
بوسان تغيّر عمدتها… لكن السؤال الأكبر هو مصير الرؤية
في المدن الكبرى، لا يكون خبر رحيل رئيس البلدية مجرد تبدّل إداري عابر، بل لحظة سياسية تكشف أين وصلت المدينة، وإلى أين يمكن أن تتجه بعد ذلك. هذا ما ينطبق بوضوح على بوسان، ثاني أكبر مدن كوريا الجنوبية، بعدما أقام رئيس بلديتها بارك هيونغ-جون، يوم 26 من الشهر الجاري، مراسم وداع رسمية أنهى بها خمس سنوات من إدارة المدينة، رغم أن نهاية ولايته الفعلية كانت مقررة في الثلاثين من الشهر نفسه. القرار بدا إجرائياً في ظاهره، لكنه حمل دلالة سياسية وإدارية لافتة: الرجل اختار المغادرة المبكرة لإتاحة المجال أمام تجهيز مكتب خلفه المنتخب جيون جي-سو، في مشهد يعكس تقاليد الانتقال المنظم للسلطة المحلية في كوريا الجنوبية.
وبحسب المعطيات المتداولة في الإعلام الكوري، فإن بارك، الذي أخفق في محاولة الترشح لولاية ثالثة في انتخابات الحكم المحلي التي جرت في الثالث من يونيو، غادر منصبه بعدما ارتبط اسمه خلال السنوات الخمس الماضية بعدة عناوين كبيرة: «مدينة الـ15 دقيقة»، ومشروع مطار غاديك الجديد، وشعار تحويل بوسان إلى «مدينة عالمية الطراز». غير أن الأهمية الحقيقية لهذا الرحيل لا تكمن في مراسم الوداع نفسها، بل في الأسئلة التي تركها خلفه: هل نجح الرجل في نقل بوسان من مدينة ميناء وسياحة إلى مدينة ذات رؤية حضرية متكاملة؟ وهل ستبقى مشروعاته جزءاً من السياسات العامة، أم تصبح شعارات مرتبطة بعهده فقط؟
بالنسبة للقارئ العربي، قد تبدو هذه التفاصيل شديدة المحلية للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تلامس قضايا مألوفة في مدننا من الدار البيضاء إلى جدة، ومن دبي إلى الإسكندرية: كيف تجعل مدينة ساحلية كبيرة التنمية اليومية أكثر عدلاً وفاعلية؟ كيف توازن بين المشاريع الضخمة التي تعطيها صورة دولية، وبين الخدمات الصغيرة التي يشعر بها المواطن في الحي والشارع والمواصلات والمدرسة؟ وكيف تمنع هجرة الشباب إلى العاصمة أو إلى الخارج؟ لهذا فإن قراءة ما جرى في بوسان ليست متابعة لخبر كوري فحسب، بل نافذة على نقاش حضري وسياسي يتردد صداه في العالم العربي أيضاً.
بوسان ليست مدينة عادية في المشهد الكوري. فهي الميناء الأهم في البلاد، وواجهة بحرية وسياحية معروفة، ومدينة ترتبط في الذاكرة العالمية بمهرجان بوسان السينمائي الدولي، وبشاطئ هايونداي، وبالصورة الديناميكية لكوريا الحديثة. لكنها، في الداخل الكوري، مدينة تواجه تحديات ثقيلة: منافسة العاصمة سيول، الحاجة إلى تجديد أحيائها القديمة، تطوير البنية التحتية للنقل، وتحسين شروط بقاء الشباب فيها بدل انتقالهم إلى المركز السياسي والاقتصادي في البلاد. ومن هنا، فإن نهاية ولاية بارك تكتسب معنى يتجاوز تغيير الأسماء إلى إعادة تقييم النموذج الذي حكم هذه المدينة خلال نصف عقد.
لماذا كان الخروج المبكر لبارك لافتاً في السياسة المحلية الكورية؟
في الأنظمة المحلية الحديثة، كثيراً ما يمر انتقال السلطة بهدوء، لكن توقيت هذا الانتقال وطريقته قد يكشفان الكثير. بارك هيونغ-جون لم ينتظر اليوم الأخير من ولايته، بل قرر إقامة حفل الوداع في وقت مبكر، مراعاةً لتحضيرات خلفه. هذه اللفتة ليست تفصيلاً بروتوكولياً فقط، بل تقدم صورة عن الثقافة الإدارية في كوريا الجنوبية، حيث تحظى استمرارية المؤسسة بأهمية لا تقل عن الحضور الشخصي للسياسي. في العالم العربي، كثيراً ما ترتبط مغادرة المسؤولين بخطاب الوداع أو الحساب السياسي أو الجدل الإعلامي، أما في التجربة الكورية فغالباً ما يُنظر أيضاً إلى كفاءة التسليم والتسلم بوصفها معياراً من معايير الحوكمة.
هذا لا يعني أن المشهد خالٍ من الصراع السياسي. فبارك يخرج من موقعه بعد خسارة محاولة الاستمرار لولاية ثالثة، وهو أمر يضع تجربته تحت مجهر التقييم. غير أن اللافت أن لحظة الوداع في بوسان لم تُقدَّم على أنها نهاية شخصية لمسار سياسي فحسب، بل باعتبارها نهاية فصل من فصول رؤية المدينة. ولهذا السبب بدا الحدث أكبر من مغادرة رئيس بلدية لمكتبه. إنه انتقال بين سرديتين محتملتين: سردية مدينة تريد أن تكون أكثر قرباً من سكانها في حياتهم اليومية، وسردية مدينة تريد أن ترفع مكانتها الإقليمية والدولية عبر المشاريع الكبرى وشعارات التنافس العالمي.
هنا تظهر خصوصية الحكم المحلي في كوريا الجنوبية. فالعمدة، أو رئيس البلدية، ليس موظفاً إدارياً محدود التأثير، بل شخصية سياسية تقود ملفات تمس السكن والنقل والخدمات والثقافة والاستثمار والتخطيط الحضري. ولذلك، فإن تبدل العمدة في بوسان يشبه إلى حد ما تغيير قائد مشروع مدينة كاملة، لا مجرد استبدال مسؤول في جهاز بيروقراطي. ومن هذا المنظور، فإن السؤال الذي سيشغل الأوساط الكورية في المرحلة المقبلة ليس فقط ما الذي أنجزه بارك، بل أي عناصر من إرثه ستنجو وتتحول إلى سياسة مستمرة.
وتجدر الإشارة إلى أن بوسان، بوصفها ثاني أكبر مدن البلاد، لا تُقرأ في كوريا كمدينة محلية فقط، بل كوزن سياسي واقتصادي ورمزي. أي تحوّل فيها يُتابع على أنه مؤشر على اتجاهات أوسع في الإدارة الحضرية الكورية: كيف تُدار المدن خارج سيول؟ كيف تعيد المدن الساحلية تعريف نفسها في عصر الاقتصاد الرقمي والمنافسة اللوجستية؟ وكيف يمكن لمنصب العمدة أن يصوغ خطاباً يجمع بين الحياة اليومية للمواطنين وبين طموحات الدولة في الحضور الدولي؟
«مدينة الـ15 دقيقة»… مفهوم كوري بلغة عالمية
من بين أكثر الشعارات التي التصقت بولاية بارك كان مفهوم «مدينة الـ15 دقيقة». ولأن هذا التعبير قد لا يكون متداولاً على نطاق واسع لدى الجمهور العربي، فمن المفيد تبسيطه: الفكرة تقوم على أن تكون الخدمات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية — مثل المواصلات، والرعاية، والتعليم، والخدمات العامة، والتسوق، والترفيه — متاحة ضمن نطاق قريب يمكن بلوغه في نحو 15 دقيقة سيراً أو باستخدام وسائل تنقل بسيطة. باختصار، هي رؤية حضرية تحاول تقليل اعتماد السكان على التنقل الطويل والمرهق، وتعيد الاعتبار للحي السكني بوصفه مركزاً للحياة لا مجرد مكان للنوم.
في بوسان، لهذا المفهوم دلالة خاصة. فالمدينة ليست سهلية ومنبسطة على نحو كامل، بل تتداخل فيها الجبال مع البحر، والأحياء القديمة مع المناطق الجديدة، والمناطق السياحية مع الأحياء السكنية. ولذلك، فإن إعادة تنظيم الحياة اليومية داخل المدينة ليست مسألة هندسية فحسب، بل مسألة عدالة مكانية أيضاً. من يسكن قرب الساحل أو في الأحياء المزدهرة لا يعيش تجربة المدينة نفسها التي يعيشها من يقيم في مناطق أبعد أو أقل حظاً في الخدمات. ومن هنا جاء طرح بارك لهذا المفهوم كأنه يقول: لا يكفي أن تُعرف بوسان عالمياً بشاطئها ومينائها، بل ينبغي أن تكون صالحة للعيش اليومي لسكانها.
هذا النقاش مألوف جداً في مدن عربية كثيرة. فكم من مدينة عربية تمتلك واجهة بحرية جميلة أو مشروعاً عقارياً ضخماً، لكن سكانها يضيعون ساعات في الازدحام للوصول إلى العمل أو المدرسة أو المستشفى؟ وكم من مدينة تُسوّق نفسها سياحياً فيما يشعر المقيمون فيها أن الخدمات موزعة بشكل غير عادل؟ لهذا، فإن «مدينة الـ15 دقيقة» في السياق الكوري ليست شعاراً رومانسياً، بل محاولة لترجمة سؤال العدالة الحضرية إلى سياسات عملية.
لكن التحدي هنا أن هذا النوع من المشاريع لا يُقاس بالشعارات، بل بمدى تحوله إلى مؤسسات وخطط وتوزيع موارد. هل تغيّرت شبكات النقل فعلاً؟ هل تحسّن الوصول إلى الخدمات العامة؟ هل أصبح الحي السكني أكثر قدرة على تلبية احتياجات الأسرة والشاب وكبار السن؟ هذه الأسئلة ما زالت مطروحة بقوة مع خروج بارك من المشهد. فنجاح مثل هذا المفهوم يحتاج إلى زمن أطول من دورة انتخابية، ويحتاج أيضاً إلى توافق سياسي وإداري يستمر بعد رحيل صاحبه. ولهذا يمكن القول إن أكبر اختبار لإرث بارك لن يكون في خطابات الوداع، بل في قدرة الإدارة الجديدة على إبقاء فكرة «المدينة القريبة من ناسها» حية ومؤثرة.
كما أن هذه الفكرة تكشف تحوّلاً أعمق في طريقة تفكير المدن الكورية. فبعد عقود من التركيز على النمو السريع والبنية التحتية الكبرى، صارت نوعية الحياة اليومية نفسها موضوعاً مركزياً في التنافس بين المدن. وهذا تطور مهم لأن المدينة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الأبراج أو حجم الناتج، بل أيضاً بسهولة العيش فيها، وهو معيار يزداد أهمية لدى الشباب والعائلات. ومن هنا جاءت رمزية هذا الشعار في تجربة بارك.
مطار غاديك الجديد… بوابة لوجستية أم حلم سياسي طويل الأجل؟
إذا كانت «مدينة الـ15 دقيقة» تمثل وجه بوسان الداخلي، فإن مشروع مطار غاديك الجديد يمثل وجهها الخارجي. هذا المشروع كان من أبرز الملفات في عهد بارك، ليس فقط لأنه يتعلق ببناء مطار، بل لأنه يحمل طموحاً لإعادة تعريف موقع بوسان في الخريطة الإقليمية لشمال شرق آسيا. في مدن الموانئ، المطار ليس منشأة نقل فحسب؛ إنه إعلان عن الدور الذي تريد المدينة أن تلعبه في الاقتصاد والسياحة وسلاسل الإمداد والتبادل البشري.
بالنسبة للقارئ العربي، يمكن فهم رمزية هذا المشروع إذا فكرنا في مدن مثل دبي أو الدوحة أو إسطنبول أو حتى الدار البيضاء، حيث لم يعد المطار مجرد مدخل للمسافرين، بل جزءاً من هوية المدينة وموقعها في الشبكة العالمية. بوسان، التي عُرفت تقليدياً بمينائها الكبير وبحضورها البحري، تريد من خلال مطار غاديك أن تكتمل بوصفها عقدة اتصال متعددة الوسائط: بحر وجو وصناعة وسياحة وثقافة. ومن هنا، فإن الدفاع عن المشروع في عهد بارك كان بمثابة دفاع عن تصور أوسع لمستقبل المدينة.
