광고환영

광고문의환영

مدينة كورية تراهن على 13 مراهقًا لصناعة مستقبل الطيران الذكي: كيف تحوّل إكسان تعليم الطائرات المسيّرة إلى مسار مهني مبكر؟

مدينة كورية تراهن على 13 مراهقًا لصناعة مستقبل الطيران الذكي: كيف تحوّل إكسان تعليم الطائرات المسيّرة إلى مسار مهني مبكر

من خبر محلي صغير إلى سؤال كبير عن مستقبل التعليم

في أخبار المدن قد تمر أحيانًا مبادرات تبدو متواضعة في أرقامها، لكنها تكشف تحوّلًا أعمق في طريقة تفكير الدولة والمجتمع في التعليم والعمل. هذا بالضبط ما تعكسه المبادرة التي أعلنتها مدينة إكسان الكورية الجنوبية، التابعة لإقليم جيونبوك، حين قررت إطلاق مشروع صيفي يتيح لـ13 طالبًا وطالبة من المرحلتين المتوسطة والثانوية السعي إلى الحصول على رخصة تشغيل طائرات مسيّرة خلال عام 2026. من حيث العدد، تبدو المبادرة محدودة للغاية؛ ثلاثة عشر مقعدًا فقط في مدينة كاملة. لكن من حيث الدلالة، فإنها تقدّم نموذجًا مهمًا لما يمكن أن تفعله الإدارات المحلية عندما تنتقل من منطق النشاط المدرسي العابر إلى منطق التأهيل الفعلي لسوق العمل.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو الخبر شبيهًا ببرامج الأنشطة الصيفية التي تعلنها بلديات أو مدارس أو مؤسسات شبابية في المنطقة، لكن الفارق هنا أن المشروع لا يكتفي بتجربة ممتعة أو ورشة تعريفية، بل يضع أمام المراهقين هدفًا واضحًا: رخصة مهنية معترف بها، ومقدمة مبكرة لمسارات عمل ترتبط بالزراعة والطاقة والاستجابة للكوارث والبحث والإنقاذ. وهذا الفارق أساسي؛ لأن كثيرًا من البرامج التعليمية في عالمنا العربي ما زالت تقع في منطقة وسطى بين “التعريف” و“التمكين”، فتثير الحماس من دون أن تبني جسرًا فعليًا نحو مهارة قابلة للقياس أو الاعتماد.

اللافت أيضًا أن المشروع يأتي ضمن ما يُعرف في كوريا الجنوبية باسم “مناطق تطوير التعليم الخاصة”، وهو إطار سياساتي تسعى من خلاله الحكومات المحلية إلى ربط التعليم بحاجات المدينة وتحوّلات الاقتصاد. وبدل أن تبقى السياسات التعليمية حبيسة المناهج التقليدية أو الامتحانات، يجري توظيفها لفتح أبواب نحو ما تعتبره كوريا “صناعات المستقبل”. وفي هذه الحالة، اختارت إكسان الطائرات المسيّرة، أو ما يعرف عربيًا أيضًا بالدرون، بوصفها مدخلًا عمليًا لتعليم الشباب كيف تتحول التكنولوجيا من أداة استهلاكية أو هواية رقمية إلى مهنة يمكن أن تخدم المجتمع المحلي نفسه.

الخبر، بهذا المعنى، لا يتعلق فقط بمدينة كورية ولا بثلاثة عشر طالبًا. إنه يطرح سؤالًا مألوفًا في مدن عربية كثيرة من الرباط إلى الرياض، ومن عمّان إلى الدوحة، ومن القاهرة إلى أبوظبي: كيف يمكن للمدرسة والبلدية والجامعة المحلية أن تفتح بابًا مبكرًا أمام المراهقين لدخول قطاعات المستقبل، لا بوصفهم متفرجين على التكنولوجيا، بل متدرّبين عليها ومؤهلين للعمل بها؟

ما الذي تفعله إكسان تحديدًا؟

وفق المعطيات المعلنة، تستهدف المبادرة طلاب المرحلة المتوسطة والثانوية ممن تبلغ أعمارهم 14 عامًا أو أكثر، على أن يكونوا مقيمين في إكسان أو ملتحقين بمدارسها. هذا الشرط المزدوج مهم، لأنه يوضح أن المشروع ليس مسابقة وطنية مفتوحة لاستقطاب أفضل المواهب من أنحاء البلاد، بل سياسة محلية موجّهة إلى أبناء المدينة ومن يعيشون فيها يوميًا. هنا تظهر فلسفة التنمية الكورية على مستوى المدن: الاستثمار في رأس المال البشري المحلي بدل الاكتفاء بانتظار انتقال الكفاءات من المراكز الكبرى.

أما الهدف العملي، فهو مساعدة المشاركين على التقدّم نحو رخصة من الفئة الأولى في تشغيل الطائرات المسيّرة، وهي شهادة ترتبط في كوريا بتطبيقات مهنية تتجاوز الاستخدام الترفيهي. وفي المجتمعات العربية، قد يُفهم الحديث عن الطائرات المسيّرة على أنه متعلق بالتصوير الجوي أو المحتوى الرقمي أو حتى الهوايات التقنية، لكن ما تطرحه إكسان أوسع من ذلك بكثير. المدينة تتعامل مع هذه الطائرات بوصفها جزءًا من بنية مهنية متصلة بالاقتصاد الحقيقي: رشّ المحاصيل في الأراضي الزراعية الواسعة، مراقبة حرائق الغابات، البحث عن المفقودين، تفقد أبراج الكهرباء، وفحص منشآت الطاقة الشمسية.

هذا الانتقال من “أداة ممتعة” إلى “أداة إنتاج وخدمة عامة” هو لبّ المشروع. فالطالب الذي يدخل البرنامج لن يخرج فقط بمعرفة أولية بكيفية التحكم في طائرة صغيرة، بل سيتعرف إلى منظومة كاملة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع الأمن والسلامة والزراعة والطاقة والبيئة. ومن منظور تربوي، فإن هذا النوع من البرامج يمنح المراهقين فهمًا ملموسًا لمعنى أن تكون التكنولوجيا حلًا لمشكلة واقعية، لا مجرد مادة نظرية أو جهازًا استهلاكيًا.

كما أن إعلان المدينة عن المشروع بصيغة “الحصول على الرخصة” يكشف نضجًا في تصميم البرنامج. فالتعليم المهني الناجح لا يكتفي بإثارة الفضول، بل ينظّم هذا الفضول داخل مسار ذي نتيجة قابلة للقياس. وربما هذا ما تحتاجه مبادرات شبابية كثيرة في منطقتنا العربية، حيث تتعدد الفعاليات المبهرة شكليًا، لكن من دون أثر مستدام على السيرة الذاتية للطالب أو على قابليته للانتقال لاحقًا إلى دراسة متخصصة أو فرصة تدريب أو وظيفة.

لماذا تراهن كوريا على الطائرات المسيّرة في سن مبكرة؟

تبدو الإجابة الأولى واضحة: لأن العالم يتغير بسرعة، ولأن قطاعات الاقتصاد الجديدة لم تعد تنتظر حتى نهاية الجامعة كي تبدأ في تشكيل المهارات المطلوبة. لكن في الحالة الكورية، هناك بعد إضافي يرتبط بالطريقة التي تنظر بها الدولة والمجتمع إلى التعليم باعتباره أداة استراتيجية للمنافسة الوطنية. كوريا الجنوبية، التي يعرفها القارئ العربي غالبًا من خلال الدراما والكي-بوب والهواتف الذكية والسيارات، هي في العمق دولة بنت صعودها الحديث على الاستثمار الكثيف في التعليم والبحث والتصنيع. ولذلك فإن أي خبر عن تدريب تقني للمراهقين لا يمكن قراءته بمعزل عن هذه الخلفية.

ما تفعله إكسان ينسجم مع هذا المزاج الوطني: إدخال الشباب مبكرًا إلى مفردات الاقتصاد القادم. والطائرات المسيّرة هنا ليست اختيارًا عابرًا. فهي من أكثر التقنيات قدرة على الربط بين قطاعات تبدو متباعدة. في بلد ذي بنية زراعية قائمة في بعض مناطقه، يمكن استخدامها في الرشّ والمراقبة. وفي بلد يواجه موسم حرائق أو تحديات بيئية، تصبح أداة في الاستجابة السريعة. وفي اقتصاد متقدم يعتمد على بنية تحتية معقدة من الطاقة والاتصالات، تتحول إلى عين جوية تساعد في التفتيش والمتابعة.

ومن المهم شرح فكرة قد لا تكون مألوفة بالقدر نفسه لدى بعض القراء العرب: في كوريا الجنوبية، كما في عدد من الدول الصناعية، لا يُنظر إلى الرخص المهنية بوصفها مجرد أوراق رسمية، بل باعتبارها جزءًا من الهوية التعليمية للفرد ومسار ترقّيه. لذلك فإن حصول طالب في سن مبكرة على شهادة مرتبطة بقطاع تكنولوجي يرسل إشارة مزدوجة؛ الأولى إلى الطالب نفسه بأن اهتمامه يمكن أن يتحول إلى كفاءة معترف بها، والثانية إلى أسرته ومجتمعه بأن المسار المهني لا يبدأ فقط من التخصصات التقليدية أو من الجامعة بوصفها البوابة الوحيدة للنجاح.

في العالم العربي، نلمس تدريجيًا تحولًا مشابهًا، خصوصًا في دول تستثمر في الاقتصاد الرقمي والمدن الذكية والطاقة المتجددة. غير أن الفجوة ما زالت قائمة بين الخطاب الطموح وبين وصول هذه الفرص إلى طلاب المدارس خارج العواصم والمراكز الكبرى. ومن هنا تأتي أهمية التجربة الكورية: لأنها لا تقع في سيول، عاصمة البلاد فائقة الكثافة والموارد، بل في مدينة إقليمية تراهن على أن المستقبل يمكن أن يبدأ من الأطراف أيضًا.

من الزراعة إلى الإنقاذ: كيف تغيّر الطائرات المسيّرة معنى الوظيفة؟

أحد أهم جوانب المشروع أن المدينة قدّمت للطائرات المسيّرة باعتبارها تكنولوجيا متعددة الاستخدامات، لا مرتبطة بقطاع واحد. وهذه النقطة تستحق التوقف عندها عربيًا، لأن جزءًا من التحدي في توجيه الشباب نحو المهن الجديدة يكمن في كسر الصورة النمطية عن الوظيفة. فالشاب أو الشابة لا يحتاجان فقط إلى معرفة اسم الوظيفة، بل إلى فهم المشكلات التي تعمل التكنولوجيا على حلها.

في الزراعة مثلًا، لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أداة للتصوير من السماء، بل صارت وسيلة لتغطية مساحات واسعة بكفاءة أعلى، سواء في مراقبة المحاصيل أو في الرشّ أو في جمع البيانات الزراعية. وفي البلدان العربية التي تبحث في تحديث القطاع الزراعي تحت ضغط ندرة المياه وارتفاع الكلفة وتغيّر المناخ، يمكن لمثل هذه التقنية أن تلعب دورًا مشابهًا. من هنا، فإن تعليم المراهقين الكوريين هذه المهارات يحمل بعدًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المدينة نفسها.

أما في مجالات البحث والإنقاذ والاستجابة للكوارث، فتكتسب الطائرات المسيّرة أهمية أكبر. فهي قادرة على الوصول إلى مناطق يصعب على البشر دخولها بسرعة أو بأمان، سواء في حرائق الغابات أو حوادث الفيضانات أو عمليات البحث عن مفقودين. هذه التطبيقات تجعل المتدرّب يفهم أن التقنية ليست ترفًا، بل أداة قد تنقذ حياة. وللقارئ العربي، يمكن استدعاء صور مألوفة من تغطيات الحرائق في بعض البلدان المتوسطية، أو جهود الإنقاذ بعد السيول والزلازل، لفهم كيف يصبح التدريب المبكر على هذه الأدوات استثمارًا في الأمن المجتمعي أيضًا.

وفي قطاع الطاقة، حيث تحتاج الألواح الشمسية وأبراج الكهرباء والمنشآت الممتدة على مساحات واسعة إلى مراقبة وصيانة دورية، توفر الطائرات المسيّرة وقتًا وكلفة وتحد من المخاطر. ومع اتجاه دول عربية عديدة إلى توسيع مشاريع الطاقة المتجددة، من المنطقي أن تظهر وظائف جديدة في هذا المجال تتطلب مهارات هجينة تجمع بين التشغيل التقني وفهم البنية التحتية. ما تقوله إكسان لشبابها، عمليًا، هو أن تعلمك قيادة طائرة مسيّرة قد يفتح لك لاحقًا أبوابًا في أكثر من قطاع، لا في وظيفة واحدة جامدة.

وهنا تكمن قيمة تربوية إضافية: بدل أن يسأل الطالب “ماذا سأصبح؟” بالمعنى التقليدي، يبدأ بالسؤال “أي مشكلة أستطيع أن أساهم في حلها؟”. هذا التحوّل في التفكير هو ما يميز التعليم المهني المرتبط بالمستقبل. والمدينة الكورية تحاول، عبر مشروع صغير العدد، أن تُدخل هذا المنطق إلى وعي المراهقين منذ الآن.

حين تصبح كلفة التدريب قضية عدالة تعليمية

من أكثر النقاط صراحة في الإعلان الكوري اعترافه بأن رسوم التدريب المرتفعة تمنع كثيرًا من الطلاب من التقدّم للحصول على رخصة الطائرات المسيّرة. هذا الاعتراف مهم لأنه ينقل النقاش من مستوى “تشجيع المواهب” إلى مستوى “إزالة الحواجز”. ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة أن الشباب يفتقرون إلى الاهتمام أو الفضول، بل أن الطريق إلى تحويل الاهتمام إلى مهارة معتمدة مكلف ماليًا.

المدن والمؤسسات التعليمية العربية تعرف هذا التحدي جيدًا، وإن اختلفت تفاصيله بين بلد وآخر. فكم من طالب موهوب في البرمجة أو الروبوتات أو التصميم أو الطيران أو الهندسة التطبيقية توقّف عند حدود الإعجاب، لأن الدورات المتخصصة أو الأجهزة أو الاختبارات المعتمدة تحتاج إلى ميزانيات لا تستطيع الأسرة تحملها؟ وما لم تتدخل السياسات العامة لسد هذه الفجوة، فإن الحديث عن “اقتصاد المعرفة” يبقى غالبًا حكرًا على الفئات الأكثر قدرة.

في حالة إكسان، يظهر المشروع بوصفه محاولة واضحة لخفض عتبة الدخول إلى مجال تقني واعد. وهذا ينسجم مع خطاب مسؤولي المدينة الذين أوضحوا أن الهدف هو منح فرصة جيدة للطلاب الذين لم يكونوا قادرين على خوض التجربة بسبب عبء التكاليف. أهمية هذا الخطاب أنه يعترف صراحة بأن العدالة التعليمية لا تُقاس بعدد المدارس أو الفصول فقط، بل بقدرة الطالب على الوصول إلى البرامج النوعية التي تصنع الفرق في مساره.

واللافت أن هذا المنطق يتقاطع مع نقاشات واسعة في العالم العربي حول الإنصاف في التعليم. فالفجوة اليوم لم تعد فقط بين من يذهب إلى المدرسة ومن لا يذهب، بل بين من يحصل على تعليم تقليدي محدود ومن يستطيع الوصول إلى المختبرات والبرامج المتقدمة والشهادات المهنية والمنصات الرقمية. لذلك يمكن قراءة المشروع الكوري بوصفه مثالًا صغيرًا على سياسة عامة تفهم أن المستقبل ليس مجرد شعار، بل كلفة يجب على المجتمع أن يساهم في تحملها إذا أراد توزيع الفرص بشكل أكثر عدالة.

ربما لا يغيّر المشروع واقع المدينة بالكامل، ولن يحل وحده مشكلة الفوارق التعليمية. لكنه يوجّه رسالة عملية: إذا كانت التقنية هي لغة الاقتصاد القادم، فلا يكفي أن نصفق لها من بعيد؛ يجب أن نفتح أبوابها لمن قد يُستبعدون بسبب الثمن.

سياسة المدن في كوريا: لماذا تقود البلديات هذا النوع من المبادرات؟

في دول كثيرة، يتبادر إلى الذهن أن البرامج المتخصصة من هذا النوع يجب أن تأتي من الوزارات المركزية أو من الجامعات الكبرى. لكن في كوريا الجنوبية، تلعب الحكومات المحلية دورًا متناميًا في هندسة مبادرات تربط التعليم بحاجات كل منطقة. وهذا جزء من مفهوم أوسع يقوم على أن المدينة ليست مجرد وحدة إدارية، بل فاعل تنموي مسؤول عن تكوين مواطنيها وربطهم بفرص العمل المستقبلية.

إكسان ليست من المدن الكورية التي تتصدر يوميًا العناوين العالمية مثل سيول أو بوسان. لكنها تمثل نموذج “المدينة الإقليمية” التي تبحث عن موقعها في خريطة الاقتصاد الوطني عبر التعليم النوعي. وهنا تبدو المبادرة أشبه برسالة سياسية محلية أيضًا: لسنا مضطرين إلى انتظار العاصمة كي تقرر لأبنائنا شكل المستقبل. يمكن للمدينة نفسها أن تصمم برنامجًا يستجيب لبيئتها الاقتصادية ولحاجات شبابها.

هذه الفكرة ليست بعيدة عن تجارب عربية بدأت بعض ملامحها تظهر في السنوات الأخيرة، حين صارت البلديات والهيئات المحلية تدخل مجال الابتكار والتدريب وريادة الأعمال، ولو بدرجات متفاوتة. غير أن التجربة الكورية تبدو أكثر انتظامًا لأنها جزء من بنية مؤسسية تمنح الإدارات المحلية مساحة للحركة، مع ربط واضح بين التعليم والتنمية والهوية الحضرية للمدينة.

كما أن اختيار الطلاب المقيمين أو الدارسين داخل إكسان يعبّر عن هذا التصور بدقة. فالمدينة لا تقدم منحة عامة بلا هوية، بل تستثمر في من تعتبرهم جزءًا من نسيجها البشري اليومي. وهذا مهم في سياق الحديث عن الهجرة الداخلية من المدن الصغيرة إلى العواصم. عندما تمنح مدينة إقليمية مراهقيها فرصة نوعية مرتبطة بقطاع متطور، فإنها لا تطور التعليم فحسب، بل تعزز أيضًا شعور السكان بأن مدينتهم ليست هامشًا خارج الزمن.

في الثقافة العربية، كثيرًا ما تُستدعى عبارة “تنمية الأطراف” بوصفها مطلبًا قديمًا ومتكررًا. وربما يمكن النظر إلى مشروع إكسان بوصفه ترجمة معاصرة لهذا المعنى: تنمية الأطراف لا تكون فقط عبر الطرق والمباني، بل عبر منح الشباب في المدن غير المركزية الحق في لمس المستقبل بأيديهم.

ما الذي يمكن أن تتعلمه المدن العربية من التجربة الكورية؟

ليس المطلوب بالطبع استنساخ التجربة حرفيًا، فلكل بلد أولوياته الاقتصادية وبنيته التنظيمية وقدرته التمويلية. لكن في هذا الخبر عدة دروس تستحق التأمل. أولها أن البرامج الناجحة لا تنطلق من الانبهار بالتقنية، بل من ربطها بحاجة مجتمعية واضحة. في إكسان، لم يجر تقديم الطائرات المسيّرة كرمز للحداثة فقط، بل كأداة تخدم الزراعة والإنقاذ والطاقة. وهذا الربط حاسم إذا أرادت المؤسسات العربية إقناع الأسر والطلاب بأن التدريب التقني ليس رفاهية بل استثمار عملي.

الدرس الثاني هو أهمية الانتقال من “التجربة” إلى “الاعتماد”. كثير من الفعاليات العربية الموجهة للشباب تنجح في خلق لحظة حماس، لكنها لا تمنح المشاركين وثيقة أو مهارة موثقة يمكن البناء عليها لاحقًا. أما المشروع الكوري فيجعل الشهادة المهنية جزءًا من هدفه منذ البداية. وهذه نقطة يمكن أن تغير طريقة تصميم المعسكرات الصيفية والبرامج المدرسية في المنطقة.

أما الدرس الثالث، فهو أن العدالة التعليمية في زمن الاقتصاد الرقمي تعني دعم الكلفة، لا الاكتفاء بتوفير المقاعد الدراسية. فإذا كانت بعض المهارات الواعدة تتطلب رسومًا وأجهزة وتدريبًا متخصصًا، فإن دعم الوصول إليها يصبح سياسة اجتماعية بقدر ما هو سياسة تعليمية. وهذا ما فهمته إكسان حين تعاملت مع كلفة التدريب بوصفها عائقًا ينبغي تخفيفه.

الدرس الرابع يتعلق بالمكان. فبدل تركيز كل البرامج المتقدمة في العواصم والمدن الكبرى، تكشف التجربة الكورية قيمة بناء فرص نوعية داخل المدن الإقليمية. هذا مهم عربيًا في بلدان تعاني تفاوتًا واضحًا بين المركز والأطراف. وعندما تبدأ المدن الأصغر في تقديم برامج مرتبطة بالطاقة المتجددة أو الزراعة الذكية أو الروبوتات أو الطائرات المسيّرة، فإنها لا تطور التعليم فقط، بل تعيد توزيع الأمل أيضًا.

وأخيرًا، ثمّة درس ثقافي لا يقل أهمية: المستقبل لا يحتاج دائمًا إلى أعداد ضخمة كي يبدأ. أحيانًا تكفي ثلاثة عشر فرصة مصممة جيدًا كي تفتح نقاشًا أكبر حول ما يجب أن يكون عليه تعليم الشباب. في الموروث العربي، نعرف أن الشرارة الصغيرة قد تضيء ما حولها إذا وُضعت في المكان المناسب. وهذا ما تفعله إكسان اليوم على طريقتها: برنامج محدود في العدد، لكنه واضح في الفكرة، عملي في الهدف، ومفتوح على قطاعات ستزداد أهميتها في السنوات المقبلة.

أبعد من الرقم 13: رسالة كورية إلى جيل ما بعد الهواية

في النهاية، قد لا يكون أهم ما في خبر إكسان هو عدد المقاعد ولا حتى اسم الرخصة نفسها، بل الرسالة الكامنة وراء المشروع. هذه الرسالة تقول للشباب إن الاهتمام بالتكنولوجيا يجب ألا يبقى في مستوى الفرجة أو التسلية أو الاستخدام الاستهلاكي. فالعالم الذي تصنعه الموجة الكورية في نظر كثير من العرب، من الدراما إلى الموسيقى إلى المنصات الرقمية، ليس سوى الواجهة الثقافية لبلد يستثمر بجدية في صناعة المهارة من سن مبكرة.

ومن هنا، فإن الخبر يحمل معنى يتجاوز حدود المدينة الكورية. إنه يذكّر بأن سياسات التعليم الأكثر فاعلية ليست دائمًا تلك التي تتحدث بصوت عالٍ، بل تلك التي تصمم مسارًا واضحًا يمكن أن يغيّر حياة عدد محدود من الأفراد، ثم يتوسع لاحقًا. في المجال الصحفي، قد تبدو العناوين الكبرى أكثر جاذبية: الذكاء الاصطناعي، الثورة الصناعية الرابعة، التحول الرقمي. لكن على الأرض، يتشكل المستقبل غالبًا من هذه المبادرات الهادئة: بلدية تقرر تمويل تدريب، مدرسة تتعاون مع جهة مهنية، طالب يكتشف أن شغفه يمكن أن يصير مهنة.

بالنسبة إلى القراء العرب المتابعين للشأن الكوري، تقدم إكسان هنا صورة مختلفة قليلًا عن كوريا المعتادة في المخيال الشعبي. ليست فقط بلد النجوم والمنتجات الثقافية اللامعة، بل أيضًا بلد المدن التي تفكر مبكرًا في كيفية إعداد مراهقيها لاقتصاد جديد. وإذا كانت الدراما الكورية قد نجحت في تصدير قصص الحب والعمل والأحلام، فإن هذا النوع من الأخبار يصدّر شيئًا آخر أكثر هدوءًا وربما أكثر تأثيرًا على المدى البعيد: فكرة أن التعليم المحلي الذكي يمكنه أن يصنع فارقًا حقيقيًا، حتى لو بدأ بثلاثة عشر اسمًا فقط على قائمة صغيرة في صيف مدينة بعيدة.

ذلك هو المعنى الأبرز في قصة إكسان: ليست حكاية طائرات فحسب، بل حكاية مدينة تقول لشبابها إن المستقبل ليس وعدًا مؤجلًا، بل مهارة يمكن أن تبدأ من الآن.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات