광고환영

광고문의환영

من قيظ الصيف إلى كرنفال الماء.. افتتاح «سمر سواغ 2026» لساي يكشف كيف تحوّلت الحفلات الكورية إلى طقس جماهيري كامل

من قيظ الصيف إلى كرنفال الماء.. افتتاح «سمر سواغ 2026» لساي يكشف كيف تحوّلت الحفلات الكورية إلى طقس جماهيري كامل

افتتاح صاخب في أويجيونغبو.. حين يصبح الحر جزءاً من العرض

في وقتٍ تميل فيه المدن العربية خلال ذروة الصيف إلى إرجاء النشاطات الخارجية أو نقلها إلى الأماكن المكيّفة، اختارت كوريا الجنوبية أن تفتتح واحداً من أشهر عروضها الموسمية في قلب الطقس الحار، لا هرباً منه بل باستخدامه مادةً أساسية في صناعة الفرجة. هكذا انطلقت في 27 يونيو/حزيران حفلة «ساي هومبّوك شو سمر سواغ 2026» على ملعب أويجيونغبو الشامل في مقاطعة غيونغي، شمال سيؤول، وسط حرارة بلغت 32 درجة مئوية، غير أن المشهد لم يكن مشهداً لمواجهة الطقس بقدر ما كان مشهداً لترويضه وتحويله إلى احتفال جماعي.

المغني الكوري ساي، المعروف عالمياً منذ الانفجار الكاسح لأغنية «غانغنام ستايل»، افتتح الحفل بصعودٍ لافت على المسرح عبر منصة رافعة، في لقطة مصممة بدقة لرفع منسوب الحماسة منذ الثواني الأولى. ومع اندفاع خراطيم المياه العملاقة فوق رؤوس الجمهور، بدا الملعب وكأنه انتقل من فضاء رياضي إلى مهرجان صيفي واسع، حيث تختلط الموسيقى بالرشاشات المائية والهتاف الجماعي في صورة باتت تمثل، بالنسبة لكثيرين داخل كوريا، أحد أبرز رموز موسم الصيف الفني.

ولمن لا يعرف طبيعة هذا الحدث، فإن «هومبّوك شو» يمكن فهمه عربياً بوصفه أقرب إلى حفلة غنائية ضخمة ممزوجة بروح «الفستيفال» الصيفي؛ ليس حفلاً يُقصد للجلوس الهادئ أو الإصغاء المتأمل فقط، بل تجربة جسدية كاملة تقوم على القفز والبلل والصراخ والتماهي مع الحشد. هذا النوع من الحفلات يختلف عن الصورة التقليدية لحفل المطرب الذي يقف فيه الجمهور أمام المسرح لالتقاط الصور أو ترديد المقاطع الشهيرة فحسب. هنا، يصبح الجسد نفسه جزءاً من العرض، وتتحول درجة الحرارة المرتفعة إلى ذريعة إضافية للانخراط في اللعب.

ساي خاطب الحضور منذ البداية بعبارة حماسية تدعو إلى الركض والرقص والاندفاع بلا ندم حتى اليوم التالي، وهي عبارة تعكس فلسفة هذه الحفلات أكثر مما تعكس مجرد افتتاحية مسرحية. فالمطلوب من الجمهور ليس التلقي الصامت، بل المشاركة الكاملة. ويمكن للقارئ العربي أن يجد في ذلك شيئاً من روح المهرجانات الجماهيرية التي تتجاوز فكرة «الحفل» إلى فكرة «الحدث»، كما في بعض السهرات الكبرى التي تشهدها مدن عربية ساحلية في الصيف، مع فارق أن النسخة الكورية تدفع بهذا التفاعل إلى أقصاه عبر الماء بوصفه عنصراً رئيسياً في بناء المشهد.

ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أن ما يجري في أويجيونغبو ليس مجرد بداية جولة فنية جديدة، بل إعادة تأكيد لمكانة هذا العرض بوصفه موعداً موسمياً ينتظره الجمهور الكوري كما تنتظر مجتمعات أخرى مواسم المهرجانات أو حفلات العيد أو سهرات رأس السنة. إنه حدث له طقسه الخاص وملابسه الخاصة وتوقعاته المسبقة، وله أيضاً رمزيته في فهم كيف تصنع كوريا الجنوبية من الموسيقى الشعبية مناسبة جمعية واسعة تتجاوز الأغنية إلى نمط حياة مؤقت يمتد لساعات.

ما هو «هومبّوك شو»؟ شرح مبسط لظاهرة كورية بطابع صيفي

اسم «هومبّوك» في الكورية يشير إلى فكرة «الابتلال الكامل» أو «التشرّب بالماء حتى النهاية»، وهو اسم ليس مجازياً هنا، بل يصف تجربة حقيقية تنتظر كل من يدخل الحفل. الجمهور يأتي وهو يعرف مسبقاً أنه سيغادر مبللاً، وأن الملابس والأحذية والأغراض الشخصية يجب أن تُختار وفق هذا الاحتمال شبه المؤكد. لذلك شوهد الحاضرون في أويجيونغبو وهم يرتدون القمصان الزرقاء المميزة للحفل، مع معاطف مطرية وأحذية مقاومة للماء، وكأنهم يستعدون لطقس احتفالي له بروتوكوله غير المكتوب.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الأمر قريباً من الفعاليات التي يعرف فيها الجمهور مسبقاً «قواعد اللعبة»: كأن تذهب إلى مباراة قمة وتعلم أن الأهازيج جزء من التجربة، أو تحضر مهرجاناً شعبياً وتدرك أن الازدحام والرقص الجماعي جزء من المتعة. في «هومبّوك شو»، الاستعداد للماء نفسه هو جزء من الثقافة المحيطة بالحفل. لا يأتي المتفرج بوصفه فرداً معزولاً، بل بصفته عضواً في كتلة جماعية تشترك في لون موحد وتوقع واحد وتجربة متشابهة.

هذه النقطة مهمة لفهم خصوصية حفلات ساي. فقوة العرض لا تقوم على الأغاني وحدها، مهما كانت شهرتها، بل على بناء بيئة اجتماعية كاملة حول العرض. من شراء القميص المناسب، إلى التفكير في الهاتف المحمول وكيفية حمايته، إلى ارتداء حذاء يتحمل البلل والانزلاق، وصولاً إلى الاستعداد النفسي لأن يكون المرء جزءاً من جمهور يصرخ ويركض ويتلقى دفعات الماء. كل ذلك يبدأ قبل دخول الملعب، ما يعني أن الحفل يتشكل في الحقيقة قبل رفع الستار.

كما أن هذه الحفلات تقدم نموذجاً واضحاً لواحد من أهم تحولات صناعة الترفيه الكورية: الانتقال من استهلاك المحتوى إلى عيشه. في عالم تهيمن عليه المقاطع القصيرة والبث المباشر ومنصات الفيديو، لم تعد قيمة الحفلة محصورة في جودة الصوت والإضاءة، بل في قدرتها على منح الجمهور تجربة لا يمكن استنساخها بسهولة على الشاشة. وهنا بالذات تكمن فرادة «هومبّوك شو»: الفيديو ينقل جزءاً من الصورة، لكن لا ينقل ملمس الماء على الوجه، ولا شعور الاندفاع الجماعي، ولا حرارة الجسد في قلب الحشد.

لذلك، فإن نجاح هذا العرض على مدى سنوات لا يمكن قراءته فقط بلغة الأرقام أو المبيعات، بل أيضاً بلغة الرمزية الثقافية. لقد تحول من حفل لمغنٍ معروف إلى علامة من علامات الصيف الكوري نفسه، تماماً كما ترتبط بعض المواسم في العالم العربي ببرامج تلفزيونية بعينها أو أطباق أو أناشيد أو مهرجانات مخصوصة. عندما يقال في كوريا «هومبّوك شو»، يعرف كثيرون مسبقاً شكل المشهد الذي ينتظرهم: ماء، ألوان زرقاء، ضربات إيقاعية قوية، وجمهور لا يحضر للمشاهدة فقط بل ليصير جزءاً من الصورة.

ساي بين «غانغنام ستايل» وصناعة الفرجة الحية

قد يعرف المتابع العربي اسم ساي من بوابة النجاح العالمي الاستثنائي لأغنية «غانغنام ستايل» عام 2012، وهي الأغنية التي تجاوزت حدود اللغة والجغرافيا وحولت صاحبها إلى واحد من أكثر الوجوه الكورية شعبية على مستوى العالم. لكن اختزال مسيرة ساي في تلك اللحظة وحدها سيكون ظلماً لتجربة فنية نجحت في تأسيس نمط أدائي خاص يعتمد على الحضور الجسدي القوي، والسخرية الذكية، والقدرة النادرة على قيادة الحشود.

في حفل الافتتاح هذا العام، افتتح ساي السهرة بأغنية «نابال باجي»، وهي من الأعمال الإيقاعية التي تناسب طبيعة الانطلاق السريع وتسمح للجمهور بالدخول المباشر في أجواء القفز والهتاف. وبعدها قدّم «يونيه إن» أو «المشهور»، فيما هتف الجمهور باسمه الحقيقي «بارك جاي-سانغ»، في إشارة إلى العلاقة الحميمة التي ينسجها جمهوره معه. هذه ليست علاقة نجم يقف على مسافة متعالية من متابعيه، بل علاقة قائمة على التبادل المباشر للطاقة والنداء والرد.

من اللافت أيضاً أن ساي، رغم خبرته الطويلة، قال إنه يشعر بتوتر شديد. في القراءة الصحافية، لا تبدو هذه العبارة تفصيلاً عابراً، بل علامة على أن الحفلات الكبرى، مهما بدت محكمة التنظيم، تظل لحظة حية ومفتوحة على الاحتمالات. هذا التوتر نفسه يضيف صدقاً إلى العرض، لأن الجمهور لا يرى أمامه آلة ترفيهية مغلقة تعمل بلا انفعال، بل فناناً لا يزال يشعر برهبة المواجهة الأولى، حتى بعد سنوات من النجاح المحلي والعالمي.

وهنا تتجلى شخصية ساي الفنية. فهو ليس مجرد صاحب أغانٍ ضاربة، بل مؤدٍ يعرف كيف يحول المسرح إلى مساحة قيادة جماعية. في عالم الكيبوب الذي يرتبط كثيراً بالفرق الشابة والرقصات المحكمة والصورة البصرية المصقولة، يحتفظ ساي بمكانة مختلفة؛ مكانة الفنان الذي يراهن على الكاريزما المباشرة وعلى فهم نفسيات الجمهور، ويعرف متى يرفع الإيقاع ومتى يطلق الجملة المناسبة لإشعال المدرجات.

ولو أردنا تقريب صورته إلى المتلقي العربي، فقد يمكن القول إنه ينتمي إلى فئة الفنانين الذين تصنعهم الخشبة بقدر ما تصنعهم الاستوديوهات. أي أن قيمته الحقيقية تظهر حين يقف أمام جمهور كبير ويحوّل المكان إلى مساحة مشتركة من الفرح الصاخب. وهذه الميزة هي التي سمحت له بأن يحافظ على حضوره بعد موجة الشهرة العالمية الأولى، وأن يبني لنفسه تقليداً سنوياً صار الجمهور يربطه بشخصه كما يربطه بفصل الصيف نفسه.

منذ 2011.. كيف تحول العرض إلى علامة ثابتة في الذاكرة الكورية؟

بدأ «هومبّوك شو» عام 2011، ومع مرور السنوات انتقل من كونه حفلاً موسمياً لفنان معروف إلى ظاهرة ثقافية مكتملة العناصر. هذا الامتداد الزمني مهم للغاية، لأنه يكشف أن النجاح هنا ليس وليد مفاجأة أو ضربة تسويقية مؤقتة، بل نتيجة تراكم في الثقة بين الفنان والجمهور. فالناس لا يشترون تذكرة فقط لسماع أغنية يحبونها، وإنما لأنهم يعرفون تقريباً نوع التجربة التي سيحصلون عليها، ويثقون بأن العرض سيوفي بوعده.

في صناعة الترفيه، هذه الثقة تساوي الكثير. هناك حفلات تنجح مرة بفضل مفاجأة أو ضجة إعلامية، لكن من الصعب تحويل المفاجأة إلى تقليد متكرر من دون أن تتحول إلى ملل. ما فعله ساي هو أنه جعل التكرار نفسه مصدراً للمتعة. الجمهور ينتظر الماء ويتوقع اللون الأزرق والأغاني الضاربة والانفجار البصري، لكنه يعود كل مرة لأن هذه العناصر لا تتكرر بطريقة ميكانيكية، بل تكتسب في كل موسم طاقة جديدة تأتي من المدينة المضيفة والجمهور الحاضر واللحظة الزمنية الخاصة بذلك العام.

ومن منظور أوسع، يكشف هذا العرض شيئاً مهماً عن الثقافة الشعبية الكورية المعاصرة: قدرتها على بناء «مواسم» ترفيهية ذات هوية واضحة. كما أن شهر رمضان في العالم العربي لا يكون مجرد شهر في التقويم بل موسماً تلفزيونياً واجتماعياً وروحياً متكاملاً، فإن بعض الفعاليات في كوريا تتحول إلى إشارات موسمية تفوق بعدها الترفيهي المباشر. و«هومبّوك شو» هو أحد هذه الإشارات التي تقول للكوريين، بطريقتها الخاصة، إن الصيف قد دخل مرحلة الذروة.

كما أن الحفل يقدم مثالاً على قوة العلامة الفنية حين تصبح مرتبطة بتجربة قابلة للتذكر. ليس ضرورياً أن يحفظ كل الحاضرين تفاصيل قائمة الأغاني، لكن من الصعب أن ينسوا الشعور العام: البلل، الصخب، الانخراط، وامتلاء المكان باللون الأزرق. وهذا في حد ذاته نجاح ثقافي، لأن الذاكرة الجمعية لا تحفظ دائماً التفاصيل الدقيقة بقدر ما تحفظ الصور الكبرى. وقد نجح ساي في صناعة صورة كبرى متكررة وقوية بما يكفي لتظل حاضرة عاماً بعد عام.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يوصف هذا الحفل بأنه أكثر من مجرد جولة غنائية. إنه منتج ثقافي له هوية واضحة، وله جمهور مستعد، وله لغة بصرية محددة، وله قدرة على استدعاء معنى أوسع من أداء الأغنيات. وهذه كلها عناصر تجعل منه، في معايير الصناعة الحديثة، «علامة» لا مجرد «حدث».

أويجيونغبو خارج مركز العاصمة.. ماذا تقول جغرافيا الحفل عن كوريا الثقافية؟

اختيار أويجيونغبو، المدينة الواقعة شمال سيؤول ضمن إقليم غيونغي، ليس تفصيلاً ثانوياً. ففي كثير من التغطيات الخارجية لكوريا الجنوبية، تتركز الصورة في العاصمة وحدها: سيؤول بوصفها مركز الكيبوب، والدراما، والموضة، والاقتصاد. لكن الواقع الثقافي الكوري أوسع من ذلك بكثير، والحفلات الضخمة التي تُقام في مدن وملاعب خارج قلب العاصمة تذكّر بأن صناعة الترفيه الكورية تنتشر في المجال الحضري الأوسع، مستفيدة من البنية التحتية الرياضية والنقل السريع والقدرة التنظيمية العالية.

بالنسبة للمتلقي العربي، قد تبدو هذه الفكرة مألوفة. فالعواصم في منطقتنا ليست وحدها التي تستضيف الفعاليات الكبرى؛ كثير من المهرجانات والحفلات تنتقل إلى مدن ساحلية أو تاريخية أو حدودية، ما يمنح الحدث بعداً محلياً مختلفاً. وفي الحالة الكورية، يضيف ذلك للحفل قيمة بصرية أيضاً: الطرق المؤدية إلى الملعب، الحشود التي تتقاطر بملابس موحدة، الحركة التجارية المحيطة، والصور التي تنتجها المدينة نفسها وهي تستقبل حدثاً بهذا الحجم.

الحفل في ملعب مفتوح يمنح كذلك طبقة إضافية من المعنى. فالمسرح هنا لا ينفصل عن السماء والهواء والرطوبة والضوء المتبدل. المشهد كله يصبح جزءاً من المحتوى، لا خلفية صامتة له. ومن يشاهد صور هذه الليلة يدرك أن صفوف الجماهير بقمصانها الزرقاء، والماء المتطاير فوقها، ليست مجرد جمهور أمام مسرح، بل عنصر بصري أساسي في تكوين الصورة النهائية التي ستتداولها المنصات الرقمية لاحقاً.

كما أن استضافة مثل هذا العرض في مدينة مثل أويجيونغبو تكشف كيف تشتغل الثقافة الكورية المعاصرة عبر شبكات من المدن والفضاءات، لا عبر نقطة مركزية واحدة فقط. فحين تنتقل الفعاليات بين الملاعب والمدن، تصبح الثقافة الشعبية جزءاً من تنشيط الفضاء العام نفسه. وهذا ما يفسر لماذا لا تبدو حفلات مثل «هومبّوك شو» مجرد شأن فني خالص، بل جزءاً من حيوية المدن وقدرتها على استيعاب أحداث كبرى تخلق حركة اقتصادية وبصرية وإعلامية في وقت واحد.

إنها، باختصار، صورة من صور «كوريا خارج الكادر التقليدي». كوريا التي لا تُختصر في أحياء سيؤول اللامعة أو في استوديوهات الدراما، بل تظهر أيضاً في الملاعب الإقليمية المزدحمة، وفي مدن تعرف كيف تتحول ليوم واحد أو لليلة كاملة إلى مسرح كبير للاحتفال الجماعي.

الماء واللون الأزرق والهتاف.. كيف تُصنع الهوية البصرية للحفل؟

أحد أهم أسباب شهرة «هومبّوك شو» أن له هوية بصرية يمكن تمييزها من النظرة الأولى. اللون الأزرق ليس مجرد اختيار جمالي، بل شيفرة اجتماعية تعلن الانتماء إلى الحدث. عندما يرتدي آلاف الأشخاص القمصان نفسها تقريباً، فإنهم لا يبدون فقط أكثر تنسيقاً في الصورة، بل يتحولون إلى «جماعة» بالمعنى الرمزي. وهذا عنصر معروف في ثقافات المشجعين حول العالم، من قمصان الأندية إلى ألوان المهرجانات، لكنه في الحالة الكورية يُدار بقدر كبير من الوعي البصري.

الماء هنا يؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، هو حل عملي لتحويل الحر إلى عنصر مقبول بل مرغوب، ومن جهة أخرى هو أداة إخراجية تمنح العرض بعداً درامياً دائماً. فكل دفعة ماء تغيّر المشهد في لحظة: تلمع الأضواء بطريقة مختلفة، يصرخ الجمهور، تتحرك الكاميرات فوق موجة جديدة من التفاعل، ويتحول الإيقاع إلى شيء يُرى ويُحسّ، لا شيء يُسمع فقط. وهذا ما يجعل الحفل قابلاً للانتشار رقمياً، لأن صورته البصرية قوية وسهلة التمييز.

من منظور ثقافي، ثمة ذكاء واضح في هذا البناء. فصناعة الترفيه الحديثة تحتاج إلى ما يمكن تسميته «العلامة القابلة للمشاركة»، أي العنصر الذي يختصر التجربة في صورة أو لقطة أو إشارة بسيطة. في حفلات ساي، هذه العلامة هي الماء والزرقة الجماعية. يمكن لأي متابع أن يرى صورة واحدة فيفهم فوراً أنه أمام «هومبّوك شو»، حتى لو لم يسمع الأغنية المصاحبة لها.

كما أن هذا التكوين يضفي على الحفل طابعاً احتفالياً قريباً من فكرة التطهّر أو الانغماس الجماعي في الحالة الشعورية نفسها، ولو بشكل مجازي وليس طقسياً. الجميع يبتل بالطريقة نفسها، ويتحرك تقريباً بالإيقاع نفسه، ويهتف في اللحظة نفسها. وفي هذه المساواة المؤقتة تكمن قوة العروض الجماهيرية: إنها تمنح الأفراد شعوراً بأنهم جزء من كتلة كبرى، منسجمة ومتحررة من فروق كثيرة، ولو لبضع ساعات فقط.

وقد لا يكون من المبالغة القول إن هذا الجانب البصري هو أحد أسباب بقاء الحفل حياً في المخيلة العامة. فالعروض التي تملك صورة رمزية واضحة تكون أكثر قدرة على التحول إلى ذاكرة ثقافية متداولة. وفي زمن المنصات، تصبح الهوية البصرية أحياناً بقدر أهمية الموسيقى نفسها، إن لم تتفوق عليها في بعض الأحيان من حيث سرعة الانتشار والتأثير.

لماذا يهم هذا الحدث جمهور الثقافة الكورية في العالم العربي؟

خلال السنوات الماضية، اتسعت قاعدة الجمهور العربي المهتم بالدراما الكورية والكيبوب والجمال الكوري والطعام الكوري، وصارت «الموجة الكورية» حاضرة في نقاشات الشباب ووسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية في عدد كبير من البلدان العربية. غير أن متابعة هذه الموجة غالباً ما تتم عبر الشاشة: مسلسل جديد، أغنية جديدة، فرقة جديدة، أو برنامج منوعات. أما حفلات مثل «هومبّوك شو»، فهي تفتح نافذة على جانب آخر من الثقافة الكورية، جانب يقوم على الحضور الحي والمشاركة الجماعية المباشرة.

هذا الحدث مهم لأنه يوضح أن الترفيه الكوري ليس مجرد صناعة صورة لامعة قابلة للتصدير، بل هو أيضاً ممارسة اجتماعية داخلية لها تقاليدها وطقوسها وجمهورها الذي يعرف كيف يتفاعل معها. بالنسبة للقراء العرب، قد يثري ذلك فهمهم لكوريا بعيداً من الاختزال الشائع. فخلف الفيديوهات المصقولة هناك أيضاً ملاعب، ورطوبة صيف، وجماهير تستعد منذ الصباح لتعيش تجربة حسية كاملة.

كما أن ظاهرة مثل «هومبّوك شو» تطرح سؤالاً عربياً مشروعاً: إلى أي حد تستطيع الحفلات في منطقتنا أن تطور هويات موسمية وبصرية خاصة بها، بحيث لا تكون مجرد سهرات متشابهة تتبدل فيها الأسماء فقط؟ ما يلفت في التجربة الكورية هنا هو نجاحها في تحويل الحفل إلى علامة قائمة بذاتها، يعرفها الجمهور مسبقاً ويتفاعل معها كجزء من روزنامة الترفيه السنوية. وهذا درس مهم في صناعة الفعالية، لا في صناعة الأغنية فحسب.

ثم إن حضور ساي نفسه يحمل دلالة خاصة. فالرجل الذي عرفه العالم بوصفه صاحب أغنية فيروسية شهيرة يثبت مرة أخرى أن النجومية المستدامة تحتاج إلى ما هو أكثر من الانتشار الرقمي: تحتاج إلى طقس حي يتجدد باستمرار. وهذه الفكرة تهم المتابعين العرب أيضاً، لأن كثيراً من النقاشات حول الفن اليوم تدور حول الفرق بين «نجاح المنصة» و«نجاح الخشبة». ساي يقدّم إجابة عملية: النجاح الحقيقي هو أن يظل الجمهور مستعداً للقدوم والابتلال والرقص والهتاف بعد كل هذه السنوات.

في المحصلة، لا تبدو ليلة أويجيونغبو مجرد خبر فني عن افتتاح حفلة ناجحة، بل تبدو مشهداً مكثفاً لكيفية عمل الثقافة الشعبية الكورية في ذروتها: تنظيم محكم، رمز بصري واضح، فنان يعرف جمهوره، وجمهور يعرف ما الذي جاء من أجله. وبين الماء والحرارة والأغاني والهتاف، تتجسد صيغة ترفيهية صنعت لنفسها مكاناً ثابتاً في الذاكرة الكورية، وصارت جديرة أيضاً باهتمام القراء العرب الذين يتابعون تحولات الموجة الكورية وما وراء بريقها الظاهر.

ولعل أكثر ما يلفت في هذه الظاهرة أنها تذكّرنا بأن الثقافة الجماهيرية، في نهاية المطاف، لا تعيش فقط في الشاشات ولا في التصنيفات الرقمية، بل في القدرة على جمع الناس في مكان واحد ومنحهم إحساساً بأنهم يعيشون لحظة مشتركة لا يمكن تكرارها على الصورة نفسها. وهذا بالضبط ما يفعله «هومبّوك شو»: يحول ليلة صيف حارة إلى ذكرى جماعية باردة بالماء، ساخنة بالحماسة، ومشحونة بطاقة تجعل من الحفل قصة تُروى، لا مجرد عرض يُشاهد.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات