광고환영

광고문의환영

أوزبكستان تفتح بوابة آسيا الوسطى للاستثمار: لماذا تراقب سيول المشهد عن قرب، ولماذا يهم القارئ العربي؟

أوزبكستان تفتح بوابة آسيا الوسطى للاستثمار: لماذا تراقب سيول المشهد عن قرب، ولماذا يهم القارئ العربي؟

طشقند ترفع سقف الطموح الاقتصادي

في وقت تتزاحم فيه العواصم على جذب الاستثمارات الأجنبية، اختارت أوزبكستان أن تقول رسالتها بوضوح من قلب طشقند: النمو في المرحلة المقبلة لن يقوم فقط على الموارد المحلية، بل على بناء شراكات خارجية واسعة، وعلى تقديم البلاد باعتبارها منصة اقتصادية صاعدة في آسيا الوسطى. هذا هو المعنى الأبرز الذي حمله منتدى طشقند الدولي للاستثمار، المستمر منذ السادس عشر من الشهر، حيث وضعت الحكومة الأوزبكية استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية في صدارة أولوياتها الوطنية، وقدمت ذلك ليس باعتباره نشاطا بروتوكوليا أو حملة علاقات عامة، بل كجزء من مشروع طويل الأمد لإعادة تعريف موقع البلاد في الخريطة الاقتصادية الإقليمية.

الخبر يكتسب وزنا إضافيا حين نقرأه من زاوية كوريا الجنوبية، التي تنظر إلى أوزبكستان بوصفها شريكا مهما في آسيا الوسطى، وسوقا يمكن أن يتسع أمام الشركات الكورية في الصناعة والبنية التحتية والخدمات والتمويل. ووفقا للمعطيات المتداولة حول المنتدى، فإن التحرك الأوزبكي لا يقتصر على دعوة المستثمرين إلى القدوم، بل يشمل أيضا التأكيد على الانفتاح الاقتصادي وتخفيف القيود التنظيمية، وهي إشارات لا تمر عادة مرور الكرام في حسابات الشركات الأجنبية التي تقيس الفرص بميزانين: إمكانات النمو من جهة، وقدرة الدولة على توفير بيئة قابلة للتنبؤ من جهة أخرى.

بالنسبة إلى القارئ العربي، قد يبدو هذا الملف بعيدا جغرافيا، لكنه في الحقيقة قريب في منطقه الاقتصادي. فكما تتنافس دول عربية على أن تكون مراكز لوجستية ومالية وصناعية بين الشرق والغرب، تحاول أوزبكستان أن تقدم نفسها بوصفها عقدة وصل في آسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها الجغرافي بين أسواق كبيرة وممرات تجارية تاريخية. وإذا كانت دبي تقدم نفسها مركزا للتجارة والخدمات، والرياض تبني سردية اقتصادية جديدة قائمة على التنويع والاستثمار، والدوحة وأبوظبي توسعان شبكاتهما المالية، فإن طشقند تريد بدورها أن تقول إنها ليست مجرد سوق محلية، بل محطة إقليمية لها دور يتجاوز حدودها.

لهذا السبب، لا ينبغي التعامل مع المنتدى على أنه حدث عابر في أجندة المؤتمرات الدولية. ما يجري أقرب إلى عرض سياسي اقتصادي متكامل، تحاول من خلاله أوزبكستان أن تقنع المستثمرين بأن البلاد دخلت مرحلة جديدة، وأن من يريد موطئ قدم مبكرا في آسيا الوسطى عليه أن يراقب ما يجري هناك الآن، لا بعد سنوات عندما تصبح المنافسة أشد كلفة وأكثر تعقيدا.

لماذا تبدو أوزبكستان حريصة إلى هذا الحد على رأس المال الأجنبي؟

لفهم الرسالة الأوزبكية، لا بد من النظر إلى السياق الأوسع. آسيا الوسطى منطقة تملك أهمية استراتيجية قديمة ومتجددة في آن واحد. فهي تقع عند تقاطع جغرافي بين أوروبا وآسيا، وتجاور أسواقا وممرات ذات حساسية عالية في التجارة والطاقة والنقل. لكن هذه المنطقة، رغم أهميتها، ليست كتلة اقتصادية متجانسة؛ فلكل دولة فيها ظروفها التنظيمية، وإرثها الإداري، ودرجة انفتاحها، وإمكاناتها في جذب الاستثمار. في هذا المشهد المتفاوت، تحاول أوزبكستان أن تنتزع لنفسها موقع الدولة التي تجمع بين الحجم السكاني النسبي، والاندفاع الإصلاحي، والرغبة المعلنة في تسهيل دخول الشركات الأجنبية.

الرسالة الأساسية التي تبعثها طشقند هي أن الاستثمار الأجنبي لم يعد خيارا تكميليا، بل أداة مركزية في مشروع النمو الوطني. وهذا تحول مهم، لأن الدول حين تضع الاستثمار الخارجي في صلب استراتيجيتها، فإنها تعيد ترتيب أولوياتها الإدارية والقانونية والمالية وفقا لذلك. والمستثمر الأجنبي، سواء جاء من سيول أو من الخليج أو من أوروبا، لا يبحث فقط عن سوق جديدة أو تكلفة إنتاج مناسبة، بل عن بيئة يمكنه فيها أن يفهم القواعد، ويقدّر المخاطر، ويخطط لسنوات لا لأشهر.

من هنا تأتي أهمية الحديث عن فتح السوق وتخفيف القيود التنظيمية. هذه العبارات قد تبدو تقنية، لكنها في عالم الأعمال توازي في أهميتها أسعار الفائدة أو تكاليف الطاقة. فالشركة التي تفكر في إنشاء مصنع أو الدخول في مشروع خدمات أو تمويل بنية تحتية تحتاج إلى وضوح في إجراءات الترخيص، وآليات تحويل الأموال، وقواعد الملكية، والضرائب، وتسوية النزاعات، وحركة العمالة والإمداد. وكلما قل الغموض، ارتفعت جاذبية السوق. لذلك فإن تأكيد أوزبكستان على هذا المسار يعني أنها تحاول معالجة أحد أهم أسباب التردد لدى المستثمرين: الخشية من المفاجآت الإجرائية أو التقلبات غير المحسوبة.

وفي السياق العربي، يمكن تشبيه هذه المرحلة بما يحدث عندما تعلن دولة ما عن منطقة اقتصادية خاصة أو حزمة إصلاحات تستهدف جذب المصانع العالمية أو شركات التكنولوجيا أو المؤسسات المالية. العنوان يبدو استثماريا، لكن المضمون أعمق: الدولة تعيد تعريف نفسها أمام الخارج. وهذا بالضبط ما تفعله أوزبكستان الآن، وهي تحاول الانتقال من صورة الدولة التي تملك موقعا وموارد وإمكانات، إلى صورة الدولة التي تملك كذلك إطارا سياسيا واقتصاديا يسمح بتحويل الإمكانات إلى عقود ومشاريع وتدفقات رأسمالية.

سيول ترى فرصة جديدة خارج الدوائر التقليدية

ما يهم كوريا الجنوبية في هذا التطور هو أنه يفتح أمامها مجالا إضافيا لتوسيع خريطة حضورها الاقتصادي العالمي. الشركات الكورية معروفة بقدرتها على التحرك في قطاعات متنوعة، من التصنيع إلى التكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات المتقدمة. وعلى مدى عقود، ارتبطت صورة التوسع الكوري الخارجي بأسواق شرق آسيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، ثم اتسعت إلى الشرق الأوسط ومناطق أخرى. أما الآن، فإن المشهد الآخذ في التشكل في أوزبكستان يلمح إلى أن آسيا الوسطى قد تتحول إلى محطة أكثر حضورا في الحسابات الكورية.

في هذا الإطار، يكتسب انعقاد منتدى الأعمال الكوري الأوزبكي في طشقند دلالة تتجاوز الشكل الدبلوماسي. فهذه اللقاءات، حين تجمع مسؤولين وشركات ومستثمرين ومؤسسات معنية، تؤشر عادة إلى انتقال العلاقة من مستوى المجاملات السياسية إلى مستوى البحث العملي عن المصالح المشتركة. لا يعني ذلك أن مشروعات كبرى قد حسمت بالفعل أو أن العقود وُقعت وانتهى الأمر، لكن المعنى الأهم هو أن قنوات الحوار الاقتصادي أصبحت أكثر مباشرة، وأن الطرفين مهتمان بتحويل العلاقات الثنائية إلى منظومة تعاون تتجاوز التصريحات العامة.

من منظور كوري، تبدو أوزبكستان شريكا مريحا نسبيا في بيئة إقليمية تحتاج إلى بناء الثقة بالتدرج. فنجاح الاستثمار في الخارج لا يقوم على الأرقام وحدها، بل على شبكة أوسع من التفاهمات: هل هناك تاريخ من التعاون؟ هل توجد قنوات مؤسسية تتيح حل الإشكالات؟ هل يمكن للشركات أن تتواصل مع الجهات المحلية ضمن أطر واضحة؟ هذه الأسئلة تهم سيول بقدر ما تهم أي عاصمة أخرى. لذلك فإن إبراز أوزبكستان كحليف أساسي لكوريا الجنوبية في آسيا الوسطى يمنح هذا الانفتاح الاقتصادي بعدا عمليا، لأنه يخفف من كلفة الدخول الأولى، ويمنح الشركات أرضية أفضل لاستكشاف الفرص.

وللقارئ العربي هنا زاوية مهمة أيضا. كثير من التجارب الناجحة في العالم لم تبدأ من قفزات هائلة، بل من لحظة التقاء بين دولة تريد استقطاب الاستثمار ودولة أو شركات تمتلك الخبرة والقدرة على التوسع. تماما كما استفادت أسواق عربية من الشراكات مع قوى صناعية آسيوية في تطوير الموانئ والمناطق الحرة والطاقة المتجددة والصناعات التحويلية، يمكن لأوزبكستان أن تسعى إلى الاستفادة من الخبرة الكورية في بناء سلاسل قيمة أكثر تنوعا، وفي ربط الصناعة بالتمويل وبالإدارة الحديثة.

فتح السوق وتخفيف القيود: ما المعنى الحقيقي لهذه المصطلحات؟

غالبا ما تمر في الأخبار الاقتصادية عبارات مثل فتح السوق وتخفيف القيود التنظيمية من دون شرح كاف، وكأنها مفاهيم مفهومة ضمنا. لكن بالنسبة إلى القراء غير المتخصصين، من المهم تفكيك هذه اللغة. حين تقول دولة إنها فتحت السوق، فهي تعني في العادة أنها جعلت دخول المستثمرين الأجانب أكثر سهولة، وقلصت بعض الحواجز التي كانت تعيق تأسيس الشركات أو توسيع الأعمال أو تحويل الأرباح أو التعاقد مع الشركاء المحليين. وحين تتحدث عن تخفيف القيود، فهي تشير إلى مراجعة الأنظمة والإجراءات التي قد تكون ثقيلة أو معقدة أو بطيئة إلى درجة تنفر المستثمر قبل أن يبدأ.

هذا لا يعني أن السوق تصبح بلا قواعد، بل على العكس. المستثمر المحترف لا يريد غياب القواعد، بل يريد قواعد واضحة وثابتة ويمكن التنبؤ بها. في الاقتصاد، الفوضى ليست جاذبة للاستثمار، تماما كما أن التشدد المفرط ليس جاذبا له. المطلوب هو التوازن: دولة تحمي مصالحها ومصالح المجتمع، لكنها في الوقت نفسه لا تجعل الطريق إلى الاستثمار متاهة إدارية. من هنا، يمكن فهم الخطوات الأوزبكية على أنها محاولة لتقليص مساحة عدم اليقين، وهي مساحة تؤثر بشدة على قرار الشركات الأجنبية.

وفي حالة الشركات الكورية، فإن هذا البعد بالغ الأهمية. كوريا الجنوبية بلد بنى جزءا كبيرا من نجاحه على التخطيط بعيد المدى، وعلى الكفاءة في التنفيذ، وعلى حساسية عالية تجاه عامل الوقت. لذلك فإن أي سوق جديدة تنظر إليها الشركات الكورية من زاوية عملية جدا: كم يحتاج المشروع من وقت حتى ينطلق؟ ما نوع الشريك المحلي المطلوب؟ كيف تبدو البنية القانونية والمالية؟ وهل يمكن تحويل الطموح إلى نموذج أعمال قابل للاستمرار؟ إذا كانت طشقند قادرة على تقديم إجابات مقنعة عن هذه الأسئلة، فإن جاذبيتها ستزداد ليس فقط للكوريين، بل لغيرهم أيضا.

الأهم هنا أن تخفيف القيود لا يساوي النجاح تلقائيا. فحتى أفضل الإصلاحات على الورق تحتاج إلى تنفيذ متماسك ومؤسسات فعالة ومتابعة مستمرة. ولهذا يجب قراءة الاندفاعة الأوزبكية باعتبارها مؤشرا إيجابيا على اتجاه السياسة الاقتصادية، لا باعتبارها ضمانة نهائية لنجاح كل استثمار. هذا التفريق ضروري مهنيا، لأن الصحافة الاقتصادية الرصينة لا تخلط بين مناخ الفرصة وبين تحقق العائد. الفرصة تُفتح بقرار سياسي وإصلاح إداري، أما النجاح فيصنعه التنفيذ، ويختبره الزمن.

مركز مالي دولي في طشقند: إشارة إلى ما هو أبعد من التجارة التقليدية

من العناصر اللافتة في الرؤية الأوزبكية الحديث عن التخطيط لإنشاء مركز طشقند المالي الدولي بوصفه منطقة مالية خاصة ذات طابع دولي. ورغم أن التفاصيل الزمنية والتنظيمية الكاملة لم تُحسم في المعلومات المتاحة، فإن مجرد طرح الفكرة يحمل رسالة واضحة: أوزبكستان لا تريد جذب المستثمرين إلى المصانع والأسواق فقط، بل تريد أيضا بناء بنية مالية تساعد على تمويل الأعمال وإدارتها وتوسيعها.

هذه النقطة شديدة الأهمية، لأن الاستثمار الحديث لا يقوم على الإنتاج والتبادل التجاري فحسب. أي شركة تدخل سوقا جديدة تحتاج إلى منظومة مالية مرافقة: قنوات تمويل، أدوات دفع وتسوية، هياكل استثمار، آليات لإدارة المخاطر، بيئة قانونية للمعاملات المالية، وربما منصات تستوعب الشراكات العابرة للحدود. وجود مركز مالي دولي أو منطقة مالية خاصة لا يعني بالضرورة أن كل هذه العناصر أصبحت جاهزة، لكنه يعني أن الدولة باتت تفكر في الاستثمار بوصفه منظومة متكاملة، لا مجرد دعوة للمصنعين أو التجار.

بالنسبة إلى القارئ العربي، تبدو الفكرة مألوفة إذا استحضرنا تجارب المراكز المالية الإقليمية التي اكتسبت خلال العقود الماضية مكانة خاصة في إدارة الأموال والخدمات العابرة للحدود. وفي كل تلك التجارب، لم يكن الهدف فقط بناء أبراج أو مقار مصرفية، بل خلق بيئة قانونية ومؤسسية تجعل المدينة أو المنطقة قادرة على لعب دور الوسيط المالي الموثوق. وإذا مضت طشقند في هذا الاتجاه، فإنها ستكون بصدد توسيع طموحها من مركز استثماري ناشئ إلى مركز يحاول أيضا تسهيل الحركة المالية التي تصاحب الاستثمار.

هذا البعد مهم كذلك لكوريا الجنوبية. فالتوسع الخارجي للشركات الكورية لا ينجح بالصادرات وحدها. في كثير من الحالات، تحتاج الشركات إلى هياكل تمويل واستثمار طويلة الأجل، وشراكات مصرفية، وأدوات لإدارة العملات والتدفقات النقدية. لذلك فإن أي نقاش حول بنية مالية جديدة في أوزبكستان يهم الكوريين لأنه يضيف طبقة أخرى إلى معادلة التعاون: من مجرد بيع وشراء، إلى شراكات أعمق يمكن أن تشمل الاستثمار والتشغيل والتمويل والوجود طويل الأمد.

ما الذي يمكن أن تتعلمه الأسواق العربية من هذا التحرك؟

من السهل النظر إلى هذا الملف باعتباره شأنا يخص آسيا الوسطى وكوريا الجنوبية فحسب، لكن القراءة الأوسع تكشف دروسا تهم المنطقة العربية أيضا. أول هذه الدروس أن الجغرافيا وحدها لا تكفي. كثير من الدول تملك موقعا استراتيجيا، لكن الموقع لا يتحول إلى قيمة اقتصادية تلقائيا. لا بد من خطاب سياسي اقتصادي متماسك، ومن إصلاحات فعلية، ومن قدرة على إقناع المستثمر بأن الدولة تعرف ماذا تريد. أوزبكستان تحاول اليوم أن تفعل ذلك: أن تحول موقعها من حقيقة جغرافية إلى مشروع اقتصادي.

الدرس الثاني أن الاستثمار الأجنبي لا يُجذب بالشعارات وحدها. المستثمرون ينظرون إلى البيئة القانونية والإجرائية بقدر ما ينظرون إلى حجم السوق. وهذا أمر تعرفه جيدا الاقتصادات العربية التي نجحت في رفع تنافسيتها عبر تحديث الأنظمة وإطلاق المناطق الاقتصادية الخاصة وإعادة هندسة علاقتها بالقطاع الخاص. بهذا المعنى، فإن ما تعلنه طشقند يضعها في سباق إقليمي على الثقة، لا على الأموال فقط. والثقة هنا كلمة محورية؛ فهي العملة الأولى قبل أن تتحرك العملات الأخرى.

الدرس الثالث أن بناء السردية الاقتصادية الوطنية يحتاج إلى منصات عرض دولية. منتدى طشقند للاستثمار ليس مجرد قاعة خطابات، بل أداة تسويق سيادي، إذا صح التعبير. وفي عالم اليوم، باتت المؤتمرات الاقتصادية الكبرى جزءا من صناعة الصورة الاقتصادية للدول، تماما كما تؤدي المهرجانات الثقافية أو البطولات الرياضية دورا في صناعة الصورة الناعمة. القارئ العربي الذي يتابع كيف تستخدم بعض العواصم العربية المعارض والمؤتمرات الكبرى لبناء حضور عالمي، سيجد في التجربة الأوزبكية منطقًا مشابها: تقديم الدولة على المسرح الدولي بوصفها قصة صعود تستحق الانتباه.

أما الدرس الرابع، فهو أن الشراكات الآسيوية البينية تزداد أهمية. في الماضي، كان كثير من التحليل الاقتصادي ينظر إلى العلاقات الدولية من زاوية ثنائية تقليدية بين الغرب وبقية العالم. أما اليوم، فإن المشهد أكثر تعددا. كوريا الجنوبية تتحرك في آسيا الوسطى، والصين والهند وتركيا ودول الخليج كلها تراقب هذه الجغرافيا بدرجات متفاوتة من الاهتمام. وهذا يعني أن المنطقة تدخل شيئا فشيئا في قلب تفاعلات اقتصادية عابرة للأنماط القديمة، ما يجعلها مساحة تنافس وتعاون في الوقت نفسه.

بين الحذر والفرصة: كيف يجب قراءة اللحظة الحالية؟

من المهم هنا تجنب المبالغة، لأن التغطية الاقتصادية الرصينة تميز بين ما هو قائم بالفعل وما هو في طور التشكل. المؤكد حتى الآن هو أن أوزبكستان تبذل جهدا واضحا لجذب الاستثمار الأجنبي، وأنها تستخدم منتدى طشقند الدولي للاستثمار ومنتدى الأعمال الكوري الأوزبكي لإبراز هذا التوجه، كما تؤكد انفتاحها على تعميق التعاون الاقتصادي مع كوريا الجنوبية. هذه حقائق ذات دلالة. لكن غير المؤكد، على الأقل في المعطيات المطروحة، هو حجم الاستثمارات التي ستتدفق فعليا، وطبيعة القطاعات التي ستحصد النصيب الأكبر، والجدول الزمني الذي ستظهر فيه نتائج ملموسة.

هذا التفريق أساسي، لأنه يحمينا من قراءتين متطرفتين: قراءة متحمسة أكثر مما ينبغي، تتعامل مع كل منتدى بوصفه تحولا تاريخيا منجزا؛ وقراءة متشككة أكثر مما ينبغي، تقلل من شأن الإشارات المبكرة وتفشل في التقاط اتجاهات التغيير قبل نضجها. والصحيح مهنيا يقع بين الاثنين: ما يحدث في طشقند ليس نهاية القصة، لكنه بالتأكيد بداية فصل يستحق المتابعة، خاصة إذا استمرت أوزبكستان في تقديم نفسها كوجهة منفتحة، وإذا وجد المستثمر الكوري ما يكفي من الحوافز والوضوح المؤسسي للمضي قدما.

في العالم العربي، اعتدنا أن نقول إن السوق لا تنتظر المترددين طويلا. وهذه قاعدة يمكن إسقاطها هنا أيضا. إذا كانت آسيا الوسطى تتجه إلى مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاقتصادي، فإن الدول والشركات التي تراقب التغيرات مبكرا ستكون أقدر على فهم الفرص وتقدير المخاطر. وكوريا الجنوبية، بما تملكه من خبرة في التوسع الخارجي، تبدو من الأطراف المرشحة لمراقبة هذا الباب الجديد عن كثب. أما أوزبكستان، فهي تراهن على أن تحويل هذا الاهتمام إلى مشاريع سيكون هو المعيار الحقيقي لنجاح استراتيجيتها.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي الآن؟

قد يسأل البعض: لماذا ينبغي لقارئ عربي أن يتابع قصة استثمارية تجمع أوزبكستان بكوريا الجنوبية؟ الجواب أن الاقتصاد العالمي لم يعد يُقرأ من خلال الجوار المباشر فقط. سلاسل التوريد، وأسواق الطاقة، ومسارات النقل، وتحركات رأس المال، وصعود المراكز الإقليمية الجديدة، كلها عناصر تؤثر في الجميع بطريقة أو بأخرى. وإذا كانت آسيا الوسطى تدخل اليوم مرحلة أكثر انفتاحا، وإذا كانت كوريا الجنوبية توسع نطاق حركتها الاقتصادية فيها، فإن هذا يضيف لبنة جديدة في خريطة التوازنات الاقتصادية الآسيوية التي ترتبط بالشرق الأوسط على أكثر من مستوى.

ثم إن العالم العربي نفسه منخرط في سباق إعادة التموضع. هناك دول تبحث عن أدوار لوجستية، وأخرى عن أدوار صناعية، وثالثة عن أدوار مالية وسياحية وتكنولوجية. لهذا تبدو تجربة أوزبكستان جديرة بالاهتمام، لا لأنها مطابقة لتجاربنا، بل لأنها تقدم مثالا على كيفية استخدام الدولة لأدوات الانفتاح والتنظيم والمنتديات الدولية لصياغة موقع جديد لها. إنها، بتعبير قريب من الذاكرة العربية، محاولة لصنع نافذة على المستقبل قبل أن تُغلق أبواب الفرص.

أما على الضفة الكورية من القصة، فإن الخبر يضيف سطرا جديدا إلى فهمنا لكيفية تحرك سيول في الخارج. فصورة كوريا الجنوبية في الإعلام العربي ترتبط كثيرا بالثقافة الشعبية، من الدراما إلى الموسيقى إلى الجمال ونمط الحياة. لكن خلف هذه القوة الناعمة تقف دولة تنسج أيضا حضورها الاقتصادي بهدوء وفاعلية، وتبحث باستمرار عن أسواق جديدة وشراكات جديدة. وعندما تتقاطع هذه الاستراتيجية مع مشروع صاعد في آسيا الوسطى، فإن النتيجة تستحق التوقف عندها، ليس فقط لأنها خبر اقتصادي، بل لأنها تكشف كيف يعاد رسم خرائط النفوذ والتعاون في آسيا بعيدا عن العناوين المعتادة.

في المحصلة، لا يقدم منتدى طشقند الدولي للاستثمار وعدا مضمونا بطفرة فورية، لكنه يرسل إشارة قوية: أوزبكستان تريد أن تكون أكثر حضورا في اقتصاد المنطقة، وكوريا الجنوبية ترى أن هذا التحول قد يفتح نافذة جديدة للتعاون. وبين الرسالتين، تبرز قصة أوسع عن عالم يتغير، وعن أسواق جديدة تحاول أن تكتب مكانها في المشهد، وعن شركاء يبحثون عن المسافة الأقصر بين الطموح والفرصة. وهذه، في النهاية، قصة تهم كل قارئ عربي يتابع كيف تتشكل خرائط الاقتصاد الآسيوي الجديد، وكيف يمكن لخبر يبدو بعيدا أن يحمل في طياته معنى قريبا من أسئلتنا نحن عن التنمية والانفتاح وبناء المستقبل.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات