
سيول تستقبل اسماً كبيراً من جاز العالم
في خبر ثقافي لافت يتجاوز ضجيج أخبار الفرق الغنائية والدراما الكورية، تستعد العاصمة الكورية الجنوبية سيول لاستقبال واحدة من أبرز الأسماء في عالم الجاز المعاصر، إذ تحيي المؤلفة الموسيقية وقائدة الأوركسترا الأمريكية ماريا شنايدر أول حفل لها في كوريا الجنوبية يوم 31 من الشهر المقبل عند الساعة السابعة والنصف مساءً على مسرح «لوتّه كونسرت هول» في سيول، برفقة أوركسترا مؤلفة من 19 عازفاً. وبحسب ما أُعلن في سيول، فإن الحفل لا يُنظر إليه هناك بوصفه مجرد زيارة لفنانة عالمية، بل كموعد فني استثنائي يلتقي فيه فضاء القاعة الكلاسيكية مع طاقة الجاز الأوركسترالي واسع التكوين.
بالنسبة إلى القارئ العربي الذي يتابع كوريا غالباً من بوابة الدراما ونجوم الكيبوب، يبدو هذا الخبر تذكيراً مهماً بأن المشهد الثقافي الكوري أوسع بكثير من صورته الشائعة في منصات التواصل. فسيول، التي اعتدنا رؤيتها مركزاً لصناعة الترفيه الجماهيري، تتحرك أيضاً بوصفها مدينة تستضيف عروضاً موسيقية عالية التعقيد، من الأوبرا إلى الموسيقى المعاصرة، ومن الجاز التجريبي إلى المشاريع الأوركسترالية العابرة للأنواع. ومن هنا، يكتسب حضور ماريا شنايدر رمزية مضاعفة: فهو من جهة يكشف ذائقة جمهور كوري مستعد للإصغاء إلى موسيقى تتطلب تركيزاً وصبراً، ومن جهة أخرى يضع الجاز الكبير، أو ما يُعرف بـ«البيغ باند»، في قلب نقاش ثقافي جديد داخل كوريا وخارجها.
والأهم أن الحفل يأتي في لحظة باتت فيها كوريا الجنوبية منصة دولية لا تقتصر على تصدير ثقافتها، بل على استيراد أشكال فنية معقدة وإعادة تقديمها ضمن بنية عرض متطورة. وإذا كانت العواصم العربية الكبرى، من القاهرة إلى بيروت والرباط وأبوظبي، تعرف جيداً أهمية المهرجانات التي تستضيف أسماء عالمية لتوسيع أفق الجمهور، فإن سيول تبدو اليوم وهي تؤدي دوراً مشابهاً في شرق آسيا، مع فارق أن الحدث الكوري هنا لا يعتمد على الاسم وحده، بل على طبيعة التجربة السمعية التي تحملها شنايدر معها.
من هي ماريا شنايدر؟ ولماذا يحظى حضورها بكل هذا الاهتمام؟
ماريا شنايدر ليست مجرد قائدة فرقة جاز ناجحة، بل تُعد في الأوساط الموسيقية العالمية من أهم المؤلفين والموزعين الذين أعادوا تعريف الكتابة للأوركسترا الكبيرة خلال العقود الأخيرة. وُلدت عام 1960 في ولاية مينيسوتا الأمريكية، ودرست التأليف الموسيقي في «إيستمان سكول أوف ميوزيك» ثم في جامعة ميامي، قبل أن تنتقل عام 1985 إلى نيويورك، المدينة التي تشكل تقليدياً مختبراً مفتوحاً لموسيقيي الجاز والباحثين عن لغة جديدة.
هناك، لم تدخل شنايدر المشهد من أبوابه السهلة. فقد عملت إلى جانب اثنين من الأسماء الثقيلة في تاريخ الجاز الأوركسترالي، هما جيل إيفانز وبوب بروكماير. وبالنسبة لمن لا يتابع هذا النوع من الموسيقى عن قرب، يمكن تشبيه هذه المرحلة بما يشبه تتلمذ شاعر شاب على أيدي كبار القصيدة الحديثة، أو ما يعادل في التقاليد العربية الموسيقية الجلوس الطويل في مدرسة ملحن كبير لفهم أسرار توزيع النغمات، وتوزيع الأدوار بين الآلات، وكيفية بناء التوتر والانفراج داخل العمل الواحد. هذا النوع من التكوين لا يصنع نجومية سريعة، لكنه يصنع شخصية موسيقية متماسكة.
في عام 1992 أسست شنايدر الأوركسترا التي تحمل اسمها، ومنذ ذلك الحين راحت تبني مشروعها بعيداً عن الاستنساخ السائد في تقاليد «البيغ باند». فبدلاً من الاقتصار على القوة الإيقاعية أو البريق النحاسي الصاخب، سعت إلى توسيع مفهوم الأوركسترا الجازية لتصبح مساحة للرسم الصوتي، والتأمل، وبناء المشاهد السمعية، واختبار العلاقات الدقيقة بين الآلات. لهذا السبب ينظر إليها كثيرون لا بوصفها مجرد قائدة فرقة، بل ككاتبة مشاهد بالموسيقى، تحوّل الأوركسترا إلى فضاء سردي يتنفس ويتحوّل باستمرار.
هذا الموقع الذي شغلته في تاريخ الجاز المعاصر لم يأت من فراغ. فقد قادت كضيفة أكثر من 85 فرقة ومجموعة موسيقية في أكثر من 30 دولة، وهو رقم يعكس مدى حضورها العالمي، كما شاركت في مشاريع فنية عابرة للنوع الموسيقي، بينها تعاونها مع ستينغ ومساهمتها في ألبوم ديفيد بوي الأخير «بلاك ستار». وهذه النقطة بالذات تهم القارئ العربي لأنها تشرح ببساطة أن شنايدر ليست اسماً محصوراً في دائرة نخبويّة ضيقة، بل موسيقية استطاعت أن تتحدث إلى جمهور الجاز، وجمهور البوب، ومتابعي المشاريع الفنية المركبة في آن واحد.
ما الذي يعنيه أن تصعد إلى المسرح بأوركسترا من 19 عازفاً؟
الرقم هنا ليس تفصيلاً تقنياً عابراً. عندما يُعلن أن ماريا شنايدر ستقدم عرضها في سيول مع أوركسترا من 19 عازفاً، فالمقصود أن الجمهور لن يشاهد حفلاً صغيراً أو جلسة جاز حميمة على طريقة النوادي الليلية، بل سيواجه جسماً موسيقياً كبيراً يتطلب كتابة دقيقة، وتوازناً شديد الحساسية بين الأقسام المختلفة، من آلات النفخ الخشبية والنحاسية إلى الإيقاع وما بينهما من مساحات لونية.
في الثقافة العربية، قد يكون من المفيد تقريب الصورة عبر مقارنة بسيطة: كما أن الفرق بين مطرب يؤدي مع تخت صغير وبين مطرب يعتلي المسرح برفقة أوركسترا كاملة ليس فرقاً في العدد فقط، بل في بنية الجملة الموسيقية واتساعها وطرائق تلقيها، كذلك الأمر هنا. أوركسترا الجاز الكبيرة لا تعني صوتاً أعلى فحسب، بل تعني إمكانات أرحب للطبقات الصوتية، وللحوارات بين الآلات، وللانتقال من الهمس إلى الانفجار ثم العودة إلى مناطق التأمل من دون أن يضيع خيط السرد.
وتُعرف شنايدر تحديداً بقدرتها على جعل هذا التكوين الكبير يبدو كائناً عضوياً واحداً، لا مجرد مجموعة من العازفين المتجاورين. في أعمالها، تحتفظ كل آلة بشخصيتها، لكنها تُدمج في نسيج أوسع يتحرك كأن له نفساً واحداً. وهذه ميزة نادرة لأن التحكم في أوركسترا بهذا الحجم لا يقوم فقط على المهارة الأكاديمية، بل على حس مسرحي وسمعي يعرف متى يفسح المجال للصوت الفردي، ومتى يعيد الجميع إلى الكتلة الجماعية.
من هنا يأتي الترقب الكوري للحفل. فالمسألة ليست أن سيول ستستضيف اسماً عالمياً وحسب، بل إنها ستختبر كيف يبدو هذا النوع من الجاز عندما يُقدّم في قاعة مصممة أساساً للاستماع الدقيق. وبين جمهور الجاز المتمرس وبين جمهور الفنون الأدائية الأوسع، تبدو الفرصة سانحة لالتقاط تجربة سمعية لا تتكرر كثيراً، حتى في المدن الكبرى.
«المشهد الصوتي ثلاثي الأبعاد»... كيف يمكن فهم موسيقى شنايدر؟
الجهة المنظمة للحفل قدّمت موسيقى ماريا شنايدر بوصفها «مشهداً صوتياً ثلاثي الأبعاد»، وهي عبارة تحتاج إلى تفكيك كي لا تبدو مجرد وصف دعائي. المقصود هنا أن موسيقاها لا تُبنى على لحن واضح يُعاد تكراره فحسب، ولا على إيقاع راقص بالمعنى التقليدي، بل على تصور كامل للصوت بوصفه فضاءً. المستمع لا يتابع خطاً لحنياً واحداً فقط، بل يشعر كأنه يتحرك داخل مناخ، أو أمام لوحة تتبدل إضاءتها ومسافاتها وطبقاتها كل دقيقة.
هذا المفهوم قد يبدو قريباً، بصورة ما، من فكرة «التصوير بالموسيقى» المعروفة في التراثين العربي والعالمي، حين يستطيع الملحن أن يوقظ في الذهن مشهداً أو مكاناً أو إحساساً من دون كلمات. لكن شنايدر تفعل ذلك بأدوات الجاز الأوركسترالي المعاصر: تراكب في الأصوات، انسحاب تدريجي لآلة وظهور أخرى، تنفس محسوب داخل الجمل، وفسح مجال للارتجال من دون كسر البنية الكلية. ولهذا، فإن وصف «ثلاثي الأبعاد» لا يحيل إلى التقنية بقدر ما يحيل إلى التجربة الإدراكية: أنت لا تسمع فقط، بل تتخيل وتلاحق سرداً غير منطوق.
في هذه النقطة تحديداً تكمن جاذبية شنايدر لجمهور غير متخصص أيضاً. فثمة اعتقاد شائع، في العالم العربي كما في أماكن أخرى، بأن الجاز فن صعب أو مغلق على نخبة محددة. غير أن أعمال شنايدر، رغم تعقيدها البنائي، تفتح باباً واسعاً أمام المستمع الجديد لأنها لا تتعامل مع الموسيقى كاستعراض تقني بارد، بل كحكاية حسية. يمكن لمن لا يعرف الفروق الدقيقة بين المدارس الجازية أن يلتقط المزاج، والتحول، والصورة، والرهان العاطفي في العمل.
ومن الطبيعي أن يتضاعف هذا الأثر في عرض حي داخل قاعة مثل «لوتّه كونسرت هول»، المعروفة في سيول بجودة تصميمها الصوتي. ففي مثل هذه المسارح، لا تُستهلك الموسيقى كخلفية، بل تُمنح الوقت والمساحة كي تتمدد وتصل إلى المتلقي كما أرادها صاحبها. وهذا ما يجعل الحفل في الوعي الثقافي الكوري أقرب إلى تجربة استماع كاملة، لا إلى موعد ترفيهي عابر.
سيول بين الكيبوب والجاز: وجه آخر للمشهد الكوري
حين تُذكر كوريا الجنوبية في الإعلام العربي، غالباً ما تتقدم صورة الكيبوب والدراما والمسلسلات الرومانسية والنجوم الشباب. وهذه صورة مفهومة ومشروعة، لأن الموجة الكورية نجحت بالفعل في اختراق المزاج العربي عبر هذه المنتجات. لكن اختزال كوريا في هذه الزاوية وحدها يحجب طبقات أخرى من حياتها الثقافية، منها المسارح، وقاعات الحفلات، والمهرجانات الفنية، والجامعات الموسيقية، والمساحات التي تستقبل أشكالاً أكثر تعقيداً وأقل جماهيرية بالمعنى المباشر.
لذلك، فإن حضور ماريا شنايدر إلى سيول يلفت النظر إلى هذا الوجه الآخر: كوريا بوصفها سوقاً واعية للفنون العالمية، لا فقط مصدراً للثقافة الشعبية. وفي هذا بعدٌ مهم للقارئ العربي، لأن كثيراً من النقاشات حول «القوة الناعمة» الكورية تنصب على ما تنتجه البلاد وتصدّره، بينما تكمن قوة المشهد الثقافي الحقيقي أيضاً في قدرته على الاستقبال والامتصاص وإتاحة الفرصة لجمهوره كي يلتقي بتجارب متنوعة من خارج السياق المحلي.
ومن الإنصاف القول إن هذه الدينامية لا تختلف في جوهرها عن الأسئلة التي تطرحها مدن عربية كبرى على نفسها اليوم: كيف نبني جمهوراً لا يكتفي بالمنتج الرائج، بل يذهب أيضاً إلى الموسيقى الصعبة، والمسرح المختلف، والسينما الفنية؟ كيف نخلق توازناً بين الاقتصاد الثقافي القائم على النجومية السريعة، وبين الاستثمار طويل الأمد في الذائقة؟ سيول تقدم، عبر هذا النوع من الأحداث، مثالاً عملياً على أن المدينة الحديثة يمكن أن تجمع بين الظاهرتين معاً: صناعة جماهيرية ضخمة، وحياة فنية أكثر تخصصاً وعمقاً.
ومن هذا المنظور، لا يبدو حفل شنايدر منفصلاً عن التحولات الأوسع في المشهد الكوري، بل جزءاً منها. إنه خبر صغير في الظاهر، لكنه يضيء على بنية ثقافية كاملة تعيد تعريف علاقتها بالعالم، ليس فقط عبر ما تبثه إلى الخارج، بل أيضاً عبر ما تستضيفه في الداخل.
الطبيعة والإنسان والبيئة... الفكرة وراء الموسيقى
من أبرز ما يميز مشروع ماريا شنايدر أن موسيقاها لا تُقدَّم عادة بوصفها هندسة صوتية محضة، بل بوصفها مساحة تأمل في الطبيعة والبيئة والعلاقة الإنسانية بالعالم. هذه الثيمة ليست زينة فكرية توضع فوق العمل بعد اكتماله، بل تبدو جزءاً من نسيجه الداخلي. فالألوان الصوتية، وطريقة تمدد الجمل، وحركة الكتل الأوركسترالية، توحي بأن هناك اهتماماً بالتفاصيل العضوية، وبالإيقاعات غير الصاخبة، وبالتحولات التي تشبه التنفس أو حركة المشهد الطبيعي.
ولعل هذا ما يجعل موسيقاها مناسبة لزمن عالمي مثقل بالأسئلة البيئية والوجودية. فبدلاً من الخطابة المباشرة أو الشعارات، تقترح شنايدر شكلاً آخر من التفكير: أن يُستعاد الإحساس بالعالم عبر الاستماع. في هذا المعنى، تتحول الأوركسترا إلى وسيلة لإعادة ترتيب الحواس، وإلى تذكير بأن الفن لا يُقاس فقط بما يقوله صراحة، بل أيضاً بما يتركه من أثر داخلي في المتلقي.
القارئ العربي قد يجد في هذا التوجه ما يلامس تقاليد فنية يعرفها جيداً. فكما حملت القصيدة العربية، في لحظات كثيرة، همّ الطبيعة والزمان والمصير من خلال الصورة والإيقاع لا عبر المباشرة، وكما لجأت الموسيقى العربية الحديثة أحياناً إلى بناء حالات وجدانية لا يمكن اختصارها بكلمات، تذهب شنايدر في الاتجاه نفسه ولكن بأدوات جازية معاصرة. لهذا تبدو موسيقاها، على رغم اختلاف اللغة الموسيقية، قادرة على إقامة جسر شعوري مع مستمعين من ثقافات متباعدة.
وفي قاعة مثل «لوتّه كونسرت هول»، حيث يلتقي التصميم الصوتي الدقيق مع أوركسترا كبيرة، ستكون هذه الأبعاد الفكرية والجمالية أكثر وضوحاً. فالحفل ليس مناسبة لاستعراض أسماء وألقاب، بل اختباراً حياً لقدرة الموسيقى على حمل معنى من دون خطاب مباشر، وعلى خلق تجربة تأملية في مدينة تُعرف عادة بإيقاعها السريع وحداثتها المتسارعة.
تعاونات عابرة للأنواع: من ستينغ إلى ديفيد بوي
قد يظن بعض القراء أن الحديث عن قائدة أوركسترا جاز يعني تلقائياً أننا أمام فنانة بعيدة عن التيارات الأوسع في الموسيقى العالمية. غير أن مسيرة ماريا شنايدر تكذب هذا الانطباع سريعاً. فقد تعاونت مع المغني البريطاني ستينغ، وشاركت في العمل على ألبوم ديفيد بوي الأخير «بلاك ستار»، وهو ألبوم اكتسب مكانة استثنائية في تاريخ الموسيقى المعاصرة لما حمله من حس تجريبي ووداعي في آن واحد.
هذه المحطات ليست مجرد إضافات إلى السيرة الذاتية، بل إشارات إلى طبيعة لغتها الموسيقية. فالفنانة القادرة على الحركة بين فضاء الجاز الأوركسترالي وفضاء البوب والروك الطليعي هي، في العادة، فنانة تمتلك مرونة فكرية وسمعية كبيرة. وهذا ما يمنح حفلها في سيول أهمية تتجاوز جمهور الجاز المتخصص. فمحبو التجارب المعاصرة، والمستمعون الذين يتابعون تداخل الأنواع الموسيقية، سيجدون في هذا الحدث مناسبة لمقاربة جانب آخر من المشهد العالمي.
في الإعلام العربي، كثيراً ما تُطرح أسئلة حول «تصنيف» الفنانين: هل هذا مطرب جماهيري أم فنان نخبوي؟ هل هذا عمل تجاري أم مشروع جمالي؟ حالة شنايدر تذكّرنا بأن هذا الفصل ليس دائماً حاسماً. فهناك فنانون يتحركون على التخوم، ويصنعون لأنفسهم مكاناً ثالثاً بين الحساسية الرفيعة والقدرة على مخاطبة العالم الأوسع. وربما هذا ما يفسر استمرار الاهتمام بها في دوائر متعددة، من قاعات الجاز إلى أرشيف الموسيقى الشعبية المعاصرة.
ولذلك، فإن استضافة هذا الاسم في سيول تندرج أيضاً في سياق بحث المدن الثقافية عن عروض تمتلك قيمة فنية ورمزية في الوقت نفسه. فالفنانون الذين يحملون سجلاً تعاونياً متنوعاً يمنحون أي منصة تستضيفهم بعداً إضافياً، لأنهم يجذبون أكثر من جمهور واحد، ويستدعون أكثر من سؤال فني واحد.
لماذا يحمل هذا الظهور الأول قيمة خاصة في كوريا الجنوبية؟
في لغة الأخبار الفنية الكورية، لعبارة «أول زيارة» أو «أول حفل في كوريا» وقع خاص. فهي لا تعني فقط أن الفنان لم يسبق له أن وقف أمام الجمهور الكوري، بل تعني أيضاً أن هناك اختباراً أولياً للعلاقة بين مشروعه الفني وبين ذائقة محلية لها خصوصيتها. وبالنسبة إلى ماريا شنايدر، يبدو هذا الاختبار مثيراً للاهتمام لأنها تصل بأحد أكثر أشكال الجاز تركيباً، لا بأبسطها أو أكثرها استهلاكاً.
الجمهور الكوري، الذي أظهر خلال السنوات الماضية انفتاحاً على أنماط فنية متعددة، سيواجه هنا تجربة تتطلب الإصغاء بقدر ما تكافئه. واللافت أن هذا الحفل يأتي في بلد صار يُقرأ عالمياً بوصفه مختبراً للثقافة الشعبية السريعة، بينما يقدّم في الوقت نفسه مناسبة من طراز مختلف تماماً: لا رقصات جماعية، ولا شاشات عملاقة، ولا سرديات نجومية تقليدية، بل جلوس في قاعة، وأوركسترا كبيرة، وموسيقى تتشكل في الزمن أمام المستمع.
هذه المفارقة نفسها هي ما يمنح الحدث قيمته الثقافية. فظهور شنايدر الأول في كوريا يكشف أن السوق الكورية لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على إنتاج الظواهر الجماهيرية، بل أيضاً بقدرتها على استضافة الأعمال التي تنتمي إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستماع العميق». وفي عالم عربي يراقب كوريا غالباً من شاشة الهاتف، قد يكون من المفيد التوقف عند هذه الصورة الأخرى: جمهور يدخل قاعة حفلات للاستماع إلى مؤلفة جاز تكتب للأوركسترا كما يكتب الروائي عالماً كاملاً.
لهذا، فإن أهمية الحفل لا تكمن في الحدث نفسه فقط، بل في دلالته الأوسع. إنه يرسل إشارة إلى أن سيول ما زالت توسع خريطتها الثقافية، وأن كوريا التي أبهرت العالم بقوتها الترفيهية لا تتخلى في الوقت نفسه عن دورها كمدينة تستقبل التجارب الموسيقية العميقة والمعقدة.
ما الذي يمكن أن يتعلمه المتابع العربي من هذا الحدث؟
بعيداً عن الخبر بوصفه معلومة تخص مدينة بعيدة، يحمل هذا الحدث أكثر من درس ثقافي يمكن للقارئ العربي التقاطه. أول هذه الدروس أن الحيوية الثقافية الحقيقية لا تتأسس على نوع واحد مهما كان ناجحاً. كوريا الجنوبية، برغم اكتساح الكيبوب، لا تكتفي بما يحقق أعلى نسب مشاهدة، بل تفسح المجال أيضاً للفنون التي تحتاج إلى بنية مؤسسية وجمهور متدرج التكوين. وثانيها أن الاستثمار في القاعات، والمؤسسات المنظمة، والتعليم الموسيقي، يصنع فرقاً على المدى الطويل في نوعية ما يُعرض وما يُستقبل.
أما الدرس الثالث، فهو أن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، بل القدرة على استضافة تجاربه الكبرى وإدخالها في سياق محلي حي. وهذا بالضبط ما تفعله سيول حين تستقبل ماريا شنايدر: لا تتخلى عن هويتها الثقافية، بل توسعها. وهذه مسألة تهم العواصم العربية التي تسعى إلى تعزيز حضورها الثقافي العالمي. فالمشهد المزدهر ليس فقط ذلك الذي يصدّر نجومه، بل أيضاً الذي يعرف كيف يستقبل فنانين من مستويات مختلفة، ويمنح جمهوره حق التعرف إلى خرائط جمالية غير مألوفة.
وفي النهاية، فإن أول حفل لماريا شنايدر في كوريا الجنوبية يبدو أكبر من كونه خبراً فنياً عابراً. إنه مناسبة لإعادة النظر في صورة كوريا نفسها، وفي معنى أن تكون مدينة مثل سيول ملتقى لتيارات موسيقية متباينة، من الثقافة الجماهيرية إلى أكثر أشكال التأليف الجازي تعقيداً. وبينما يترقب الجمهور الكوري هذه الأمسية بوصفها لقاءً نادراً مع واحدة من أهم صانعات الصوت الأوركسترالي في عصرنا، يمكن للقارئ العربي أن يراها أيضاً مثالاً على كيف تُبنى المكانة الثقافية الحقيقية: بالتنوع، وبحسن الاختيار، وبالإيمان بأن الجمهور يستحق دائماً ما هو أبعد من السهل والمألوف.
وعندما تُطفأ أضواء القاعة في سيول مساء الحادي والثلاثين من الشهر المقبل، وتبدأ آلات الأوركسترا التسع عشرة في رسم المشهد الأول، سيكون الحدث، في جوهره، أكثر من عرض موسيقي. سيكون إعلاناً جديداً عن مدينة تعرف كيف تُنصت، وعن فنانة جعلت من الجاز فناً للسرد والتخيّل، وعن عالم ثقافي تتقاطع فيه المسارات من غير أن تفقد أي منها خصوصيتها. وهذا، في ذاته، خبر يستحق أن يُروى عربياً لا بوصفه ترجمة لما جرى في كوريا، بل بوصفه نافذة على معنى الثقافة حين تتجاوز الحدود والأنماط الجاهزة.
0 تعليقات