광고환영

광고문의환영

حين تنزل 200 يد إلى الحقل: كيف تكشف مبادرة في بيونغتشانغ الوجه الآخر للريف الكوري؟

حين تنزل 200 يد إلى الحقل: كيف تكشف مبادرة في بيونغتشانغ الوجه الآخر للريف الكوري؟

مشهد من كوريا بعيدًا عن أضواء سيول

في الأخبار القادمة من كوريا الجنوبية، يطغى عادةً بريق سيول، وصناعة الترفيه، وشركات التكنولوجيا العملاقة، وصور القطارات السريعة والمقاهي الحديثة. لكن خبرًا محليًا من إقليم غانغوون في شرق البلاد يفتح نافذة مختلفة تمامًا على المجتمع الكوري؛ نافذة تطل على الحقول، وعلى الإيقاع البطيء والدقيق للعمل الزراعي، وعلى أزمة تتكرر في كثير من بلدان العالم، بما فيها بلدان عربية عديدة: من سيحمل عبء الزراعة حين يتقدم الفلاحون في العمر، وترتفع كلفة العمالة، ويصبح المناخ أقل قابلية للتنبؤ؟

في بلدة ديغواليونغ التابعة لبيونغتشانغ، نظّم فرع الاتحاد الوطني للتعاونيات الزراعية الكورية في غانغوون يومًا مكثفًا لدعم المزارعين، شارك فيه أكثر من 200 شخص، بينهم رئيس الاتحاد كانغ هو-دونغ، ومسؤولون محليون، وأعضاء من جمعيات أهلية، وربات بيوت مرتبطات بشبكات دعم زراعي، وطلاب جامعيون متطوعون. لم يكن الأمر زيارة بروتوكولية لالتقاط الصور، ولا مناسبة علاقات عامة معزولة عن واقع الأرض. المشاركون نزلوا فعليًا إلى الحقول لمساعدة المزارعين في أعمال موسمية دقيقة، من بينها بذر الفجل، وغرس شتلات الخس، وإزالة سيقان أو فروع غير مرغوبة في حقول الفراولة، وهي أعمال تتطلب توقيتًا وحضورًا بشريًا أكثر مما تتطلب الخطابات.

والأهم أن المشهد لم يقتصر على مزرعة واحدة أو بلدة واحدة. ففي اليوم نفسه، شارك نحو ألف متطوع وموظف من المنظومة التعاونية الزراعية في أنحاء غانغوون المختلفة في أعمال مشابهة لمساندة الأسر الزراعية خلال ذروة الموسم الصيفي. هذه الصورة، وإن بدت محلية للغاية، تقول الكثير عن كوريا اليوم: بلد نجح في بناء صورة عالمية عصرية، لكنه لا يزال يواجه في عمقه تحديات الريف الكلاسيكية نفسها التي نعرفها من جبال المغرب، وصعيد مصر، وأرياف الشام، والمرتفعات الزراعية في اليمن وعُمان.

بالنسبة إلى القارئ العربي، ربما تبدو كوريا الجنوبية دولة مكتفية بالحلول التقنية إلى الحد الذي يجعل مثل هذه المبادرات غير متوقعة. غير أن الخبر يذكّر بأن الأمن الغذائي، في نهاية المطاف، لا يصنعه الهاتف الذكي ولا المسرح الغنائي، بل اليد التي تعرف متى تضع البذرة، ومتى تنقل الشتلة، ومتى تزيل فرعًا صغيرًا حتى تنمو الثمرة على نحو أفضل. ومن هنا تكتسب هذه القصة أهميتها الصحفية والإنسانية معًا.

ما الذي حدث في ديغواليونغ؟

بحسب المعطيات المعلنة، أقام فرع غانغوون في الاتحاد التعاوني الزراعي الكوري فعالية ضمن ما يسمى حملة «نونغشيم تشونشيم»، وهي عبارة كورية تحمل معنى قريبًا من «قلب الفلاح من قلب السماء» أو «العناية بالزراعة والريف بروح مسؤولة»، وهي صياغة رمزية تشير إلى أن العمل الزراعي ليس مجرد إنتاج اقتصادي، بل علاقة أخلاقية ومجتمعية مع الأرض والناس. هذا النوع من التعبيرات حاضر بقوة في الثقافة الكورية التقليدية، حيث تتداخل فكرة العمل اليومي بفكرة الواجب الجماعي والاحترام العميق لدورات الطبيعة.

المشاركون في الحدث لم يكتفوا بإعلان التضامن، بل توجهوا إلى مزارع تعاني نقصًا في الأيدي العاملة، وشاركوا في ثلاث فئات من العمل يمكن من خلالها فهم طبيعة الضغط الذي يعيشه الريف الكوري في يونيو تحديدًا. الأولى هي بذر الفجل، وهي مرحلة تؤسس لمحصول كامل ولا تحتمل التأخير. الثانية غرس شتلات الخس، وهو عمل يحتاج إلى سرعة ودقة في توقيت قصير. الثالثة إزالة السيقان من نباتات الفراولة، وهي عملية تبدو بسيطة لمن ينظر من الخارج، لكنها في الواقع جزء من إدارة نمو النبات وضبط إنتاجه وجودته، وغالبًا ما تكون يدوية وتتطلب متابعة مستمرة.

هذه التفاصيل الزراعية مهمة لأنها تنقلنا من مستوى الشعارات إلى مستوى الواقع الملموس. ففي كثير من التغطيات الإعلامية، تُختزل أزمة الريف في كلمات عامة مثل «دعم المزارعين» أو «مساندة القرى». أما هنا، فالمشهد أكثر تحديدًا: هناك أعمال لا يمكن تأجيلها، ولا يمكن لآلة أن تؤديها كاملة، ولا يمكن للمزارع المسن أن ينجزها وحده في الوقت المناسب، خصوصًا حين تتراكم عليه مهام متعددة في أيام قليلة.

كما أن اختيار ديغواليونغ ليس عابرًا. هذه المنطقة معروفة بطبيعتها الجبلية وهوائها البارد نسبيًا، وتُعد من أشهر مناطق الزراعة المرتفعة في كوريا. وفي الوعي العالمي، ارتبط اسم بيونغتشانغ كثيرًا بالألعاب الأولمبية الشتوية، غير أن الخبر الأخير يعيد تقديمها بصورة أخرى: ليست فقط مدينة مناسبات دولية، بل أيضًا مساحة ريفية تتحرك فيها الحياة وفق منطق المواسم، ويصبح فيها حضور 200 متطوع إلى الحقل حدثًا له وزن حقيقي في حياة الناس.

يونيو.. الشهر الذي «تنهض فيه حتى العصا للمساعدة»

من أكثر ما لفت الانتباه في التصريحات المرافقة للفعالية استعارة شعبية كورية قال فيها رئيس الاتحاد إن شهر يونيو هو الوقت الذي «تنهض فيه حتى العصا لتساعد في العمل». هذه العبارة، التي قد تبدو طريفة عند ترجمتها حرفيًا، تحمل معنى شديد القرب من أمثال عربية يعرفها أهل الريف، من نوع القول إن الموسم لا ينتظر أحدًا، أو إن يوم الحصاد يساوي أسبوعًا من العمل في غيره. وفي الثقافة الزراعية، الأمثال ليست مجرد زينة لغوية؛ إنها اختصار لتجربة جماعية طويلة مع الأرض والطقس والوقت.

في الحالة الكورية، يشير هذا المثل إلى ذروة الانشغال في بداية الصيف، حين تتداخل أعمال الزراعة والرعاية والتجهيز لمحاصيل متعددة في فترة زمنية ضيقة. إذا تأخرت يومًا في الغرس أو البذر أو التقليم، فقد تدفع ثمن ذلك أسابيع أو أشهر لاحقًا. لذلك يصبح لكل يد قيمة، ولكل ساعة وزن، ولكل مساعدة معنى اقتصادي يتجاوز رمزيتها الاجتماعية.

هذا الإيقاع الموسمي مألوف جدًا لدى المجتمعات العربية الزراعية. ففي قرى الدلتا المصرية، أو سهول العراق، أو بساتين الأردن، أو حقول الزيتون في تونس وفلسطين، يعرف الناس أن هناك أيامًا لا يكفي فيها العاملون المعتادون، وأن القرابة والجيرة والتكافل تصبح جزءًا من دورة الإنتاج نفسها. الفرق أن كوريا الجنوبية، رغم تطورها الصناعي الكبير، لم تفقد هذا الحس الموسمي تمامًا. الخبر يثبت أن الريف الكوري لا يزال يتحرك بإيقاع تقليدي في كثير من الجوانب، وأن المؤسسات هناك تحاول ملء الفراغ الذي تركته التحولات الديموغرافية والاجتماعية.

ومن الناحية الرمزية، تكشف العبارة أيضًا عن شيء مهم في الخطاب الكوري الرسمي تجاه الريف. فبدل الاكتفاء بلغة الأرقام والبرامج، يجري استدعاء قاموس شعبي قريب من الفلاحين أنفسهم. وهذا الأسلوب، إذا تأملناه عربيًا، يشبه حين يتحدث مسؤول بلغة يعرفها أهل الأرض، لا بلغة المكاتب المكيفة. إنه اعتراف ضمني بأن الزراعة ليست ملفًا إداريًا فقط، بل ثقافة معيشة كاملة.

الوجه الحقيقي للأزمة: الشيخوخة وكلفة العمالة واضطراب المناخ

إذا أردنا قراءة الخبر بعمق، فإن الحدث لا يتعلق فقط بمبادرة تطوعية ناجحة، بل بما وراءها من أزمة بنيوية. التصريحات الرسمية اختصرت الأمر في ثلاثة عوامل متشابكة: شيخوخة المجتمع الريفي، وارتفاع كلفة الأيدي العاملة، وتأثيرات المناخ غير المستقرة. وهذه ليست عناوين منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تضغط على المزارع من كل جهة.

أولًا، الشيخوخة. مثل بلدان كثيرة في شرق آسيا، تواجه كوريا الجنوبية تحولًا ديموغرافيًا كبيرًا، إذ ترتفع أعمار السكان وتتراجع معدلات الولادة، فيما يفضّل الشباب غالبًا الانتقال إلى المدن الكبرى بحثًا عن وظائف أكثر استقرارًا وأقل قسوة بدنية. النتيجة أن كثيرًا من القرى الكورية باتت تعتمد على سكان أكبر سنًا في إدارة المزارع. وحين يأتي موسم يحتاج إلى جهد سريع وكثيف، تظهر الفجوة فورًا. ليس لأن الفلاحين فقدوا الخبرة، بل لأن الخبرة وحدها لا تكفي حين يكون العمل مرهقًا ومتسارعًا.

ثانيًا، كلفة العمالة. حتى حين يكون بالإمكان استقدام عمال مؤقتين، فإن ارتفاع الأجور والرسوم والنفقات التشغيلية يجعل القرار مكلفًا، خاصة في ظل تقلب الأسعار الزراعية. المزارع الصغيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثرًا هنا، لأن هامش ربحها ليس واسعًا بالدرجة التي تسمح لها بامتصاص هذه الزيادات. وهذا أمر مألوف أيضًا في العالم العربي، حيث يشكو المزارعون من أن تكلفة الإنتاج ترتفع أسرع من قدرة السوق على تعويضهم.

ثالثًا، المناخ. حين يتحدث الكوريون عن «المناخ غير الطبيعي» أو «الطقس الشاذ»، فهم يشيرون إلى حقيقة باتت عالمية: فصول أقل انتظامًا، أمطار في غير مواعيدها، موجات حر أو برد تؤثر في الحساسية الزمنية للمحاصيل. الزراعة، كما يعرف الفلاحون، ليست فقط عملًا شاقًا بل أيضًا رهانًا على التوقيت. وعندما يختل التوقيت بفعل المناخ، يصبح الضغط مضاعفًا؛ لأن المزارع لا يفقد الراحة فحسب، بل يفقد القدرة على التخطيط.

في ضوء ذلك، يمكن فهم لماذا يبدو حضور 200 شخص إلى مزرعة أمرًا مؤثرًا فعلًا، لا مجرد صورة جماعية. وحين تمتد المشاركة إلى ألف متطوع وموظف عبر الإقليم، فإننا لا نكون أمام حملة علاقات عامة فقط، بل أمام محاولة لسد فجوة عمل موسمية تعترف المؤسسات بوجودها. قد لا تحل هذه المبادرات المشكلة من جذورها، لكنها تخفف أثرها في اللحظة الحرجة، وتمنح المزارعين شعورًا بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة دورة زراعية تزداد صعوبة عامًا بعد عام.

لماذا تحمل مشاركة الطلاب والجمعيات دلالة خاصة؟

الخبر يلفت أيضًا إلى تنوع المشاركين: موظفون من المؤسسة التعاونية، أعضاء في جمعيات محلية، ومتطوعون جامعيون. هذه التركيبة تستحق التوقف، لأنها تكشف كيف تحاول كوريا وصل ما انقطع بين المدينة والريف، وبين الجيل الشاب والعمل الزراعي. ففي كثير من المجتمعات الحديثة، تنشأ مسافة نفسية وثقافية بين المستهلك والطعام الذي يستهلكه. يرى الشاب الخس والفراولة في السوبرماركت، لكنه لا يعرف كم يدًا تعبت قبل أن تصل الثمرة إلى الرف.

مشاركة الطلاب هنا ليست فقط سدًا مؤقتًا لنقص العمالة، بل تجربة تعليمية واجتماعية أيضًا. إنها تعيد تعريف الزراعة أمام جيل تربى في عالم رقمي سريع الإيقاع. ومن دون مبالغة، يمكن القول إن مثل هذه التجارب قد تخلق وعيًا مختلفًا بالأمن الغذائي، وبالجهد البشري الذي يقف خلف أبسط مكونات المائدة. هذا مهم لكوريا كما هو مهم للعالم العربي، حيث تتسع الفجوة في أحيان كثيرة بين سكان المدن وحياة الريف الفعلية.

أما الجمعيات المحلية، وخصوصًا التنظيمات المرتبطة بأسر المزارعين وربات البيوت، فهي تعكس نوعًا من الشبكات الاجتماعية التي ما زالت حية في المجتمع الكوري. هذه الشبكات تشبه إلى حد ما اللجان الأهلية أو المبادرات المجتمعية التي نعرفها عربيًا في مواسم الحصاد أو في دعم القرى خلال الأزمات. أي أن التضامن هنا لا يأتي فقط من مؤسسة مركزية، بل من نسيج اجتماعي يرى في استقرار المزرعة مصلحة عامة، لا شأنًا فرديًا يخص صاحب الأرض وحده.

ومن زاوية صحفية أوسع، فإن هذه المشاركة المشتركة بين مؤسسة كبرى وشباب وجمعيات أهلية تشير إلى أن كوريا تحاول إدارة أزمة الريف بمنطق جماعي، لا بمنطق السوق وحده. الرسالة الضمنية هي أن الزراعة لا يمكن تركها بالكامل لقواعد العرض والطلب إذا كان المطلوب الحفاظ على حياة القرى وعلى استقرار سلاسل الغذاء. وهذا نقاش عالمي بامتياز، تعيشه أوروبا وآسيا وأجزاء واسعة من العالم العربي في الوقت نفسه.

غانغوون وبيونغتشانغ: جغرافيا تشرح الخبر

لفهم الصورة أكثر، من المفيد شرح طبيعة المنطقة للقارئ العربي. إقليم غانغوون يقع في شمال شرق كوريا الجنوبية، ويتميز بتضاريس جبلية ومناخ يجعله مناسبًا لأنماط زراعية تختلف عن تلك السائدة في السهول الأدفأ. أما ديغواليونغ في بيونغتشانغ، فهي معروفة بمرتفعاتها وبهوائها البارد نسبيًا، ما يمنحها خصوصية في الزراعة العالية أو ما يمكن تسميته بالزراعة في المناطق المرتفعة. هذه السمات الجغرافية ليست خلفية محايدة، بل جزء من سبب أهمية اليد العاملة الدقيقة هناك.

في المناطق المرتفعة، تكون مواسم الزراعة أحيانًا أكثر حساسية للتوقيت، كما أن بعض المحاصيل تحتاج إلى متابعة دقيقة بسبب تغيرات الطقس. لذلك فإن أي نقص في الأيدي العاملة خلال فترة قصيرة قد ينعكس مباشرة على جودة الإنتاج. ومن هنا يبدو منطقيًا أن يختار المنظمون هذا الموقع ليكون مسرحًا لفعالية تحمل معنى عمليًا ورمزيًا في آن.

ولعل اللافت أن بيونغتشانغ، التي عرفها العالم عبر الرياضة الشتوية، تعود هنا إلى حقيقتها اليومية البعيدة عن الكاميرات الدولية. وهذا التناقض الظاهري مهم جدًا في قراءة كوريا المعاصرة. فالدولة التي تقدم نفسها عالميًا بوصفها مركزًا للابتكار والثقافة الشعبية لا تزال في أطرافها تعتمد على بنية ريفية تقليدية تواجه تحديات شبيهة بما عرفته مجتمعاتنا العربية لعقود: نزوح الشباب، قلق المواسم، وارتفاع كلفة العمل الزراعي.

بكلمات أخرى، الخبر يذكرنا بأن صورة أي بلد لا تختزلها عاصمته ولا صناعاته الأكثر شهرة. وكما لا يمكن اختصار مصر في القاهرة، أو المغرب في الدار البيضاء، أو السعودية في الرياض، لا يمكن اختصار كوريا في سيول وحدها. هناك كوريا أخرى تسكن الجبال والحقول والقرى، وتطلب في بعض أيام يونيو أن تنزل 200 يد إلى الأرض حتى لا يفوت الموسم.

ما الذي يمكن للعالم العربي أن يقرأه في هذه القصة؟

قد يبدو الخبر محليًا جدًا للوهلة الأولى، لكنه يحمل دروسًا مهمة للقارئ العربي، خاصة في زمن تتزايد فيه الأسئلة حول الأمن الغذائي والاستدامة والهجرة من الريف إلى المدينة. أول هذه الدروس أن الزراعة، مهما تطورت الدول، تظل قطاعًا هشًا أمام اختلال التوازن بين الإنسان والكلفة والمناخ. لا يوجد نموذج حديث يستطيع إلغاء الحاجة إلى العمل البشري بالكامل، خصوصًا في المحاصيل التي تتطلب عناية يدوية ومتابعة موسمية.

الدرس الثاني أن المجتمع الذي يريد حماية زراعته لا يعتمد فقط على الدعم المالي المباشر، بل يحتاج أيضًا إلى تعبئة اجتماعية ورمزية تجعل العمل الزراعي قضية مشتركة. في العالم العربي، لدينا تراث طويل في «الفزعة» و«العونة» والعمل التعاوني في القرى، لكن كثيرًا من هذه الممارسات تراجعت مع تغير نمط الحياة. الخبر الكوري يوحي بأن تحديث الزراعة لا يعني التخلي عن قيم التضامن، بل ربما إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات أكثر قدرة على التنسيق.

الدرس الثالث أن ربط الشباب بالريف لم يعد ترفًا. حين ينزل الطلاب إلى الحقول، فهم لا يقومون فقط بعمل تطوعي، بل يعيدون اكتشاف الحلقة المفقودة بين الاستهلاك والإنتاج. وفي منطقتنا العربية، حيث يزداد اعتماد كثير من البلدان على الاستيراد الغذائي، تصبح معرفة الأجيال الجديدة بقيمة الزراعة أمرًا استراتيجيًا، لا مجرد نشاط مدرسي أو موسمي.

أما الدرس الرابع، فهو أن الحديث عن المناخ لم يعد شأنًا بيئيًا نخبويًا. في نهاية المطاف، يتجسد تغير المناخ في الحقل قبل أن يتجسد في المؤتمرات. يظهر في موعد الغرس، وفي قلق المزارع من موجة حر مفاجئة، وفي الحاجة إلى إنجاز العمل بسرعة لأن النافذة الزمنية أصبحت أقصر. لهذا فإن أي نقاش عربي جاد حول الزراعة يجب أن يضع المناخ في صلبه، لا على هامشه.

في المحصلة، تكشف مبادرة ديغواليونغ شيئًا أعمق من مشهد متطوعين يساعدون مزارعين ليوم واحد. إنها تذكير بأن الريف، في كوريا كما في بلادنا، ليس مجرد مساحة جغرافية خلفية للمدن، بل خط دفاع أول عن الاستقرار الغذائي والاجتماعي. وحين تتحول مساعدة المزارعين إلى فعل جماعي منظم، فهذا يعني أن المجتمع أدرك أن الطعام الذي يصل إلى المائدة يبدأ دائمًا من مكان ما، ومن يد ما، ومن موسم لا ينتظر. وبين صورة كوريا المصدَّرة إلى العالم كقوة ناعمة حديثة، وصورة 200 شخص ينحنون فوق الشتلات في حقل ببيونغتشانغ، تتكشف الحقيقة الأوسع: الحداثة لا تلغي الأرض، بل تجعل حمايتها أكثر إلحاحًا.

ربما لهذا يبدو هذا الخبر الصغير، في ظاهره، أكبر من حجمه. فهو لا يروي فقط ما حدث في يوم صيفي بغانغوون، بل يروي كيف تحاول دولة حديثة أن تتذكر أساسياتها القديمة: أن الزراعة مهنة وقت، وأن القرية تحتاج من يقف معها، وأن المجتمع الذي يريد أن يأكل بأمان عليه أولًا أن يسأل من الذي بقي في الحقل، ومن الذي سيأتي ليساعده عندما يشتد الموسم.

Source: Original Korean article - Trendy News Korea

إرسال تعليق

0 تعليقات