لكن مثل هذه المشاريع الكبرى لا تخلو من الجدل. فهي تحتاج تمويلاً ضخماً، وتواجه أسئلة عن الجدوى الاقتصادية، والبيئة، وأولويات الإنفاق العام. في كثير من الأحيان، تنجح هذه المشاريع في صناعة الأمل والهوية السياسية أكثر مما تنجح سريعاً في تغيير الواقع. وهذا ليس حكراً على كوريا الجنوبية؛ فالعالم العربي نفسه عرف نماذج لمشاريع كبرى حملت وعوداً بتحويل المدن إلى مراكز إقليمية أو عالمية، بينما ظل الحكم النهائي عليها مرهوناً بقدرتها على خدمة الناس فعلاً.
في حالة بوسان، يبدو أن مطار غاديك أصبح اسماً مختصراً لفكرة أوسع: هل تستطيع المدينة أن تنافس في مستوى أعلى، أم ستظل في ظل سيول؟ هذا السؤال يفسر لماذا يحمل المشروع بعداً عاطفياً وسياسياً يتجاوز الحسابات الفنية. فبوسان مدينة كبيرة، لكنها تعيش دائماً تحت ثقل المركزية التي تميل لصالح العاصمة. لذلك، فإن أي بنية تحتية كبرى تَعِدُ بتوسيع اتصالها بالعالم تُقرأ داخلياً بوصفها محاولة لإعادة توزيع الثقل داخل البلاد نفسها.
ومع رحيل بارك، يبقى هذا الملف من أكثر الملفات التي ستختبر استمرارية السياسات. لأن المشروع، إذا استمر بقوة، سيُحسب ضمن إرثه السياسي حتى بعد مغادرته. أما إذا تباطأ أو أعيدت صياغته، فسيكون مثالاً جديداً على هشاشة المشاريع المرتبطة بشخص القائد لا بترسيخها المؤسسي. وفي الحالتين، فإن بوسان ستبقى مضطرة إلى حسم موقعها بين مدينة ساحلية كبرى داخل كوريا، ومدينة بوابة تبحث عن دور أوسع في آسيا والعالم.
الشباب، الأصول، و«بطاقة المواطن»… كيف حاولت بوسان منع نزيف الهجرة إلى سيول؟
من أكثر الجوانب التي تستحق الانتباه في تجربة بارك تلك المقترحات التي استهدفت الشباب والمقيمين بصورة مباشرة، ومنها مشروع تكوين أصول مالية للشباب بقيمة تصل إلى مئة مليون وون، إضافة إلى ما عُرف بـ«أفضل بطاقة للمواطن» أو «الممرّ المميز للمواطن»، وهو تصور يهدف إلى توسيع استفادة السكان من الخدمات والمرافق العامة. قد تبدو هذه الأفكار انتخابية بطبيعتها، لكنها تعكس أزمة بنيوية تعيشها المدن الكورية خارج سيول: كيف تحتفظ بالشباب؟
في كوريا الجنوبية، كما في عدد من البلدان العربية، تعاني المدن الكبرى خارج العاصمة من ظاهرة جذب المركز لكل شيء: الوظائف الأفضل، الجامعات الأكثر سمعة، الشركات الكبرى، والفرص الثقافية الأوسع. بوسان مدينة حيوية وذات جاذبية سياحية عالية، لكن هذا لا يكفي وحده لإقناع الشاب بأن يبني مستقبله فيها. فالشاب حين يختار أين يعيش، لا ينظر إلى البحر فقط، بل إلى الراتب، والسكن، والنقل، وفرصة تكوين مدخرات، وإمكانية تأسيس أسرة، ونوعية الحياة الثقافية واليومية.
من هنا، فإن فكرة دعم تكوين الأصول للشباب ليست رفاهية ولا مجرد هدية انتخابية في الخطاب الكوري، بل محاولة لمواجهة إحساس متزايد لدى الجيل الجديد بأن الاستقرار المادي صار أصعب من السابق. هذا الهمّ يذكّر القارئ العربي بنقاشاتنا حول غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار السكن، وصعوبة الادخار، وتأخر الاستقلال الاقتصادي للشباب. في الحالتين، المسألة لا تتعلق فقط بالاقتصاد الكلي، بل أيضاً بقدرة المدينة نفسها على أن تكون مكاناً يمكن العيش فيه لا مجرد مكان يُزار.
