광고환영

광고문의환영

بي تي إس تحتفل بعيدها الثالث عشر في بوسان: حين تتحول حفلة كورية إلى طقس عالمي للوفاء بين الفرقة وجمهورها

بي تي إس تحتفل بعيدها الثالث عشر في بوسان: حين تتحول حفلة كورية إلى طقس عالمي للوفاء بين الفرقة وجمهورها

بوسان تحتضن لحظة تتجاوز الحفل

في مساء كوري صيفي حار، لم يكن استاد أسياد الرئيسي في مدينة بوسان مجرد ساحة لاستقبال حفل غنائي ضخم، بل بدا أقرب إلى مساحة احتفال جماعي بالذاكرة والوفاء والهوية. هناك، اجتمعت فرقة «بي تي إس» مع نحو 55 ألفا من جمهورها المعروف باسم «آرمي» للاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة على انطلاقتها، في محطة من محطات جولتها العالمية «أريرانغ». وبالنسبة إلى المتابع العربي للموجة الكورية، فإن ما جرى في بوسان لا يمكن اختزاله في لغة الأرقام، ولا في مشهدية الحفل وحدها، بل في الدلالة الأوسع: كيف استطاعت فرقة كورية أن تجعل من تاريخ ظهورها مناسبة عابرة للحدود، يشارك فيها جمهور من قارات متعددة كما لو أنها ذكرى شخصية تخصه.

هذا النوع من الحفلات يذكّر القارئ العربي، بدرجة ما، بالطريقة التي تتحول فيها أمسيات كبار الفنانين في العالم العربي إلى مساحة لاستحضار مسيرة كاملة، لا مجرد تقديم أغنيات معروفة. لكن الفارق هنا أن «بي تي إس» لا تستدعي ماضيها بصيغة الحنين فقط، بل بصيغة الشراكة مع جمهور نشأ معها وتحوّل إلى جزء من صورتها العامة. ولهذا كان تاريخ 13 يونيو، الموافق ليوم ظهور الفرقة للمرة الأولى، أكثر من مجرد موعد على روزنامة فنية؛ لقد كان مناسبة لتأكيد أن الاستمرارية في عالم البوب السريع الإيقاع لا تتحقق بالنجاح التجاري وحده، بل بإعادة تجديد العلاقة مع الجمهور، مرة بعد أخرى.

الأجواء داخل الملعب وخارجه أوحت بأن المناسبة أقرب إلى «عيد ميلاد جماعي» منه إلى عرض موسيقي تقليدي. الأغاني، الهتافات، العصي الضوئية، واللافتات التي حملها الجمهور، كلها منحت المشهد بعدا احتفاليا واضحا. لكن الأهم أن الفرقة نفسها اختارت أن تعيد الضوء إلى الجمهور، لا إلى ذاتها فقط. فمنذ اللحظة الأولى، كان الخطاب الموجّه من الأعضاء إلى «آرمي» قائما على فكرة الامتنان، وكأن الرسالة المركزية هي أن مرور 13 عاما لم يكن ممكنا من دون هذا الحضور الكثيف الذي لم يضعف مع الزمن.

في المنطقة العربية، حيث يتابع جمهور واسع أخبار الثقافة الكورية من الدراما إلى الموسيقى والطعام والأزياء، تكتسب هذه اللحظة أهمية إضافية. فهي تشرح، عمليا، لماذا لم تعد «الكي-بوب» مجرد موجة عابرة. إننا أمام منظومة ثقافية تخلق طقوسها الخاصة، وتمنح جمهورها إحساسا بالانتماء، تماما كما تفعل الرياضة الكبرى أو الأعمال الدرامية طويلة الأثر في الوجدان الشعبي.

13 عاما من العلاقة مع «آرمي»

واحدة من أبرز لحظات الحفل جاءت في الكلمات التي وجّهها أعضاء الفرقة إلى جمهورهم. فقد عبّروا بوضوح عن أن الهدية الأكبر في عيدهم الثالث عشر ليست الأضواء ولا الامتلاء الجماهيري فحسب، بل رؤية الجمهور وهو يستمتع ويغني ويتفاعل. هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل مفتاح فهم الظاهرة كلها. ففي صناعة موسيقية عالمية كثيرا ما تُدار بمنطق الأرقام والمراتب والجوائز، لا تزال «بي تي إس» تعرف أن سر قوتها الأعمق هو هذه الرابطة العاطفية المنظمة مع قاعدة جماهيرية ضخمة.

مصطلح «آرمي» نفسه يحتاج إلى شرح للقارئ الذي لا يتابع يوميا أخبار الفرق الكورية. فهو ليس مجرد اسم نادٍ للمعجبين، بل هوية ثقافية قائمة بذاتها. الجمهور هنا لا يستهلك المنتج الفني فقط، بل يشارك في إنتاج المعنى من حوله: من تنظيم الفعاليات، إلى تبادل الرسائل، إلى السفر الجماعي، إلى ابتكار طرق للتعبير البصري واللغوي عن الولاء. لهذا لم يكن غريبا أن تبدو الذكرى الثالثة عشرة كأنها احتفال مشترك بين طرفين متكافئين في صناعة اللحظة: الفرقة على المسرح، والجمهور في المدرجات ومحيط الملعب.

في السياق العربي، يمكن فهم هذه العلاقة إذا استحضرنا كيف ارتبطت أجيال كاملة بأصوات معينة أو بمحطات فنية صنعت وجدانها، لكن الفارق في الحالة الكورية هو التنظيم العالي لهذه العاطفة. جمهور «بي تي إس» لا يكتفي بالمحبة العامة، بل يطوّر تقاليد خاصة به، من ألوان بعينها إلى شعارات وهويات رقمية وطرق تشجيع موحّدة. وهذا ما يمنح حفلا مثل حفل بوسان بعدا يتجاوز الغناء إلى ما يشبه الطقس الاجتماعي، حيث يعرف الجميع دوره ورموزه وتوقيته.

من هنا، يصبح الاحتفال بمرور 13 عاما مسألة مرتبطة بفكرة «الاستمرار» أكثر من ارتباطها بفكرة «الذكرى». أن تبقى فرقة في صدارة الاهتمام بعد أكثر من عقد في صناعة تتغير بسرعة لافتة، فهذا بحد ذاته حدث جدير بالتأمل. والأرجح أن السر لا يكمن في الأغنيات وحدها، بل في قدرة الفرقة على الإبقاء على جمهورها في قلب السردية، لا على هامشها. لقد كانت كلمات الشكر التي تكررت على المسرح بمثابة إعادة تأكيد لهذا العقد غير المكتوب بين الطرفين.

«أريرانغ»... حين تحمل الجولة اسم الذاكرة الكورية

اختيار اسم «أريرانغ» لهذه الجولة ليس تفصيلا عابرا. فـ«أريرانغ» في الثقافة الكورية اسم لأغنية شعبية تقليدية شهيرة، تكاد تؤدي في المخيال الكوري وظيفة ما تؤديه بعض الأغنيات التراثية العربية في التعبير عن الوجدان الجمعي والحنين والمشترك الوطني. عندما تختار فرقة بحجم «بي تي إس» هذا الاسم لجولة عالمية، فهي لا تستعير عنوانا جميلا فحسب، بل تستدعي طبقة رمزية كاملة من التاريخ الثقافي الكوري.

هذه النقطة مهمة جدا لفهم التحول الذي شهدته «الكي-بوب» خلال السنوات الأخيرة. فالصناعة الكورية لم تعد تسعى فقط إلى تقديم موسيقى قابلة للتداول العالمي وفق معايير البوب الأنغلوسكسوني، بل باتت أكثر ميلا إلى إبراز خصوصيتها المحلية كجزء من جاذبيتها الدولية. وهذا ما بدا واضحا في عرض بوسان، سواء في الأجواء البصرية أو في حضور عناصر ذات طابع كوري، بما في ذلك ظهور معجبين أجانب بملابس «هانبوك»، وهو الزي التقليدي الكوري.

وبالنسبة إلى القارئ العربي، يمكن القول إن ما يجري هنا يشبه، على نحو بعيد، أن يحقق عمل فني شعبية عالمية من دون أن يتخلى عن لغته الأصلية أو رموزه التراثية أو حساسيته المحلية. بل إن هذه الخصوصية بالذات هي التي تجعل الجمهور الأجنبي أكثر فضولا، وأكثر رغبة في التعلم والانخراط. وهذا درس ثقافي يتجاوز كوريا نفسها: العالمية لا تعني دائما محو الهوية، بل قد تنجح أحيانا عبر إبرازها بثقة وذكاء.

في بوسان، ظهر هذا المعنى بوضوح. «بي تي إس» لم تقدّم عرضا يقول للعالم إنها قادرة على أن تشبه الجميع، بل عرضا يقول إنها قادرة على الوصول إلى الجميع وهي ما تزال تعرف من أين جاءت. ولهذا اكتسبت الجولة، على مستوى التسمية والمفهوم، دلالة خاصة. إنها ليست فقط جولة فنية بعد انطلاقتها من غويانغ في أبريل الماضي، بل مسار فني يربط الحاضر العالمي بالجذر الكوري، ويحوّل التراث إلى جزء من لغة البوب الحديثة.

بوسان ليست مجرد مدينة ثانية

للجغرافيا هنا دور لا يقل أهمية عن الموسيقى. فاختيار بوسان لاستضافة هذه المحطة في يوم الذكرى الثالثة عشرة يضيف إلى المشهد طبقة أخرى من المعنى. بوسان، بالنسبة إلى من لا يعرف كوريا عن قرب، ليست مجرد مدينة كبيرة بعد سيول، بل ميناء رئيسي وواجهة بحرية بارزة ومدينة ذات شخصية مختلفة عن العاصمة، أقرب إلى المدن التي تجمع بين الاقتصاد والسياحة والهوية المحلية الواضحة. وفي السنوات الأخيرة، تحولت بوسان إلى نقطة جذب ثقافي بفضل مهرجاناتها وشواطئها وبنيتها الحضرية وقدرتها على استيعاب أحداث كبرى.

هذا ما يجعل الحفل فيها حدثا له أثر مضاعف. فالفرقة لا تعود فقط إلى كوريا، بل تعود إلى مدينة تحمل دلالات الانفتاح والحركة والتبادل. وقد سبق لـ«بي تي إس» أن ارتبطت ببوسان في ذاكرة جمهورها من خلال حفل «Yet To Come in Busan» عام 2022، وهو حفل استقر في ذاكرة كثيرين بوصفه محطة شديدة الرمزية في ذلك الوقت. وبعد مرور نحو ثلاث سنوات وثمانية أشهر، تبدو العودة إلى المدينة كأنها استئناف لحوار مؤجل بين الفرقة وهذه الجغرافيا الخاصة.

في العالم العربي، نفهم جيدا كيف يمكن لمدينة بعينها أن تمنح الحدث طابعه المختلف. فالحفل الذي يقام في الإسكندرية ليس هو نفسه في القاهرة، والذي يُقام في جدة ليس هو نفسه في الرياض، حتى إن تشابهت البنية التنظيمية. المكان يضيف نبرته ورمزيته وذاكرته، ويؤثر في كيفية استقبال الجمهور للحدث. وهذا ما ينطبق على بوسان. المدينة لم تكن مجرد وعاء للحفل، بل جزءا من معناه، خصوصا أنها استقبلت جمهوراً عالمياً جاء خصيصا للمشاركة في هذا الموعد.

ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن قدرة «الكي-بوب» على تحويل مدن كورية مختلفة إلى وجهات سفر لجمهور عالمي باتت ملمحا اقتصاديا وثقافيا في آن. فالجمهور لا يأتي فقط لسماع الأغاني، بل لعيش التجربة الكاملة: رؤية المدينة، شراء التذكارات، التقاط الصور في المواقع المرتبطة بالحدث، وتبادل الخبرات مع معجبين من دول أخرى. وبذلك تتحول الحفلات الكبرى إلى محركات سياحة ثقافية، وإلى أدوات ناعمة تعيد تعريف صورة المدن الكورية في المخيلة العالمية.

الحر، الانتظار، والسفر... كيف يصنع الجمهور الحدث خارج المسرح؟

قبل أن تبدأ الموسيقى، كان المشهد خارج الملعب كافيا للدلالة على حجم المناسبة. درجات الحرارة اقتربت من 30 مئوية، ومع ذلك امتلأت المنطقة المحيطة بالاستاد بمشجعين وصلوا من بلدان مختلفة، بعضهم منذ ساعات النهار الأولى. هذا التفصيل مهم، لأنه يكشف عن نوع خاص من الالتزام الذي يميز جمهور «بي تي إس» وسائر الجماهير الكبرى في ثقافة «الكي-بوب». هنا لا يتصرف المشجع كمتلقٍّ ينتظر أن يُقدَّم له العرض فقط، بل كطرف يرى في حضوره المبكر ومظهره ومشاركته الخارجية جزءا من التجربة ذاتها.

نقلت التقارير شهادات لمعجبين قدموا من خارج كوريا، بينهم زائرات من الفلبين أكدن أنهن جئن خصيصا للاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة. آخرون تحدثوا عن الأثر الشخصي الذي تركته موسيقى الفرقة في لحظاتهم الصعبة. وهذه النقطة تحديدا تفسر كثيرا من حرارة العلاقة بين «بي تي إس» وجمهورها. فالأمر ليس إعجابا جماليا وحسب، بل ارتباط وجداني تشكل عبر سنوات من الاستماع والمتابعة والرسائل العامة التي قدمتها الفرقة عن الصمود والهوية والضغط النفسي والشباب.

في العالم العربي أيضا، لم يعد هذا النمط من التفاعل غريبا. فالأجيال الشابة التي تعيش جزءا كبيرا من حياتها الثقافية عبر المنصات الرقمية، باتت تنظر إلى الفنانين والفرق بوصفهم رفقاء يوميين في تفاصيلها العاطفية والنفسية. لذلك نرى جمهورا عربيا يسافر إلى سيول أو طوكيو أو بانكوك لحضور حفلات كبرى، تماما كما يسافر جمهور عربي آخر لمتابعة بطولات رياضية أو مهرجانات فنية. الجديد في تجربة «الكي-بوب» هو أن هذا السفر غالبا ما يكون مشفوعا بلغة مشتركة من الرموز والملابس والهدايا والطقوس الجماعية.

ولعل اللافت في بوسان أن المشهد خارج الاستاد كان بحد ذاته حدثا ثقافيا. التقاط الصور، تنسيق الأزياء بما ينسجم مع مفهوم الجولة، تبادل عبارات التهنئة بلغات مختلفة، كلها عناصر صنعت ما يمكن تسميته «الفضاء الاجتماعي للحفل». هذا الفضاء لا يقل أهمية عن العرض على المسرح، لأنه المكان الذي يتحول فيه الإعجاب الفردي إلى مجتمع عابر للحدود. من هنا نفهم لماذا لا تُقاس قوة الفرقة فقط بعدد من اشتروا التذاكر، بل بقدرتها على خلق هذا القدر من الحركة والانتقال والانتظار والمعنى خارج لحظة الأداء المباشر.

بين العالمية والانتماء: لماذا شددت الفرقة على هويتها الكورية؟

من أكثر الرسائل دلالة في حفل بوسان تأكيد أعضاء «بي تي إس» أن نجاحهم العالمي لا يلغي متعتهم الخاصة بالغناء في وطنهم. لقد تحدثوا بصراحة عن أنهم يشعرون بحب كبير في الخارج، لكنهم أشاروا أيضا إلى أنهم كوريون، وأن الأداء في بلدهم ومدينتهم يمنحهم شعورا مختلفا. هذه العبارة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تختصر معادلة دقيقة نجحت الفرقة في إدارتها طوال مسيرتها: كيف تكون نجما عالميا من دون أن تصبح نسخة بلا ملامح من نجوم العالم؟

هذا البعد يهم القارئ العربي تحديدا، لأن سؤال الهوية في الفنون ليس غريبا على منطقتنا. لطالما دار نقاش واسع حول ما إذا كان الوصول إلى العالمية يقتضي تخفيف الخصوصية المحلية أو إعادة صياغتها. تجربة «بي تي إس» تقدم جوابا مغايرا: يمكن للغة الكورية أن تبقى في قلب المشروع، ويمكن للمدن الكورية والرموز الكورية أن تبقى حاضرة، بل إن هذا الحضور نفسه قد يصبح جزءا من جاذبية المشروع لدى الخارج.

ولعل ما حدث في بوسان يثبت ذلك بوضوح. جمهور أجنبي جاء إلى كوريا لا ليطلب من الفرقة أن تغني له بلغته وثقافته، بل ليشاركها ثقافتها هي. رأينا هذا في التفاعل مع مفهوم «أريرانغ»، وفي ارتداء بعض المعجبين للـ«هانبوك»، وفي الاحتفاء بموعد يحمل قيمة خاصة داخل الذاكرة الكورية للفرقة. هذه ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل علامة على أن العالمية في حالة «الكي-بوب» تسير غالبا عبر الترجمة الثقافية لا عبر الإلغاء الثقافي.

بالنسبة إلى الإعلام العربي الذي يتابع الموجة الكورية، فإن هذه النقطة تستحق التوقف عندها. فالصعود الكوري لم يتحقق فقط بفضل المنصات الرقمية والذكاء التسويقي، بل أيضا بفضل قناعة متزايدة بأن المنتج المحلي، عندما يُقدَّم بثقة وبجودة عالية، يمكن أن يجد جمهوره في العالم من دون أن يتنكر لأصوله. وحفل بوسان جاء ليذكّر بأن «بي تي إس»، رغم كل ما حققته من شهرة دولية، لا تزال ترى في المسرح الكوري مكانا خاصا لتأكيد هذه الحقيقة.

ما الذي تعنيه هذه الليلة لمستقبل «الكي-بوب»؟

إذا أردنا قراءة حفل بوسان أبعد من إطار الخبر اليومي، فسنجد أنه يقدم مؤشرات واضحة على طبيعة المرحلة الجديدة في صناعة «الكي-بوب». نحن لم نعد أمام فرق تُستهلك بسرعة ثم تُستبدل، بل أمام أسماء قادرة على بناء سردية طويلة الأمد، شرط أن تحافظ على علاقتها الحية بجمهورها. في هذا المعنى، تبدو الذكرى الثالثة عشرة لـ«بي تي إس» اختبارا ناجحا لفكرة «الاستدامة» في صناعة الترفيه: كيف يحافظ الفنان على حضوره بعد سنوات طويلة؟ وكيف يظل الحفل حدثا قائما بذاته في عصر البث الرقمي والمحتوى الفوري؟

الجواب الذي تقدمه «بي تي إس» واضح إلى حد بعيد. الحفل لم يعد مجرد وسيلة لسماع الأغاني مباشرة، بل صار خبرة متعددة المستويات: سفر، ولقاء، وذاكرة، وطقس جماعي، واحتفال بالهوية، وتبادل ثقافي بين الجمهور المحلي والعالمي. ومن هنا، فإن القوة الحقيقية لفرق بهذا الحجم لا تكمن فقط في المنصات الموسيقية أو مشاهدات الفيديو، بل في قدرتها على خلق «حضور مادي» لا يمكن استبداله بالكامل بالعالم الافتراضي.

كما أن الحفل يوضح أن «الكي-بوب» لا تزال قادرة على توسيع تأثيرها من خلال الأحداث الحية، رغم التحولات التي شهدتها صناعة الموسيقى عالميا. فحين يملأ عشرات الآلاف مدرجات ملعب في مدينة كورية، وحين تتحول المناطق المحيطة إلى مساحة ثقافية نابضة، يصبح من الواضح أن الحديث لا يدور عن نجاح رقمي فقط، بل عن ظاهرة اجتماعية واقتصادية وثقافية متكاملة. وهذا ما يفسر استمرار اهتمام المدن الكورية الكبرى باستضافة مثل هذه الفعاليات، لما تخلقه من زخم محلي وعالمي.

أما عربيا، فإن متابعة هذه الظواهر لم تعد تندرج ضمن فضول بعيد تجاه ثقافة آسيوية صاعدة، بل ضمن فهم أوسع لتحولات الذائقة العالمية لدى الأجيال الجديدة. فالشباب العربي اليوم يتابع «الكي-دراما» و«الكي-بوب» ويستهلك منتجات الجمال والطعام والموضة القادمة من كوريا بدرجات متفاوتة. وحين يرى كيف تحتفل «بي تي إس» بمرور 13 عاما بهذه الطريقة، فإنه لا يقرأ خبرا فنيا فقط، بل يقرأ أيضا قصة عن معنى الانتماء الثقافي في عصر العولمة الرقمية.

في النهاية، تبدو ليلة بوسان بمثابة تذكير بسيط وعميق في آن: يمكن لحفلة موسيقية أن تكون أكثر من مجموعة أغانٍ ناجحة. يمكنها أن تكون مرآة لبلد يقدّم نفسه للعالم عبر الثقافة، ومرآة لفرقة تعرف كيف تحول النجاح إلى علاقة طويلة مع جمهورها، ومرآة لجمهور لم يعد يكتفي بالمشاهدة من بعيد، بل يسافر ويشارك ويتعلم ويحتفل. لهذا استحقت الذكرى الثالثة عشرة لـ«بي تي إس» أن تُقرأ بوصفها مشهدا من مشاهد الموجة الكورية في ذروتها، لا مجرد محطة عابرة في جولة فنية عالمية.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات