
من خبر فني إلى سياسة ثقافية ناعمة
في خطوة تعكس الطريقة التي تدير بها كوريا الجنوبية قوتها الناعمة بقدر كبير من الذكاء، أعلنت وزارة الثقافة والرياضة والسياحة الكورية، بالتعاون مع المؤسسة الكورية للحرف والتصميم الثقافي، اختيار فيليكس، عضو فرقة سترay Kids، ليكون الشخصية الثقافية الفنية لمشروع «هانبوك ويف 2026». الخبر، في ظاهره، يبدو جزءاً من أخبار المشاهير والموضة؛ نجم كيبوب شهير سيرتدي الزي الكوري التقليدي، وخمس علامات متخصصة في الهانبوك ستعمل على تصميمات جديدة تستلهم صورته. لكن قراءة أعمق للخطوة تكشف أننا أمام مشروع يتجاوز جلسة تصوير أو حملة علاقات عامة، إلى محاولة مدروسة لإعادة تقديم التراث الكوري بلغة السوق العالمية، ومن خلال قناة يعرف الكوريون جيداً كيف يستثمرونها: نجوم الثقافة الشعبية.
في العالم العربي، نحن لسنا بعيدين عن هذه الفكرة. فكما ارتبطت صور أم كلثوم وعبد الحليم حافظ والنجوم المعاصرين في الذاكرة البصرية العربية بالأزياء والهيئات والرموز التي صنعت وجداناً ثقافياً كاملاً، تدرك كوريا الجنوبية أن الأزياء التقليدية لا تعيش في الكتب والمتاحف وحدها، بل تحتاج إلى من يحملها إلى الشارع، إلى المنصات الرقمية، وإلى خيال جمهور شاب يتابع نجومه لحظة بلحظة. لذلك، فإن اختيار فيليكس لا يبدو قراراً دعائياً عابراً، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لتحويل الهانبوك من رمز تراثي محترم إلى صورة معاصرة قابلة للتداول والإعجاب والمشاركة.
البيان الرسمي واضح في عناصره الأساسية: فيليكس اختير لتمثيل نسخة 2026 من مشروع «هانبوك ويف»، وخمس شركات صغيرة ومتوسطة في قطاع الهانبوك ستُنتقى عبر مسابقة مفتوحة لتطوير منتجات وتصميمات تعكس صورة الفنان ورمزيته، على أن يجري لاحقاً عرض هذه الأعمال من خلال محتوى ترويجي ولوحات إلكترونية في مدن عالمية بارزة مثل سيول ونيويورك وباريس وميلانو. وبين هذه العناصر كلها، تتضح معادلة شديدة الدلالة: نجم كيبوب عابر للقارات، ولباس تقليدي يعود إلى قرون، وعلامات محلية صغيرة تبحث عن منفذ إلى السوق الدولية، ودولة تعرف أن الثقافة اليوم ليست ترفاً، بل صناعة واستثمار ونفوذ.
ما هو الهانبوك؟ ولماذا لا تتعامل معه سيول بوصفه مجرد لباس احتفالي؟
بالنسبة للقارئ العربي الذي يتابع الدراما الكورية أو بعض الأعمال التاريخية، قد يكون الهانبوك مألوفاً بصرياً، لكنه ليس دائماً مفهوماً من حيث مكانته الثقافية. الهانبوك هو الزي التقليدي الكوري، وتتميز خطوطه العامة بالاتساع والمرونة والألوان التي تحمل بدورها دلالات جمالية واجتماعية وتاريخية. في النسخ النسائية التقليدية يظهر التناغم بين التنورة الواسعة والسترة القصيرة، وفي النسخ الرجالية تبرز السترة والسروال والمعاطف الخارجية التي تعبّر عن طبقات الاستخدام والمكانة والموسم. لكن اختزال الهانبوك في صورة «زي قديم» يظلمه كثيراً، لأن الكوريين لا ينظرون إليه اليوم فقط بوصفه أثراً من الماضي، بل باعتباره جسراً بين الهوية الوطنية وصناعات التصميم المعاصر.
هنا يمكن تقريب الصورة إلى الذهن العربي من خلال المقارنة، لا المطابقة. فكما أن الثوب الفلسطيني، أو العباءة الخليجية، أو القفطان المغربي، أو الجبة التونسية، أو الزي النجدي والحجازي، ليست مجرد ملابس بقدر ما هي لغة بصرية تختزن التاريخ والذوق والبيئة والطبقة والذاكرة، فإن الهانبوك بالنسبة للكوريين يحمل طبقات مشابهة من المعنى. الفرق أن سيول تمضي خطوة إضافية: لا تكتفي بحفظ هذا الزي في المناسبات الوطنية والأعياد، بل تعمل على ترجمته إلى منتج ثقافي حديث يمكن أن يعيش في الإعلان، وفي عروض الأزياء، وفي الصور الفوتوغرافية، وفي المحتوى الرقمي الذي ينتشر بلمح البصر عبر منصات مثل إنستغرام وتيك توك وإكس.
من هذا المنطلق، يبدو مشروع «هانبوك ويف» مهماً لأنه يعيد تعريف السؤال نفسه: كيف يمكن تقديم التراث دون أن يتحول إلى شيء جامد أو متحفي؟ الجواب الكوري، كما يظهر من مسار هذا البرنامج، هو أن التراث ينبغي ألا يُشرح فقط، بل يجب أيضاً أن يُرى ويُشتهى جمالياً ويُعاد تداوله. أي أن الهانبوك لا يُقدَّم بوصفه «درساً» في التاريخ الكوري وحسب، بل بوصفه أيضاً جزءاً من مشهد بصري منافس في سوق عالمي تحكمه الصورة وسرعة الانتشار.
لهذا السبب، لا تعتمد الجهات المنظمة على خطاب تقليدي من نوع «تعالوا تعرفوا إلى زيّنا الوطني»، بل تختار نجوماً لهم قدرة تلقائية على جذب الانتباه، ثم تترك الصورة تؤدي جانباً من المهمة. وعندما يكون هذا النجم هو فيليكس تحديداً، فإن المشروع يكتسب بعداً إضافياً، لأننا لا نتحدث عن ممثل معروف داخل كوريا فقط، بل عن وجه حاضر بقوة في واحدة من أكثر دوائر الفاندوم العالمي نشاطاً وتأثيراً.
لماذا فيليكس تحديداً؟ بطاقة الكيبوب الأقوى في لحظة الصورة
اختيار فيليكس ليس تفصيلاً شكلياً. فعضو Stray Kids يمتلك حضوراً خاصاً داخل مشهد الكيبوب العالمي، سواء من حيث الأداء المسرحي أو الملامح البصرية أو الحسّ المرتبط بالموضة والصورة العامة. وفي زمن أصبحت فيه علاقة الجمهور بالنجم تتجاوز الأغنية إلى أسلوب اللباس وتسريحة الشعر وحضور المطار والغلاف والإعلان، فإن الرهان على فنان مثل فيليكس يبدو مفهوماً إلى حد بعيد. ليس المطلوب هنا أن يشرح الهانبوك للجمهور العالمي عبر خطابات مطولة، بل أن يجعل الجمهور يرغب أولاً في النظر إليه، ثم البحث عنه، ثم تداوله بوصفه جزءاً من عالم النجم.
هذا بالضبط ما يميز جمهور الكيبوب عن كثير من جماهير الفنون التقليدية. فالفاندوم لا يستهلك المنتج النهائي فقط، بل يشارك في إنتاج معناه أيضاً. جمهور Stray Kids، مثل جماهير فرق كورية كبرى أخرى، لا يمرّ مروراً سريعاً على التفاصيل. الأزياء تُحلَّل، الألوان تُفسَّر، القصّات تُقارن، الصور تُحوَّل إلى مواد تداول يومية، والمشهد البصري كله يُعاد تدويره في شكل منشورات وتعليقات ومقاطع قصيرة ورسوم ومحتوى تفاعلي. ومن هنا تتضح القيمة العملية للاختيار: فيليكس ليس مجرد «عارض» مشهور، بل نقطة اتصال حية بين التراث الكوري وآلة رقمية عالمية تعمل بلا توقف.
وفي السياق العربي، يمكن فهم هذه الميكانيكا على نحو أفضل إذا استحضرنا كيف تؤثر صورة النجم في الموضة والذوق العام. نحن نعرف جيداً كيف تصنع الدراما أو الأغنية موجة في اللباس، أو كيف تتحول قطعة ارتداها فنان محبوب إلى موضوع للنقاش والتقليد. فما بالك إذا كان هذا الفنان يعمل داخل منظومة عالمية متكاملة، لها أذرع على المنصات الرقمية، وقاعدة جماهيرية تتعامل مع كل ظهور بصري كحدث قابل للتوثيق والانتشار؟ هنا يصبح الهانبوك، حين يلتقي بصورة فيليكس، أكثر من زي تقليدي: يصبح محتوى قابلاً للانتشار السريع، وربما أيضاً للتأثير التجاري المباشر.
مع ذلك، من المهم التمسك بما هو مؤكد في المعلومات المتاحة. المعروف حتى الآن أن فيليكس اختير ممثلاً للمشروع، وأن الشركات الخمس المختارة ستطوّر تصميمات تعكس صورته ورمزيته. أما شكل هذه التصميمات بالتحديد، أو المفهوم البصري النهائي، أو حجم التفاعل الجماهيري المستقبلي، فكل ذلك يبقى رهناً بما سيظهر لاحقاً. لكن ضمن حدود المعطيات الحالية، يكفي القول إن سيول اختارت ورقة قوية جداً في لعبة المزج بين الهوية التقليدية والثقافة الجماهيرية.
«هانبوك ويف» في عامه السابع: مشروع يتعلّم من نجاحات الموجة الكورية
لا يأتي هذا الإعلان من فراغ، فمشروع «هانبوك ويف» دخل عامه السابع، ما يعني أن الدولة الكورية لا تتعامل معه كتجربة عابرة، بل كبرنامج مستمر يتطور من دورة إلى أخرى. الغاية المعلنة للمشروع هي التعريف بجمال الهانبوك عالمياً، ومساعدة العلامات القادرة في هذا القطاع على التوسع خارجياً. وهذه نقطة لافتة بحد ذاتها، لأن كثيراً من الدول تملك تراثاً غنياً لكنها تتأخر في تحويله إلى سياسة تصدير ثقافي مدروسة. أما كوريا الجنوبية، فقد بنت خلال العقدين الأخيرين نموذجاً متماسكاً يقوم على وصل الدراما والموسيقى والجمال والطعام والموضة والسياحة في منظومة واحدة اسمها «الهاليو»، أي الموجة الكورية.
إذا نظرنا إلى الأسماء التي تعاون معها المشروع في السنوات الماضية، تظهر ملامح هذا التفكير بوضوح. فقد سبق أن شارك الممثل بارك بو غوم، والممثلة كيم تاي ري، والمغنية والممثلة سوزي، ولاعبة التزلج السابقة كيم يون آ. أي أننا أمام قائمة لا تنتمي إلى مجال واحد، بل تجمع بين الدراما والسينما والرياضة والموسيقى. الرسالة هنا أن الهانبوك لا ينبغي أن يُربط بذائقة واحدة أو جمهور واحد، بل يجب أن يجد لنفسه أكثر من مدخل إلى المتلقي العالمي.
وفي النسخة الجديدة، يأتي اختيار فيليكس ليعطي المشروع جرعة أعلى من الفورية الرقمية. فالممثل قد يمنح الهانبوك وقاراً سردياً وارتباطاً بالدراما التاريخية أو السينمائية، والرياضية الشهيرة قد تضيف هالة من الرصانة والإنجاز الوطني، لكن نجم الكيبوب يقدّم شيئاً آخر: سرعة الانتشار، وكثافة التفاعل، والاستعداد الفوري لدى الجمهور لالتقاط الصورة وإعادة تدويرها. وهذا التحول لا يعني تفضيل نوع من الشهرة على آخر، بقدر ما يعكس تطور المشروع نفسه، وانتقاله التدريجي إلى قلب المعركة الثقافية الأشد سخونة اليوم: معركة الانتباه.
في المنطقة العربية، لعل هذا يطرح سؤالاً مهماً يستحق التأمل: ماذا لو جرى الاستثمار في الأزياء التقليدية العربية بالطريقة نفسها، عبر ربطها بأسماء فنية وشبابية عابرة للحدود؟ كوريا الجنوبية تقدم هنا درساً في كيفية معاملة التراث بوصفه مادة حية، لا ذخيرة رمزية توضع على الرف. وهذا جزء من سرّ نجاحها: القدرة على أن تجعل القديم جديداً من دون أن تمحو أصالته، وأن تقدّمه للعالم من دون أن تدفعه إلى الشعور بأنه يتلقى محاضرة ثقافية.
خمس شركات صغيرة في الواجهة: عندما يصبح التراث فرصة اقتصادية
من أكثر الجوانب أهمية في هذا الخبر أن المشروع لا يقتصر على اختيار وجه مشهور للحملة، بل يفتح باب التقديم أمام شركات صغيرة ومتوسطة تعمل في مجال الهانبوك، على أن يتم اختيار خمس جهات وفق معايير تشمل الإبداع والاحترافية وقابلية التنفيذ والأثر المتوقع. هذه التفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تعكس فلسفة كاملة في إدارة الثقافة. فالمسألة ليست أن ترتدي شخصية مشهورة زياً تقليدياً أمام الكاميرا، بل أن تتحول هذه اللحظة البصرية إلى فرصة حقيقية لمصممين وصنّاع محليين كي يعرضوا مهاراتهم ويدخلوا دائرة الاهتمام الدولي.
في الاقتصادات الثقافية الحديثة، لا يكفي امتلاك الرمز؛ المهم هو بناء السلسلة الإنتاجية حوله. الهانبوك هنا ليس مجرد فكرة تجميلية، بل قطاع له صناعته وحرفيّوه ومصمموه وعلاماته التجارية. وعندما تتدخل الدولة لربط هذا القطاع بنجم عالمي ذي جماهيرية واسعة، فهي في الحقيقة تخلق منصة تسويق ضخمة لمنتج محلي قد لا يملك وحده القدرة على اختراق الأسواق الخارجية. وهذا يشبه إلى حد بعيد ما يحدث حين تستعين علامات الأزياء الكبرى بسفراء من عالم الفن والرياضة، مع فارق أساسي هو أن الرمز هنا تراثي ووطني أيضاً.
معايير الاختيار المعلنة تستحق التوقف عندها. فالإبداع يعني أن المطلوب ليس تكراراً حرفياً للموروث، بل اقتراحات قادرة على توليد صورة جديدة. والاحترافية تشير إلى أن المشروع لا يبحث عن أفكار جميلة على الورق فقط، بل عن جهات تعرف كيف تحوّلها إلى منتج متقن. أما قابلية التنفيذ والأثر، فتعنيان أن الهانبوك المطلوب ليس قطعة صعبة التلقي أو بعيدة عن الذائقة العالمية، بل تصميم يملك فرصة حقيقية في أن يصبح مؤثراً بصرياً وترويجياً.
هذه الصيغة تحمل دلالة خاصة أيضاً لأن الجهات المستهدفة هي الشركات الصغيرة والمتوسطة. ففي كثير من الأحيان، تذهب مثل هذه المشاريع إلى الأسماء الكبرى الجاهزة، لكن ما يحدث هنا هو توجيه الضوء نحو قاعدة الصناعة نفسها. وهذا أمر مهم في أي سياسة ثقافية تريد أن تكون مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المشاهدات، بل بقدرة القطاع المحلي على النمو واكتساب خبرة وفتح أسواق جديدة. ومن هذه الزاوية، يصبح خبر فيليكس أقل ارتباطاً بالترفيه وحده، وأكثر التصاقاً بأخبار الصناعات الثقافية والإبداعية.
من سيول إلى نيويورك وباريس وميلانو: معركة الصورة في عواصم الموضة
أحد أكثر عناصر المشروع لفتاً للانتباه هو خطة عرض التصاميم المطوّرة عبر لوحات إلكترونية ومحتوى ترويجي في سيول ونيويورك وباريس وميلانو، وهي مدن ليست مختارة عشوائياً. سيول تمثل مركز الانطلاق الطبيعي للثقافة الكورية المعاصرة، أما نيويورك وباريس وميلانو فهي من أهم العواصم الرمزية في عالم الموضة والصورة والاستهلاك الثقافي العالمي. عندما يُعرَض الهانبوك هناك، فالمسألة لا تتعلق فقط بالوصول إلى جمهور دولي، بل أيضاً بوضع الزي التقليدي الكوري داخل مشهد بصري تتنافس فيه أكبر العلامات والأفكار والأساليب.
في زمن الشاشات العملاقة واللقطات السريعة والمحتوى المختصر، تكتسب اللوحة الإلكترونية وظيفة تتجاوز الإعلان التقليدي. إنها نوع من الإقرار بأن الصورة قادرة على اقتحام المجال العام حتى لمن لا يبحث عنها. المارّ في شارع تجاري أو حي شهير في نيويورك أو باريس قد لا يكون مهتماً سلفاً بالثقافة الكورية، لكنه قد يصادف صورة جذابة لفيليكس يرتدي هانبوكاً معاصراً، فيتوقف لثوانٍ، يلتقط صورة، أو يبحث عن معنى الكلمة. وهكذا يدخل التراث من باب الفضول الجمالي أولاً، قبل أن يتحول إلى معرفة أو اهتمام أوسع.
هذا الأسلوب في الترويج ينسجم تماماً مع طبيعة الموجة الكورية التي فهمت مبكراً أن الانتشار العالمي لا يتم فقط عبر المحتوى الطويل، بل أيضاً عبر «اللقطة» التي تعيش منفصلة عن سياقها ثم تعود لتقود الناس إليه. من أغنية تنتشر بمقطع راقص، إلى مسلسل يُختصر في مشهد مؤثر، إلى طبق كوري يصبح رائجاً عبر صورة شهية، تتعامل سيول مع العالم بمنطق أن الصورة هي البوابة الأولى. وفي مشروع الهانبوك، يبدو أنها تحاول تطبيق المنطق نفسه على اللباس التقليدي.
ومن منظور عربي، قد تبدو هذه الخطة شديدة الذكاء، لأن عواصم الموضة ليست مجرد أماكن لعرض الملابس، بل ساحات لمنح الشرعية الرمزية أيضاً. فعندما يظهر الهانبوك في ميلانو أو باريس، فهو لا يُقدَّم فقط كشيء «فولكلوري» من شرق آسيا، بل كعنصر يملك حق الوقوف في المجال البصري نفسه الذي تقف فيه الأزياء العالمية الراقية. إنها طريقة ناعمة للقول إن التراث الكوري ليس مادة محلية للاستهلاك الداخلي، بل جزء من حوار عالمي حول الجمال والهوية والأسلوب.
بين الأصالة والتحديث: هل ينجح الهانبوك في أن يصبح «ستايل» لا مجرد رمز؟
السؤال الحقيقي الذي يواجه هذا النوع من المشاريع ليس ما إذا كان سيحظى بالاهتمام، بل كيف سيوازن بين الحفاظ على روح الهانبوك وتقديمه بصورة حديثة قادرة على أسر الجمهور العالمي. فكل عملية إعادة تقديم للتراث تحمل في داخلها هذا التوتر: إلى أي حد يمكن تحديث الشكل من دون أن تضيع أصالته؟ وإلى أي حد يمكن توظيف صورة نجم عالمي من دون أن يصبح التراث مجرد خلفية جمالية له؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن الجهة المنظمة واعية لهذه الحساسية، إذ تتحدث عن إبراز «هيبة» الهانبوك و«أناقة» هذا الزي، لا عن تفكيكه أو تحويله إلى تنكر بصري. وفي الوقت نفسه، تشترط أن تعكس التصميمات المختارة صورة فيليكس ورمزيته. هذه المعادلة، إذا نجحت، قد تنتج نموذجاً مهماً: هانبوك يحافظ على لغته الأساسية، لكنه يتكلم بلكنة معاصرة يفهمها جيل عالمي شاب. وإذا أخفقت، فقد ينتهي الأمر إلى صورة جميلة لكنها عابرة، لا تضيف كثيراً إلى فهم العالم لهذا الزي.
الرهان إذن ليس على الاسم وحده، بل على مهارة المصممين الذين سيقعون في منطقة دقيقة بين التراث والموضة، بين الوقار البصري والمرونة الدعائية، وبين احترام التاريخ والتفكير في المنصات الرقمية. هنا بالضبط تظهر قيمة اختيار الشركات عبر معايير الإبداع والتنفيذ والأثر؛ لأن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد المعجبين بفيليكس فحسب، بل بقدرة التصميم نفسه على أن يترك انطباعاً مقنعاً لدى من لا يعرف شيئاً عن الهانبوك أصلاً.
ومن المرجح أن يكون الحكم النهائي على التجربة مرتبطاً بما إذا كان الجمهور العالمي سيرى في هذه التصاميم شيئاً «يريد مشاركته» لا شيئاً «يحتاج إلى شرحه». وهذه نقطة محورية في كل الصناعات الثقافية المعاصرة. فالمنتج الذي ينجح اليوم ليس بالضرورة الأكثر عمقاً في التفسير، بل الأكثر قدرة على الجمع بين المعنى والجاذبية. وكوريا الجنوبية، بخبرتها الطويلة في تحويل عناصر ثقافتها إلى رموز معاصرة، تراهن على أنها قادرة مرة أخرى على إنجاز هذا التوازن الصعب.
ما الذي يعنيه هذا للعالم العربي؟ درس كوري في تسويق الهوية بلا انغلاق
قد يبدو خبر اختيار فيليكس لمشروع «هانبوك ويف» بعيداً جغرافياً عن القارئ العربي، لكنه يحمل في داخله أسئلة قريبة جداً منا. فالمنطقة العربية غنية على نحو استثنائي بالأزياء التقليدية والحرف والمنسوجات والرموز البصرية التي يمكن أن تشكل جسراً مع العالم، لا مجرد مادة للاحتفاء الموسمي. من التطريز الفلسطيني إلى السدو الخليجي، ومن القفطان المغربي إلى النسيج النوبي والثوب اليمني والملابس التراثية في الشام والعراق والسودان، نحن نملك ثروة بصرية هائلة. لكن الفارق يكمن في كيفية تحويل هذه الثروة إلى مشروع حديث يتقاطع مع الفن والإعلام والسوق.
كوريا الجنوبية لا تقول للعالم: أعجبوا بنا لأن لدينا تاريخاً عريقاً. بل تقول: هذا تاريخنا، وسنقدمه لكم عبر نجم تحبونه، وصورة تتوقفون عندها، ومنتج يمكن أن يجد مكانه في ذاكرة السوق العالمية. هذا النوع من الثقة الثقافية مهم، لأنه لا يتعامل مع الهوية بوصفها حالة دفاعية أو منغلقة، بل بوصفها مادة قابلة للحوار والتكيّف والانتشار. وربما لهذا السبب بالذات تنجح الموجة الكورية في الوصول إلى جمهور واسع جداً، من دون أن تبدو متعالية أو ثقيلة الخطاب.
بالنسبة للقارئ العربي المتابع للهاليو، فإن مشروع «هانبوك ويف 2026» يقدم مثالاً جديداً على أن الكيبوب لم يعد مجرد موسيقى، بل منصة تتقاطع عندها الموضة والسياحة والصناعة والهوية الوطنية. واختيار فيليكس يؤكد مرة أخرى أن نجوم هذه الصناعة لا يعملون فقط داخل حدود المسرح والأغنية، بل يتحولون إلى وسطاء ثقافيين يحملون صور بلادهم إلى فضاءات بعيدة. أما بالنسبة للمتابع غير المنخرط أصلاً في عالم الكيبوب، فالقصة تظل جديرة بالاهتمام لأنها تكشف كيف يمكن لدولة متوسطة الحجم أن تستخدم الفن والزي والتصميم لصنع حضور يتجاوز وزنها الجغرافي.
في النهاية، ما أعلنته سيول اليوم ليس مجرد خبر عن نجم سيرتدي الهانبوك، بل فصل جديد من قصة أكبر: كيف تتحول العناصر الأكثر محلية في الثقافة إلى لغة عالمية مفهومة ومحببة. وإذا كانت النتائج النهائية للمشروع ستتوقف على جودة التصميمات وطريقة تقديمها، فإن المؤكد من الآن أن كوريا الجنوبية مستمرة في استثمار كل ما تملك من رموز، من الدراما إلى الطعام، ومن الموسيقى إلى اللباس، لبناء صورة حديثة لبلد يعرف كيف يجعل تراثه يمشي بثقة في شوارع العالم.
0 تعليقات