광고환영

광고문의환영

شاشات أكبر وصوت أعمق: لماذا يتجه جمهور كوريا الجنوبية إلى التجربة السينمائية الغامرة؟

شاشات أكبر وصوت أعمق: لماذا يتجه جمهور كوريا الجنوبية إلى التجربة السينمائية الغامرة؟

عودة إلى الصالة... ولكن بشروط جديدة

في زمن باتت فيه المنصات الرقمية تنافس دور العرض على كل دقيقة من انتباه المشاهد، تكشف الأرقام القادمة من كوريا الجنوبية عن تحول لافت في عادات جمهور السينما هناك: الناس لا يعودون إلى الصالات فقط لمشاهدة فيلم جديد، بل بحثاً عن تجربة لا يمكن للهاتف ولا للتلفزيون المنزلي، مهما كبر حجمهما، أن يعوضاها. ووفق بيانات النصف الأول من عام 2026، بلغ عدد مشاهدي العروض السينمائية الخاصة في كوريا الجنوبية نحو 2.813 مليون مشاهد، بزيادة قدرها 47.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذه الزيادة لا تبدو رقماً عابراً في جدول إحصائي، بل مؤشراً ثقافياً وصناعياً على أن معنى الذهاب إلى السينما نفسه يتغير.

العروض الخاصة هنا لا تعني فقط حفلات افتتاح أو عروضاً محدودة، بل تشير إلى صيغ عرض تقنية مثل آيماكس وسكرين إكس ودولبي سينما والعروض ثلاثية الأبعاد ورباعية الأبعاد. وهذه الصيغ تمنح المشاهد إحساساً مضاعفاً بالصورة والحركة والفضاء والصوت. ولمن لم يعتد هذه المصطلحات في العالم العربي، يمكن تبسيط الفكرة على هذا النحو: الفيلم نفسه قد يُعرض على شاشة عادية، لكنه في آيماكس مثلاً يتحول إلى حدث بصري هائل، وفي دولبي سينما يصبح الصوت طبقة أساسية من السرد، أما في 4DX فإن المقعد نفسه يدخل في المشهد عبر الحركة والمؤثرات الحسية.

هذا التحول يذكّرنا، عربياً، بالانتقال الذي عرفته المنطقة في استهلاك كرة القدم مثلاً: لم يعد كثير من الجمهور يكتفي بمعرفة النتيجة، بل يريد جودة بث أعلى، وتحليلاً أعمق، وتجربة أكثر اكتمالاً. السينما الكورية تبدو اليوم أمام منطق مشابه: ليس المهم فقط أي فيلم ستشاهد، بل كيف ستشاهده. وهذا التفصيل الصغير ظاهرياً بات عاملاً حاسماً في قرار الشراء والذهاب إلى الصالة.

في السياق الكوري، حيث تعد الثقافة السينمائية جزءاً من الحياة الحضرية اليومية، تبدو هذه الأرقام أكثر دلالة. فالجمهور هناك من بين الأكثر نشاطاً في آسيا في استهلاك الترفيه البصري، لكنه في الوقت نفسه جمهور شديد الحساسية للتجديد. لذلك فإن ارتفاع الإقبال على العروض الخاصة لا يعني مجرد نجاح تقني، بل يعني أن السوق استطاعت إقناع الناس بأن السينما ما زالت تملك شيئاً حصرياً، شيئاً لا يُستهلك على عجل بين إشعار وآخر على الهاتف المحمول.

الأهم أن هذه القفزة، التي تعني زيادة تتجاوز 903 آلاف مشاهد خلال عام واحد فقط، لا يمكن تفسيرها بفيلم واحد أو موجة دعاية قصيرة المدى. نحن أمام تغيّر أوسع في الذائقة، وفي طريقة تقييم المشاهد لقيمة التذكرة. فحين يقرر المتفرج دفع مبلغ أعلى نسبياً لقاء تجربة عرض خاصة، فإنه يعلن بوضوح أن المعادلة لم تعد قائمة على القصة وحدها، بل على التجربة الكاملة التي تحتضن القصة.

ما المقصود بالعروض الخاصة؟ ولماذا تهم المتفرج العربي أيضاً؟

في الخطاب السينمائي اليوم، تتكرر أسماء مثل IMAX وSCREENX وDolby Cinema و3D و4DX، لكن هذه المفاهيم ليست دائماً واضحة لدى كل القراء. آيماكس، وهو الاسم الأكثر شهرة، يعتمد على شاشة ضخمة جداً ونظام عرض مصمم ليمنح المشاهد إحساساً بالاتساع والعمق. أما سكرين إكس فهو صيغة كورية الأصل تقوم على توسيع المشهد إلى الجانبين، بحيث لا يظل الحدث محصوراً أمامك فقط، بل يمتد إلى محيطك البصري. دولبي سينما تركز على جودة الصورة العالية وتفاصيل الإضاءة والظلال، إلى جانب هندسة صوتية دقيقة. بينما تقدّم العروض ثلاثية الأبعاد إحساساً بالعمق، وتذهب 4DX خطوة أبعد بإضافة حركة للمقاعد ومؤثرات بيئية مثل الهواء والاهتزاز.

قد يبدو هذا الحديث تقنياً، لكنه في حقيقته ثقافي بامتياز. فالمتلقي الحديث، في كوريا كما في العالم العربي، بات أكثر وعياً بالفارق بين مشاهدة المحتوى واختباره. هناك فرق بين أن تتابع فيلماً على شاشة منزلية، وأن تشعر أن الفضاء السينمائي يلتف حولك. وفي المنطقة العربية، حيث بدأت بعض العواصم الكبرى في الخليج ومصر والمغرب والأردن تستثمر أكثر في صالات العرض الحديثة، تكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة. لأن السؤال لم يعد: هل نذهب إلى السينما؟ بل: أي نوع من السينما نختار؟

وفي هذا المعنى، تعكس التجربة الكورية درساً يمكن أن يهم مشغلي الصالات والموزعين العرب معاً. فالمشاهد ليس دائماً باحثاً عن الأرخص، بل عن الأكثر إقناعاً. وحين يشعر أن الفيلم المصمم على نطاق بصري واسع سيمنحه في صالة خاصة ما لا يجده في المنزل، فإنه يصبح أكثر استعداداً للذهاب. ولعل هذا يفسر لماذا ازداد الإقبال على هذه الصيغ في كوريا حتى في ظل تنوع المنصات الرقمية وسهولة الوصول إلى المحتوى.

اللافت أيضاً أن العروض الخاصة لا تلغي العرض التقليدي، بل تعيش إلى جانبه. ليست كل الأفلام بحاجة إلى شاشة عملاقة أو مقعد متحرك، تماماً كما أن ليست كل الروايات تحتاج إلى طبعة فاخرة لتُقرأ. لكن وجود هذه الخيارات يخلق طبقات مختلفة من التلقي. المشاهد الذي يختار فيلماً درامياً حميماً قد يكتفي بقاعة عادية، أما من يذهب إلى فيلم خيال علمي أو مغامرة كونية، فإنه غالباً ما يبحث عن أقصى درجات الإحاطة البصرية والسمعية.

وهنا تحديداً تظهر قيمة الأرقام الكورية: إنها لا تقول إن الجمهور هجر العرض العادي، بل تقول إن شريحة واسعة من الجمهور باتت تتعامل مع صيغة العرض بوصفها جزءاً من مضمون التجربة. وهذه نقطة محورية في فهم مستقبل الصناعة، سواء في سيول أو دبي أو الرياض أو القاهرة.

آيماكس في الصدارة: حين تصبح الشاشة بطلاً موازياً للفيلم

بحسب الأرقام المسجلة في النصف الأول من 2026، تجاوز عدد مشاهدي آيماكس في كوريا الجنوبية 1.015 مليون مشاهد، بزيادة تبلغ 45.9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذا يعني أن آيماكس وحده استحوذ على حصة كبيرة من إجمالي سوق العروض الخاصة، وأنه ما زال الصيغة الأكثر جاذبية حين يتعلق الأمر بالأفلام المصممة لتُرى على نطاق بصري هائل.

نجاح آيماكس ليس جديداً على السوق العالمية، لكن الملفت في الحالة الكورية أن الصيغة لم تعد مرتبطة فقط بالأفلام الأميركية الضخمة بوصفها استعراضاً تقنياً، بل أصبحت جزءاً من ثقافة المشاهدة نفسها. فالمشاهد هناك لا يذهب إلى آيماكس فقط لأن الفيلم مشهور، بل لأنه صار يدرك سلفاً أن بعض الأعمال لا تكتمل إلا بهذه الطريقة. وكأن الشاشة هنا لم تعد مجرد وسيط، بل شريك في إنتاج الأثر العاطفي والبصري.

