
خبر يتجاوز حدود الترفيه التقليدي
في وقت تتسارع فيه الشراكات بين الموسيقى والرياضة على مستوى العالم، برز اسم جيهيو، عضوة فرقة «توايس» الكورية الجنوبية، في مشروع فني جديد يرتبط ببطولة كأس العالم 2026 المقررة في أميركا الشمالية. ووفق ما أُعلن من جانب وكالة JYP إنترتينمنت، تشارك جيهيو في أداء أغنية التعاون العالمية «فولو مي» (Follow Me)، وهي أغنية جرى التخطيط لها ضمن الأجواء المرافقة للمونديال المقبل، وصدرت رسميًا في 12 يونيو، قبل أن يُكشف لاحقًا عن فيديو موسيقي يضم عددًا من نجوم كرة القدم.
الخبر، في ظاهره، قد يبدو تفصيلًا فنيًا يهم جمهور الكيبوب أو متابعي «توايس» فحسب، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات أوسع بكثير، خصوصًا بالنسبة إلى القارئ العربي الذي اعتاد خلال السنوات الأخيرة متابعة تمدد الثقافة الكورية خارج حدود الدراما والأغنية إلى مجالات الموضة والمنصات الرقمية وحتى الأحداث الرياضية الكبرى. فحين تدخل مغنية كورية ذات حضور جماهيري واسع إلى مشروع مرتبط بكأس العالم، فإننا لا نكون أمام أغنية جديدة فقط، بل أمام مثال واضح على الطريقة التي تعيد بها الصناعات الثقافية العالمية صياغة الجمهور نفسه: جمهور لا ينقسم بعد الآن إلى مشجعي كرة قدم في جهة، ومحبي موسيقى بوب في جهة أخرى، بل يتقاطع في مساحة واحدة تشكلها الصورة والصوت والمنصات الاجتماعية.
ومن هذه الزاوية، تبدو مشاركة جيهيو في «فولو مي» أكثر من مجرد إطلالة فنية عابرة. فالمونديال، بالنسبة إلى الجمهور العربي، ليس بطولة رياضية فقط؛ إنه طقس جماعي، وذاكرة ممتدة من المقاهي والبيوت والساحات، ومن الهتافات التي تتكرر من جيل إلى جيل، كما لو أن الكرة لغة ثانية في المنطقة. وعندما تدخل موسيقى الكيبوب إلى هذا المشهد، فإنها تضيف بعدًا جديدًا إلى معنى التشجيع نفسه، وتقدم نموذجًا لعصر تتجاور فيه قوائم التشغيل الموسيقية مع جداول المباريات على الهاتف ذاته.
الأكيد حتى الآن، بحسب المعلومات المعلنة، أن جيهيو شاركت في الغناء، وأن الأغنية صدرت بالفعل، وأن الفيديو الموسيقي الذي كُشف عنه لاحقًا ضم شخصيات كروية معروفة عالميًا. أما ما إذا كانت الأغنية ستتحول إلى أحد أبرز عناوين الطريق إلى مونديال 2026، فهذا أمر سيحكمه التلقي الجماهيري لاحقًا. لكن المؤكد أن المشروع، بصيغته الحالية، يطرح مادة ثرية للقراءة الثقافية والإعلامية.
ما الذي تعنيه مشاركة جيهيو تحديدًا؟
لفهم أهمية هذه الخطوة، من الضروري التوقف عند مكانة جيهيو داخل المشهد الكوري. فجيهيو ليست اسمًا هامشيًا في صناعة الكيبوب، بل هي واحدة من أبرز الأصوات المعروفة في فرقة «توايس»، وهي من الفرق التي أسهمت خلال العقد الأخير في توسيع الحضور الكوري في السوق العالمية. وللقارئ العربي الذي قد يكون على تماس محدود مع هذا النوع الموسيقي، يمكن القول إن «توايس» تحتل موقعًا مشابهًا لما تمثله الفرق الجماهيرية الكبرى في الذاكرة العربية، أي تلك الأسماء التي لا تُقاس فقط بعدد الأغنيات الناجحة، بل بقدرتها على تشكيل ذائقة جيل كامل.
في بنية الكيبوب، لا يقتصر دور العضو في الفرقة على الغناء فحسب؛ فلكل عضو هوية فنية وصورة عامة وموقع داخل السردية الجماهيرية للفرقة. وجيهيو تُعرف، في هذا السياق، بوصفها من الأصوات الأساسية التي تمنح «توايس» ثقلها الغنائي. لذلك فإن مشاركتها في مشروع عالمي خارج الإطار المعتاد لنشاط الفرقة تعني أن صوتها لم يعد يُستدعى فقط داخل إنتاجات الكيبوب التقليدية، بل بات جزءًا من خطاب ترفيهي عالمي أوسع، يرتبط هذه المرة بحدث رياضي هو الأكثر جماهيرية على الكوكب.
هذه النقطة تحديدًا لها أهمية خاصة في الإعلام الثقافي العربي. فنحن أمام تطور يعكس تحوّل الفنان الكوري من نجم محلي أو إقليمي إلى عنصر قابل للاندماج في مشاريع ذات جمهور متعدد اللغات والثقافات. وبالمعنى المهني الدقيق، فإن جيهيو هنا لا تمثل نفسها فقط، بل تمثل أيضًا الوزن المتراكم لصناعة الكيبوب كلها، بما تملكه من قواعد جماهيرية منظمة، وقدرة على التعبئة الرقمية، وحضور قوي على المنصات.
كما أن ظهور اسمها ضمن مشروع خاص بالمونديال يلفت النظر إلى حقيقة باتت شبه ثابتة: المؤسسات الترفيهية العالمية لم تعد تتعامل مع الكيبوب بوصفه موجة عابرة، بل بوصفه مصدرًا فعالًا للوصول إلى جمهور شاب، متحمس، وعابر للحدود. وهذا بالضبط ما يجعل مشاركة جيهيو ذات رمزية أكبر من حجمها الإخباري المباشر.
«فولو مي» بوصفها صيغة لربط جمهورين كبيرين
عنوان الأغنية نفسه، «فولو مي» أو «اتبعني»، يحمل رسالة مباشرة وسهلة العبور بين الثقافات: دعوة جماعية للحركة والمرافقة والانخراط في الإيقاع المشترك. وفي عالم الأغاني الرياضية، غالبًا ما تنجح العناوين البسيطة ذات الإيقاع الواضح لأنها قابلة للترديد السريع في الملاعب، وعلى المنصات، وفي المقاطع القصيرة التي يعاد تدويرها ملايين المرات. لكن ما يمنح هذه الأغنية خصوصيتها ليس الاسم وحده، بل الفكرة التي تقوم عليها: جمع مشجعي كرة القدم وعشاق الموسيقى داخل منتج واحد.
هذه الفكرة ليست جديدة تمامًا في تاريخ البطولات الكبرى، إذ لطالما ارتبطت كأس العالم بأغانٍ رسمية أو موازية تصنع حالة وجدانية حول الحدث. غير أن الجديد في هذه الحالة هو الطريقة التي يُعاد بها تعريف «الأغنية الرياضية» في زمن المنصات الرقمية. لم تعد الأغنية مجرد خلفية احتفالية تبثها القنوات التلفزيونية، بل أصبحت قطعة محتوى قائمة بذاتها، يُنظر إليها بوصفها جزءًا من استراتيجية التفاعل قبل انطلاق البطولة بوقت طويل.
ومن هنا يمكن فهم «فولو مي» كمشروع ثقافي أكثر منه مجرد إصدار موسيقي. فالأغنية، بحسب ما هو معلن، صُممت لكي تصل إلى جمهور عالمي، لا إلى سوق بعينها. وهذا يعني أن صناعها يفكرون بمنطق المزج بين الأذواق والرموز: صوت من الكيبوب، أسماء من مشهد البوب والهيب هوب العالمي، وصور لنجوم كرة قدم معروفين. النتيجة المتوقعة من هذا النوع من الترتيب ليست إرضاء ذائقة نقية واحدة، بل توسيع مجال الجذب بحيث يجد كل جمهور نقطة دخول إلى العمل.
بالنسبة إلى القارئ العربي، تبدو هذه الصيغة مألوفة بطريقة ما. فالجمهور في المنطقة العربية يعيش أصلًا في مساحة ثقافية هجينة؛ يستمع إلى الأغنية العربية والخليجية والمغاربية، ويتابع كرة القدم الأوروبية والعالمية، ويستهلك في الوقت نفسه محتوى كوريًا وتركيًا وغربيًا عبر الهاتف ذاته. لذلك فإن مشروعًا مثل «فولو مي» لا يبدو غريبًا عن حساسية المشاهد العربي الحالي، بل يكاد يكون انعكاسًا دقيقًا لطريقة استهلاك الثقافة اليوم: متعددة المصادر، سريعة الانتقال، وقابلة للتشارك الفوري.
حين يلتقي الكيبوب بالمونديال
اللقاء بين الكيبوب وكأس العالم ليس تفصيلًا ترويجيًا فقط، بل هو تقاطع بين نوعين من الحماس الجماهيري المنظم. فمن يعرف الكيبوب جيدًا يدرك أن هذا العالم لا يقوم فقط على الأغنية، بل على منظومة كاملة من التفاعل: حملات دعم، تصويت، متابعة حثيثة للإصدارات، قراءة رموز الأداء البصري، وصناعة مجتمع رقمي شديد الحيوية. وكرة القدم، من جهتها، تقوم على منطق قريب من ذلك، وإن بصيغة مختلفة: ولاء للنادي أو المنتخب، متابعة إخبارية يومية، نقاشات لا تنتهي، وذاكرة جماعية تحفظ الأهداف والخيبات والبطولات.
عندما يجتمع هذان العالمان، فإن النتيجة الطبيعية هي زيادة الكثافة الشعورية حول المنتج نفسه. فالأغنية لا تُستهلك هنا كعمل فني منفصل، بل كجزء من أجواء بطولة مقبلة، وجزء أيضًا من سردية أوسع تخص حضور الكيبوب عالميًا. وهذا ما يفسر الاهتمام الذي أثاره خبر مشاركة جيهيو لدى جمهورين مختلفين في نقطة الانطلاق، لكنهما يلتقيان في مساحات رقمية واحدة.
في العالم العربي، لدينا خبرة واسعة مع هذا النوع من التشابك بين الرياضة والفن. يكفي أن نتذكر كيف تتحول بعض الأغاني إلى أناشيد شعبية في البطولات، وكيف تصعد أغانٍ بعينها في مواسم كروية محددة لتصبح جزءًا من ذاكرة الحدث. غير أن الفارق اليوم أن عملية صناعة هذا المزاج لم تعد محصورة في المجال المحلي أو الإقليمي، بل باتت عالمية منذ لحظة الولادة، بفضل المنصات التي تسمح بأن يشاهد المتابع في الدار البيضاء أو الرياض أو القاهرة أو عمّان الإصدار نفسه في اللحظة نفسها التي يشاهده فيها متابع في سيول أو مدريد أو ساو باولو.
ومن هذه الزاوية، تمثل مشاركة جيهيو تأكيدًا إضافيًا على أن الكيبوب أصبح لغة صالحة للتعبير عن الحماسة الرياضية، وليس فقط عن موضوعات الحب أو الشباب أو الأداء الاستعراضي. وهذا تحول مهم في صورة هذا النوع الموسيقي عالميًا، لأنه ينقله من خانة الذائقة المتخصصة إلى خانة الموسيقى القادرة على مواكبة مناسبات كونية كبرى.
أسماء عالمية ومشهد متعدد اللغات
من العناصر اللافتة في المشروع أيضًا أنه لا يعتمد على اسم واحد أو جغرافيا واحدة. فالمشروع يقوده المنتج والملحن العالمي ريدوان، وهو اسم معروف في صناعة البوب العالمية ومرتبط بتاريخ طويل من الأعمال ذات الطابع العابر للحدود. وحين يظهر اسم ريدوان في مشروع من هذا النوع، فإن الرسالة تكون واضحة: نحن أمام عمل صُمم ليُسمع في أكثر من سوق، ويُفهم في أكثر من سياق، ولا يتقيد بذائقة محلية مغلقة.
إلى جانب جيهيو، يضم العمل أسماء فنية أخرى مثل فرينش مونتانا ولودميلا وأدريانا سي، ما يعزز منطق التعدد اللغوي والثقافي داخل الأغنية نفسها. وهذه نقطة مهمة في فهم طبيعة الصناعة الموسيقية اليوم. فبدل الرهان على التجانس الكامل، تميل المشاريع العالمية الكبرى إلى بناء جاذبيتها من خلال الاختلاف: اختلاف في الخلفيات، وفي أنماط الأداء، وفي الدوائر الجماهيرية التي يأتي منها الفنانون المشاركون.
هذا التنوع لا يخص الموسيقى وحدها. فالفيديو الموسيقي الذي كُشف عنه في 22 يونيو ضم أيضًا أسماء كروية بارزة، من بينها البرازيلي رونالدو، والمغربي إبراهيم دياز، والأوروغواياني فيديريكو فالفيردي. ومع أن كل اسم من هذه الأسماء ينتمي إلى سياق كروي مختلف، فإن اجتماعها داخل فيديو واحد مع فنانة كورية يخلق مشهدًا مكثفًا عن العولمة الثقافية في صورتها الأوضح: شاشة واحدة، نجوم من قارات متعددة، وجمهور يتلقى الرسالة عبر وسائط متزامنة.
ولعل وجود اسم مغربي مثل إبراهيم دياز يحمل وقعًا خاصًا لدى الجمهور العربي. فهو يضيف خيطًا عربيًا، ولو من زاوية كروية، إلى مشروع تشارك فيه فنانة كورية وأسماء عالمية أخرى. وهذا النوع من الحضور يسهل على المتابع العربي الدخول إلى الخبر من بوابة القرب الرمزي، لأن المشهد لم يعد بعيدًا بالكامل، بل صار يتضمن اسمًا يعرفه ويتابعه في المستطيل الأخضر.
كيف يقرأ الجمهور العربي هذا النوع من الأخبار؟
اللافت أن الأخبار الثقافية الكورية في الإعلام العربي لم تعد تُقرأ بوصفها أخبارًا أجنبية خالصة، كما كان الحال قبل سنوات. فاليوم هناك جمهور عربي يعرف أسماء الفرق والأعضاء، ويتابع الإصدارات الجديدة، ويفهم إلى حد ما آليات الصناعة الكورية، من الوكالات الفنية إلى مفهوم «العودة» أو الـ comeback، وهو المصطلح الذي يشير في الكيبوب إلى عودة الفنان أو الفرقة بإصدار جديد وحملة ترويجية مصاحبة، لا إلى عودة بعد غياب طويل بالضرورة كما قد يُفهم في العربية.
هذا التراكم في المعرفة الجماهيرية يجعل خبرًا مثل مشاركة جيهيو في أغنية مرتبطة بالمونديال خبرًا قابلًا للتداول على أكثر من مستوى. فهناك من سيتابعه بوصفه تطورًا في مسيرة فنانة معروفة، وهناك من سيقرأه من زاوية تمدد الكيبوب عالميًا، وهناك من سيتعامل معه ببساطة على أنه تقاطع ممتع بين عالمين محبوبين: الغناء وكرة القدم.
كما أن السياق العربي يمنح الخبر طبقة إضافية من المعنى. فبعد الزخم الاستثنائي الذي رافق كأس العالم في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، باتت علاقة الجمهور العربي بالمونديال أكثر حساسية وحضورًا، ليس فقط كمشاهدين بل كمشاركين وجدانيًا في السردية العالمية للبطولة. لذلك فإن أي مشروع فني يتصل بالمونديال يلفت الانتباه تلقائيًا، خصوصًا إذا حمل في داخله عناصر من الثقافة الشعبية العالمية التي باتت تجد طريقها بسهولة إلى الشاشات العربية.
ومن منظور صحافي، يمكن القول إن هذا الخبر يوضح أيضًا كيف تتغير أولويات النشرات الثقافية والترفيهية في العالم العربي. لم يعد الاهتمام مقتصرًا على أخبار السينما العربية أو الدراما المحلية أو حفلات النجوم التقليديين، بل اتسعت خارطة المتابعة لتشمل قصصًا عابرة للقارات، طالما أنها تمس اهتمامات جيل جديد يعيش يومه بين «يوتيوب» و«تيك توك» ومنصات البث والتطبيقات الرياضية.
الدلالة الأوسع: من فرقة كورية إلى منصة عالمية
إذا وضعنا الخبر في سياقه الأوسع، فسنجد أنه يندرج ضمن مسار متواصل يجعل من الفنان الكوري عنصرًا حاضرًا في المناسبات العالمية الكبرى، لا كضيف استثنائي بل كشريك فعلي في صناعة المشهد. هذه النقلة لم تحدث صدفة، بل جاءت نتيجة سنوات من الاستثمار الكوري في الموسيقى والصورة والتدريب والتسويق والتوسع الخارجي. وفي حالة جيهيو، تبدو المشاركة في «فولو مي» مؤشرًا إلى أن هذا التوسع لم يعد مرتبطًا فقط بالفرق كاملة، بل أيضًا بالأصوات الفردية داخلها.
ذلك مهم لأن صناعة الكيبوب نفسها تمر بمرحلة بات فيها التفريق بين هوية الفرقة وهوية العضو الفردية أكثر وضوحًا من السابق. والجمهور يتقبل اليوم بسهولة أن يرى الفنان يؤدي داخل فرقته، ثم يظهر لاحقًا في مشاريع منفصلة، أو تعاونية، أو مرتبطة بمنصات دولية وأحداث كبرى. ومن هنا، فإن مشاركة جيهيو تبدو منسجمة مع هذا التحول، وتنسجم أيضًا مع حاجة المشاريع العالمية إلى أسماء تمتلك حضورًا جماهيريًا مثبتًا.
لكن الأهم من ذلك أن هذه الخطوة تعكس تغيرًا في مفهوم «الصوت المناسب» للحدث العالمي. في السابق، كانت مثل هذه المشاريع تميل إلى أسماء بوب غربية تقليدية معروفة في السوق الأميركية أو الأوروبية. أما اليوم، فالمعادلة أكثر انفتاحًا، لأن الجغرافيا السمعية نفسها تغيرت. جمهور العالم يسمع بلغات متعددة، ولا يجد حرجًا في الانتقال من أغنية عربية إلى كورية إلى لاتينية خلال دقائق. وهذا ما يجعل وجود صوت كوري في أغنية مرتبطة بكأس العالم أمرًا منطقيًا، بل متوقعًا.
في النهاية، لا يحتاج القارئ العربي إلى أن يكون متابعًا دقيقًا لكل تفاصيل الكيبوب كي يدرك أهمية هذا التطور. يكفي أن ينظر إلى الصورة الكبرى: فنانة من واحدة من أشهر فرق البوب الكورية تشارك في أغنية تعاون عالمية مرتبطة بأكبر بطولة كرة قدم في العالم، إلى جانب فنانين دوليين ونجوم كرة قدم معروفين. هذه وحدها حكاية معاصرة عن شكل الثقافة الشعبية في زمننا.
ما الذي يمكن توقعه بعد ذلك؟
حتى الآن، المعطيات المؤكدة واضحة ومحددة: جيهيو شاركت في الغناء، الأغنية صدرت رسميًا، والفيديو الموسيقي كشف عن تقاطع لافت بين نجوم الفن والكرة. أما ما إذا كانت «فولو مي» ستتحول إلى أغنية جماهيرية واسعة الانتشار مع اقتراب البطولة، فذلك سيعتمد على عوامل كثيرة، منها قوة التداول الرقمي، وحضور الأغنية في التغطيات الرياضية، وقدرتها على ترسيخ نفسها في ذاكرة المستمعين.
لكن، بصرف النظر عن مسار النجاح التجاري أو الجماهيري لاحقًا، فإن قيمة الخبر قائمة بذاتها. فهو يكشف عن مرحلة جديدة من التداخل بين الصناعات الثقافية، ويؤكد أن الكيبوب لم يعد يقف على هامش الأحداث الكبرى، بل يدخل إلى قلبها. كما يوضح أن منظمي المشاريع العالمية صاروا أكثر وعيًا بقيمة الجماهير المنظمة التي تجلبها أسماء مثل جيهيو، وبقدرة هذه الجماهير على تحويل أي إصدار إلى موضوع نقاش واسع خلال ساعات.
بالنسبة إلى وسائل الإعلام العربية المهتمة بالثقافة الكورية والموجة الكورية، يمثل هذا الخبر مادة نموذجية لفهم الاتجاهات الجديدة في السوق العالمية: التعاون بدل العزلة، والتنوع بدل الانغلاق، والرهان على المزج بين الفنون والرياضة والهوية الرقمية بدل الفصل بينها. وربما لهذا السبب تحديدًا يحظى خبر كهذا باهتمام يتجاوز حجمه الظاهري، لأنه يقول شيئًا مهمًا عن المستقبل: المستقبل الذي لن تكون فيه الحدود بين الأغنية والبطولة والجمهور والهوية الثقافية كما عرفناها من قبل.
وفي المحصلة، تبدو مشاركة جيهيو في «فولو مي» لحظة صغيرة في جدول الأخبار اليومية، لكنها لحظة كاشفة في مسار أوسع. فالعالم الذي يتشكل أمامنا هو عالم تلتقي فيه سيول مع الملاعب العالمية، وتجتمع فيه أصوات البوب مع هتافات المدرجات، ويجد فيه المشاهد العربي نفسه طرفًا طبيعيًا في قصة تُصنع بعيدًا جغرافيًا، لكنها تصل إليه فورًا، وتخاطب اهتماماته بلغات متعددة، من بينها لغة الشغف المشترك بالموسيقى وكرة القدم.
0 تعليقات