광고환영

광고문의환영

من «زمن البطولة» إلى سؤال البقاء: صُنّاع هونغ كونغ يفتحون في سيول ملف تراجع السينما التي صنعت ذاكرة آسيا

من «زمن البطولة» إلى سؤال البقاء: صُنّاع هونغ كونغ يفتحون في سيول ملف تراجع السينما التي صنعت ذاكرة آسيا

حين تتحدث سيول بلسان هونغ كونغ

في مدن آسيا الكبرى، لا تُشبه السينما مجرد ترفيه عابر يُستهلك في عطلة نهاية الأسبوع، بل تبدو في كثير من الأحيان مرآةً للذاكرة الجماعية، ومخزناً للحنين، ووسيلةً لفهم تحولات المجتمع والسياسة والاقتصاد. ومن هذا الباب تحديداً، اكتسبت الكلمات التي قالها الكاتب والمنتج الهونغ كونغي تشان هينغ كاي في سيول أهمية تتجاوز طابعها المهني المباشر. فالرجل المرتبط باسم فيلم «A Better Tomorrow» المعروف عربياً على نطاق واسع بعنوان «زمن البطولة» أو «البطل الحقيقي» في بعض الترجمات المتداولة، لم يكن يستعيد أمجاد الماضي بقدر ما كان يطلق تشخيصاً موجعاً لحاضر صناعةٍ شكّلت وجدان أجيال كاملة في آسيا، وبينها جمهور عربي تعرّف مبكراً إلى ملامح السينما الشرقية عبر الشاشة الصغيرة وأرفف أشرطة الفيديو ثم القنوات الفضائية.

في اللقاء الذي انعقد على هامش فعالية «Hong Kong Film Gala Presentation» في «إيمو آرت سبيس» في سيول، قال تشان هينغ كاي إن هونغ كونغ كانت تنتج في ثمانينيات القرن الماضي نحو 200 فيلم سنوياً، بينما تراجع العدد اليوم إلى قرابة 20 فيلماً فقط. وبين الرقمين مسافة لا تختصرها الإحصاءات وحدها، بل تشرح انهياراً تدريجياً في الإيقاع الصناعي الذي كان يسمح بولادة النجوم، وتدريب الكتّاب، وصقل المخرجين، وتكوين قاعدة حرفية متماسكة من الفنيين والعاملين خلف الكاميرا. في عالم السينما، لا تعني قلة الإنتاج مجرد ندرة في العناوين الجديدة، بل تعني أيضاً تضاؤل الفرص، وضيق الممرات التي يمر عبرها الجيل التالي.

ما يجعل هذه الرسالة أكثر دلالة هو أنها صدرت في سيول، عاصمة بلد نجح خلال العقدين الأخيرين في تحويل صناعاته الثقافية إلى قوة ناعمة عالمية، من السينما إلى الدراما إلى الكيبوب. أن يتحدث صانع من هونغ كونغ، بكل ثقل تجربته، أمام جمهور كوري عن انكماش الصناعة، فذلك لا يبدو مجرد حديث عن سوق محلية تعاني، بل عن سؤال آسيوي أوسع: كيف تحافظ الصناعات الثقافية على استدامتها حين تتبدل شروط السوق وتتغير عادات الجمهور ويصبح التمويل أكثر حذراً؟

وللقارئ العربي، قد يكون هذا المشهد مألوفاً على نحو غير مباشر. فكم من مرة سمعنا في نقاشات السينما العربية عن «الزمن الذهبي» في مصر، أو عن تراجع عدد الأفلام في أسواق كانت يوماً أكثر حيوية، أو عن صعوبة صعود المخرجين الشباب خارج المهرجانات ومنح الدعم المحدودة؟ لذلك، فإن ما جرى في سيول لا يخص هونغ كونغ وحدها، بل يوقظ أسئلة يعرفها الوسط الثقافي العربي جيداً: كيف تُصان الذاكرة الفنية من التحول إلى متحف؟ وكيف يبقى الماضي مرجعاً لا عبئاً؟

أرقام صادمة تكشف عمق التحول

حين يقول تشان هينغ كاي إن صناعة كانت تنتج 200 فيلم في السنة باتت بالكاد تنتج 20، فهو يقدّم خلاصة مكثفة لتحول بنيوي عميق. هذه ليست مجرد مقارنة بين فترتين تاريخيتين، بل تلخيص لانكماش شديد أصاب دورة الإنتاج نفسها. فالسينما، على خلاف الانطباع السائد لدى الجمهور، ليست قائمة على فيلم واحد ناجح أو نجم واحد محبوب. هي منظومة بيئية كاملة، أشبه بسوق كبيرة تتجاور فيها المشاريع الضخمة والمتوسطة والصغيرة، وتتنقل فيها المواهب من مواقع المساعدة إلى مواقع القيادة، وتتكون فيها الخبرة بالتكرار، لا بالاستثناء.

في الثمانينيات والتسعينيات، ازدهرت هونغ كونغ بوصفها واحدة من أكثر الصناعات السينمائية ديناميكية في آسيا. كانت الأفلام تُنتج بوتيرة عالية، وتُعرض بسرعة، وتُختبر أمام جمهور واسع يردّ فوراً على ما يحب وما يرفض. من هذا التفاعل الحي نشأت أنواع سينمائية صارت علامات فارقة: الأكشن الحضري، والجريمة، والميلودراما، والكوميديا الشعبية، وأفلام الفنون القتالية، والنوير الهونغ كونغي الذي جمع بين الأسلوب البصري الحاد والعاطفة المأساوية والولاء والصداقة والخيانة. هذا النموذج لم يكن ترفاً إبداعياً، بل نتيجة طبيعية لوفرة الإنتاج وتراكم الخبرة.

أما اليوم، فالتراجع العددي يعني شيئاً أكثر خطورة من مجرد انخفاض المعروض. فهو يحدّ من قدرة السوق على المخاطرة. المنتج الذي لا يملك إلا عدداً محدوداً من المشاريع كل عام، سيكون أكثر ميلاً إلى الأسماء المضمونة، وأكثر خشية من التجريب، وأقل استعداداً لمنح كاتب جديد أو مخرج شاب فرصة أولى قد لا تحقق عائداً سريعاً. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة: يقل الإنتاج فتقل الفرص، فتضعف عملية التجديد، فيزداد الاعتماد على أسماء قليلة، ثم يتراجع التنوع، فتفقد الصناعة حيويتها أكثر.

وأوضح تشان أيضاً أن نموذج الإنتاج القائم على الميزانيات الكبيرة والنجوم المعروفين صار أكثر صعوبة، وأن الإنتاج منخفض الميزانية أصبح أقرب إلى «المعيار» السائد. في الظاهر، قد يبدو ذلك خياراً عملياً للتكيف مع السوق، لكن في العمق هو مؤشر إلى تغير قواعد اللعبة. فالأفلام الصغيرة قد تنقذ استمرارية الصناعة إذا وجدت منصات عرض مناسبة ونظاماً مؤسسياً داعماً، لكنها قد تتحول أيضاً إلى دليل على ضعف الاستثمار إذا جاءت بوصفها اضطراراً لا خياراً فنياً. الفارق بين الحالتين كبير: الأولى تعني مرونة، والثانية تعني تقشفاً يهدد جودة البنية التحتية نفسها.

ولعل هذه النقطة مفهومة عربياً أيضاً. فكم من صناعة فنية في المنطقة لجأت إلى «الحد الأدنى الممكن» لا باعتباره مدرسة جمالية، بل باعتباره استجابة لأزمة تمويل أو تراجع شباك أو تقلص دور المنتجين التقليديين؟ المشكلة لا تكون في الفيلم القليل التكلفة بحد ذاته، بل في أن يصبح هو السقف الوحيد المتاح، فلا يبقى مجال لصناعة واسعة تتيح للأصوات الجديدة أن تتجاور مع الأعمال الجماهيرية، وللتجارب الخاصة أن تعيش إلى جانب العناوين التجارية.

الذاكرة العربية مع سينما هونغ كونغ: أكثر من حنين

بالنسبة إلى جمهور عربي واسع، لم تكن سينما هونغ كونغ مجرد ظاهرة بعيدة تخص شرق آسيا. في الثمانينيات والتسعينيات، وصلت آثارها إلى غرف الجلوس العربية بطرق متعددة: عبر أشرطة الفيديو المستأجرة، وعبر القنوات الأرضية والفضائية، وعبر الشغف الشعبي بأفلام الحركة والقتال والقصص المجبولة بالوفاء والخسارة والرجولة الكلاسيكية. وكما ارتبطت أجيال عربية بأسماء أميركية وهندية، ارتبطت أيضاً بأسماء آسيوية شكّلت ذائقة موازية، من بينهم تشاو يون فات، وليزلي تشيونغ، وماغي تشيونغ، وتوني ليونغ، وجيت لي، وجاكي شان، وغيرهم.

خصوصية السينما الهونغ كونغية أنها خاطبت الجمهور العربي من دون حاجة إلى شروح أكاديمية. فقدّمت عالماً سريع الإيقاع، واضح المشاعر، متوتراً أخلاقياً، تتقدم فيه قيمة الصداقة والوفاء والانتقام والحب المستحيل. وهذه موضوعات يجدها المتلقي العربي قريبة منه، حتى لو اختلفت اللغة والبيئة. من يشاهد «زمن البطولة» مثلاً، لا يحتاج إلى معرفة دقيقة ببنية المجتمع في هونغ كونغ كي يتأثر بعلاقة الإخوة أو بثمن الخيانة أو بصورة البطل الذي يقف بين الماضي والخلاص. هنا تكمن قوة هذه السينما: محليتها الشديدة لم تمنعها من أن تكون مفهومة إنسانياً على نطاق واسع.

من هذا المنظور، فإن حديث تشان هينغ كاي في سيول لا يلامس الذاكرة الكورية وحدها، بل يمس أيضاً ذاكرة عربية تعرف جيداً معنى الأفلام التي تصبح علامات جيلية. وعندما يظهر صانع من ذلك الجيل ليقول إن الصناعة التي أنجبت تلك الأعمال فقدت كثيراً من قدرتها على الإنجاب، فإن الأمر يبدو شبيهاً بما يحدث حين يتحدث أحد كبار صناع السينما المصرية عن تراجع منظومة الإنتاج التجاري التي كانت، رغم ملاحظات النقاد عليها، قادرةً على رفد السوق بمئات العاملين وبخلق موجات من النجومية والتجريب.

في العالم العربي، غالباً ما نستعيد «الزمن الجميل» بقدر من العاطفة التي قد تحجب الأسئلة الصعبة. لكن ما يثير الاهتمام في الحالة الهونغ كونغية أن النقاش لا يقف عند حدود النوستالجيا، بل يتجه إلى سؤال المستقبل: ما الذي يجعل صناعة ما قابلة للاستمرار؟ وما الذي يضمن أن الذاكرة لا تتحول إلى عبء يرهق الحاضر؟ هذه أسئلة يحتاجها جمهورنا أيضاً، لأن حب الأفلام القديمة لا يكفي وحده لبناء صناعة جديدة أو لإنقاذ صناعة تتعرض للإنهاك.

من نجومية الأبطال إلى أزمة النظام الصناعي

قد يميل بعض المتابعين إلى تفسير تراجع سينما هونغ كونغ من باب غياب النجوم الكبار أو تبدل الذائقة فقط، لكن تصريحات تشان هينغ كاي والمخرج ستانلي كوان، الذي شاركه الفعالية في سيول، تضع النقاش في مكان أدق: الأزمة ليست أزمة أسماء بقدر ما هي أزمة بنية. فالصناعة في ذروة قوتها لم تكن قائمة على نجم واحد مهما علا شأنه، بل على نظام إنتاج يسمح بتدوير المواهب وصنع الفرص. كان الممثل قد يشارك في أكثر من فيلم سنوياً، والمخرج يختبر مسارات متنوعة، والكاتب ينتقل بين الأنواع، والجمهور يظل على تماس دائم مع صناعة تتحرك باستمرار.

هذا ما يفسر لماذا خلّفت هونغ كونغ كل ذلك الأثر الآسيوي والعالمي في فترة وجيزة نسبياً. لقد كانت تمتلك قدرة على الابتكار داخل السوق، لا على هامشه فقط. حتى الأفلام الجماهيرية حملت بصمات إخراجية ومونتاجية وأسلوبية صارت لاحقاً موضع دراسة وتأثر في أنحاء مختلفة من العالم. ويكفي التذكير بأن عدداً من مخرجي هوليوود أنفسهم تأثروا ببنية الحركة والتصوير والإيقاع في أفلام هونغ كونغ، كما أن كثيراً من مشاهد الأكشن الحديثة تدين لها بأكثر مما يُعترف به علناً.

حين يتقلص عدد الأفلام إلى هذا الحد، فإن الخسارة لا تقع على مستوى الكم فقط، بل على مستوى النظام الذي كان يُخرج من داخله المواهب. ستانلي كوان، مخرج «Rouge» الذي عُرف عربياً بعنوان «وردة حمراء» أو بأسمه الإنجليزي لدى كثير من متابعي السينما الفنية، أشار بدوره إلى أن المبدعين الشباب يواجهون صعوبة متزايدة في الحصول على فرص مستقرة لإنجاز أعمالهم. الاستقرار هنا كلمة مفتاحية؛ لأن المشكلة ليست في أن يخرج فيلم أول لمخرج شاب كل حين، بل في أن يجد هذا المخرج مساراً مهنياً قابلاً للاستمرار، يسمح له بالتعلم من أخطائه وببناء لغة شخصية عبر الزمن.

وفي هذا المعنى، تبدو الأزمة قريبة من قضايا معروفة في المنطقة العربية، حيث قد يحصل بعض الشباب على فرص فردية لافتة، لكن دون أن يتحول ذلك إلى تيار منتظم أو إلى سوق تستوعبهم. فالاستثناءات اللامعة لا تصنع صناعة بمفردها. الصناعة تحتاج إلى مؤسسات عرض، وتمويل، وتوزيع، ونقد، وتدريب، ومهرجانات مرتبطة بالسوق لا بالوجاهة فقط، كما تحتاج إلى جمهور يُربى على التنوع لا على الاستهلاك الخاطف وحده.

سيول بوصفها منصة للحوار الآسيوي

إحدى أكثر النقاط دلالة في هذا الخبر أن الحديث لم يجرِ في هونغ كونغ نفسها، بل في سيول. فالمكان هنا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل عنصر من عناصر المعنى. كوريا الجنوبية اليوم تمثل نموذجاً لصناعة ثقافية عرفت كيف تتحول من نطاق محلي أو إقليمي محدود إلى حضور عالمي واسع، عبر الجمع بين الدعم المؤسسي، وبناء السوق المحلية، وتطوير البنية التعليمية والفنية، ثم الانفتاح الذكي على التوزيع العالمي. لذلك، فإن مناقشة أزمة هونغ كونغ في سيول تبدو كأنها حوار غير مباشر بين مسارين آسيويين: مسار كان في الماضي مرجعاً ملهماً، ومسار صار في الحاضر نموذجاً يُنظر إليه بإعجاب.

لكن هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن المشهد الكوري خالٍ من التحديات. فحتى في بيئة ناجحة نسبياً، ثمة أسئلة عن هيمنة المنصات، وضغط السوق، وصعوبة المنافسة، وتبدل عادات المشاهدة، وإعادة تشكيل علاقة الجمهور بالسينما التقليدية. ولهذا تحديداً يبدو الحوار الهونغ كونغي الكوري مهماً؛ لأنه يكشف أن الهموم متقاطعة حتى بين صناعات متفاوتة القوة. مسألة كيف نخلق جيلاً جديداً من الكتّاب والمخرجين والممثلين ليست شأناً محلياً صرفاً، بل قضية تخص معظم الصناعات الثقافية في العالم.

فعالية «Hong Kong Film Gala Presentation» قدّمت في ظاهرها مساحة لاستعادة كلاسيكيات هونغ كونغ والتعريف بحاضرها للجمهور الكوري. لكن ما حدث في النقاشات المصاحبة يتجاوز استدعاء الماضي، ليطرح سؤالاً عملياً: كيف تتحول الذاكرة السينمائية إلى جسر للمستقبل؟ وجود جمهور في القاعة مهم هنا، لأن السينما لا تعيش بالإنتاج وحده، بل بالتلقي أيضاً. حين يجلس مشاهدون من جيل جديد في سيول ليستمعوا إلى صناع ارتبطت أسماؤهم بأعمال صنعت تاريخاً آسيوياً، فهم لا يشاركون في جلسة حنين فقط، بل في اختبار مستقبلي لمدى بقاء هذه السينما حية في الوعي.

هذا الجانب يمسّ المشهد العربي كذلك. فالجمهور عندنا لطالما لعب دوراً مزدوجاً: هو مستهلك للمنتج الثقافي، لكنه أيضاً شريك في إبقائه حيّاً عبر التذكر والتداول وإعادة الاكتشاف. لذلك، فإن أي نقاش جدي حول إنعاش الصناعات الثقافية لا يمكن أن ينحصر في المخرجين والمنتجين وحدهم، بل يجب أن يسأل أيضاً عن الذائقة العامة، والتعليم الفني، والنقد الصحافي، ومساحات العرض، ودور المنصات في توسيع الوصول بدل اختزال الخيارات.

لماذا يُعد دعم المواهب الجديدة جوهر القضية؟

النقطة التي التقت عندها ملاحظات تشان هينغ كاي وستانلي كوان هي أن مفتاح الإنقاذ لا يكمن في استحضار الماضي، بل في حماية فرص الجيل الجديد. هذا تشخيص شديد الأهمية، لأن الصناعات الثقافية حين تدخل مرحلة القلق تميل غالباً إلى الاحتماء بالرموز المضمونة: إعادة إنتاج القصص القديمة، والاستناد إلى الأسماء المعروفة، وتسويق الحنين بوصفه سلعة آمنة. غير أن هذه الاستراتيجية، وإن منحت السوق بعض الأكسجين المؤقت، لا تصنع دورة حياة طويلة. المستقبل لا يُبنى بالأيقونات وحدها، بل بالمواهب التي لم تصبح بعد أيقونات.

المبدع الشاب يحتاج إلى أكثر من الموهبة. يحتاج إلى فرصة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة. يحتاج إلى مساحة للخطأ والتطور. يحتاج إلى منتج لا يطالبه من المحاولة الأولى بأن يصنع «تحفة»، وإلى جمهور يمنحه حق التجريب، وإلى مؤسسات أو صناديق ترى في دعم المشاريع الصغيرة استثماراً بعيد المدى لا عملاً خيرياً. هذا كله يبدو بديهياً نظرياً، لكنه أول ما يتعرض للتآكل حين تضيق الأسواق ويصبح رأس المال أكثر تحفظاً.

في حالة هونغ كونغ، تكمن خطورة التراجع في أن المدينة تمتلك إرثاً سينمائياً ضخماً، لكن الإرث وحده لا يكفي لحماية الاستمرارية. بل قد يتحول أحياناً إلى عبء نفسي وثقافي على الجيل الجديد الذي يجد نفسه مطالباً بمنافسة أساطير لا بصناعة طريقه الخاص. من هنا تأتي أهمية تحويل النقاش من سؤال «كيف نعود كما كنا؟» إلى سؤال «كيف نخلق الشروط التي تسمح بظهور شيء جديد؟». الفارق بين السؤالين حاسم. الأول رومانسي لكنه قد يكون مستحيلاً، أما الثاني فعملي ويقود إلى سياسات ثقافية قابلة للتنفيذ.

بالنسبة إلى القارئ العربي، يحمل هذا الطرح دلالة مألوفة. فكم مرة سمعنا عن شباب موهوبين في السينما أو الموسيقى أو المسرح، لكنهم يختفون بعد عمل أول بسبب غياب البنية الحاضنة؟ وكم من مرة احتُفي بعمل مستقل في مهرجان، ثم لم يجد صاحبه طريقاً إلى الجمهور الواسع أو إلى مشروع تالٍ؟ هذه هي المعضلة ذاتها، وإن اختلفت السياقات. المواهب لا تنمو في الفراغ، بل تحتاج إلى نظام يسمح لها بأن تعيش من الفن، لا أن تمر به مروراً عابراً قبل أن تبتلعها ضرورات الحياة.

ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي ولمستقبل السينما الآسيوية؟

الخبر الآتي من سيول ليس خبراً عن مناسبة ثقافية وحسب، بل إشارة إلى منعطف في السردية الآسيوية نفسها. لسنوات طويلة، كانت هونغ كونغ بالنسبة إلى كثيرين مثالاً على كيف يمكن لمدينة صغيرة المساحة أن تنتج خيالاً ضخماً التأثير. واليوم، حين يتحدث أحد أبرز صناع تلك المرحلة عن انكماش حاد في الإنتاج وعن صعوبة التمويل وتقلص الفرص أمام الشباب، فإن الرسالة تذهب أبعد من حدود الجغرافيا. هي تذكير بأن القوة الناعمة ليست صفة ثابتة، بل نتيجة عمل مؤسسي طويل يمكن أن يضعف إذا تراجعت شروطه.

في المقابل، تكشف هذه اللحظة أيضاً عن نضج في النقاش الثقافي الآسيوي. فبدلاً من الاكتفاء بالاحتفال الرمزي بالماضي، بدأ صناع السينما والجمهور معاً يطرحون أسئلة الاستدامة والتجديد. وهذا ما يحتاجه العالم العربي كذلك. لدينا تراث سينمائي وموسيقي ومسرحي كبير، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تكرار تمجيده، بل في تحويله إلى خبرة عملية تفيد الحاضر. كيف نبني بيئات إنتاج تتيح للشباب العمل؟ كيف نوازن بين السوق والفن؟ كيف نحمي التنوع؟ وكيف نصنع جمهوراً يذهب إلى العمل الجديد لا لأنه يشبه القديم، بل لأنه يملك ما يقوله عن زمنه؟

سينما هونغ كونغ التي أحبها العرب لم تكن عظيمة لأنها فقط قدّمت نجوماً وكادرات أنيقة ومعارك مصممة بإتقان، بل لأنها كانت تعرف كيف تحوّل القلق الاجتماعي، والسرعة الحضرية، والتوتر الإنساني، إلى حكايات مشوقة تمس القلب. إذا كانت هذه الروح مهددة اليوم بفعل انكماش الصناعة، فإن الدفاع عنها لا يكون بالبكاء على الأطلال، بل بخلق شروط جديدة للإنتاج والتجريب والتوزيع. وهذا هو الدرس الأهم في كلمات تشان هينغ كاي في سيول.

ربما لهذا السبب يستحق هذا التطور أن يلقى اهتماماً عربياً لا بوصفه خبراً بعيداً عن منطقتنا، بل باعتباره مرآة تعكس أسئلة نعيشها نحن أيضاً. بين هونغ كونغ وسيول والقاهرة وبيروت والدار البيضاء والرياض وتونس، تختلف التفاصيل، لكن القلق واحد: كيف نمنع الصناعات الثقافية من أن تتحول إلى أرشيف؟ وكيف نضمن أن يظل الفن قادراً على إنجاب أجيال جديدة، لا مجرد استعادة أمجاد من سبقوها؟ في النهاية، ما قاله صناع هونغ كونغ في سيول ليس رثاءً لزمن مضى فقط، بل دعوة صريحة إلى التفكير في المستقبل قبل أن يصبح الماضي هو كل ما نملك.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات