
بحيرة صغيرة وسؤال كبير عن المدينة الحديثة
في مدينة سوكتشو الكورية الواقعة على الساحل الشرقي، حيث تتجاور زرقة البحر مع ظلال الجبال وتنساب البحيرة داخل المشهد اليومي للسكان، تحوّل نقاش محلي حول بحيرة «يونغنانغهو» إلى مشهد أوسع يتجاوز حدود المكان. فقد نظمت مجموعة مدنية تحمل اسم «أشخاص يتطلعون إلى متنزه أخضر في يونغنانغهو» مناظرة شعبية مفتوحة تحت عنوان لافت: «نسأل عن مستقبل يونغنانغهو: هل هي حديقة للمواطنين أم تنمية مدمّرة؟». العنوان بحد ذاته يكشف حجم التوتر القائم في كثير من المدن المعاصرة: كيف يمكن حماية الطبيعة من دون تجميد حياة المدينة؟ وكيف يمكن تنشيط الاقتصاد المحلي من دون تحويل المساحات الطبيعية إلى مجرد سلعة استهلاكية؟
هذه الأسئلة قد تبدو كورية في ظاهرها، لكنها مألوفة جداً للقارئ العربي. فمن الدار البيضاء إلى بيروت، ومن عمّان إلى جدة، كثيراً ما دارت نقاشات مماثلة حول الواجهات البحرية، والبساتين القديمة، والحدائق العامة، والأودية والواحات، بل وحتى حول الشواطئ التي تتحول تدريجياً من فضاء مشاع إلى مشاريع مغلقة أو ممرات استثمارية. لذلك فإن خبر المناظرة في سوكتشو لا يهم فقط من يتابع الشأن الكوري، بل يهم أيضاً كل من يسأل في عالمنا العربي: لمن تنتمي الطبيعة في المدن؟ للسكان أم للمضاربة العقارية؟ للذاكرة أم للمردود السريع؟
وفق المعطيات المتاحة، جاء اللقاء في وقت تتواصل فيه النقاشات داخل المجتمع المحلي حول القيمة البيئية للبحيرة وسبل صونها وكيفية استخدام مساحاتها الخضراء العامة، إلى جانب البحث في إمكان التوفيق بين الحفاظ على الطبيعة وتنشيط السياحة وتطوير المدينة. وما يجعل هذا النقاش لافتاً أنه لا يقدّم المسألة بوصفها معركة ثنائية ساذجة بين «أنصار التطوير» و«أنصار المنع»، بل يفتح الباب على سؤال أدق: هل توجد صيغة تجعل من البحيرة فضاء عاماً حياً ومحمياً في الوقت نفسه؟
في هذا المعنى، تبدو المناظرة أقرب إلى تمرين ديمقراطي على تخيّل المستقبل. فالمسألة ليست مجرد اختيار هندسي أو قرار بلدي عابر، بل هي، في العمق، تفاوض اجتماعي وثقافي حول صورة المدينة التي يريدها أهلها. هل تكون مدينة تُستهلك من خلال لقطات سياحية سريعة، أم مدينة يعيش فيها الناس علاقتهم بالطبيعة كجزء من يومهم العادي؟ هنا تحديداً تكمن أهمية ما جرى في سوكتشو.
ما هي يونغنانغهو ولماذا تهم الكوريين؟
قد لا يكون اسم «يونغنانغهو» معروفاً على نطاق واسع لدى القارئ العربي، ولذلك من المهم وضعه في سياقه. تقع البحيرة في سوكتشو، وهي مدينة تعد من أبرز المقاصد السياحية في كوريا الجنوبية، ليس فقط بسبب ساحلها، بل أيضاً لقربها من جبال «سوراكسان» الشهيرة ومن طبيعة تجمع بين البحر والمرتفعات والمسطحات المائية في مساحة واحدة نسبياً. هذا التداخل بين العناصر الطبيعية يمنح المدينة شخصية خاصة، ويجعل أي تغيير في أحد مكوناتها مؤثراً في توازن المشهد كله.
في الثقافة الحضرية الكورية، كما في كثير من المدن الآسيوية الحديثة، لا تُفهم المساحات الطبيعية على أنها مجرد خلفية جمالية، بل باعتبارها جزءاً من البنية الحياتية للسكان. الممرات المحيطة بالبحيرات، والحدائق العامة، ومناطق المشي والدراجات، والمساحات المفتوحة التي يرتادها الناس صباحاً ومساءً، كلها مكونات أساسية في نمط العيش. ولذا فإن مصطلح «الفضاء الأخضر العام» الذي تكرر في النقاش حول البحيرة لا يعني مساحة مزروعة بالأشجار فحسب، بل يعني أيضاً حقاً مدنياً في الوصول إلى الطبيعة والانتفاع بها من دون حواجز طبقية أو تجارية.
هذا المفهوم قد يحتاج إلى شرح للقارئ العربي لأن بعض مدننا ما زالت تتعامل مع الحديقة العامة باعتبارها مرفقاً ثانوياً يمكن التضحية به لمصلحة مشروع أكبر أو أكثر ربحية. أما في النقاش الكوري، ففكرة «حديقة المواطنين» تحمل حمولة رمزية ومدنية واضحة. فهي تشير إلى مساحة يحق للجميع دخولها واستخدامها والاستمتاع بها، من الأطفال وكبار السن إلى الزوار والسياح، من دون أن تفقد طبيعتها أو تتحول إلى واجهة استهلاكية صرفة.
من هنا، فإن مستقبل يونغنانغهو لا يُقرأ فقط من زاوية بيئية. صحيح أن القيمة الإيكولوجية للبحيرة حاضرة بقوة في النقاش، لكن المسألة تمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بالهوية المحلية. البحيرة ليست مجرد مورد قابل للاستثمار، بل هي أيضاً جزء من الذاكرة الجماعية للمدينة، وصورة من صورها التعريفية، وحيز من أحيازها العاطفية التي تُصاغ فيها علاقة الناس بمكانهم. ولذلك يبدو طبيعياً أن يرفض كثيرون اختزالها في مشروع واحد أو رؤية واحدة أو منفعة قصيرة الأجل.
بين الحماية والتنمية: لغة جديدة تتشكل في المدن الكورية
أحد أهم ما تكشفه المناظرة الشعبية في سوكتشو هو التحول في لغة النقاش العام. فبدلاً من القوالب القديمة التي كانت تضع «الحفاظ» في خانة الجمود و«التنمية» في خانة البناء غير المشروط، باتت هناك محاولة لصوغ مفردات أكثر تعقيداً وواقعية. المشاركون في النقاش تطرقوا، بحسب الملخص المنشور، إلى سياسات الخضرة الحضرية وتجارب المنتزهات البيئية داخل كوريا وخارجها، كما ناقشوا إمكان التوفيق بين صيانة الطبيعة وتطوير المدينة وتنشيط الحركة السياحية.
هذه المقاربة مهمة لأنها تبتعد عن الاستقطاب الذي يفسد غالباً النقاشات المشابهة في منطقتنا أيضاً. كم مرة سمعنا في العالم العربي أن الاعتراض على مشروع ما يعني الوقوف ضد الاستثمار؟ وكم مرة جرى تصوير كل دفاع عن شاطئ أو بستان أو وادٍ على أنه رومانسي أو غير واقعي؟ في المقابل، كم مرة تحوّل شعار التنمية إلى مبرر لتقليص المجال العام وإزاحة السكان عن أمكنتهم؟ ما يجري في سوكتشو يذكّرنا بأن النقاش الأكثر جدية لا يبدأ من هذه الثنائيات المريحة، بل من الاعتراف بأن المدن تحتاج في آن واحد إلى فرص اقتصادية وإلى ضوابط أخلاقية وبيئية.
وفي الحالة الكورية، تكتسب هذه اللغة الجديدة أهمية إضافية لأن البلاد عاشت خلال عقود قليلة وتيرة تمدن وتسارع عمراني كثيفين. هذا الإرث جعل كثيراً من المدن الكورية أكثر حساسية لمسألة ما يُفقد حين تتقدم الكتل الخرسانية بسرعة. لذلك لم يعد الحديث عن المساحات الطبيعية ترفاً نخبوياً، بل صار جزءاً من نقاش أوسع حول جودة الحياة، والصحة العامة، والعدالة المكانية، والقدرة على مقاومة نمط عمراني يلتهم الفضاءات المفتوحة باسم الكفاءة أو الجذب السياحي.
ومن اللافت أن مناظرة يونغنانغهو لم تُقدَّم بوصفها إعلاناً عن سياسة نهائية أو قراراً إدارياً ملزماً، بل بوصفها ساحة مفتوحة للأسئلة. هذا التفصيل أساسي في العمل العام: فقبل الوصول إلى الخطط والخرائط والتصاميم، هناك حاجة إلى بناء لغة مشتركة تصف المشكلة بدقة. وحين يتفق الناس على طبيعة السؤال، يصبح الخلاف حول الجواب أكثر إنتاجية وأقل عنفاً.
لماذا استُحضرت تجربة «حديقة سونتشونمان الوطنية»؟
من بين النقاط التي برزت في النقاش الإشارة إلى تجربة «حديقة سونتشونمان الوطنية»، وهي من التجارب المعروفة في كوريا الجنوبية حين يتعلق الأمر بالجمع بين الاعتبار البيئي والجاذبية السياحية والوظيفة الحضرية. غير أن مجرد استحضار هذه التجربة لا يعني الدعوة إلى نسخها بحذافيرها، بل استخدامها مرجعاً للمقارنة والتفكير. ففي عالم التخطيط الحضري، كثيراً ما تُطرح «النماذج الناجحة» كحلول جاهزة، لكن النجاح في مدينة ما لا يضمن النجاح في مدينة أخرى، لأن لكل مكان تضاريسه، ونظامه البيئي، وعلاقته الاجتماعية بالمجال العام، وضغوطه الاقتصادية الخاصة.
هنا بالضبط تظهر نضج المناقشة في سوكتشو. فبدلاً من الارتهان لفكرة «لدينا مثال ناجح فلنكرره»، بدا أن السؤال المطروح هو: ما الذي يمكن تعلمه من تلك التجربة من حيث المبادئ، لا من حيث النسخ الحرفي؟ هذا فارق كبير. فالمبدأ قد يكون تعزيز الوصول العام إلى الطبيعة، أو جعل الحماية البيئية جزءاً من جاذبية المدينة، أو ربط السياحة بنظام يحترم القدرة الاستيعابية للمكان. أما الشكل التنفيذي فيجب أن ينبع من خصوصية يونغنانغهو نفسها.
وبالنسبة للقارئ العربي، يمكن فهم الأمر من خلال مقارنة بسيطة مع النقاشات التي تشهدها بعض المدن التاريخية أو البيئية في المنطقة. فليس من المنطقي مثلاً أن يُستنسخ نموذج تطوير الواجهة البحرية في مدينة خليجية داخل مدينة متوسطية قديمة، ولا أن تُطبق وصفة سياحية ناجحة في واحة صحراوية على بحيرة ذات نظام بيئي هش. التشابه في الأسماء لا يلغي الاختلاف في المعنى. ولهذا فإن قوة أي نقاش محلي لا تكمن في قدرته على استيراد تجربة براقة، بل في قدرته على تفكيكها ثم إعادة بناء تصور يناسب واقعه.
إن ذكر سونتشونمان في المناظرة يفتح إذن باباً أوسع: هل يمكن للطبيعة أن تكون أساساً للتنمية لا ضحية لها؟ وهل يمكن للمدينة أن تكسب سياحياً من خلال حماية ما لديها، لا من خلال استبداله؟ هذه الأسئلة ليست كورية فقط. إنها أسئلة المرحلة في كل المدن التي تحاول أن تجد لنفسها مكاناً بين جشع السوق وحاجات الناس وضرورات البيئة.
«حديقة المواطنين».. عبارة تحمل أكثر من معنى
ربما كانت العبارة الأكثر دلالة في عنوان المناظرة هي «حديقة المواطنين». ففي الخطاب العربي اليومي، قد يبدو اللفظ عادياً أو قريباً من تسمية إدارية متداولة، لكن في السياق الكوري يحمل التعبير دلالة سياسية واجتماعية وثقافية. إنه يشير إلى مكان لا يُختزل في المنظر الجميل ولا في العائد التجاري، بل يُفهم بوصفه حقاً جماعياً وإطاراً للعيش المشترك. الحديقة هنا ليست مجرد أشجار ومقاعد، بل مفهوم عن المدينة العادلة والمتاحة والقابلة للتنفس.
هذا الفهم يكتسب وزناً خاصاً حين يوضع في مواجهة عبارة أخرى قاسية وردت في عنوان اللقاء: «تنمية مدمّرة». الجمع بين المصطلحين يكشف أن النزاع ليس تقنياً فحسب، بل لغوي أيضاً. أي لغة سنستخدم لوصف ما نريده؟ هل نتحدث عن إضافة قيمة للمدينة، أم عن نزع قيمة كامنة فيها أصلاً؟ هل يكون المشروع العمراني عملاً إنمائياً حين يُقصي الناس عن علاقتهم بالمكان؟ وهل تصبح الزيادة في الأرقام مكسباً إذا خسر السكان جزءاً من ذاكرتهم اليومية ومساحتهم المشتركة؟
في المدن العربية، رأينا مراراً كيف يمكن لكلمة واحدة أن تغيّر مسار النقاش. «تطوير» قد تبدو كلمة إيجابية تلقائياً، لكنها أحياناً تخفي وراءها خصخصة المجال العام أو إعادة ترتيب الأولويات لمصلحة المستثمر على حساب المواطن. بالمقابل، تُستخدم كلمة «حماية» أحياناً لتبرير الإهمال أو تجميد المكان من دون إدارته بكفاءة. ولذلك فإن أهمية ما جرى في سوكتشو ليست فقط في مضمون المداولات، بل في محاولة إعادة تعريف المصطلحات نفسها: الحماية ليست تعطيل الحياة، والتنمية ليست بالضرورة صبّ الإسمنت.
وعندما يتحدث المنظمون والمشاركون عن «الاستخدام المستقبلي للمساحات الخضراء العامة»، فإنهم يناقشون فعلياً نوع الحياة التي ستنتجها المدينة لنفسها. هل ستكون هناك مسارات مشي آمنة؟ أماكن مفتوحة للعائلات؟ توازن بين السكان والزوار؟ إدارة تحافظ على الحساسية البيئية للمكان؟ هذه كلها تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع الفرق بين مدينة تُعاش ومدينة تُستهلك.
سوكتشو كمرآة لمدن السياحة في آسيا.. وفي العالم العربي أيضاً
تُعد سوكتشو نموذجاً مثيراً للاهتمام لأنها مدينة سياحية بامتياز، لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد منتجع. فهي مكان سكني له إيقاعه المحلي، وذاكرته، وطبقاته الاجتماعية، وعلاقته الخاصة بالطبيعة. ومن هنا، فإن ما يجري حول يونغنانغهو يعكس معضلة شائعة في مدن السياحة: ما الذي يحدث حين يصبح المكان الجميل مطلوباً أكثر من اللازم؟ كيف نمنع نجاح المكان من التحول إلى عبء عليه؟
هذه المعضلة مألوفة جداً عربياً. في مدن ساحلية كثيرة، أدى الضغط السياحي إلى تقليص حضور السكان الأصليين في الواجهات البحرية، أو إلى تحويل الفضاء المفتوح إلى استثمار مغلق، أو إلى ضغط بيئي يغيّر ملامح المكان. وفي مدن جبلية أو واحاتية، أصبح المشهد الطبيعي نفسه موضوعاً للتسليع، بحيث يُسوّق باعتباره منتجاً قبل أن يُحمى باعتباره نظاماً حياً. لذلك تبدو سوكتشو، رغم بعدها الجغرافي، قريبة من أسئلة منطقتنا.
لكن ما يميز الحالة الكورية هنا هو أن النقاش يظهر، على الأقل وفق المعطيات المتاحة، بوصفه جزءاً من تحول أعمق في الثقافة الحضرية. فهناك وعي متزايد بأن جودة الحياة لا تُقاس فقط بعدد الأبراج أو تدفق الزوار أو سرعة العائد الاقتصادي، بل أيضاً بقدرة المدينة على حفظ توازنها الطبيعي وعلى توفير أماكن عامة ذات معنى. وهذا التحول ليس تفصيلاً. إنه يعكس انتقالاً من منطق النمو الكمي إلى منطق الاستدامة ونوعية العيش.
ولعل هذا ما يجعل خبر المناظرة مهماً ثقافياً، لا بلدياً فقط. فحين تناقش مدينة بحيرةً على هذا النحو، فهي تناقش علاقتها بنفسها. تناقش نوع السردية التي تريد أن ترويها عن ذاتها: هل هي مدينة تقفز إلى المستقبل عبر مزيد من البناء مهما كانت الكلفة، أم مدينة تتعامل مع مواردها الطبيعية باعتبارها رأس مال حضارياً يجب إدارته بعناية؟ في هذا السؤال صدى واضح لنقاشات عربية متزايدة حول معنى «المدينة الصالحة للحياة» في زمن الأزمات المناخية والتوسع العمراني المتسارع.
ما الذي يكشفه حضور المجتمع المدني في هذه المناظرة؟
من التفاصيل الجديرة بالتوقف أن المناظرة لم تكن إعلاناً حكومياً عن خطة نهائية، بل فعالية بادر إليها مجتمع مدني محلي. وهذه نقطة ذات مغزى كبير. ففي كثير من الأحيان، تتحدد سياسات المجال العام خلف الأبواب المغلقة، أو تُعرض على الناس بصيغة منجزة لا تترك إلا هامشاً محدوداً للاعتراض أو التعديل. أما حين تنشأ المنصة من داخل المجتمع المحلي نفسه، فإن النقاش يكتسب بعداً مختلفاً: يصبح السكان ليسوا فقط متلقين للقرار، بل مشاركين في إنتاج السؤال.
في كوريا الجنوبية، كما في دول ديمقراطية أخرى، تلعب الجمعيات المحلية والمبادرات المدنية أدواراً متنامية في ملفات البيئة والحيز العام والتخطيط الحضري. وهذا لا يعني بالضرورة أنها تملك سلطة القرار، لكنها تسهم في توسيع دائرة النقاش وفي نقل الموضوع من مستوى الخبراء والإداريين إلى مستوى الحياة اليومية. الناس الذين يمشون قرب البحيرة، أو ينظرون إليها من بيوتهم، أو يصطحبون أبناءهم إلى محيطها، ليسوا مجرد متفرجين على المكان؛ هم جزء من معناه الاجتماعي.
بالنسبة إلى القارئ العربي، تذكّرنا هذه الصورة بأهمية وجود منابر مدنية حقيقية في قضايا البيئة والمدينة. فالقرارات المتعلقة بالحدائق والواجهات المائية والشواطئ والجبال ليست شأناً تقنياً صرفاً. إنها قرارات تمسّ الذاكرة والهوية والعدالة المكانية وحق السكان في مدنهم. وكلما اتسعت المشاركة في مناقشتها، ارتفعت فرص الوصول إلى توازن أفضل بين المصالح المتنافسة.
كما أن علنية النقاش في فضاء مفتوح تحمل رسالة رمزية قوية. فهي تقول إن المكان المعني ليس مادة بيروقراطية فحسب، بل شأن عام. وحين يُناقش مستقبل بحيرة أمام الناس وفي حضرة الناس، فإن ذلك يساهم في تثبيت فكرة أن الطبيعة داخل المدينة ليست زينة إضافية، بل جزء من العقد الاجتماعي نفسه.
من بحيرة كورية إلى سؤال عربي أوسع
قد يبدو للبعض أن الحديث عن بحيرة في مدينة كورية بعيدة ينتمي إلى الأخبار الخفيفة أو المحلية، غير أن التمعن في المسألة يكشف العكس تماماً. فالقصة تمس واحدة من القضايا المركزية في القرن الحادي والعشرين: كيف سنعيش في المدن من دون أن ندمّر الشروط الطبيعية التي تجعل العيش فيها ممكناً ومحتَملاً وجميلاً؟ إنها قضية مرتبطة بالمناخ والصحة النفسية والعدالة الاجتماعية والاقتصاد الثقافي والسياحة المستدامة في آن واحد.
في العالم العربي، حيث تتعرض مساحات عامة كثيرة لضغوط الاستثمار أو الإهمال أو سوء التخطيط، يقدم مشهد سوكتشو درساً مهماً: لا ينبغي اختزال النقاش بين «مشروع» و«لا مشروع». السؤال الأجدى هو: أي مشروع؟ ولمن؟ وبأي كلفة بيئية واجتماعية؟ وهل يمكن للتنمية أن تبدأ من صيانة القيمة الكامنة في المكان بدلاً من محوها؟ هذه أسئلة نحتاجها في كل مدينة عربية تواجه مفاضلات صعبة بين الاحتياج الاقتصادي وحماية المجال العام.
من هذه الزاوية، تصبح يونغنانغهو أكثر من بحيرة. تصبح رمزاً لصراع هادئ، لكنه بالغ الدلالة، بين نمطين من التخيل الحضري. الأول يرى الطبيعة مادة خاماً تنتظر الاستغلال. والثاني يراها شريكاً في تشكيل المدينة وشرطاً من شروط كرامة العيش فيها. وليس من المبالغة القول إن مستقبل كثير من مدن العالم سيتحدد بحسب أيٍّ من هذين المنطقين سيتغلب.
حتى الآن، لا تشير المعطيات المتاحة إلى قرار نهائي بشأن مستقبل البحيرة، وهذا في حد ذاته أمر يجب الانتباه إليه صحفياً. فالأهم من استباق الخواتيم هو قراءة اتجاه النقاش ومغزاه. وما تكشفه المناظرة أن المجتمع المحلي في سوكتشو يريد أن يكون شريكاً في تعريف المصلحة العامة، لا مجرد متلقٍ لتفسير جاهز لها. وهذا مكسب بحد ذاته، حتى قبل الوصول إلى أي سياسات محددة.
في النهاية، ما حدث في سوكتشو هو مشهد من مشاهد العالم المعاصر وهو يعيد النظر في علاقته بالطبيعة داخل المدن. ليس عبر شعارات عامة، بل من خلال بحيرة محددة، وأناس محددين، وذاكرة محلية، وخيارات ملموسة. وربما في هذا تحديداً تكمن قوة القصة: أن الأسئلة الكبرى عن البيئة والديمقراطية والتنمية لا تظهر دائماً في المؤتمرات الدولية وحدها، بل تنبثق أيضاً من ضفاف بحيرة، ومن رغبة سكان مدينة في أن يبقى لهم مكان يتنفسون فيه، ويختلفون حوله، ويقررون معاً كيف سيعيشون بقربه في السنوات المقبلة.
0 تعليقات