في العالم العربي، يمكن تشبيه هذا الميل بما يحدث في الحفلات الغنائية الكبرى حين يصر الجمهور على حضور العرض الحي بدلاً من الاكتفاء بسماعه عبر التطبيقات. الأغنية هي نفسها، لكن أثرها يتبدل بالكامل حين تصير تجربة جمعية لها إضاءة وصوت وحضور جسدي. الأمر نفسه ينطبق على السينما الغامرة: الفيلم قد يكون متاحاً لاحقاً على منصة، لكن لحظة التلقي الأولى في صيغة عرض كبرى تظل مختلفة من حيث الذاكرة والانفعال.

ولا يقتصر صعود آيماكس على عامل الإبهار وحده. فهذه الصيغة تستفيد من وعي متزايد لدى الجمهور بأساليب الصناعة الحديثة، ومن الحملات التسويقية التي تشرح الفارق بين النسخ المختلفة للفيلم. المتفرج اليوم لم يعد متلقياً سلبياً؛ إنه يقرأ، ويقارن، ويتابع النقاشات على وسائل التواصل، ويعرف مسبقاً إن كان الفيلم مصوراً أو معالجاً بما ينسجم مع شاشة آيماكس. هذا المستوى من الوعي يرفع سقف التوقعات، لكنه في الوقت ذاته يمنح السوق فرصاً أكبر لتسويق التجربة ذاتها، لا العمل الفني وحده.

ومن هنا يمكن فهم لماذا جاءت نسبة نمو آيماكس قريبة جداً من نسبة نمو سوق العروض الخاصة ككل. فالصيغة لم تكن استثناءً داخل الظاهرة، بل كانت في قلبها. وهذا يعني أن الشاشة الكبيرة لا تزال، رغم كل تطور الشاشات المنزلية، واحدة من أقوى أدوات إعادة جذب الجمهور إلى الصالة.

«بروجكت هيل ماري» و«أفاتار»: كيف تصنع الأفلام الكبرى موجة العرض الغامر؟

تصدّر فيلم الخيال العلمي «بروجكت هيل ماري» قائمة أفلام آيماكس في كوريا الجنوبية خلال النصف الأول من العام، بينما برز «أفاتار: النار والرماد» بوصفه من العناوين التي دعمت نمو العروض الخاصة. وبغض النظر عن الترتيب التجاري التفصيلي، فإن الإشارة إلى هذين الفيلمين تكشف بوضوح نوعية الأعمال التي تقود هذا السوق: أفلام ذات عالم بصري واسع، ومراهنة أساسية على الصورة والصوت والفضاء.

هذا لا يعني أن كل فيلم خيال علمي ينجح تلقائياً في العروض الخاصة، لكنه يؤكد أن هناك تطابقاً طبيعياً بين بعض الأنواع السينمائية وهذه الصيغ. فالخيال العلمي، والمغامرات، والفانتازيا، وأفلام الكوارث، بل وحتى بعض أفلام الحركة، تعتمد غالباً على خلق عوالم يصعب على المشاهد اختبارها في حياته اليومية. وحين تُعرض هذه العوالم عبر شاشات كبيرة وأنظمة صوت متقدمة، فإنها تقترب أكثر من الغاية الأصلية للفيلم: أن تنقل المتلقي إلى مكان آخر.

وإذا نظرنا إلى الأمر من زاوية عربية، فسنجد أن الجمهور في المنطقة اعتاد منذ سنوات على التعامل مع بعض الأفلام بوصفها «أفلام سينما» وأخرى «أفلام منصة». أي أن هناك أعمالاً يشعر المشاهد intuitively بأنها تستحق الخروج من البيت لأجلها، وأخرى يمكن تأجيلها إلى المشاهدة المنزلية. ما يحدث في كوريا الجنوبية هو ترجمة رقمية دقيقة لهذا الحدس الجماهيري. فالأفلام التي تمنح قيمة مضافة في المشاهدة الغامرة هي التي تدفع الناس إلى شراء التذكرة الخاصة.

الأهم من ذلك أن تصدر «بروجكت هيل ماري» لقائمة آيماكس يثبت أن نجاح الفيلم داخل هذه الصيغة ليس مجرد انعكاس مباشر لشباك التذاكر العام. قد يحقق فيلم ما حضوراً كبيراً إجمالاً، لكنه لا يكون بالضرورة الخيار الأول في آيماكس. هنا يصبح السؤال مختلفاً: هل يملك هذا العمل ما يكفي من السعة البصرية والديناميكية السمعية ليقنع الجمهور بأن يدفع مقابل نسخة متميزة من المشاهدة؟ في النصف الأول من 2026، بدا الجواب في كوريا الجنوبية واضحاً بالنسبة إلى هذه الأعمال.

ومن الناحية الصناعية، تعني هذه النتائج أن دور العرض والموزعين سيواصلون الرهان على برمجة الصيغ الخاصة حول الأفلام القادرة فعلاً على الاستفادة منها. فالتقنية وحدها لا تصنع الطلب. لا بد من فيلم يبدو كما لو أنه وُلد من أجل هذا النوع من العرض. وهذا ربما هو الدرس الأهم في كل هذه القفزة الرقمية: التجربة الناجحة تحتاج إلى زواج متوازن بين المحتوى والوسيط.

من الفيلم إلى التجربة: ماذا تغير في سلوك الجمهور الكوري؟

الرقم الأبرز في القصة ليس فقط 2.813 مليون مشاهد، بل طبيعة ما يعنيه هذا العدد. فحين يختار أكثر من 900 ألف مشاهد إضافي خلال عام واحد الذهاب إلى العروض الخاصة، فنحن لا نتحدث عن تقلب بسيط في السوق، بل عن تبدل في معايير الاختيار. هذا الجمهور لم يعد ينظر إلى الفيلم بوصفه نصاً وتمثيلاً وإخراجاً فقط، بل بوصفه حدثاً حسياً متكاملاً.

هذا التحول ينسجم مع مزاج عالمي أوسع، حيث تتجه الصناعات الثقافية إلى ما يمكن تسميته «اقتصاد التجربة». في الموسيقى هناك حفلات أضخم، وفي الرياضة هناك مقاعد وتجهيزات أكثر تفاعلية، وفي المتاحف هناك عروض رقمية وممرات غامرة. السينما ليست بعيدة عن هذا المسار، وكوريا الجنوبية، المعروفة بسرعة تبنيها للابتكار الثقافي والتقني، تقدم مثالاً واضحاً على ذلك.

كما أن سلوك الجمهور الكوري يوحي بشيء آخر بالغ الأهمية: الناس باتوا يميزون أكثر بين الأعمال وفق بيئة عرضها المناسبة. لم يعد الفيلم منتجاً موحداً يستهلك بالطريقة نفسها في كل الحالات. هناك مشاهد يقررون مسبقاً أن هذا العمل يستحق آيماكس، وآخر يناسب دولبي سينما، وثالث يكفيه عرض تقليدي. هذا النوع من التخصيص في التلقي يشبه، إلى حد بعيد، ما يعرفه القارئ العربي اليوم بين كتاب للقراءة السريعة على الهاتف، وآخر يحتفظ به في مكتبته الورقية.

ومن زاوية اجتماعية، تمنح العروض الخاصة أيضاً شعوراً بالحدث. الذهاب إلى فيلم بصيغة مميزة يصبح أقرب إلى مناسبة أو «خرجة» مكتملة العناصر، لا مجرد نشاط عابر. هذا البعد الاجتماعي لا ينبغي التقليل من شأنه، خصوصاً في المدن الكبرى حيث تبحث فئات الشباب والعائلات عن تجارب ترفيهية تبرر الكلفة والوقت. والسينما، في أفضل تجلياتها، ما زالت قادرة على تقديم هذا الوعد.

لكن في المقابل، يجب عدم المبالغة في الاستنتاج. الأرقام لا تقول إن كل الجمهور تغيّر أو أن العرض التقليدي فقد أهميته. ما تقوله ببساطة هو أن شريحة مؤثرة ومتنامية من الجمهور باتت تنظر إلى الانغماس السمعي والبصري بوصفه قيمة حقيقية. وهذه الشريحة لم تعد هامشية بما يسمح للصناعة بتجاهلها.

ما الذي يعنيه ذلك لصناعة السينما في آسيا والعالم العربي؟

تكتسب الأرقام الكورية أهمية إضافية لأنها تصدر من سوق سينمائي ناضج ومتطور، لا من سوق في طور التأسيس. وهذا يعني أن النمو لا يأتي من فتح أبواب جديدة أمام جمهور لم يعرف السينما بعد، بل من إعادة تشكيل عادات جمهور قائم وواعٍ. بالنسبة إلى صناع القرار في أسواق عربية صاعدة أو متوسعة، تحمل هذه التجربة أكثر من إشارة.

أولاً، الاستثمار في البنية التحتية للعروض الخاصة ليس ترفاً إذا أُحسن ربطه بالمحتوى المناسب. فالمعادلة لا تقوم على تركيب أجهزة ومقاعد حديثة فقط، بل على بناء استراتيجية برمجة وتسويق تشرح للمشاهد لماذا يجب أن يختار هذه الصيغة لهذا الفيلم تحديداً. ثانياً، هذه الصيغ يمكن أن تخدم الأفلام المحلية أيضاً، لا الأفلام الهوليوودية وحدها. وهذه نقطة مهمة جداً في الحالة الكورية، لأن الحديث عن ترقب فيلم كوري مثل «هوب» ضمن العناوين المنتظرة في العروض الخاصة يفتح الباب أمام تصور جديد لدور السينما الوطنية.

في العالم العربي، يكثر النقاش حول كيفية دعم الفيلم المحلي في مواجهة سطوة الإنتاجات الأجنبية الضخمة. وربما تقدم الحالة الكورية نموذجاً يستحق التأمل: ليس المطلوب فقط أن نصنع أفلاماً جيدة، بل أن نفكر أيضاً في كيفية تقديمها كخبرة مشاهدة مميزة. بعض الأفلام العربية، خصوصاً في مجالات الأكشن والخيال التاريخي وحتى الدراما البصرية الثرية، قد تستفيد مستقبلاً من صيغ عرض تجعل الجمهور يعيد النظر في فكرة «الانتظار إلى المنصة».

ثالثاً، هذه الأرقام تذكرنا بأن الجمهور ليس كتلة جامدة. وحين يجد خياراً أكثر إقناعاً، فإنه قد يغيّر عاداته بسرعة. وهذا ما رأيناه في قطاعات ثقافية أخرى عربية خلال العقد الأخير، من الكتب الصوتية إلى الحفلات الحية إلى البث الرياضي المدفوع. القاعدة واحدة: حين تخلق قيمة إضافية واضحة، فإن المستهلك يتجاوب.

لهذا، فإن قصة العروض الخاصة في كوريا الجنوبية لا تخص كوريا وحدها. إنها تتعلق بمستقبل الصالة السينمائية نفسها في عالم يزداد ازدحاماً بالبدائل. وإذا كانت الصناعة العربية تبحث عن سبل لتثبيت مكانة السينما كطقس اجتماعي وثقافي، فإن الدرس الكوري يقول بوضوح: لا تنافسوا المنصات في ما تجيده، بل قدّموا ما لا تستطيع تقديمه أصلاً.

النصف الثاني من 2026: هل يستمر الزخم؟

مع دخول النصف الثاني من العام، تتجه الأنظار في كوريا الجنوبية إلى مجموعة من العناوين المنتظرة، بينها «أوديسي» و«سبايدرمان: براند نيو داي» والفيلم الكوري «هوب». هذه الأعمال مرشحة لاختبار ما إذا كان النمو الذي شهدته العروض الخاصة في النصف الأول يمثل موجة عابرة أم بداية اتجاه أكثر رسوخاً.

لكن القراءة المتأنية للأرقام الحالية تدعو إلى الحذر من التبسيط. وجود أفلام ضخمة في حد ذاته لا يضمن تلقائياً استمرار الزيادة. ما يصنع الفارق، كما أظهرت تجربة الأشهر الماضية، هو قدرة الفيلم على إقناع الجمهور بأن الصيغة الخاصة تضيف إليه شيئاً جوهرياً، لا مجرد تكلفة أعلى. إذا شعر المشاهد أن الشاشة الأكبر أو الصوت الأعمق يكشفان له طبقات جديدة من العمل، فإن الإقبال سيستمر. أما إذا تحولت العروض الخاصة إلى مجرد تسمية تسويقية، فإن الزخم قد يتباطأ.

ومن هنا تبرز أهمية الفيلم الكوري «هوب» في هذا السياق. فنجاحه المحتمل ضمن صيغ العرض الخاصة لن يكون مجرد إنجاز تجاري، بل مؤشراً على أن هذه المساحة ليست حكراً على العناوين الأجنبية العملاقة. وإذا تحقق ذلك، فسيعني أن السينما الكورية المحلية قادرة على الدخول أكثر إلى منطقة «الحدث البصري» التي طالما احتكرتها الامتيازات العالمية الكبرى.

بالنسبة إلى المتابع العربي للمشهد الكوري، فإن هذه التطورات تضيء جانباً بالغ الأهمية من قوة الموجة الكورية: ليست القوة في المحتوى فقط، بل في فهم سلوك الجمهور وإعادة تصميم المؤسسات الثقافية حول هذا الفهم. من الدراما إلى الموسيقى إلى السينما، تتقدم كوريا الجنوبية غالباً حين تنجح في تحويل الاستهلاك الثقافي إلى تجربة مدروسة التفاصيل.

وفي النهاية، قد تكون الحكاية أبسط مما تبدو عليه في لغة الأرقام. الناس تريد أن تشعر بشيء استثنائي حين تترك البيت وتتجه إلى الصالة. هذا هو جوهر السينما منذ بداياتها، من القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد إلى سيول وطوكيو وباريس. والبيانات الكورية تقول لنا اليوم إن هذا الوعد القديم لا يزال صالحاً، لكن بشروط جديدة: شاشة أوسع، صوت أعمق، ووعي أكبر بأن الفرجة نفسها صارت بطلة القصة.

إشارة ثقافية أبعد من شباك التذاكر

بعيداً من الحسابات التجارية المباشرة، تكشف هذه الظاهرة عن رسالة ثقافية أوسع: المشاهد المعاصر، رغم كل ما يقال عن تشتت الانتباه وسرعة الاستهلاك، لا يزال مستعداً لمنح الفن وقته الكامل إذا شعر أنه أمام تجربة تستحق. وهذا بالضبط ما تعيد دور العرض الخاصة صياغته. فهي لا تبيع الفيلم وحده، بل تبيع التفرغ له، والانتباه إليه، والدخول في عالمه من دون مقاطعات.

هذه النقطة مهمة جداً في ثقافتنا العربية أيضاً، حيث لا يزال النقاش دائراً حول مستقبل الذائقة في عصر المقاطع القصيرة والمنصات السريعة. التجربة الكورية تقدم رداً عملياً: نعم، يمكن للجمهور أن يعود إلى التجربة الطويلة والعميقة، شرط أن يشعر بأنها تضيف إلى حياته شيئاً لا توفره المتابعة العابرة. السينما الغامرة ليست مجرد رفاهية تقنية؛ إنها، في أحد وجوهها، دفاع عن فكرة الانتباه نفسه.

ولعل أجمل ما في هذه الأرقام أنها لا تُقرأ فقط بوصفها انتصاراً للتكنولوجيا، بل بوصفها إعادة تأكيد على قيمة المكان. فالصالة ليست شاشة وحسب؛ إنها فضاء اجتماعي وطقس جماعي وذاكرة مشتركة. وفي عالم يزداد فيه الاستهلاك الفردي للمحتوى، تصبح العودة إلى هذه الجماعية حدثاً ثقافياً له دلالته الخاصة.

لذلك، فإن ما يجري في كوريا الجنوبية اليوم لا يخص رواد آيماكس وحدهم، بل يخص كل من يراقب تحولات الثقافة الشعبية العالمية. حين يختار الملايين مشاهدة الفيلم على نحو أكثر غمراً، فهم يرسلون إشارة واضحة إلى الصناعة: المستقبل ليس لمن يملك المحتوى فقط، بل لمن يعرف كيف يحوّل هذا المحتوى إلى تجربة لا تُنسى.

ومن هذه الزاوية، تبدو كوريا الجنوبية مرة أخرى مختبراً متقدماً لفهم ما ينتظر الصناعات الثقافية في أماكن أخرى، بما فيها العالم العربي. وإذا كانت الموجة الكورية قد أقنعت الجمهور العربي سابقاً عبر الدراما والموسيقى والأزياء والطعام، فإنها تقول لنا الآن شيئاً جديداً عن السينما: المعركة لم تعد فقط على من يروي القصة الأفضل، بل على من يمنح المشاهد أفضل طريقة ممكنة ليعيش تلك القصة.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات