
الكيبـوب في بريطانيا: من خبر أسبوعي إلى حضور مستقر
حين تصدر القوائم البريطانية الرسمية للموسيقى، فإنها لا تقدم مجرد أرقام باردة عن أكثر الأغاني تداولًا أو أكثر الألبومات مبيعًا، بل ترسم أيضًا خريطة دقيقة لما ينجح في العبور من حدود اللغة والجغرافيا إلى الذائقة اليومية للمستمعين. وفي أحدث مؤشرات هذا الأسبوع، حضرت الأعمال المرتبطة بالكيبوب في أكثر من زاوية داخل المشهد البريطاني: أغنية “Golden” من الموسيقى الأصلية لمسلسل الرسوم المتحركة على نتفليكس “K-Pop Demon Hunters” في المركز 47 على قائمة الأغاني، وأغنية “PINKY UP” لفرقة KATSEYE في المركز 56، فيما واصل ألبوم “ARIRANG” لفرقة BTS حضوره في قائمة الألبومات عند المركز 37 للأسبوع الثاني عشر على التوالي.
قد يبدو الخبر للوهلة الأولى شبيهًا بما اعتاده جمهور الثقافة الكورية خلال السنوات الأخيرة: اسم أو اسمان من كوريا الجنوبية في قائمة غربية كبرى. لكن القراءة المتأنية لما تقوله هذه النتائج تكشف أمرًا أعمق كثيرًا من مجرد صعود أغنية أو استمرار ألبوم. نحن هنا أمام ثلاثة مداخل مختلفة تمامًا لصناعة واحدة: موسيقى تصويرية مرتبطة بعمل بصري على منصة عالمية، وفرقة فتيات ذات تكوين عابر للحدود بين كوريا والولايات المتحدة، وألبوم كامل لفرقة هي الأكثر تأثيرًا في تاريخ الكيبوب الحديث. اجتماع هذه النماذج الثلاثة في أسبوع واحد على قوائم بريطانيا يعني أن الكيبوب لم يعد يُستهلك بطريقة واحدة، ولم يعد يعتمد على دفعة جماهيرية مؤقتة، بل بات يعمل كمنظومة ثقافية متنوعة المسارات.
بالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن تشبيه هذا التحول بما حدث في تاريخ الموسيقى العربية حين لم تعد الأغنية الناجحة محصورة في الإذاعة التقليدية وحدها، بل صارت تعيش عبر الفيلم، والمسلسل، والحفلات، والمنصات الرقمية، ووسائل التواصل، حتى أصبح الفنان الناجح هو من يملك أكثر من باب للوصول إلى الجمهور. هذا بالضبط ما تبدو كوريا الجنوبية وقد نجحت في ترسيخه عالميًا: الأغنية لم تعد فقط “أغنية كيبوب”، بل يمكن أن تكون جزءًا من مسلسل، أو من مشروع عالمي مشترك، أو من سردية فنية متكاملة داخل ألبوم كامل.
ومن هنا، فإن ما تقوله القوائم البريطانية لا يتعلق ببريطانيا وحدها. بل يمس كل سوق يتابع تحولات الذوق العام، ومن بينها الأسواق العربية التي باتت تشهد حضورًا واضحًا للثقافة الكورية في المنصات، والفعاليات الشبابية، وأحاديث الجمهور على شبكات التواصل. السؤال لم يعد: هل الكيبوب نجح في الوصول إلى العالم؟ بل أصبح: كيف يواصل البقاء، وبأي أدوات يضمن هذا البقاء؟
“Golden” ودرس الموسيقى المرتبطة بالصورة
اللافت الأكثر إثارة هذا الأسبوع هو ما حققته أغنية “Golden”، إذ دخلت قائمة الأغاني البريطانية الرسمية في المركز 47، محافظة على وجودها للأسبوع الحادي والخمسين على التوالي. هذا الرقم ليس تفصيلًا صغيرًا في عالم القوائم. فهناك فارق كبير بين أغنية تقتحم القائمة مرة واحدة بدافع ضجة إعلامية أو دعم جماهيري مكثف، وبين أغنية تبقى لما يقرب من عام كامل، ما يعني أنها تحولت من حدث عابر إلى جزء من الاستماع المتكرر.
أهمية “Golden” لا تنبع من ترتيبها فقط، بل من طبيعة مصدرها أيضًا. فهي أغنية من العمل الأصلي “K-Pop Demon Hunters”، وهو عنوان يجمع بين عالم الرسوم المتحركة والخيال والموسيقى الكورية. ولمن لا يتابع هذا النوع من الإنتاجات، يمكن القول إن القوة هنا تكمن في الارتباط بين السرد البصري واللحن؛ أي أن المشاهد لا يخرج من التجربة وهو يتذكر القصة فقط، بل يأخذ معها أغنية قابلة للحياة خارج الشاشة. هذه معادلة لطالما عرفت السينما والدراما العربية أهميتها، من زمن الأغاني التي كانت تعيش مستقلّة عن الأفلام، كما حدث مع كثير من كلاسيكيات عبد الحليم حافظ أو شادية، وصولًا إلى الشارات التلفزيونية التي حفرت مكانها في الذاكرة الجماعية العربية.
لكن ما يحدث هنا يتجاوز نموذج “أغنية تابعة لعمل ناجح”. ففي العادة، تعتمد الموسيقى التصويرية أو الأغاني الأصلية للأعمال المرئية على زخم العمل نفسه. فإذا انتهى الحديث عن المسلسل أو الفيلم، تراجع حضور الأغنية معه. أما أن تبقى “Golden” 51 أسبوعًا داخل قائمة مزدحمة ومفتوحة على كل أنماط البوب العالمي، فهذا يعني أن الأغنية انتقلت من سياق المشاهدة إلى سياق الاستماع اليومي. بعبارة أخرى، لم تعد مجرد ملحق فني بمنتج مرئي، بل أصبحت أغنية قائمة بذاتها داخل قوائم التشغيل، وهو إنجاز شديد الدلالة على اتساع قاعدة مستمعيها.
وهنا تظهر ميزة كبرى في الاستراتيجية الكورية الحديثة: الربط بين الموسيقى والصناعة البصرية. فالموجة الكورية، أو ما يعرف عالميًا بـ“هاليو”، لم تنجح فقط لأنها أنتجت فرقًا جذابة ومصقولة، بل لأنها بنت شبكة متكاملة من الدراما، والأفلام، والأنيميشن، والأزياء، والجمال، والنجوم، والمنصات. وعندما تدخل الأغنية هذا النظام المتشابك، فإن فرص بقائها تتضاعف. من يتابع العمل قد يصبح مستمعًا للأغنية، ومن يعثر على الأغنية قد يذهب إلى العمل نفسه، وهكذا تتغذى الدوائر بعضها من بعض.
بالنسبة إلى الجمهور العربي، هذه الظاهرة مفهومة أكثر مما قد يبدو. فكما انتقلت أغانٍ عربية كثيرة من الشاشة إلى الشارع ثم إلى الذاكرة الطويلة، يحدث الأمر نفسه اليوم لكن على نطاق عالمي وبأدوات رقمية أكثر قوة. لذلك فإن نجاح “Golden” ليس فقط نجاحًا لأغنية، بل تأكيد على أن الكيبوب يتعلم كيف يربح المعركة الأهم: معركة الزمن.
KATSEYE: حين تصبح الصناعة نفسها عابرة للحدود
إذا كانت “Golden” تمثل بوابة المحتوى المرئي، فإن فرقة KATSEYE تقدم بوابة أخرى مختلفة تمامًا: بوابة الإنتاج المشترك العالمي. أغنية “PINKY UP” جاءت هذا الأسبوع في المركز 56 على قائمة الأغاني البريطانية، محافظة على وجودها للأسبوع التاسع. ورغم أن تسعة أسابيع تبدو أقل بريقًا من واحد وخمسين أسبوعًا، فإنها في حقيقة الأمر رقم له وزنه، خاصة لفرقة ما زالت تُقرأ بوصفها نموذجًا لصناعة جديدة لا مجرد اسم آخر في سوق مزدحم.
KATSEYE، بحسب توصيف الخبر الكوري، هي فرقة فتيات من مشروع مشترك بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة تقوده HYBE. وفي هذا الوصف القصير تكمن قصة كاملة عن مستقبل الكيبوب. نحن لم نعد أمام “منتج كوري جاهز للتصدير” فقط، بل أمام عمل تُبنى هويته منذ البداية على فكرة العبور الدولي: تدريب، وتخطيط، وتسويق، وصورة، وجمهور مستهدف، كلها عناصر تتحرك في أكثر من فضاء ثقافي ولغوي في وقت واحد.
هذا التطور مهم جدًا لفهم المرحلة الجديدة من الموجة الكورية. ففي المراحل الأولى، كان النجاح يُقاس بقدرة الفرق الكورية على دخول أسواق أجنبية رغم اختلاف اللغة والخلفية الثقافية. أما الآن، فإن بعض المشاريع تُولد أصلًا وهي تفكر في العالم كله كسوق أول، لا كسوق لاحق. وهذا ما يجعل KATSEYE حالة ذات قيمة رمزية وصناعية معًا. فهي تقول إن الكيبوب لم يعد فقط اسم نوع موسيقي، بل أصبح أيضًا نموذجًا إنتاجيًا يمكن توظيفه وتطويره وتدويله.
في العالم العربي، نعرف هذا النوع من التحول حين تتغير فكرة “المطرب المحلي” إلى “الفنان العربي العابر للمنطقة”، أو حين تُصاغ الأعمال منذ البداية لتناسب جمهورًا في الخليج والمشرق والمغرب في آن واحد. لكن الفارق أن الصناعة الكورية قطعت شوطًا أبعد، إذ لم تعد تسعى فقط إلى توسيع الجمهور، بل إلى توسيع بنية الإنتاج نفسها بحيث تصبح متعددة الجنسيات. هذا يعني أن تأثير الكيبوب لا يقتصر على اللحن أو الرقص أو الصورة، بل يمتد إلى طريقة تصنيع النجومية ذاتها.
وحين تستقر أغنية مثل “PINKY UP” لتسعة أسابيع في قائمة بريطانية رسمية، فذلك يشير إلى أن النموذج ليس استعراضيًا فقط. الجمهور لا يستجيب للفكرة كشعار، بل يتفاعل مع المنتج الموسيقي نفسه. وهذا فارق جوهري، لأن الكثير من المشاريع العالمية المشتركة تسقط عندما يكون خطابها أكبر من موسيقاها. أما في حالة KATSEYE، فإن بقاء الأغنية في الدورة الاستهلاكية للمستمع البريطاني يعني أن الفكرة وجدت ترجمتها العملية في أغنية قابلة للتكرار وإعادة الاستماع.
BTS و“ARIRANG”: ثقل الألبوم في زمن الأغنية السريعة
في مقابل ديناميكية الأغاني المنفردة، يواصل BTS تثبيت فكرة أخرى لا تقل أهمية: أن الألبوم الكامل لا يزال قادرًا على امتلاك قيمة فنية وتجارية في زمن المنصات السريعة. ألبوم “ARIRANG” حل هذا الأسبوع في المركز 37 على قائمة الألبومات البريطانية الرسمية، ليكمل 12 أسبوعًا متتاليًا داخل القائمة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الاستهلاك هنا لا يقوم فقط على أغنية واحدة ضاربة، بل على عمل متكامل يحتفظ بجمهوره على مدى أشهر.
لفهم هذا المعنى، يجب التوقف قليلًا عند فكرة “الألبوم” نفسها، وهي فكرة تراجعت عالميًا أمام صعود ثقافة المقاطع القصيرة والأغاني الفردية. كثير من المستمعين اليوم يختبرون الفنان من خلال أغنية واحدة منتشرة على “تيك توك” أو مقطع قصير في “ريلز”، ثم ينتقلون إلى غيرها بسرعة. لكن بقاء ألبوم كامل في قائمة رسمية لمدة 12 أسبوعًا يثبت أن هناك جمهورًا لا يزال مستعدًا للاستماع إلى العمل كوحدة متماسكة، وهذا غالبًا ما يكون مرتبطًا بدرجة عالية من الثقة باسم الفنان وبالعالم السردي الذي يقدمه.
وبالنسبة إلى BTS، فإن أهمية هذا الحضور لا تنفصل عن المكانة التي بنتها الفرقة خلال السنوات الماضية. فهذه ليست مجرد فرقة ناجحة بعدد المشاهدات أو متابعي المنصات، بل اسم بات يمثل لدى قطاع واسع من الجمهور العالمي حالة فنية لها وزنها في المزاج العام للموسيقى المعاصرة. ولهذا فإن ألبومًا مثل “ARIRANG” لا يُستقبل فقط على أنه مجموعة أغانٍ جديدة، بل بوصفه فصلًا جديدًا في مسار معروف ومتابَع. وهذا النوع من المتابعة الطويلة هو ما يصنع الفرق بين نجم المنصة ونجم المرحلة.
الاسم نفسه، “ARIRANG”، يحمل دلالة ثقافية تستحق التوقف عندها بالنسبة إلى القارئ العربي. “أريرانغ” هو عنوان شديد الرمزية في الثقافة الكورية، إذ يرتبط بأغنية شعبية تُعد من أكثر العناصر شهرة في التراث الكوري، وتُستحضر بوصفها رمزًا للذاكرة والهوية والمشاعر الجمعية. ولعل أقرب ما يمكن أن يساعد القارئ العربي على تخيل هذه المكانة هو التفكير في الأغاني التراثية التي تتجاوز قيمتها الموسيقية إلى رمزيتها الثقافية، كأغانٍ تحمل وجدانًا شعبيًا يلتقي حوله الناس جيلاً بعد جيل. حين يستخدم هذا الاسم في عنوان ألبوم معاصر، فإن ذلك يربط بين الحداثة والهوية، بين البوب العالمي والجذر الثقافي المحلي.
من هذه الزاوية، لا يبدو استمرار “ARIRANG” في قوائم بريطانيا مجرد إنجاز رقمي، بل يعكس قدرة الكيبوب على تقديم نفسه كفن حديث لا يقطع مع مرجعيته الأصلية. وهذه واحدة من نقاط القوة الأهم في التجربة الكورية: أنها تدخل الأسواق العالمية وهي أقل خوفًا من إعلان ذاتها الثقافية، لا أكثر.
لماذا تهم القوائم البريطانية تحديدًا؟
قد يسأل البعض: لماذا يُعطى كل هذا الاهتمام لقائمة بريطانية؟ الإجابة أن “أوفيشال تشارت” في المملكة المتحدة لا يُنظر إليها فقط كترتيب محلي، بل كمرآة معتبرة لنبض سوق موسيقي شديد التأثير تاريخيًا. فبريطانيا ليست بلدًا هامشيًا في صناعة البوب، بل أحد مراكزها الكبرى، ومن قوائمها خرجت اتجاهات، وتكرست فيها أسماء، وتحدد عبرها كثير من تصورات النجاح العالمي.
وحين تتمكن أعمال مرتبطة بالكيبوب من البقاء في هذه القوائم لأسابيع طويلة، فإن الدلالة تتجاوز فكرة “الفضول تجاه موسيقى أجنبية”. في كثير من الأحيان، كان يُنظر إلى الفنون غير الغربية في الأسواق الأنغلوساكسونية بوصفها ضيوفًا موسميين: تثير الانتباه، ثم تتراجع. لكن ما تكشفه الأرقام الحالية هو أن الكيبوب لم يعد يعيش على هامش السوق بوصفه ظاهرة exotic أو “غريبة وجذابة” فقط، بل بات يعمل داخل السوق نفسها، ويتنفس إيقاعها الأسبوعي، ويصمد أمام تبدلاتها.
ويتضاعف معنى هذا الحضور عندما نعرف أن القوائم نفسها شهدت أيضًا استمرار أغنيات كلاسيكية لمايكل جاكسون مثل “Billie Jean” و“Beat It” و“Human Nature”، إلى جانب أعمال أخرى من أرشيف البوب الغربي. وجود هذا التداخل بين كتالوج كلاسيكي راسخ وأعمال كيبوب معاصرة داخل الفضاء نفسه يوضح أن المستمع المعاصر لم يعد ينظر إلى الموسيقى من خلال جنسية الفنان بقدر ما ينظر إلى قابلية الأغنية للحياة في يومه العادي. صحيح أن المقارنة المباشرة بين الإرث الأسطوري لمايكل جاكسون وصعود الكيبوب ليست مقارنة دقيقة، لكن مجرد التعايش داخل القائمة نفسها يكفي للإشارة إلى أن الحدود القديمة بين “المركز” و“الهامش” باتت أقل صلابة.
وهذا درس يهم أيضًا المتابع العربي. فعالم المنصات جعل المنافسة أكثر انفتاحًا، لكنه في الوقت نفسه صار أكثر قسوة؛ إذ لا يكفي الوصول إلى الجمهور مرة واحدة، بل يجب البقاء في عادات استماعه. ومن ينجح في ذلك داخل بريطانيا، يرسل إشارة قوية إلى باقي الأسواق بأن لديه ما هو أبعد من لحظة الدعاية.
من “موجة” إلى “منظومة”: كيف تغير معنى الكيبوب؟
لعل أكثر ما يستحق الانتباه في نتائج هذا الأسبوع هو أنها تقدم تعريفًا أوسع للكيبوب من الصورة النمطية الشائعة عنه. لا نحن أمام فرقة واحدة تهيمن وحدها، ولا أمام أغنية راقصة سريعة تنطفئ سريعًا، ولا حتى أمام جمهور معجبين مغلق على ذاته. نحن أمام منظومة فيها ألبوم ثقيل الحضور، وأغنية من عمل بصري، ومشروع مشترك متعدد الجنسيات. وهذا التعدد نفسه هو بيت القصيد.
في الأدبيات الإعلامية العربية، كثيرًا ما يُختصر الكيبوب في مشاهد الحفلات الصاخبة، والملابس اللامعة، والرقصات المتقنة، والقاعدة الجماهيرية المنظمة على الإنترنت. وكل ذلك صحيح جزئيًا، لكنه لم يعد كافيًا لشرح ما يجري. فاليوم، من الممكن أن يدخل شخص إلى عالم الثقافة الكورية عبر مسلسل أو فيلم أو رسوم متحركة، ثم يجد نفسه ينصت إلى موسيقى كورية. ومن الممكن أن يبدأ من فرقة ذات تشكيل عالمي، ثم يكتشف لاحقًا طريقة التدريب والإنتاج المرتبطة بكوريا الجنوبية. ومن الممكن أيضًا أن يكون المدخل هو ألبوم فني كامل يقدمه اسم رسخ مكانته بالفعل.
هذا يعني أن الكيبوب لم يعد بابًا واحدًا، بل أبوابًا متعددة. وفي لغة السوق الثقافي، فإن تعدد الأبواب هو ما يصنع الاستدامة. فإذا خفت بريق مسار، يظل هناك مسار آخر. وإذا تراجع الاهتمام بفريق ما، تظهر صيغة جديدة تعيد تدوير الفضول العالمي في اتجاه آخر. هكذا تتحول الظاهرة من اعتمادها على “الضربة الواحدة” إلى امتلاكها شبكة أمان أوسع.
وإذا أردنا ترجمة هذا المفهوم بلغة أقرب إلى القارئ العربي، فيمكن القول إن النجاح الحقيقي لأي تيار فني لا يبدأ عندما يحقق صدمة الانتشار، بل عندما يصبح قادرًا على تجديد نفسه من الداخل. هذا ما فعلته الأغنية العربية في محطات تاريخية مختلفة عندما انتقلت من الإذاعة إلى السينما ثم التلفزيون ثم الفضائيات ثم المنصات. والكيبوب اليوم يبدو في لحظة مشابهة عالميًا: يبدل وسائطه، ويجدد روافعه، ويعيد تعريف نفسه باستمرار من دون أن يفقد ملامحه الأساسية.
ما الذي يعنيه هذا للجمهور العربي وصناعة الترفيه في المنطقة؟
من السهل النظر إلى أخبار القوائم الغربية بوصفها شأنًا بعيدًا عن المنطقة العربية، لكن ذلك لم يعد دقيقًا. فالأجيال الشابة في العالم العربي تستهلك اليوم الموسيقى والدراما والترفيه ضمن فضاء رقمي واحد، حيث تصل الأغنية الكورية إلى الهاتف نفسه الذي يصل إليه البوب العربي واللاتيني والغربي. لذلك فإن صعود الكيبوب أو استقراره في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو غيرهما ليس خبرًا “خارجيًا” صرفًا، بل خبر يرتبط بتشكيل الذائقة العالمية التي تدخل إلى بيوتنا وشاشاتنا ومهرجاناتنا وأسواقنا الإعلانية.
ثمة درس واضح هنا لصناعة الترفيه العربية أيضًا: النجاح لم يعد قائمًا على إنتاج أغنية ناجحة وحسب، بل على بناء نظام ثقافي محيط بها. كوريا الجنوبية لا تبيع لحنًا فقط؛ إنها تبيع قصة، وصورة، وتدريبًا، ومحتوى، وأزياء، ومجتمع معجبين، وتفاعلًا مستمرًا. وفي الوقت الذي تتوسع فيه منطقتنا في الاستثمار في الترفيه والمواسم الفنية والمنصات، يبدو هذا الدرس جديرًا بالتأمل: كيف يمكن تحويل العمل الفني من منتج منفصل إلى تجربة متكاملة قابلة للتصدير والتكرار؟
أما بالنسبة إلى الجمهور، فإن المشهد الراهن يفتح مساحة أوسع لفهم الكيبوب خارج الأحكام السريعة. ليس المطلوب أن يحب الجميع هذا اللون، فالموسيقى ذائقة قبل كل شيء. لكن من الصعب إنكار أن ما يحدث أمامنا ليس موجة شبابية عابرة كما كان يُقال قبل سنوات. الأرقام، وطول البقاء، وتنوع الصيغ، وتعدد المنصات، كلها تقول إننا أمام ثقافة نجحت في تثبيت أقدامها داخل الاقتصاد العالمي للترفيه.
ولعل الخلاصة الأهم أن السؤال لم يعد متعلقًا بمدى “غرابة” الكيبوب عن أذن المستمع العربي، بل بمدى مهارة هذه الصناعة في خلق نقاط التقاء إنسانية عابرة للغات: إيقاع جذاب، وصورة محكمة، وهوية واضحة، وقدرة على الحكي. وهذه عناصر لا تخص ثقافة بعينها، بل تخص كل فن يعرف كيف يصنع مكانه في العالم.
ما بعد الأرقام: العالم لا يسمع الكيبوب صدفة
في المحصلة، ما تكشفه نتائج هذا الأسبوع في بريطانيا هو أن الكيبوب لم يعد ضيفًا على المشهد العالمي، بل أصبح أحد مكوناته الدائمة. “Golden” تؤكد أن الأغنية المرتبطة بالمحتوى البصري يمكن أن تعيش طويلًا خارج الشاشة. و“KATSEYE” توضح أن الإنتاج المشترك ليس مجرد شعار عن العولمة، بل نموذج فعلي يحقق حضورًا ملموسًا. و“ARIRANG” تبرهن أن الألبوم، بكل ثقله الفني، لا يزال قادرًا على الثبات حين يقف وراءه اسم يملك ثقة الجمهور وعمق السردية.
لهذا، فإن قراءة هذه النتائج يجب ألا تتوقف عند سؤال: من صعد ومن هبط هذا الأسبوع؟ السؤال الأهم هو: ما شكل الثقافة الموسيقية التي تتكرس أمام أعيننا؟ والجواب، كما يبدو من هذه المؤشرات، أن العالم يتجه أكثر فأكثر إلى استقبال الفنون عبر بوابات متنوعة، وأن كوريا الجنوبية كانت من الأذكى في فهم هذه اللحظة واستثمارها.
بالنسبة إلى المتابع العربي للثقافة الكورية، لا تقدم هذه الأرقام مجرد سبب إضافي للحماس، بل تقدم أيضًا مادة للتأمل في معنى النجاح الثقافي في العصر الرقمي. النجاح ليس أعلى مركز فقط، بل القدرة على البقاء، وعلى إعادة التقديم، وعلى الوصول إلى جمهور جديد من مدخل مختلف في كل مرة. وهذا بالضبط ما تفعله أعمال الكيبوب اليوم في بريطانيا، وما يجعل من الصعب التعامل معها بوصفها مجرد موضة موسمية.
من لندن، تصل الرسالة واضحة: الكيبوب لم يعد حالة استثنائية على الهامش، بل أصبح جزءًا من اللغة اليومية للموسيقى العالمية. وحين تصل صناعة ما إلى هذه المرحلة، فإنها لا تعود بحاجة إلى إثبات وجودها بقدر ما تصبح مطالبة فقط بالحفاظ على هذا الوجود وتطويره. وحتى الآن، تبدو كوريا الجنوبية ماضية في ذلك بثقة لافتة.
0 تعليقات