أما فكرة «بطاقة المواطن» فتندرج في منطق مختلف لكنه مكمّل: تحسين تجربة العيش داخل المدينة من خلال مزايا وخدمات ملموسة. قد تشمل هذه التصورات تسهيلات في النقل، أو الاستفادة من مرافق عامة، أو ربطاً أكثر سلاسة بالخدمات البلدية والثقافية والاجتماعية. وهذه بدورها تعكس فهماً متقدماً للتنافس بين المدن: السمعة الدولية مهمة، نعم، لكن الإحساس اليومي لدى المواطن بأنه يستفيد فعلاً من مدينته هو ما يصنع الولاء والاستقرار على المدى الطويل.
غير أن المشكلة التي تواجه هذه الطروحات هي أنها بقيت، إلى حد كبير، غير مكتملة بعد خسارة بارك رهانه على ولاية ثالثة. وهنا يعود السؤال المركزي: هل كانت هذه البرامج نواة لسياسة مستدامة، أم جزءاً من عرض انتخابي لم يكتب له أن يُستكمل؟ بالنسبة إلى بوسان، ستكون الإجابة مؤثرة جداً، لأنها تمس قدرة المدينة على كبح نزيف الكفاءات الشابة. وبالنسبة إلى المتابع العربي، فإن الدرس أوضح: المدن لم تعد تتنافس فقط على جذب الاستثمارات، بل على الاحتفاظ بأبنائها أنفسهم.
خيبة «إكسبو 2030»… حين لا تتحول الرؤية الدولية إلى فوز
من بين الملفات التي ظلّت حاضرة في التقييم السياسي لبارك أيضاً إخفاق بوسان في الفوز باستضافة معرض «إكسبو 2030». في الثقافة السياسية والاقتصادية المعاصرة، لا يُنظر إلى مثل هذه الفعاليات على أنها مناسبات احتفالية فحسب، بل بوصفها أدوات لإعادة تقديم المدينة إلى العالم، وصناعة سردية جديدة عنها، وجذب استثمارات واهتمام دولي طويل المدى. ولهذا لم يكن فشل الملف مجرد خسارة تنظيمية، بل خيبة مرتبطة بطموح بوسان إلى ترسيخ اسمها كمدينة عالمية تتجاوز هويتها التقليدية كميناء ومقصد سياحي.
هذا الشعور مفهوم تماماً إذا استحضرنا ما تمثله المعارض الكبرى أو الأحداث الرياضية والثقافية الدولية للمدن. فكم من مدينة عربية سعت إلى استضافة حدث عالمي كي تقول إنها صارت لاعباً دولياً لا مجرد نقطة على الخريطة؟ في هذا المعنى، كانت بوسان تحاول عبر ملف «إكسبو» أن تعيد تركيب صورتها: مدينة بحرية نعم، لكن أيضاً مدينة قادرة على تنظيم حدث كوني يعرض رؤيتها للتنمية والابتكار والانفتاح.
ومع ذلك، فإن الإخفاق لا يعني أن الجهد ذهب كله هباءً. فمثل هذه الحملات تترك عادة آثاراً غير مباشرة: رفع اسم المدينة في التداول الدولي، دفع المؤسسات المحلية إلى التعاون، بلورة خطاب تنموي موحد، وبناء شبكات علاقات قد تُستخدم لاحقاً في مجالات أخرى. وربما لهذا السبب يكتسب الحديث عن إخفاق «إكسبو 2030» طابعاً مركباً في بوسان: خيبة من عدم الفوز، لكن أيضاً إدراك بأن مجرد خوض المعركة أعاد تعريف طموح المدينة أمام نفسها وأمام الآخرين.
في عهد بارك، ارتبط هذا الملف بفكرة «المدينة العالمية الطراز». وهو تعبير كوري سياسي وإعلامي يحمل دلالات تتجاوز الفخامة أو المظهر. المقصود به عادة مدينة تتمتع بخدمات عامة متقدمة، واتصال دولي قوي، وفرص اقتصادية وثقافية واسعة، وصورة ذهنية إيجابية لدى المستثمرين والزوار والمقيمين. غير أن الوصول إلى هذه المرتبة لا يتحقق بالخطابات وحدها، ولا حتى بالمشاريع العملاقة وحدها، بل بقدرة متراكمة على وصل الرؤية الكبرى بالسياسات الصغيرة. ربما هذا هو التحدي الذي جعل بعض طموحات بارك تبدو قوية في الشعار، لكنها ما زالت بحاجة إلى ترسيخ أعمق في الواقع.
ماذا تعلّمنا بوسان عن إدارة المدن الكبرى في شرق آسيا؟
من السهل اختزال خبر وداع عمدة بوسان في سطور قليلة عن نهاية ولاية وخسارة انتخابية، لكن النظرة الأوسع تكشف أن القصة أبعد من ذلك. فخلال خمس سنوات، حاول بارك هيونغ-جون أن يمنح المدينة رواية جديدة عن نفسها: مدينة لا تريد أن تعيش فقط على شهرة مينائها وشواطئها ومهرجانها السينمائي، بل تريد أن تصبح أكثر قرباً من سكانها، وأكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر قدرة على الاحتفاظ بشبابها. هذه الرواية لم تكتمل، لكنها لم تختفِ أيضاً.
الدرس الأبرز هنا أن المدن الكبرى في آسيا، تماماً كما في العالم العربي، تدخل الآن مرحلة جديدة من التنافس. لم يعد يكفي أن تقول المدينة إنها مركز اقتصادي أو مقصد سياحي. صار عليها أن تُثبت أنها صالحة للحياة اليومية، وعادلة في توزيع خدماتها، وقادرة على تقديم أفق للشباب، ومرنة في انتقال السلطة بين إداراتها. وفي هذا الإطار، تبدو بوسان حالة شديدة الدلالة: مدينة ذات صورة لامعة من الخارج، لكنها تخوض من الداخل معركة معقدة حول النقل والحي السكني والفرص والهوية والمكانة.
كما تكشف التجربة الكورية أن الحكم المحلي لم يعد ملفاً هامشياً. رئيس البلدية هناك يمكن أن يحمل مشروعاً حضرياً متكاملاً، وأن يربط بين التخطيط والخدمات والتنافس الدولي. لكن التجربة تكشف أيضاً هشاشة الرؤى إذا لم تتحول إلى مؤسسات تتجاوز صاحبها. فها هو بارك يغادر قبل أيام من انتهاء ولايته، تاركاً خلفه أسئلة أكثر من الإجابات: هل ستستمر بوسان في طريق «مدينة الـ15 دقيقة»؟ هل سيحافظ مطار غاديك على زخمه؟ هل ستبقى سياسات الشباب في قلب الأولويات؟ وهل تستطيع الإدارة الجديدة أن تبني على ما سبق بدل أن تبدأ من الصفر؟
بالنسبة إلى القراء العرب المتابعين لكوريا الجنوبية، فهذه القصة تستحق الاهتمام لأنها تفتح نافذة على وجه آخر من «الموجة الكورية». فليست كوريا فقط دراما و«كي-بوب» وأفلاماً ومسلسلات وتقنيات استهلاكية؛ إنها أيضاً مختبر متقدم لأسئلة المدينة الحديثة، واللامركزية، وتنافس الأقاليم، وصراع الأجيال على فرص العيش. وإذا كانت سيول غالباً ما تسرق الأضواء بوصفها العاصمة المتلألئة، فإن ما يجري في بوسان يذكّرنا بأن قصة كوريا الحقيقية تُكتب أيضاً في مدنها الأخرى، حيث تتقاطع أحلام التنمية مع حسابات السياسة، وتتشكل ملامح المستقبل في البلدية بقدر ما تتشكل في القصر الرئاسي.
في النهاية، ربما لا يمكن القول إن بارك هيونغ-جون سلّم بوسان مشروعاً ناجزاً بقدر ما سلّمها مفترق طرق. وهذا بحد ذاته ليس أمراً بسيطاً. فالمدن الكبرى لا تتغير دفعة واحدة، بل عبر تراكم الرؤى والصدامات والاختبارات. وما جرى في 26 من الشهر الجاري داخل قاعة بلدية بوسان لم يكن مجرد وداع موظفين لرئيسهم، بل كان، في جوهره، لحظة تأمل في معنى أن تبحث مدينة عن نفسها بين البحر والاقتصاد والسياسة وأحلام الشباب. ومن هنا تأتي أهمية الحدث: لأن قصة عمدة يغادر مكتبه قد تتحول، إذا قُرئت جيداً، إلى قصة مدينة تبحث عن شكلها المقبل.
0 تعليقات