمشكلات الشيخوخة والتحول الرقمي وتماسك المجتمع. وهذا النوع من القصص قد يكون أقل انتشارًا من أخبار النجوم والمنصات، لكنه لا يقل أهمية، لأنه يكشف كيف تُدار التحولات الكبرى على مستوى الحياة اليومية للناس.

إن 309 مشاركين موزعين على 12 مركزًا قد لا يغيرون العالم دفعة واحدة، لكنهم يقدمون نموذجًا يقول إن الفجوة بين الأجيال ليست قدرًا محتومًا، وإن التكنولوجيا لا يجب أن تكون أداة إقصاء، وإن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة التراجع إلى الهامش. وربما في هذا تحديدًا تكمن قيمة القصة عربيًا: فهي تدعونا إلى أن ننظر إلى كبار السن لا بوصفهم بقايا زمن مضى، بل شركاء محتملين في زمن يتشكل الآن.

وبينما تواجه مجتمعات عربية كثيرة تحديات متشابهة تتعلق بالرقمنة السريعة، وتعقيد الخدمات، واتساع فجوات المعرفة، تبدو التجربة الكورية بمثابة تذكير عملي بأن الحلول الأكثر ذكاءً قد تبدأ أحيانًا من فكرة بسيطة: أن الخبرة لا تشيخ، بل تحتاج فقط إلى لغة جديدة. وكوريا الجنوبية، في هذه الحالة، وجدت لهذه الخبرة لغة اسمها الإعلام المجتمعي والخدمة الرقمية والعمل الهادف.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات